العراق بين شبح الحرب الأهلية والفيدرالية المقلوبة

::cck::2882::/cck::
::introtext::

يذكرني حال العراق بعد ثلاث سنوات من الاحتلال ببيت شعر مرير للمبدع العراقي الكبير بلند الحيدري يقول فيه: (فإذا العراق وليمة لجرادها… والدار نهب براثن الغربان). وقد وضع بعض المسؤولين العرب المعادل السياسي لهذا البيت الشعري فقالوا بملء أفواههم (العراق دخل إلى جحيم الحرب الأهلية)، ليبقى (الجراد) في أنظارهم، من دون أن يقولوا هذا صراحة، هو جنود الاحتلال المدججون برغبة عارمة في القتل والتنكيل جراء الانهيار النفسي والشعور المفرط بالقلق والخوف تارة،  والاستهانة بآدمية العراقيين وحقهم في الحياة تارة أخرى.

::/introtext::
::fulltext::

يذكرني حال العراق بعد ثلاث سنوات من الاحتلال ببيت شعر مرير للمبدع العراقي الكبير بلند الحيدري يقول فيه: (فإذا العراق وليمة لجرادها… والدار نهب براثن الغربان). وقد وضع بعض المسؤولين العرب المعادل السياسي لهذا البيت الشعري فقالوا بملء أفواههم (العراق دخل إلى جحيم الحرب الأهلية)، ليبقى (الجراد) في أنظارهم، من دون أن يقولوا هذا صراحة، هو جنود الاحتلال المدججون برغبة عارمة في القتل والتنكيل جراء الانهيار النفسي والشعور المفرط بالقلق والخوف تارة، والاستهانة بآدمية العراقيين وحقهم في الحياة تارة أخرى.
أما (الغربان) فهي في نظر بعض هؤلاء المسؤولين (الإرهابيون) الذين ينفخون في أوصال الحرب الأهلية ليؤججوها، ويطلقوها فتنة في كل بقعة من أرض العراق، فيتحول إلى (وطن بديل) لهم، بعد أن يجد قطاع كبير من العراقيين أنفسهم بحاجة ماسة إلى (المقاتلين الأجانب) ليكونوا عوناً وظهيراً لهم في محاربة (الطائفة) الأخرى، وبالتالي يلقى هؤلاء الحماية والأمان، مثلما كانوا يلقون في أفغانستان أيام الحرب ضد الاحتلال السوفييتي وطيلة حكم طالبان.
ويوجد من بين العراقيين أنفسهم من يقدر ما يجري بأنه (حرب أهلية) فها هو رئيس الوزراء السابق إياد علاوي يقول (نحن نفقد يومياً بمعدل ما بين 50 إلى60 في مختلف أنحاء البلاد، إن لم يكن أكثر، فإذا لم تكن هذه حرباً أهلية، فالله يعلم ما هي الحرب الأهلية). ويشاطره نائب وزير الداخلية حسين علي كمال الرأي حين يرى أن (العراق في حالة حرب أهلية منذ الأشهر الاثني عشر الأخيرة .. حتى لو أن هذه الحرب ليست على نطاق واسع). لكن هذا الرأي يواجه انتقاداً لاذعاً من مسؤولين ومفكرين عراقيين آخرين، لا يتعدى ما يحدث في نظرهم حدود (التمرد) أو (العنف المنظم)، مبررين ذلك بأن الحرب الأهلية في بلد مثل العراق تعني (الاقتتال بين الطوائف والإثنيات المشكلة للدولة) وهو ما لم يتم إلى الآن في نظرهم.
وبين تهويل وتهوين يدور الجدل حول تقييم ما يشهده العراق في الوقت الراهن: فريق لا يزال متمسكاً ببصيص من الأمل في عراق موحد مستقر بين عشية وضحاها، وآخر يرى الطريق مسدوداً أمام إنجاز هذه المهمة الصعبة. وبين الاثنين لابد من أن تنشأ رؤية موضوعية للوقوف على حقيقة ما يجري في العراق، تتأسس على معرفة ماهية (الحرب الأهلية) بشتى أحجامها وأنواعها.
