أطفال اليمن.. الفرار من الفقر إلى التهريب
::cck::2871::/cck::
::introtext::
يستطيع المتابع لشأن الطفولة في اليمن الجزم بأن شيئاً لم يستجد في ما يتعلق بالمعالجة الفعلية لضحايا التهريب من الأطفال وأسرهم، فما عدا إقامة مركز إيواء مؤقت في منفذ (حرض) الحدودي اليمني وآخر في مدينة حجة عاصمة المحافظة التي يتبعها المنفذ الشمالي الغربي لليمن ليس ثمة شيء سوى بعض الدورات التدريبية والتوعوية.
::/introtext::
::fulltext::
يستطيع المتابع لشأن الطفولة في اليمن الجزم بأن شيئاً لم يستجد في ما يتعلق بالمعالجة الفعلية لضحايا التهريب من الأطفال وأسرهم، فما عدا إقامة مركز إيواء مؤقت في منفذ (حرض) الحدودي اليمني وآخر في مدينة حجة عاصمة المحافظة التي يتبعها المنفذ الشمالي الغربي لليمن ليس ثمة شيء سوى بعض الدورات التدريبية والتوعوية.
مع أهمية كل ما سبق إلا أن النصائح الثمينة لا تنفع الغرقى، فالدوافع الحقيقية التي تقف وراء المشكلة لا تزال بعيدة عن ملامستها بشكل حقيقي من قبل الجهات المختصة داخل اليمن وتتلخص أهم أسباب تهريب الأطفال اليمنيين إلى السعودية وبعض دول الخليج العربية في الفقر، وانعدام فرص العمل للآباء، وازدياد معدلات البطالة، وتدني مستوى الأجور، وظروف السكن السيئة مع ازدحامها، وانعدام البُنى التحتية، وتردي الخدمات العامة كالرعاية الصحية، والنقل، والاتصالات، والافتقار للماء والكهرباء، وتدني مستوى التعليم، إضافة إلى العنف داخل العائلة، والتفكك الأسري.
لقد أسهمت التناولات الإعلامية لظاهرة تهريب الأطفال خلال السنوات الخمس الأخيرة في لفت الأنظار إليها بشكل جيد وتحويلها إلى قضية رأي عام استرعت انتباه المؤسسات الحكومية اليمنية ومنظمات حقوق الإنسان المحلية والإقليمية والدولية بعد أن ظلت شأناً اجتماعياً يمنياً يحضر الاقتراب منه، ويتم التكتم عليه من قبل السلطات الرسمية خوفاً من العار غير أنها اضطرت إلى الاعتراف بها رسمياً.
اعتراف متأخر
رغم اعتراف الحكومة بالظاهرة إلا أن هناك جدلاً لا يزال قائماً حول تصنيف ظاهرة تهريب وعمالة الأطفال اليمنيين في دول الجوار وتحديداً المملكة العربية السعودية، إذ لا يزال كثير من مسؤولي الأمن وحرس الحدود يصرون على وصفها بالهجرة غير الشرعية، في حين تؤكد العديد من التقارير الميدانية لصحفيين وناشطين حقوقيين وحتى جهات رسمية يمنية ومنظمات أهلية محلية ودولية أن عشرات الآلاف من الأطفال اليمنيين يتعرضون سنوياً لعمليات تهريب من اليمن بطرق غير مشروعة إلى دول الجوار وعلى رأسها السعودية ويكمن سبب الخلاف حول توصيف الظاهرة وما إذا كانت هجرة غير مشروعة أو تهريباً بالمعنى الحرفي في أن غالبية من يتم تهريبهم إلى الأراضي السعودية يكونون برفقة أقارب لهم (آباء أو إخوان أو أعمام أو أخوال) أو برضاء أسرهم تصل نسبتهم إلى أكثر من 81.8 في المائة، في حين بلغت نسبة الأطفال الذين يتم تهريبهم دون رغبتهم نحو 59.3 في المائة.
