لماذا تعثرت عمليات إعادة الإعمار في العراق؟
::cck::2894::/cck::
::introtext::
بعد أن قامت الولايات المتحدة الأمريكية بغزو العراق في أبريل من العام 2003، بدأ المسؤولون الأمريكيون يطلقون تصريحات وردية عما سيكون عليه العراق بعد إسقاط نظام صدام حسين، وكان أهم ما أطلعنا عليه هؤلاء المسؤولون أن الولايات المتحدة سوف تبدأ بإعادة إعمار العراق على غرار ما قامت به في كل من ألمانيا واليابان بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية في عام 1945، بانتصار دول الحلفاء على دول المحور، حيث صرحت وزيرة الخارجية الأمريكية كونداليزا رايس بأن نموذج إعادة الإعمار في كل من هاتين الدولتين سوف يطبق في العراق.
::/introtext::
::fulltext::
بعد أن قامت الولايات المتحدة الأمريكية بغزو العراق في أبريل من العام 2003، بدأ المسؤولون الأمريكيون يطلقون تصريحات وردية عما سيكون عليه العراق بعد إسقاط نظام صدام حسين، وكان أهم ما أطلعنا عليه هؤلاء المسؤولون أن الولايات المتحدة سوف تبدأ بإعادة إعمار العراق على غرار ما قامت به في كل من ألمانيا واليابان بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية في عام 1945، بانتصار دول الحلفاء على دول المحور، حيث صرحت وزيرة الخارجية الأمريكية كونداليزا رايس بأن نموذج إعادة الإعمار في كل من هاتين الدولتين سوف يطبق في العراق.
لكن المسؤولين الأمريكيين بهذه التصريحات يغفلون أن ثمة فروقاً أساسية بين حالتي ألمانيا واليابان وحالة العراق تجعل من تطبيق نموذج عمليات إعادة الإعمار في الدولتين الأوليين على العراق مهمة في غاية الصعوبة تكاد تقترب من درجة المستحيل. ورغم أن ثمة أوجه تشابه بين الحالات الثلاث، حيث بقي هدف التخلص من كل المعارضات الموجودة على الساحات الداخلية لهذه الدول لإعادة هندسة أوضاعها وفقاً للمصالح الأمريكية ثابتاً في الحالات الثلاث، كما بقي التركيز على بناء السلطة السياسية والعسكرية لا الدولة هو الشغل الشاغل للولايات المتحدة التي كان كل همها تمكين حكومة تابعة للاحتلال من السلطة، لكن ذلك لا يقلل من أهمية الفروق الملحوظة بين هذه الحالات، وهو ما التقطه بذكاء جيمس بدوين في مقال له في صحيفة (لوس أنجلس تايمز) الأمريكية عندما قال: (إن حلم أمريكا بتكرار نموذج إعادة بناء ألمانيا واليابان بعد الحرب العالمية الثانية في العراق لن يتحقق بسهولة لأن العراق ليس ألمانيا ولا اليابان، فقد كانت هزيمة ألمانيا واليابان أمام أمريكا هزيمة كاملة وساحقة في حين أن العراقيين ينظرون إلى الانتصار الأمريكي في العراق باعتباره انتصاراً منقوصاً لا يبرر الخضوع الكامل للإرادة الأمريكية).
وحقيقة أن العراق ليس ألمانيا أو اليابان تبدو جلية في أكثر من مشهد، فالدولتان الأخيرتان كانتا، بشكل أو آخر، مهددتان للمصالح الحياتية للولايات المتحدة الأمريكية، التي كانت في البداية مترددة في المشاركة في الحرب العالمية الثانية إلى جانب الحلفاء الذين حاولوا دفعها بكل قوة لمواجهة دول المحور، ثم ما لبثت أن شاركت فيها بعد قيام سلاح الجو الياباني بقصف الأسطول الأمريكي في بيرل هاربور في ديسمبر عام 1941، ما يعني أن ثمة مسوغاً على الأقل أخلاقياً لمشاركة الولايات المتحدة الأمريكية في الحرب ضد دول المحور، بصرف النظر عن طبيعة هذا التدخل.