وبداية فإن الحرب الأهلية هي عنف منظم أو صراع داخلي يرمي إلى تغيير البنية السياسية أو الحكم في بلد ما، وهذه الحرب قد تكون شاملة تدور رحاها في كافة ربوع هذا البلد، وبين جميع الطوائف والعرقيات المشكلة له، وقد تكون جزئية تقتصر على بعض الطوائف والإثنيات، وتجري في أماكن محددة، لكن صداها يرتد إلى كافة التجمعات الأخرى، فيخلق حال من الاحتقان الشديد، الذي ينتظر شرارة لتندلع نار الفتنة والحرب في كل الأنحاء. وحتى يكتمل الإلمام بهذا المفهوم لابد أن ندرك أن عدم رد طرف على اعتداء الآخر لا يعني أن ما يجري ليس حرباً أهلية، وفي الوقت نفسه فإن الحرب الأهلية لا تعني ديمومة العنف واستمراره، إذ قد تكون مؤقتة.
وعلى هذا الأساس فإن ما يجري في العراق قد يكون إما شكلاً جزئياً من أشكال الحرب الأهلية أو درجة من درجاتها، وإما نافذة مشرعة لهذه الحرب أو بوادر لها، لا توجد ظروف موضوعية ترجح قتل هذه البوادر في مهدها، وإغلاق تلك النافذة إلى الأبد. فمع الأخذ في الاعتبار التعتيم الإعلامي النسبي على ما يجري في العراق فإن هناك حالة من التفاعل النفسي مع دوائر العنف قائمة على انحياز طائفي بالدرجة الأولى، تتمثل في نشر ميليشيات شيعية، لا يمنعها عن الانغماس بقوة في القتال سوى عدم صدور أوامر من المرجعيات الدينية أو قيام حسابات الشيعة على أن الآليات الديمقراطية في حد ذاتها ستجعل العراق يؤول إليهم بحكم أغلبيتهم العددية. كما يقوم هذا التفاعل على تهديدات كردية متقطعة بإعلان دولة مستقلة في كردستان في حال يأسهم من ثمار العملية السياسية الراهنة، وهي مسألة إذا انتقلت من الأقوال إلى الأفعال فإن أطرافاً إقليمية ستمد يدها في الإقليم، وستدفع عراقيين و(مقاتلين أجانب) للقيام بعمليات هناك، وإدخال الأكراد في المعركة بعد طول صبر. ويتزامن هذا مع هروب منظم للمسيحيين العراقيين، وتصاعد مطالب التركمان، وتزايد شعورهم بالخطر.
إن هذا الجو المشحون بالاحتقان المتبادل يمثل سياقاً لعمليات عنف مستمرة تحصد كل يوم رقاب العشرات من القتلى، ولسبيل سياسي متعثر، وقدرات أمنية وعسكرية عراقية لم تنضج بعد، وغياب كامل لزعيم عراقي وطني كاريزمي بوسعه أن يجمع الشمل ويوحد الصفوف، ولقوات احتلال تشن بين الفينة والأخرى حرباً على واحدة من مدن العراق الوسطى. وكل هذا يغذي الطرق المؤدية إلى الحرب الأهلية أو يجعل نافذتها مفتوحة على مصراعيها، بل تتسع تدريجياً، وقد لا يكون بوسع أحد أن يوصدها. وعندها ستتحقق النبوءة الشعرية للحيدري كاملة، إذ سيصير العراق وليمة للطامعين في الخارج والداخل، وستنعق الغربان فوق مئات الآلاف من الجثث التي ستتناثر في كل بقعة من أرض الرافدين، وسيصبح الطريق مفتوحاً على مصراعيه أمام تفكك العراق وتقسيمه.