حرب صامتة
تؤكد العديد من المصادر ومن بينها سكان المناطق الحدودية أن الهجرة غير المشروعة ليست جديدة وأن من بين المهاجرين أطفالاً، وتفيد تلك المصادر بأن عمر الهجرات غير الشرعية يمتد بعمر الترابط الجغرافي والاجتماعي بين البلدين والنهضة الاقتصادية التي شهدتها المملكة خلال العقود الماضية، بيد أن تهريب الأطفال ازداد بشكل لافت خلال العقد الأخير من القرن الماضي، وكان لحرب الخليج الثانية وانعكاساتها أهم الأثر في ازدياد الظاهرة وتحولها إلى أشبه بحرب صامتة تستنزف الكثير من الطاقات والموارد، فعندما وجد أكثر من مليون مواطن يمني أنفسهم بين فكي بطالة وفقر لا يرحمان عقب قيام السلطات السعودية بتسفيرهم بصورة مفاجئة إلى اليمن عام 1990م. ولقد تسبب ذلك الإجراء في خلق أزمات اقتصادية لليمن عموماً نتجت عنها بطالة تعدت حسب آخر الإحصائيات الـ 48 في المائة وفقر كبير جعل الأغلبية الساحقة من أولئك المغتربين العائدين إلى اليمن يعودون أدراجهم حتى قبل أن تهدأ العاصفة.
الاتجار بالبشر وتهريب الأطفال
يعد مصطلح الاتجار بالبشر أخطر توصيف للظاهرة والذي أطلقته وزارة الخارجية الأمريكية في تقريرها للعامين (2005 و2006) وصندوق الأمم المتحدة للأمومة والطفولة (اليونيسيف) في تقريره للعام 2004م داعية الحكومة اليمنية إلى وضع حد لها، إلا أنه والحق يقال فإن الأمور لم تصل إلى ما يمكن فهمه على نحو ما فهمته كلتا الجهتين، فالأمور ليست أكثر من محاولة بعض الأسر الخروج من أزماتها المادية الخانقة وحالات الفقر والبطالة الكبيرة في ظل ارتفاع كبير في معدلات الإنجاب وما يتبعها من ارتفاع حجم الأسر التي يتراوح أعداد كثير منها ما بين العشرة إلى اثني عشر فرداً.
ومع ذلك نجد أنه لا تتوفر المتطلبات الضرورية للحياة في حدودها الدنيا، فمرتبات الضمان الاجتماعي لا تغطي سوى 20 في المائة من المستحقين بواقع 10 دولارات شهرياً لرب الأسرة أو الأم إذا كان معاقاً أو مسناً ويدفع المبلغ كل ثلاثة أشهر، أما الحديث عن التأمين الصحي والتعليمي فيعد ترفاً فكرياً لا يجب الخوض فيه.
ورغم أن التعليم مجاني وإلزامي في الدستور اليمني إلا أن الواقع غير ذلك، فباستثناء إعفاء الفتيات حتى الصف الخامس والتلاميذ الذكور حتى الصف الثالث الابتدائي من الرسوم الدراسية ابتداءً من العام الجاري فإن الأسرة ملزمة بتحمل نفقات أبنائها من الجنسين ومستلزمات الأنشطة المدرسية.الاستغلال الجنسي
من خلال النزول الميداني ومعايشة الحدث تأكدنا أن هناك عصابات تقوم بتهريب الأطفال ثم تشغيلهم في مهن متعددة مثل الزراعة والرعي والتسول وبيع بعض الأغراض البسيطة كغطاء للتسول في الأماكن العامة في المدن السعودية، كما يتم استخدام من هم في سن تزيد على 10 سنوات في سرقة المحافظات والهواتف النقالة، كما يتعرض الأطفال خلال وبعد تهريبهم لعمليات استغلال أخرى أخطرها الاستغلال الجنسي الذي اعترف أكثر من طفل خلال مقابلات أجريناها معهم في منفذ حرض الحدودي بتعرضهم أو رفقاء لهم للتحرش الجنسي وممارسة اللواط معهم من قبل المهربين أو من بعض أصحاب العمل الذين يقبلون تشغيلهم أو من قبل زملاء المعاناة والألم المشترك أثناء النوم في المساكن السرية التي يوفرها لهم أرباب العمل وقال الأطفال إنهم يتعرضون لكل ذلك تحت طائلة التعذيب والتهديد.