لكن في حالة العراق الأمر مختلف، فقد افتقد التوجه العسكري الأمريكي ضد العراق لأي سند حتى لو كان أخلاقياً، فالعراق لم يشكل تهديداً للمصالح الحياتية الأمريكية، وحتى مع افتراض أن نظام صدام كانت لديه النية في تهديد هذه المصالح، كما يزعم المسؤولون الأمريكيون لتبرير شن الحرب، فإنه كان يفتقد الآليات التي تحقق له ذلك، وهو ما تأكد منه الجميع بمن فيهم الأمريكيون عقب احتلال العراق، وفشل قوات الاحتلال في العثور على أسلحة الدمار الشامل التي زعمت الولايات المتحدة أن العراق يمتلكها، وقامت بشن الحرب من أجل القضاء على هذه الأسلحة. أضف إلى ذلك، أن الولايات المتحدة شاركت في الحرب ضد كل من ألمانيا واليابان على رأس تحالف ضم معظم القوى الدولية في ذاك الوقت وهي بريطانيا وفرنسا وحتى الاتحاد السوفييتي، بينما افتقدت هذا التحالف أثناء حربها على العراق، بسبب عدم وجود أي سند شرعي يدعم توجهها العسكري إزاء العراق، وانعكس ذلك في حالة الانكسار التي تعرضت لها الدبلوماسية الأمريكية في مجلس الأمن قبل شن الحرب، من أجل استصدار قراراً دولي يفرض الشرعية على توجهها العسكري ضد العراق، نتيجة رفض الدول الأعضاء صاحبة حق النقض (الفيتو) وعلى رأسها فرنسا وروسيا والصين، وهي دول كانت حليفة للولايات المتحدة في الحرب العالمية الثانية، وقوى دولية أخرى مثل ألمانيا لهذا التوجه، ومن ثم شنت الولايات المتحدة الحرب بطريقة غير شرعية ضاربة بعرض الحائط الرفض الدولي لهذه الحرب.
والأهم من ذلك كله أن الولايات المتحدة الأمريكية لم تواجه مقاومة وطنية عنيفة ضد قواتها عقب انتصارها على الدولتين، على عكس ما تواجهه في العراق منذ بدء الغزو، من مواجهات يومية عنيفة تجاوز معها عدد القتلى من الجنود الأمريكيين حاجز الألفين وثمانمائة، ما يعني أن الولايات المتحدة الأمريكية تكبدت من الخسائر البشرية ما يفوق بكثير ما تكبدته أثناء حرب الخليج الثانية في العام 1991، وخلال الحرب على أفغانستان في العام 2001، بل وعند بدء الحرب على العراق في مارس من العام 2003.
هذه الخسائر البشرية المتزايدة التي تتكبدها القوات الأمريكية يوميا في العراق لها تأثير سلبي ملحوظ في عمليات إعادة الإعمار، على خلفية تحويل مليارات الدولارات المرصودة لبناء المدارس وشق الطرق إلى تعزيز التدابير الأمنية ومواجهة الهجمات المتكررة على المرافق الحكومية. وفى هذا السياق، يقول كيث جونسون مدير إعادة الإعمار في وحدة المهندسين بالجيش الأمريكي: (نحن نعترف بأننا لن نتمكن من إنجاز المشاريع كما وضعت في البداية ويرجع السبب في ذلك إلى الأموال الكبيرة التي حولت إلى بناء القوات العراقية).وبالإضافة إلى كل ما سبق، فإذا كانت الولايات المتحدة الأمريكية قد نجحت في عمليات إعادة الإعمار في كل من ألمانيا واليابان، فإن ذلك يعود في جزء منه إلى تشابه الثقافات ونمط الحياة بين الدول المنهزمة والمنتصرة، فالثقافة الألمانية جزء من الثقافة الغربية، وتتقارب الثقافة اليابانية جداً مع هذه الثقافة الغربية، وهو أمر غير متوافر في حالة العراق، ما يعنى أن المهمة الأمريكية التي لاقت نجاحاً في ألمانيا واليابان ليس بالضرورة أن تنجح بالمثل في العراق. وفوق ذلك كله، فإن مقومات عملية التنمية، وتكامل عناصر الإنتاج اللازمة لتدشين هذه التنمية متوافرة في كل من ألمانيا واليابان، رغم افتقارهما للموارد