وبالفعل فقد فككت الولايات المتحدة الدولة العراقية، ثم أخفقت تماماً في تركيبها، على أسس جديدة، زعمت قبل اجتياحها أرض الرافدين، أن بوسعها أن تزرعها بسهولة، وترعى نموها حتى تكتمل، فتحدث قطيعة إلى الأبد مع ماضي العراق الاستبدادي، ليبدأ عهد الديمقراطية الزاهر، الذي ينعم في ظله أهل العراق من زاخو شمالاً إلى أم قصر جنوباً.وها هي الاستراتيجية الأمريكية، التي قامت على معلومات مضللة وتصورات ساذجة وأطماع خائبة، تفشل يوماً بعد يوم، ويتأكد فشلها حين يجد الساسة العراقيون أنفسهم في حاجة ماسة إلى الهرب من قضايا جوهرية من أجل اللحاق بقطار الوقت الذي مضي من دون حدوث تراض بين الوحدات الرئيسية المشكلة للمجتمع العراقي والدولة العراقية (القديمة) ، يضمن استقرار البلاد مستقبلاً، ويقر بوحدتها.
إن إعادة العجلة السياسية في العراق إلى الوراء تعني إبقاء هذا البلد المسكين على حافة الفوضى أو في منتصف المسافة بين القبيلة والطائفة وبين الدولة. وفي تلك الحالة يستمر فشل المشروع الأمريكي في العراق، وقد ينحدر مستقبلاً إلى ما هو أبعد من الرغبة الملحة في الخروج من هناك، والذي لا يعدو كونه هروباً منظماً أو (رضاء من الغنيمة بالإياب)، بعد أن بدأ بعض الأمريكيين الواعين يتحدثون عن (فيتنام أخرى) و(هزيمة محققة)، وبعد أن أعلنت بريطانيا بالفعل أنها ستسحب جزءاً كبيراً من قواتها في العراق على مدار سنة ونصف السنة من الآن.
وبغض النظر عما سيجري للولايات المتحدة، والذي يبدو مسألة شبه محسومة، فإن (العراق الجديد) لم يولد بعد، فما هو موجود، حتى الآن، مجرد كيان اجتماعي مشوه يتجاذبه صراع إرادات بين قوى سياسية وجدت في تفكيك الدولة العراقية الموحدة فرصة سانحة، كي تحقق أحلاماً تاريخية، طالما راودتها. ومن هنا تصدرت مسألتا (الفيدرالية) و(تقسيم الثروة) المشهد السياسي العراقي طيلة فترة مناقشة مسودة الدستور، لأنهما تشكلان القضيتين الرئيسيتين في جسد هذا الحلم، الذي قد يتحول إلى كابوس مخيف.
والفيدرالية في حد ذاتها ليست عيباً، وإن كانت الشكل الأمثل لإدارة أية دولة، لكنها في الحالة العراقية تنتهي بعلامات استفهام عريضة. فالدول الفيدرالية التي عرفها العالم تكونت نتيجة سعي الأقاليم المحكومة ذاتياً إلى التوحد تحت راية دولة واحدة، لها علم واحد ونشيد واحد وهدف متفق عليه. أما الحالة العراقية فتسير في الاتجاه المضاد، إذ إن الدولة الموحدة يتم تقسيمها إلى وحدات أصغر، جغرافياً وديموغرافياً، من دون أن يكون هناك ما يمنع هذه الوحدات من أن تعلن مستقبلا استقلالها، والخروج من عباءة العراق التاريخي.
فما جرى في العراق، ليس تجميعاً لأشتات دولة، كانت موزعة في الماضي على أقاليم ذات خصوصية، تاريخية كانت أو دينية ولغوية وعرقية أم جغرافية، بل هو تمزيق لكيان تاريخي متكامل تحت لافتة (الفيدرالية). فرغم كل ما تم من تسويات سياسية مؤقتة لم يكن هناك اتفاق نهائي، جامع مانع، أو شافٍ كافٍ على مسار الفيدرالية، فالشيعة انقسموا بين رافض لها متمثل في تيار الصدر، ومتقبل لها على أساس إداري وليس مذهبياً أو عرقياً أو لغوياً، مع اختلاف في حدود هذا التقسيم. والسنة رفضوها جملة وتفصيلا باعتبارها طريقاً إلى تقسيم العراق. والأكراد يعتبرونها خياراً استراتيجياً وبداية قوية لتحقيق حلمهم التاريخي بدولة مستقلة، ومن ثم يطرحون شكلا أقرب إلى (الكونفيدرالية) في مشروعي قانون (الإقليم الكردي) ودستور العراق، منادين بأن يكون لكردستان علم خاص، هو علم الدولة الكردية الوحيدة التي لم تعش طويلا وسميت (جمهورية مهاباد)، ونشيد وشعار وجيش، ويصل الأكراد في طرحهم إلى المطالبة بفترة انتقالية ست أو تسع سنوات، يتم بعدها إجراء استفتاء حول استمرارهم جزءاً من الدولة العراقية من عدمه.