وقد أكد مسؤول في الداخلية اليمنية أنه حصل على معلومات مشابهة أثناء قيامه بتنفيذ دراسة ميدانية على الظاهرة، وقال المسؤول الذي رفض كشف هويته إنه سجل اعترافين لحدثين بتعرض زميل لهما لممارسة الجنس معه من قبل عدة أشخاص كلهم راشدون.
الشيفرات السرية
تركز عصابات تهريب الأطفال للتسول تحديداً على الأطفال الأذكياء وذوي العاهات والاحتياجات الخاصة لاستدرار عطف المحسنين، ويقوم المستفيدون من الوضع بتهيئة أماكن خاصة للسكن، كما يتم العمل عبر مشرفين عن بعد بمراقبة الأطفال. وقالت مصادر عليمة في مديرية أفلح الشام بمحافظة حجة إن تلك العصابات طورت من آلياتها بحيث أصبحت لها مصطلحات خاصة أشبه بالشيفرات والرموز التي تستخدمها أجهزة الأمن والمخابرات السرية.
وتتكفل تلك العصابات – إضافة إلى توفير المأكل والمشرب والمسكن للطفل- بدفع مبلغ مالي لأسرة الطفل يتراوح بحسب مصادر عليمة ما بين (1000) و (1500) ريال سعودي بحسب إعاقة الطفل وقدرته على الكسب.
وتعتمد عصابات تهريب الأطفال على سماسرة يقومون بالبحث عن الحالات القابلة للتهريب ومن ثم التفاوض مع ذويها، وقد يلجأ السماسرة إلى الاحتيال على الأسر التي ترفض الموافقة على تهريب أطفالها، حيث يتم الدخول عليها من باب العمل الخيري كالتبرع بمنحة علاجية مجانية مثلما حصل مع أسرة (أمل عامر10سنوات) من مدينة حجة و(محمد الخميسي 11عاماً من مديرية خيران المحرق واللذين تعرضا لعمليتي احتيال منفصلتين كلفتا الأسرتين ثمانية أشهر وأحد عشر شهراً من البحث داخل السعودية.
مناطق التهريب
يعد منفذ (مديرية حرض) بمحافظة حجة شمال غرب اليمن والمناطق المجاورة له من أكثر وأشهر المناطق التي يقصدها المهربون بمختلف تخصصاتهم ومنهم مهربو الأطفال يليه مناطق (الملاحيط وكُتاف والبُقع) بمحافظة صعدة.
وتعتبر محافظات حجة والمحويت والحديدة من أكثر المحافظات اليمنية تعرضاً لتهريب أطفالها تليها محافظات عمران وصعدة وريمة وصنعاء بحسب القرب من الحدود وارتفاع معدل الأمية والفقر، حيث تعتبر تلك المحافظات من أفقر المحافظات اليمنية وأكثرها كثافة سكانية، في حين تأتي مديريات (أفلح الشام، أفلح اليمن، بكيل المير، الجميمة، حرض، عبس، المغربة) من أكثر مديريات محافظة حجة الحدودية تعرضاً لتهريب أطفالها تليها مديريات (المحويت، خميس بني سعد، وسارع والرجم) من أكثر مديريات محافظة المحويت تعرضاً لتهريب أطفالها.
ويعرف الدستور اليمني الطفل بمن (هو دون سن الثامنة عشرة) غير أن الناحية العملية غير ذلك فالأجهزة الأمنية وحرس الحدود يشددون إجراءاتهم على من هم أقل من 15 عاماً وهو أمر ينسجم مع التطبيقات الحالية للقانون العالمي للطفولة والقانون الجنائي اليمني.
وتعد المناسبات الدينية (رمضان والحج) من أكثر مواسم التهريب، ويمتد وقتها من بداية شهر شعبان حتى نهاية موسم الحج.