الطبيعية، ما كان له أثر كبير في نجاح عمليات إعادة الإعمار. أما في حالة العراق، فرغم كونه دولة نفطية، إلا أن الأنظمة السياسية التي حكمته ومعظمها جاءت بعد انقلابات عسكرية دموية بدءا من عام 1958، لم تستطع بأي من الأوقات أن تستغل ذلك في اتجاه تدشين عملية تنموية حقيقية، بل استنفدت هذه الموارد في صراعات وحروب دفع ثمنها الشعب العراقي، وجنت ثمارها قوى خارجية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية. وربما يفسر ذلك أسباب حالة الارتباك التي شابت المراحل الأولى لجهود إعادة الإعمار، حيث كان المسؤولون الأمريكيون حينها يعملون على بلورة برنامج متكامل من لا شيء، لأنهم يجهلون الخصوصية الثقافية والاجتماعية التي يتسم بها العراق والتي تختلف عن نظيرتها الغربية، بالإضافة إلى انعدام التنسيق خلال المراحل الأولى للتخطيط، وعدم الإفصاح عن طبيعة النشاط الذي يتعين القيام به في العراق بعد صدام حسين. هذه الحقيقة كشفتها صحيفة (واشنطن بوست) الأمريكية في 12 نوفمبر الفائت عندما قالت إن جهود إعادة الإعمار التي تقوم بها الولايات المتحدة في العراق لم تأت بنتائج ملموسة بالرغم من إنفاق مليارات الدولارات، وأشارت الصحيفة إلى أن تصاعد العنف حال دون إتمام العديد من المشاريع، وأبقى المدارس والمستشفيات خاوية. ونقلت الصحيفة عن كليفورد موم أحد مسؤولي مؤسسة (بكتيل) التي تتولى تنفيذ عقود كبيرة في برنامج إعادة الإعمار في العراق، قوله إن الولايات المتحدة كان بإمكانها تحقيق المزيد لو أنها وضعت برنامجاً أقل طموحاً يركز على إصلاح المنشآت القائمة وإشراك العراقيين أكثر في جهود إعادة الإعمار.
إن مجمل هذه الاعتبارات تكشف أن المهمة الأمريكية في العراق، والمزاعم الأمريكية بشأن جعل العراق واحة ديمقراطية- على النمط الأمريكي- تسترشد بها دول المنطقة، سوف تواجه صعوبات شديدة على عكس ما لاقته أثناء تطبيق عمليات إعادة الإعمار في كل من ألمانيا واليابان.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2894::/cck::
::introtext::
بعد أن قامت الولايات المتحدة الأمريكية بغزو العراق في أبريل من العام 2003، بدأ المسؤولون الأمريكيون يطلقون تصريحات وردية عما سيكون عليه العراق بعد إسقاط نظام صدام حسين، وكان أهم ما أطلعنا عليه هؤلاء المسؤولون أن الولايات المتحدة سوف تبدأ بإعادة إعمار العراق على غرار ما قامت به في كل من ألمانيا واليابان بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية في عام 1945، بانتصار دول الحلفاء على دول المحور، حيث صرحت وزيرة الخارجية الأمريكية كونداليزا رايس بأن نموذج إعادة الإعمار في كل من هاتين الدولتين سوف يطبق في العراق.
::/introtext::
::fulltext::
بعد أن قامت الولايات المتحدة الأمريكية بغزو العراق في أبريل من العام 2003، بدأ المسؤولون الأمريكيون يطلقون تصريحات وردية عما سيكون عليه العراق بعد إسقاط نظام صدام حسين، وكان أهم ما أطلعنا عليه هؤلاء المسؤولون أن الولايات المتحدة سوف تبدأ بإعادة إعمار العراق على غرار ما قامت به في كل من ألمانيا واليابان بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية في عام 1945، بانتصار دول الحلفاء على دول المحور، حيث صرحت وزيرة الخارجية الأمريكية كونداليزا رايس بأن نموذج إعادة الإعمار في كل من هاتين الدولتين سوف يطبق في العراق.