وهذا النوع من الفيدرالية يجعل الباب مفتوحاً على مصراعيه أمام تقسيم العراق، على غرار ما جرى في بلاد أخرى، فقد أخفقت الفيدرالية، التي كانت نموذجاً محبباً لدى وزارة المستعمرات البريطانية لإدارة البلاد المحتلة، في الإبقاء على مكونات متباينة مترابطة. ففي إفريقيا الوسطى حال النفور العرقي دون هذا الترابط، وأدى التنافس الشديد بين الوحدات الداخلية إلى فشل هذا النموذج في الهند الغربية، وكانت الحرب الأهلية وحدها هي العامل الذي أبقى الفيدرالية على قيد الحياة في نيجيريا. وتبقى الولايات المتحدة وسويسرا وألمانيا وأستراليا حالات فريدة، لا يمكن قياس التجربة العراقية عليها.
ويزيد الطين بلة وجود رغبة دفينة لدى بعض زعماء الطوائف العراقية في تقسيم الثروات النفطية، التي تتركز في الجنوب الشيعي والشمال الكردي، بينما يفتقر إليها الوسط السني. فهذا التقسيم، الذي ربما تمت تنحيته مؤقتاً، يعني حصول الإقليمين الجنوبي والشمالي على مقدرات اقتصادية، تختصر عليهما طريقاً طويلة إن فكرا في إعلان دولتين مستقلتين، خاصة في ظل توافر عنصر آخر، يتمثل في امتلاك هذين الإقليمين لقوة عسكرية تشكل نواة أساسية لتشكيل جيش نظامي. فلدى الأكراد نحو مائة وعشرين ألف جندي يعرفون باسم قوات (البشمركة)، ولدى الشيعة قوات مثل (فيلق بدر) الذي يربو على خمسة وعشرين ألف جندي، وهناك تقديرات أمريكية تقول إن العدد يصل إلى مائة ألف، وهناك أيضاً جيش المهدي المنضوي تحت قيادة مقتدى الصدر.
فرغم كل التسويات المؤقتة لا يزال كثيرون ينظرون إلى الثروة العراقية وهي النفط، وكأنها غنيمة حرب، يريد كل طرف أن يحوز منها ما (خف وزنه وغلا ثمنه) دون مراعاة حقوق ومصالح قوى اجتماعية أخرى في البلدين. فالحلول المتداولة في العراق حول الثروة كانت تقوم على إما تحديد نسب معينة لكل محافظة حسب إنتاجها النفطي أو تقسيم العائدات بإشراف الحكومة الفيدرالية وتوزيعها على المحافظات على أساس عدد السكان.
إن اعتماد الفيدرالية وتقسيم الثروة النفطية، يزيدان الأقاليم والقوى الأخرى في العراق تهميشاً، حيث يأتي مثل هذا الحل، إن تم اعتماده نهائياً، على حساب التركمان، بوصفهم أقلية عرقية، والمسيحيين والصابئة (المندائيين) بكونهما أقليتين دينيتين.