أرقام مهولة
تقوم السلطات السعودية بتسفير ما بين (1000) إلى (1200) مهاجر يمني غير شرعي يومياً عبر منفذ حرض الحدودي ممن تم القبض عليهم في منطقة (جيزان) جنوب غرب المملكة وبين تلك الأعداد نسبة من الأطفال يقدر متوسطها بـ 8-10 في المائة، في حين يتم ترحيل ما بين (200/300 شخص) أسبوعياً عبر الجو ونسبة الأطفال بينهم أقل.
ومن نافلة القول إن تلك الأرقام تمثل فقط من يتم القبض عليهم من قبل السلطات الأمنية السعودية، في حين يبقى اليمن مجرد مستقبل فقط، وإذا علمنا أن من يتم القبض عليهم لا يمثلون نسبة 20 في المائة من إجمالي من يقصدون الأراضي السعودية فإن الوضع يبدو ليس هيناً.
مع كل ما سبق فإن جهود البلدين لا تزال ضعيفة جداً في مواجهة هذه الظاهرة، فالسعودية التي تبذل الجهد الأكبر على الإطلاق لا تزال تنظر إلى المسألة من زاوية أمنية إلى حد كبير.خوفاً من الفضيحة
إن اختصار مواجهة تهريب الأطفال والهجرة والعمالة غير المشروعة في الحل الأمني من أكبر الأخطاء، وإذا ما علمنا أن الدافع الرئيسي لهذه الظاهرة هو البحث عن مصدر لتحسين الأحوال المعيشية بالإضافة للأسباب الآنفة الذكر فإن الوضع يستلزم تقديم حزمة متكاملة من الحلول اقتصادية وثقافية واجتماعية بصورة حقيقية وجدية.
وأكد تقرير أصدرته منظمة (اليونيسيف) عام 2004م أن العائلات والأطفال من ضحايا التهريب تجهل أن تهريب الأطفال انتهاك لحقوق الطفل بنسبة تصل إلى 58.8 في المائة، ولا يعرف 68.2 في المائة من الأطفال شيئاً عن حقوقهم.
وأثبتت السنوات الماضية أن مجرد القبض والترحيل أشبه بالنفخ في قربة فارغة، فكثير من المسفرين يعودون خلال 24 ساعة وربما أقل، لذا كان لزاماً التفكير في إيجاد فرص عمل من شأنها سد حاجة ذلك القطاع الواسع من أبناء المناطق الحدودية وهذه مهمة الدولة اليمنية بالدرجة الأولى، ولا يعني ذلك انتفاء المسؤولية الإنسانية عن جاراتها وفي مقدمتها السعودية فإنشاء مشاريع استثمارية مشتركة على الحدود سيخلق فرص عمل كثيرة تستوعب آلاف العاطلين عن العمل مع تأهيل من يحتاج إلى ذلك لشغل وظائف معينة بحاجة إلى خبرات.
وقال التقرير إن الإبلاغ عن حالات تعرض الأطفال للإساءة أو الاعتداء الجنسي محدودة جداً خوفاً من الفضيحة، موضحاً أن 74.6 في المائة من الأطفال تركوا مدارسهم طوعاً أو أجبروا على تركها بسبب الافتقار للموارد، أو مشكلات داخل العائلة كالتفكك الأسري بسبب وفاة أو زواج أحد الوالدين.
ويشير الوجه الاقتصادي للتقرير إلى أن 66.5 في المائة من عائلات الأطفال تحصل على دخل يقل عن 20.000 ريال يمني في الشهر (100 دولار أمريكي) بمعدل يقل عن 10 دولارات للفرد خلال الشهر.
وتبقى ظاهرة تهريب الأطفال اليمنيين مصدر قلق ومشكلة خطيرة ربما تكون آثارها كارثية على المدى البعيد خصوصاً إذا ما علمنا أن أولئك الأطفال قد لا يكونون ضحايا للانحرافات الأخلاقية والسلوكية فقط وإنما قد يتم استقطابهم من قبل منظمات وجهات مشبوهة كالمنظمات الإرهابية وتهريب المخدرات مستغلة السلوك الإجرامي الذي قد تولده الأوضاع التي مر بها الطفل خلال مراحل عمره الأولى.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2871::/cck::
::introtext::
يستطيع المتابع لشأن الطفولة في اليمن الجزم بأن شيئاً لم يستجد في ما يتعلق بالمعالجة الفعلية لضحايا التهريب من الأطفال وأسرهم، فما عدا إقامة مركز إيواء مؤقت في منفذ (حرض) الحدودي اليمني وآخر في مدينة حجة عاصمة المحافظة التي يتبعها المنفذ الشمالي الغربي لليمن ليس ثمة شيء سوى بعض الدورات التدريبية والتوعوية.