لكن المسؤولين الأمريكيين بهذه التصريحات يغفلون أن ثمة فروقاً أساسية بين حالتي ألمانيا واليابان وحالة العراق تجعل من تطبيق نموذج عمليات إعادة الإعمار في الدولتين الأوليين على العراق مهمة في غاية الصعوبة تكاد تقترب من درجة المستحيل. ورغم أن ثمة أوجه تشابه بين الحالات الثلاث، حيث بقي هدف التخلص من كل المعارضات الموجودة على الساحات الداخلية لهذه الدول لإعادة هندسة أوضاعها وفقاً للمصالح الأمريكية ثابتاً في الحالات الثلاث، كما بقي التركيز على بناء السلطة السياسية والعسكرية لا الدولة هو الشغل الشاغل للولايات المتحدة التي كان كل همها تمكين حكومة تابعة للاحتلال من السلطة، لكن ذلك لا يقلل من أهمية الفروق الملحوظة بين هذه الحالات، وهو ما التقطه بذكاء جيمس بدوين في مقال له في صحيفة (لوس أنجلس تايمز) الأمريكية عندما قال: (إن حلم أمريكا بتكرار نموذج إعادة بناء ألمانيا واليابان بعد الحرب العالمية الثانية في العراق لن يتحقق بسهولة لأن العراق ليس ألمانيا ولا اليابان، فقد كانت هزيمة ألمانيا واليابان أمام أمريكا هزيمة كاملة وساحقة في حين أن العراقيين ينظرون إلى الانتصار الأمريكي في العراق باعتباره انتصاراً منقوصاً لا يبرر الخضوع الكامل للإرادة الأمريكية).
وحقيقة أن العراق ليس ألمانيا أو اليابان تبدو جلية في أكثر من مشهد، فالدولتان الأخيرتان كانتا، بشكل أو آخر، مهددتان للمصالح الحياتية للولايات المتحدة الأمريكية، التي كانت في البداية مترددة في المشاركة في الحرب العالمية الثانية إلى جانب الحلفاء الذين حاولوا دفعها بكل قوة لمواجهة دول المحور، ثم ما لبثت أن شاركت فيها بعد قيام سلاح الجو الياباني بقصف الأسطول الأمريكي في بيرل هاربور في ديسمبر عام 1941، ما يعني أن ثمة مسوغاً على الأقل أخلاقياً لمشاركة الولايات المتحدة الأمريكية في الحرب ضد دول المحور، بصرف النظر عن طبيعة هذا التدخل.
لكن في حالة العراق الأمر مختلف، فقد افتقد التوجه العسكري الأمريكي ضد العراق لأي سند حتى لو كان أخلاقياً، فالعراق لم يشكل تهديداً للمصالح الحياتية الأمريكية، وحتى مع افتراض أن نظام صدام كانت لديه النية في تهديد هذه المصالح، كما يزعم المسؤولون الأمريكيون لتبرير شن الحرب، فإنه كان يفتقد الآليات التي تحقق له ذلك، وهو ما تأكد منه الجميع بمن فيهم الأمريكيون عقب احتلال العراق، وفشل قوات الاحتلال في العثور على أسلحة الدمار الشامل التي زعمت الولايات المتحدة أن العراق يمتلكها، وقامت بشن الحرب من أجل القضاء على هذه الأسلحة. أضف إلى ذلك، أن الولايات المتحدة شاركت في الحرب ضد كل من ألمانيا واليابان على رأس تحالف ضم معظم القوى الدولية في ذاك الوقت وهي بريطانيا وفرنسا وحتى الاتحاد السوفييتي، بينما افتقدت هذا التحالف أثناء حربها على العراق، بسبب عدم وجود أي سند شرعي يدعم توجهها العسكري إزاء العراق، وانعكس ذلك في حالة الانكسار التي تعرضت لها الدبلوماسية الأمريكية في مجلس الأمن قبل شن الحرب، من أجل استصدار قراراً دولي يفرض الشرعية على توجهها العسكري ضد العراق، نتيجة رفض الدول الأعضاء صاحبة حق النقض (الفيتو) وعلى رأسها فرنسا وروسيا والصين، وهي دول كانت حليفة للولايات المتحدة في الحرب العالمية الثانية، وقوى دولية أخرى مثل ألمانيا لهذا التوجه، ومن ثم شنت الولايات المتحدة الحرب بطريقة غير شرعية ضاربة بعرض الحائط الرفض الدولي لهذه الحرب.
والأهم من ذلك كله أن الولايات المتحدة الأمريكية لم تواجه مقاومة وطنية عنيفة ضد قواتها عقب انتصارها على الدولتين، على عكس ما تواجهه في العراق منذ بدء الغزو، من مواجهات يومية عنيفة تجاوز معها عدد القتلى من الجنود الأمريكيين حاجز الألفين وثمانمائة، ما يعني أن الولايات المتحدة الأمريكية تكبدت من الخسائر البشرية ما يفوق بكثير ما تكبدته أثناء حرب الخليج الثانية في العام 1991، وخلال الحرب على أفغانستان في العام 2001، بل وعند بدء الحرب على العراق في مارس من العام 2003.