إن هذه الظروف الصعبة ما كان لها أن تكون لولا الاستبداد السياسي والظلم الاجتماعي اللذان وصما مسيرة العراق لفترة طويلة، لكن إنهاء الاستبداد ورفع الظلم، لا يكونان أبداً باحتلال الدولة وتفكيكها وإزعاج جيرانها والرضوخ لشروط المستعمر، وحبس الحاضر والمستقبل في تجربة الماضي، لكن يتمان بإعلاء مبدأ المواطنة، وإرساء دعائم نظام ديمقراطي يستوعب جميع فئات الشعب، ويحافظ على وحدة الدولة، ويضمن استقرارها.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::2882::/cck::
::introtext::

يذكرني حال العراق بعد ثلاث سنوات من الاحتلال ببيت شعر مرير للمبدع العراقي الكبير بلند الحيدري يقول فيه: (فإذا العراق وليمة لجرادها… والدار نهب براثن الغربان). وقد وضع بعض المسؤولين العرب المعادل السياسي لهذا البيت الشعري فقالوا بملء أفواههم (العراق دخل إلى جحيم الحرب الأهلية)، ليبقى (الجراد) في أنظارهم، من دون أن يقولوا هذا صراحة، هو جنود الاحتلال المدججون برغبة عارمة في القتل والتنكيل جراء الانهيار النفسي والشعور المفرط بالقلق والخوف تارة،  والاستهانة بآدمية العراقيين وحقهم في الحياة تارة أخرى.

::/introtext::
::fulltext::

يذكرني حال العراق بعد ثلاث سنوات من الاحتلال ببيت شعر مرير للمبدع العراقي الكبير بلند الحيدري يقول فيه: (فإذا العراق وليمة لجرادها… والدار نهب براثن الغربان). وقد وضع بعض المسؤولين العرب المعادل السياسي لهذا البيت الشعري فقالوا بملء أفواههم (العراق دخل إلى جحيم الحرب الأهلية)، ليبقى (الجراد) في أنظارهم، من دون أن يقولوا هذا صراحة، هو جنود الاحتلال المدججون برغبة عارمة في القتل والتنكيل جراء الانهيار النفسي والشعور المفرط بالقلق والخوف تارة، والاستهانة بآدمية العراقيين وحقهم في الحياة تارة أخرى.
أما (الغربان) فهي في نظر بعض هؤلاء المسؤولين (الإرهابيون) الذين ينفخون في أوصال الحرب الأهلية ليؤججوها، ويطلقوها فتنة في كل بقعة من أرض العراق، فيتحول إلى (وطن بديل) لهم، بعد أن يجد قطاع كبير من العراقيين أنفسهم بحاجة ماسة إلى (المقاتلين الأجانب) ليكونوا عوناً وظهيراً لهم في محاربة (الطائفة) الأخرى، وبالتالي يلقى هؤلاء الحماية والأمان، مثلما كانوا يلقون في أفغانستان أيام الحرب ضد الاحتلال السوفييتي وطيلة حكم طالبان.
ويوجد من بين العراقيين أنفسهم من يقدر ما يجري بأنه (حرب أهلية) فها هو رئيس الوزراء السابق إياد علاوي يقول (نحن نفقد يومياً بمعدل ما بين 50 إلى60 في مختلف أنحاء البلاد، إن لم يكن أكثر، فإذا لم تكن هذه حرباً أهلية، فالله يعلم ما هي الحرب الأهلية). ويشاطره نائب وزير الداخلية حسين علي كمال الرأي حين يرى أن (العراق في حالة حرب أهلية منذ الأشهر الاثني عشر الأخيرة .. حتى لو أن هذه الحرب ليست على نطاق واسع). لكن هذا الرأي يواجه انتقاداً لاذعاً من مسؤولين ومفكرين عراقيين آخرين، لا يتعدى ما يحدث في نظرهم حدود (التمرد) أو (العنف المنظم)، مبررين ذلك بأن الحرب الأهلية في بلد مثل العراق تعني (الاقتتال بين الطوائف والإثنيات المشكلة للدولة) وهو ما لم يتم إلى الآن في نظرهم.
وبين تهويل وتهوين يدور الجدل حول تقييم ما يشهده العراق في الوقت الراهن: فريق لا يزال متمسكاً ببصيص من الأمل في عراق موحد مستقر بين عشية وضحاها، وآخر يرى الطريق مسدوداً أمام إنجاز هذه المهمة الصعبة. وبين الاثنين لابد من أن تنشأ رؤية موضوعية للوقوف على حقيقة ما يجري في العراق، تتأسس على معرفة ماهية (الحرب الأهلية) بشتى أحجامها وأنواعها.