::/introtext::
::fulltext::
يستطيع المتابع لشأن الطفولة في اليمن الجزم بأن شيئاً لم يستجد في ما يتعلق بالمعالجة الفعلية لضحايا التهريب من الأطفال وأسرهم، فما عدا إقامة مركز إيواء مؤقت في منفذ (حرض) الحدودي اليمني وآخر في مدينة حجة عاصمة المحافظة التي يتبعها المنفذ الشمالي الغربي لليمن ليس ثمة شيء سوى بعض الدورات التدريبية والتوعوية.
مع أهمية كل ما سبق إلا أن النصائح الثمينة لا تنفع الغرقى، فالدوافع الحقيقية التي تقف وراء المشكلة لا تزال بعيدة عن ملامستها بشكل حقيقي من قبل الجهات المختصة داخل اليمن وتتلخص أهم أسباب تهريب الأطفال اليمنيين إلى السعودية وبعض دول الخليج العربية في الفقر، وانعدام فرص العمل للآباء، وازدياد معدلات البطالة، وتدني مستوى الأجور، وظروف السكن السيئة مع ازدحامها، وانعدام البُنى التحتية، وتردي الخدمات العامة كالرعاية الصحية، والنقل، والاتصالات، والافتقار للماء والكهرباء، وتدني مستوى التعليم، إضافة إلى العنف داخل العائلة، والتفكك الأسري.
لقد أسهمت التناولات الإعلامية لظاهرة تهريب الأطفال خلال السنوات الخمس الأخيرة في لفت الأنظار إليها بشكل جيد وتحويلها إلى قضية رأي عام استرعت انتباه المؤسسات الحكومية اليمنية ومنظمات حقوق الإنسان المحلية والإقليمية والدولية بعد أن ظلت شأناً اجتماعياً يمنياً يحضر الاقتراب منه، ويتم التكتم عليه من قبل السلطات الرسمية خوفاً من العار غير أنها اضطرت إلى الاعتراف بها رسمياً.
اعتراف متأخر
رغم اعتراف الحكومة بالظاهرة إلا أن هناك جدلاً لا يزال قائماً حول تصنيف ظاهرة تهريب وعمالة الأطفال اليمنيين في دول الجوار وتحديداً المملكة العربية السعودية، إذ لا يزال كثير من مسؤولي الأمن وحرس الحدود يصرون على وصفها بالهجرة غير الشرعية، في حين تؤكد العديد من التقارير الميدانية لصحفيين وناشطين حقوقيين وحتى جهات رسمية يمنية ومنظمات أهلية محلية ودولية أن عشرات الآلاف من الأطفال اليمنيين يتعرضون سنوياً لعمليات تهريب من اليمن بطرق غير مشروعة إلى دول الجوار وعلى رأسها السعودية ويكمن سبب الخلاف حول توصيف الظاهرة وما إذا كانت هجرة غير مشروعة أو تهريباً بالمعنى الحرفي في أن غالبية من يتم تهريبهم إلى الأراضي السعودية يكونون برفقة أقارب لهم (آباء أو إخوان أو أعمام أو أخوال) أو برضاء أسرهم تصل نسبتهم إلى أكثر من 81.8 في المائة، في حين بلغت نسبة الأطفال الذين يتم تهريبهم دون رغبتهم نحو 59.3 في المائة.