هذه الخسائر البشرية المتزايدة التي تتكبدها القوات الأمريكية يوميا في العراق لها تأثير سلبي ملحوظ في عمليات إعادة الإعمار، على خلفية تحويل مليارات الدولارات المرصودة لبناء المدارس وشق الطرق إلى تعزيز التدابير الأمنية ومواجهة الهجمات المتكررة على المرافق الحكومية. وفى هذا السياق، يقول كيث جونسون مدير إعادة الإعمار في وحدة المهندسين بالجيش الأمريكي: (نحن نعترف بأننا لن نتمكن من إنجاز المشاريع كما وضعت في البداية ويرجع السبب في ذلك إلى الأموال الكبيرة التي حولت إلى بناء القوات العراقية).وبالإضافة إلى كل ما سبق، فإذا كانت الولايات المتحدة الأمريكية قد نجحت في عمليات إعادة الإعمار في كل من ألمانيا واليابان، فإن ذلك يعود في جزء منه إلى تشابه الثقافات ونمط الحياة بين الدول المنهزمة والمنتصرة، فالثقافة الألمانية جزء من الثقافة الغربية، وتتقارب الثقافة اليابانية جداً مع هذه الثقافة الغربية، وهو أمر غير متوافر في حالة العراق، ما يعنى أن المهمة الأمريكية التي لاقت نجاحاً في ألمانيا واليابان ليس بالضرورة أن تنجح بالمثل في العراق. وفوق ذلك كله، فإن مقومات عملية التنمية، وتكامل عناصر الإنتاج اللازمة لتدشين هذه التنمية متوافرة في كل من ألمانيا واليابان، رغم افتقارهما للموارد الطبيعية، ما كان له أثر كبير في نجاح عمليات إعادة الإعمار. أما في حالة العراق، فرغم كونه دولة نفطية، إلا أن الأنظمة السياسية التي حكمته ومعظمها جاءت بعد انقلابات عسكرية دموية بدءا من عام 1958، لم تستطع بأي من الأوقات أن تستغل ذلك في اتجاه تدشين عملية تنموية حقيقية، بل استنفدت هذه الموارد في صراعات وحروب دفع ثمنها الشعب العراقي، وجنت ثمارها قوى خارجية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية. وربما يفسر ذلك أسباب حالة الارتباك التي شابت المراحل الأولى لجهود إعادة الإعمار، حيث كان المسؤولون الأمريكيون حينها يعملون على بلورة برنامج متكامل من لا شيء، لأنهم يجهلون الخصوصية الثقافية والاجتماعية التي يتسم بها العراق والتي تختلف عن نظيرتها الغربية، بالإضافة إلى انعدام التنسيق خلال المراحل الأولى للتخطيط، وعدم الإفصاح عن طبيعة النشاط الذي يتعين القيام به في العراق بعد صدام حسين. هذه الحقيقة كشفتها صحيفة (واشنطن بوست) الأمريكية في 12 نوفمبر الفائت عندما قالت إن جهود إعادة الإعمار التي تقوم بها الولايات المتحدة في العراق لم تأت بنتائج ملموسة بالرغم من إنفاق مليارات الدولارات، وأشارت الصحيفة إلى أن تصاعد العنف حال دون إتمام العديد من المشاريع، وأبقى المدارس والمستشفيات خاوية. ونقلت الصحيفة عن كليفورد موم أحد مسؤولي مؤسسة (بكتيل) التي تتولى تنفيذ عقود كبيرة في برنامج إعادة الإعمار في العراق، قوله إن الولايات المتحدة كان بإمكانها تحقيق المزيد لو أنها وضعت برنامجاً أقل طموحاً يركز على إصلاح المنشآت القائمة وإشراك العراقيين أكثر في جهود إعادة الإعمار.
إن مجمل هذه الاعتبارات تكشف أن المهمة الأمريكية في العراق، والمزاعم الأمريكية بشأن جعل العراق واحة ديمقراطية- على النمط الأمريكي- تسترشد بها دول المنطقة، سوف تواجه صعوبات شديدة على عكس ما لاقته أثناء تطبيق عمليات إعادة الإعمار في كل من ألمانيا واليابان.
::/fulltext::
::cck::2894::/cck::