وبداية فإن الحرب الأهلية هي عنف منظم أو صراع داخلي يرمي إلى تغيير البنية السياسية أو الحكم في بلد ما، وهذه الحرب قد تكون شاملة تدور رحاها في كافة ربوع هذا البلد، وبين جميع الطوائف والعرقيات المشكلة له، وقد تكون جزئية تقتصر على بعض الطوائف والإثنيات، وتجري في أماكن محددة، لكن صداها يرتد إلى كافة التجمعات الأخرى، فيخلق حال من الاحتقان الشديد، الذي ينتظر شرارة لتندلع نار الفتنة والحرب في كل الأنحاء. وحتى يكتمل الإلمام بهذا المفهوم لابد أن ندرك أن عدم رد طرف على اعتداء الآخر لا يعني أن ما يجري ليس حرباً أهلية، وفي الوقت نفسه فإن الحرب الأهلية لا تعني ديمومة العنف واستمراره، إذ قد تكون مؤقتة.
وعلى هذا الأساس فإن ما يجري في العراق قد يكون إما شكلاً جزئياً من أشكال الحرب الأهلية أو درجة من درجاتها، وإما نافذة مشرعة لهذه الحرب أو بوادر لها، لا توجد ظروف موضوعية ترجح قتل هذه البوادر في مهدها، وإغلاق تلك النافذة إلى الأبد. فمع الأخذ في الاعتبار التعتيم الإعلامي النسبي على ما يجري في العراق فإن هناك حالة من التفاعل النفسي مع دوائر العنف قائمة على انحياز طائفي بالدرجة الأولى، تتمثل في نشر ميليشيات شيعية، لا يمنعها عن الانغماس بقوة في القتال سوى عدم صدور أوامر من المرجعيات الدينية أو قيام حسابات الشيعة على أن الآليات الديمقراطية في حد ذاتها ستجعل العراق يؤول إليهم بحكم أغلبيتهم العددية. كما يقوم هذا التفاعل على تهديدات كردية متقطعة بإعلان دولة مستقلة في كردستان في حال يأسهم من ثمار العملية السياسية الراهنة، وهي مسألة إذا انتقلت من الأقوال إلى الأفعال فإن أطرافاً إقليمية ستمد يدها في الإقليم، وستدفع عراقيين و(مقاتلين أجانب) للقيام بعمليات هناك، وإدخال الأكراد في المعركة بعد طول صبر. ويتزامن هذا مع هروب منظم للمسيحيين العراقيين، وتصاعد مطالب التركمان، وتزايد شعورهم بالخطر.
إن هذا الجو المشحون بالاحتقان المتبادل يمثل سياقاً لعمليات عنف مستمرة تحصد كل يوم رقاب العشرات من القتلى، ولسبيل سياسي متعثر، وقدرات أمنية وعسكرية عراقية لم تنضج بعد، وغياب كامل لزعيم عراقي وطني كاريزمي بوسعه أن يجمع الشمل ويوحد الصفوف، ولقوات احتلال تشن بين الفينة والأخرى حرباً على واحدة من مدن العراق الوسطى. وكل هذا يغذي الطرق المؤدية إلى الحرب الأهلية أو يجعل نافذتها مفتوحة على مصراعيها، بل تتسع تدريجياً، وقد لا يكون بوسع أحد أن يوصدها. وعندها ستتحقق النبوءة الشعرية للحيدري كاملة، إذ سيصير العراق وليمة للطامعين في الخارج والداخل، وستنعق الغربان فوق مئات الآلاف من الجثث التي ستتناثر في كل بقعة من أرض الرافدين، وسيصبح الطريق مفتوحاً على مصراعيه أمام تفكك العراق وتقسيمه.