حرب صامتة
تؤكد العديد من المصادر ومن بينها سكان المناطق الحدودية أن الهجرة غير المشروعة ليست جديدة وأن من بين المهاجرين أطفالاً، وتفيد تلك المصادر بأن عمر الهجرات غير الشرعية يمتد بعمر الترابط الجغرافي والاجتماعي بين البلدين والنهضة الاقتصادية التي شهدتها المملكة خلال العقود الماضية، بيد أن تهريب الأطفال ازداد بشكل لافت خلال العقد الأخير من القرن الماضي، وكان لحرب الخليج الثانية وانعكاساتها أهم الأثر في ازدياد الظاهرة وتحولها إلى أشبه بحرب صامتة تستنزف الكثير من الطاقات والموارد، فعندما وجد أكثر من مليون مواطن يمني أنفسهم بين فكي بطالة وفقر لا يرحمان عقب قيام السلطات السعودية بتسفيرهم بصورة مفاجئة إلى اليمن عام 1990م. ولقد تسبب ذلك الإجراء في خلق أزمات اقتصادية لليمن عموماً نتجت عنها بطالة تعدت حسب آخر الإحصائيات الـ 48 في المائة وفقر كبير جعل الأغلبية الساحقة من أولئك المغتربين العائدين إلى اليمن يعودون أدراجهم حتى قبل أن تهدأ العاصفة.
الاتجار بالبشر وتهريب الأطفال
يعد مصطلح الاتجار بالبشر أخطر توصيف للظاهرة والذي أطلقته وزارة الخارجية الأمريكية في تقريرها للعامين (2005 و2006) وصندوق الأمم المتحدة للأمومة والطفولة (اليونيسيف) في تقريره للعام 2004م داعية الحكومة اليمنية إلى وضع حد لها، إلا أنه والحق يقال فإن الأمور لم تصل إلى ما يمكن فهمه على نحو ما فهمته كلتا الجهتين، فالأمور ليست أكثر من محاولة بعض الأسر الخروج من أزماتها المادية الخانقة وحالات الفقر والبطالة الكبيرة في ظل ارتفاع كبير في معدلات الإنجاب وما يتبعها من ارتفاع حجم الأسر التي يتراوح أعداد كثير منها ما بين العشرة إلى اثني عشر فرداً.
ومع ذلك نجد أنه لا تتوفر المتطلبات الضرورية للحياة في حدودها الدنيا، فمرتبات الضمان الاجتماعي لا تغطي سوى 20 في المائة من المستحقين بواقع 10 دولارات شهرياً لرب الأسرة أو الأم إذا كان معاقاً أو مسناً ويدفع المبلغ كل ثلاثة أشهر، أما الحديث عن التأمين الصحي والتعليمي فيعد ترفاً فكرياً لا يجب الخوض فيه.
ورغم أن التعليم مجاني وإلزامي في الدستور اليمني إلا أن الواقع غير ذلك، فباستثناء إعفاء الفتيات حتى الصف الخامس والتلاميذ الذكور حتى الصف الثالث الابتدائي من الرسوم الدراسية ابتداءً من العام الجاري فإن الأسرة ملزمة بتحمل نفقات أبنائها من الجنسين ومستلزمات الأنشطة المدرسية.الاستغلال الجنسي
من خلال النزول الميداني ومعايشة الحدث تأكدنا أن هناك عصابات تقوم بتهريب الأطفال ثم تشغيلهم في مهن متعددة مثل الزراعة والرعي والتسول وبيع بعض الأغراض البسيطة كغطاء للتسول في الأماكن العامة في المدن السعودية، كما يتم استخدام من هم في سن تزيد على 10 سنوات في سرقة المحافظات والهواتف النقالة، كما يتعرض الأطفال خلال وبعد تهريبهم لعمليات استغلال أخرى أخطرها الاستغلال الجنسي الذي اعترف أكثر من طفل خلال مقابلات أجريناها معهم في منفذ حرض الحدودي بتعرضهم أو رفقاء لهم للتحرش الجنسي وممارسة اللواط معهم من قبل المهربين أو من بعض أصحاب العمل الذين يقبلون تشغيلهم أو من قبل زملاء المعاناة والألم المشترك أثناء النوم في المساكن السرية التي يوفرها لهم أرباب العمل وقال الأطفال إنهم يتعرضون لكل ذلك تحت طائلة التعذيب والتهديد.
وقد أكد مسؤول في الداخلية اليمنية أنه حصل على معلومات مشابهة أثناء قيامه بتنفيذ دراسة ميدانية على الظاهرة، وقال المسؤول الذي رفض كشف هويته إنه سجل اعترافين لحدثين بتعرض زميل لهما لممارسة الجنس معه من قبل عدة أشخاص كلهم راشدون.
الشيفرات السرية
تركز عصابات تهريب الأطفال للتسول تحديداً على الأطفال الأذكياء وذوي العاهات والاحتياجات الخاصة لاستدرار عطف المحسنين، ويقوم المستفيدون من الوضع بتهيئة أماكن خاصة للسكن، كما يتم العمل عبر مشرفين عن بعد بمراقبة الأطفال. وقالت مصادر عليمة في مديرية أفلح الشام بمحافظة حجة إن تلك العصابات طورت من آلياتها بحيث أصبحت لها مصطلحات خاصة أشبه بالشيفرات والرموز التي تستخدمها أجهزة الأمن والمخابرات السرية.
وتتكفل تلك العصابات – إضافة إلى توفير المأكل والمشرب والمسكن للطفل- بدفع مبلغ مالي لأسرة الطفل يتراوح بحسب مصادر عليمة ما بين (1000) و (1500) ريال سعودي بحسب إعاقة الطفل وقدرته على الكسب.
وتعتمد عصابات تهريب الأطفال على سماسرة يقومون بالبحث عن الحالات القابلة للتهريب ومن ثم التفاوض مع ذويها، وقد يلجأ السماسرة إلى الاحتيال على الأسر التي ترفض الموافقة على تهريب أطفالها، حيث يتم الدخول عليها من باب العمل الخيري كالتبرع بمنحة علاجية مجانية مثلما حصل مع أسرة (أمل عامر10سنوات) من مدينة حجة و(محمد الخميسي 11عاماً من مديرية خيران المحرق واللذين تعرضا لعمليتي احتيال منفصلتين كلفتا الأسرتين ثمانية أشهر وأحد عشر شهراً من البحث داخل السعودية.
مناطق التهريب
يعد منفذ (مديرية حرض) بمحافظة حجة شمال غرب اليمن والمناطق المجاورة له من أكثر وأشهر المناطق التي يقصدها المهربون بمختلف تخصصاتهم ومنهم مهربو الأطفال يليه مناطق (الملاحيط وكُتاف والبُقع) بمحافظة صعدة.
وتعتبر محافظات حجة والمحويت والحديدة من أكثر المحافظات اليمنية تعرضاً لتهريب أطفالها تليها محافظات عمران وصعدة وريمة وصنعاء بحسب القرب من الحدود وارتفاع معدل الأمية والفقر، حيث تعتبر تلك المحافظات من أفقر المحافظات اليمنية وأكثرها كثافة سكانية، في حين تأتي مديريات (أفلح الشام، أفلح اليمن، بكيل المير، الجميمة، حرض، عبس، المغربة) من أكثر مديريات محافظة حجة الحدودية تعرضاً لتهريب أطفالها تليها مديريات (المحويت، خميس بني سعد، وسارع والرجم) من أكثر مديريات محافظة المحويت تعرضاً لتهريب أطفالها.
ويعرف الدستور اليمني الطفل بمن (هو دون سن الثامنة عشرة) غير أن الناحية العملية غير ذلك فالأجهزة الأمنية وحرس الحدود يشددون إجراءاتهم على من هم أقل من 15 عاماً وهو أمر ينسجم مع التطبيقات الحالية للقانون العالمي للطفولة والقانون الجنائي اليمني.
وتعد المناسبات الدينية (رمضان والحج) من أكثر مواسم التهريب، ويمتد وقتها من بداية شهر شعبان حتى نهاية موسم الحج.