وبالفعل فقد فككت الولايات المتحدة الدولة العراقية، ثم أخفقت تماماً في تركيبها، على أسس جديدة، زعمت قبل اجتياحها أرض الرافدين، أن بوسعها أن تزرعها بسهولة، وترعى نموها حتى تكتمل، فتحدث قطيعة إلى الأبد مع ماضي العراق الاستبدادي، ليبدأ عهد الديمقراطية الزاهر، الذي ينعم في ظله أهل العراق من زاخو شمالاً إلى أم قصر جنوباً.وها هي الاستراتيجية الأمريكية، التي قامت على معلومات مضللة وتصورات ساذجة وأطماع خائبة، تفشل يوماً بعد يوم، ويتأكد فشلها حين يجد الساسة العراقيون أنفسهم في حاجة ماسة إلى الهرب من قضايا جوهرية من أجل اللحاق بقطار الوقت الذي مضي من دون حدوث تراض بين الوحدات الرئيسية المشكلة للمجتمع العراقي والدولة العراقية (القديمة) ، يضمن استقرار البلاد مستقبلاً، ويقر بوحدتها.
إن إعادة العجلة السياسية في العراق إلى الوراء تعني إبقاء هذا البلد المسكين على حافة الفوضى أو في منتصف المسافة بين القبيلة والطائفة وبين الدولة. وفي تلك الحالة يستمر فشل المشروع الأمريكي في العراق، وقد ينحدر مستقبلاً إلى ما هو أبعد من الرغبة الملحة في الخروج من هناك، والذي لا يعدو كونه هروباً منظماً أو (رضاء من الغنيمة بالإياب)، بعد أن بدأ بعض الأمريكيين الواعين يتحدثون عن (فيتنام أخرى) و(هزيمة محققة)، وبعد أن أعلنت بريطانيا بالفعل أنها ستسحب جزءاً كبيراً من قواتها في العراق على مدار سنة ونصف السنة من الآن.
وبغض النظر عما سيجري للولايات المتحدة، والذي يبدو مسألة شبه محسومة، فإن (العراق الجديد) لم يولد بعد، فما هو موجود، حتى الآن، مجرد كيان اجتماعي مشوه يتجاذبه صراع إرادات بين قوى سياسية وجدت في تفكيك الدولة العراقية الموحدة فرصة سانحة، كي تحقق أحلاماً تاريخية، طالما راودتها. ومن هنا تصدرت مسألتا (الفيدرالية) و(تقسيم الثروة) المشهد السياسي العراقي طيلة فترة مناقشة مسودة الدستور، لأنهما تشكلان القضيتين الرئيسيتين في جسد هذا الحلم، الذي قد يتحول إلى كابوس مخيف.
والفيدرالية في حد ذاتها ليست عيباً، وإن كانت الشكل الأمثل لإدارة أية دولة، لكنها في الحالة العراقية تنتهي بعلامات استفهام عريضة. فالدول الفيدرالية التي عرفها العالم تكونت نتيجة سعي الأقاليم المحكومة ذاتياً إلى التوحد تحت راية دولة واحدة، لها علم واحد ونشيد واحد وهدف متفق عليه. أما الحالة العراقية فتسير في الاتجاه المضاد، إذ إن الدولة الموحدة يتم تقسيمها إلى وحدات أصغر، جغرافياً وديموغرافياً، من دون أن يكون هناك ما يمنع هذه الوحدات من أن تعلن مستقبلا استقلالها، والخروج من عباءة العراق التاريخي.
فما جرى في العراق، ليس تجميعاً لأشتات دولة، كانت موزعة في الماضي على أقاليم ذات خصوصية، تاريخية كانت أو دينية ولغوية وعرقية أم جغرافية، بل هو تمزيق لكيان تاريخي متكامل تحت لافتة (الفيدرالية). فرغم كل ما تم من تسويات سياسية مؤقتة لم يكن هناك اتفاق نهائي، جامع مانع، أو شافٍ كافٍ على مسار الفيدرالية، فالشيعة انقسموا بين رافض لها متمثل في تيار الصدر، ومتقبل لها على أساس إداري وليس مذهبياً أو عرقياً أو لغوياً، مع اختلاف في حدود هذا التقسيم. والسنة رفضوها جملة وتفصيلا باعتبارها طريقاً إلى تقسيم العراق. والأكراد يعتبرونها خياراً استراتيجياً وبداية قوية لتحقيق حلمهم التاريخي بدولة مستقلة، ومن ثم يطرحون شكلا أقرب إلى (الكونفيدرالية) في مشروعي قانون (الإقليم الكردي) ودستور العراق، منادين بأن يكون لكردستان علم خاص، هو علم الدولة الكردية الوحيدة التي لم تعش طويلا وسميت (جمهورية مهاباد)، ونشيد وشعار وجيش، ويصل الأكراد في طرحهم إلى المطالبة بفترة انتقالية ست أو تسع سنوات، يتم بعدها إجراء استفتاء حول استمرارهم جزءاً من الدولة العراقية من عدمه.