أرقام مهولة
تقوم السلطات السعودية بتسفير ما بين (1000) إلى (1200) مهاجر يمني غير شرعي يومياً عبر منفذ حرض الحدودي ممن تم القبض عليهم في منطقة (جيزان) جنوب غرب المملكة وبين تلك الأعداد نسبة من الأطفال يقدر متوسطها بـ 8-10 في المائة، في حين يتم ترحيل ما بين (200/300 شخص) أسبوعياً عبر الجو ونسبة الأطفال بينهم أقل.
ومن نافلة القول إن تلك الأرقام تمثل فقط من يتم القبض عليهم من قبل السلطات الأمنية السعودية، في حين يبقى اليمن مجرد مستقبل فقط، وإذا علمنا أن من يتم القبض عليهم لا يمثلون نسبة 20 في المائة من إجمالي من يقصدون الأراضي السعودية فإن الوضع يبدو ليس هيناً.
مع كل ما سبق فإن جهود البلدين لا تزال ضعيفة جداً في مواجهة هذه الظاهرة، فالسعودية التي تبذل الجهد الأكبر على الإطلاق لا تزال تنظر إلى المسألة من زاوية أمنية إلى حد كبير.خوفاً من الفضيحة
إن اختصار مواجهة تهريب الأطفال والهجرة والعمالة غير المشروعة في الحل الأمني من أكبر الأخطاء، وإذا ما علمنا أن الدافع الرئيسي لهذه الظاهرة هو البحث عن مصدر لتحسين الأحوال المعيشية بالإضافة للأسباب الآنفة الذكر فإن الوضع يستلزم تقديم حزمة متكاملة من الحلول اقتصادية وثقافية واجتماعية بصورة حقيقية وجدية.
وأكد تقرير أصدرته منظمة (اليونيسيف) عام 2004م أن العائلات والأطفال من ضحايا التهريب تجهل أن تهريب الأطفال انتهاك لحقوق الطفل بنسبة تصل إلى 58.8 في المائة، ولا يعرف 68.2 في المائة من الأطفال شيئاً عن حقوقهم.
وأثبتت السنوات الماضية أن مجرد القبض والترحيل أشبه بالنفخ في قربة فارغة، فكثير من المسفرين يعودون خلال 24 ساعة وربما أقل، لذا كان لزاماً التفكير في إيجاد فرص عمل من شأنها سد حاجة ذلك القطاع الواسع من أبناء المناطق الحدودية وهذه مهمة الدولة اليمنية بالدرجة الأولى، ولا يعني ذلك انتفاء المسؤولية الإنسانية عن جاراتها وفي مقدمتها السعودية فإنشاء مشاريع استثمارية مشتركة على الحدود سيخلق فرص عمل كثيرة تستوعب آلاف العاطلين عن العمل مع تأهيل من يحتاج إلى ذلك لشغل وظائف معينة بحاجة إلى خبرات.
وقال التقرير إن الإبلاغ عن حالات تعرض الأطفال للإساءة أو الاعتداء الجنسي محدودة جداً خوفاً من الفضيحة، موضحاً أن 74.6 في المائة من الأطفال تركوا مدارسهم طوعاً أو أجبروا على تركها بسبب الافتقار للموارد، أو مشكلات داخل العائلة كالتفكك الأسري بسبب وفاة أو زواج أحد الوالدين.
ويشير الوجه الاقتصادي للتقرير إلى أن 66.5 في المائة من عائلات الأطفال تحصل على دخل يقل عن 20.000 ريال يمني في الشهر (100 دولار أمريكي) بمعدل يقل عن 10 دولارات للفرد خلال الشهر.
وتبقى ظاهرة تهريب الأطفال اليمنيين مصدر قلق ومشكلة خطيرة ربما تكون آثارها كارثية على المدى البعيد خصوصاً إذا ما علمنا أن أولئك الأطفال قد لا يكونون ضحايا للانحرافات الأخلاقية والسلوكية فقط وإنما قد يتم استقطابهم من قبل منظمات وجهات مشبوهة كالمنظمات الإرهابية وتهريب المخدرات مستغلة السلوك الإجرامي الذي قد تولده الأوضاع التي مر بها الطفل خلال مراحل عمره الأولى.
::/fulltext::
::cck::2871::/cck::