وهذا النوع من الفيدرالية يجعل الباب مفتوحاً على مصراعيه أمام تقسيم العراق، على غرار ما جرى في بلاد أخرى، فقد أخفقت الفيدرالية، التي كانت نموذجاً محبباً لدى وزارة المستعمرات البريطانية لإدارة البلاد المحتلة، في الإبقاء على مكونات متباينة مترابطة. ففي إفريقيا الوسطى حال النفور العرقي دون هذا الترابط، وأدى التنافس الشديد بين الوحدات الداخلية إلى فشل هذا النموذج في الهند الغربية، وكانت الحرب الأهلية وحدها هي العامل الذي أبقى الفيدرالية على قيد الحياة في نيجيريا. وتبقى الولايات المتحدة وسويسرا وألمانيا وأستراليا حالات فريدة، لا يمكن قياس التجربة العراقية عليها.
ويزيد الطين بلة وجود رغبة دفينة لدى بعض زعماء الطوائف العراقية في تقسيم الثروات النفطية، التي تتركز في الجنوب الشيعي والشمال الكردي، بينما يفتقر إليها الوسط السني. فهذا التقسيم، الذي ربما تمت تنحيته مؤقتاً، يعني حصول الإقليمين الجنوبي والشمالي على مقدرات اقتصادية، تختصر عليهما طريقاً طويلة إن فكرا في إعلان دولتين مستقلتين، خاصة في ظل توافر عنصر آخر، يتمثل في امتلاك هذين الإقليمين لقوة عسكرية تشكل نواة أساسية لتشكيل جيش نظامي. فلدى الأكراد نحو مائة وعشرين ألف جندي يعرفون باسم قوات (البشمركة)، ولدى الشيعة قوات مثل (فيلق بدر) الذي يربو على خمسة وعشرين ألف جندي، وهناك تقديرات أمريكية تقول إن العدد يصل إلى مائة ألف، وهناك أيضاً جيش المهدي المنضوي تحت قيادة مقتدى الصدر.
فرغم كل التسويات المؤقتة لا يزال كثيرون ينظرون إلى الثروة العراقية وهي النفط، وكأنها غنيمة حرب، يريد كل طرف أن يحوز منها ما (خف وزنه وغلا ثمنه) دون مراعاة حقوق ومصالح قوى اجتماعية أخرى في البلدين. فالحلول المتداولة في العراق حول الثروة كانت تقوم على إما تحديد نسب معينة لكل محافظة حسب إنتاجها النفطي أو تقسيم العائدات بإشراف الحكومة الفيدرالية وتوزيعها على المحافظات على أساس عدد السكان.
إن اعتماد الفيدرالية وتقسيم الثروة النفطية، يزيدان الأقاليم والقوى الأخرى في العراق تهميشاً، حيث يأتي مثل هذا الحل، إن تم اعتماده نهائياً، على حساب التركمان، بوصفهم أقلية عرقية، والمسيحيين والصابئة (المندائيين) بكونهما أقليتين دينيتين.
إن هذه الظروف الصعبة ما كان لها أن تكون لولا الاستبداد السياسي والظلم الاجتماعي اللذان وصما مسيرة العراق لفترة طويلة، لكن إنهاء الاستبداد ورفع الظلم، لا يكونان أبداً باحتلال الدولة وتفكيكها وإزعاج جيرانها والرضوخ لشروط المستعمر، وحبس الحاضر والمستقبل في تجربة الماضي، لكن يتمان بإعلاء مبدأ المواطنة، وإرساء دعائم نظام ديمقراطي يستوعب جميع فئات الشعب، ويحافظ على وحدة الدولة، ويضمن استقرارها.

::/fulltext::
::cck::2882::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *