دور الأحزاب العراقية في العنف الطائفي ومشروع تقسيم العراق

::cck::2896::/cck::
::introtext::

لم تكن تصريحات رجال الإدارة الأمريكية، وتسريبات التقارير الصحفية ذات المصدر الاستخباري والمعلوماتي، مجرد بالونات اختبار سياسية بهدف رصد ردود الأفعال للدراسة والتقويم، وإنما هي تحمل الكثير من الدلالات والإشارات الواضحة حول مستقبل العراق، والسيناريوهات (المؤجلة التنفيذ) و(المستحدثة) في ضوء الواقع السياسي العراقي وإفرازاته، وفشل المشروع السياسي وتناقضاته، وهو مشروع لم يحقق إلا المزيد من الاحتراب الطائفي، وتفاقم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والخدمية، ونهب منظم للثروات العراقية، وتمهيد لتفتيت وحدة البلاد.

::/introtext::
::fulltext::

لم تكن تصريحات رجال الإدارة الأمريكية، وتسريبات التقارير الصحفية ذات المصدر الاستخباري والمعلوماتي، مجرد بالونات اختبار سياسية بهدف رصد ردود الأفعال للدراسة والتقويم، وإنما هي تحمل الكثير من الدلالات والإشارات الواضحة حول مستقبل العراق، والسيناريوهات (المؤجلة التنفيذ) و(المستحدثة) في ضوء الواقع السياسي العراقي وإفرازاته، وفشل المشروع السياسي وتناقضاته، وهو مشروع لم يحقق إلا المزيد من الاحتراب الطائفي، وتفاقم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والخدمية، ونهب منظم للثروات العراقية، وتمهيد لتفتيت وحدة البلاد.
ولم تكن الإدارة الأمريكية وخططها بمعزل عما يدور في الحياة السياسية العراقية، فهي اللاعب الأكبر في صناعة (الأزمات)، وتحريك (الإرادات) السياسية لمصالحها وأجندتها، وتمرير المشاريع وتنميتها وتزويقها، لأن ما يحدث في العراق مرتبط بأجندات المحتل وسياساته المتفقة مع مصالحه الاستراتيجية. ومن الغباء السياسي أن يتصور السياسي العراقي، كما يعلن بعضهم، أنه يعمل في ظل سيادة عراقية وبيئة صحية من دون ضغوط، لأن الواقع العراقي يشير إلى دور بارز للمحتل الأمريكي في صناعة القرار العراقي بأجنداته وضغوطه، من خلال تأثيرات قانون بريمر على الدستور العراقي ومجمل العملية السياسية، وطبيعة التحالفات الحزبية، والعلاقات المتشنجة بين الأحزاب، إضافة إلى التأثيرات الخطيرة على الحياة العراقية في إشاعة الفوضى، وإشعال فتيل الطائفية، وإيجاد الأزمات السياسية والاقتصادية، وكان الهدف هو إلهاء السياسيين بنزاعات السلطة وإفسادهم بالمال، وأيضاً إلهاء المجتمع العراقي بأزمات الطائفية وخدمات الكهرباء والبترول، وإشاعة المخدرات بين الشباب، وكلها تهدف إلى تحويل بؤرة الاهتمام المحتمل وممارساته وخططه. والأبرز في هذا الأمر هو تحويل المقاومة الشعبية للمحتل إلى مقاومة طائفية، بمعنى تخندق الطوائف الدينية للدفاع عن مواطنيها بعد ظهور الميليشيات الحزبية، ودورها في مهاجمة المناطق وقتل المواطنين بدم بارد على الهوية. وهكذا تحول المشهد العراقي إلى أشبه بحرب أهلية تشتعل على نار هادئة تنتظر التوقيت المناسب للتفجير الأخير.
ولم تكن هذه الخطط بمعزل عن استراتيجية احتلال العراق، وما وضع من أجندات وسيناريوهات لها، كذلك لم تكن بمعزل أيضاً عن مستجدات الواقع بعد الاحتلال عراقياً، وكذلك ما يربط بأجندات أمريكا ضد إيران في ما يتعلق بتخصيب اليورانيوم والتأثير الإيراني الفعال على الحياة السياسية العراقية، ومحاولة إفشال المشروع السياسي الأمريكي، وتخفيف الضغط عليها.

وبشكل عام، فإن السيناريوهات الأمريكية قبل الاحتلال وبعدها، ارتبطت بعضها بمواقف سياسية مسبقة قائمة على تصفية حسابات مع النظام العراقي السابق، وتم تسويقها تحت ذريعة (أسلحة الدمار الشامل)، وارتبط بعضها الآخر بمعلومات مضللة من الدوائر الاستخبارية، وبعض رجال المعارضة العراقية الذين قدموا معلومات مموهة ومضللة لأصحاب القرار الأمريكي، فارتبطت هذه الممارسات والمعلومات بصياغة سيناريو الحرب القائم على استراتيجية (التفتيت) للدولة العراقية كمؤسسات وأنظمة من خلال تدمير البنية التحتية لهذه المؤسسات، وحل المؤسسة العسكرية والإعلامية بقصد إشاعة الفوضى.
فالمعلومات التي حاولت التأكيد على أن حل الجيش العراقي والأجهزة الأمنية كانت خطأً كبيراً من قبل الإدارة الأمريكية، لم تكن إلا معلومات مضللة، لأن هذا القرار كان متعمداً وهدفه استراتيجي وليس تكتيكياً، بمعنى أن بقاء الجيش العراقي كان يعني استقرار الوضع الأمني، والسيطرة على الفوضى، وهذا ما لم يكن يريده الاحتلال بدليل الفوضى الحالية التي وصلت إلى بدايات التفجير الطائفي، وتحويل بؤرة الاهتمام عن ممارساته وأجنداته، وتخفيف الضغط عنه من قبل المقاومة العراقية. باختصار لم يكن حل الجيش العراقي خطأ أمريكياً غير مقصود، وإنما كان الخطأ الجسيم عدم دقة تقدير المشهد العراقي بعد الاحتلال، وبروز المقاومة العراقية بقوة مؤثرة أفشلت المشروع الأمريكي، وأحرجت الإدارة الأمريكية وماكنتها الدعائية أمام شعبها، وبالتالي لم يعد لها إلا أن تقوم بانقلاب مفاجىء في الحياة السياسية العراقية، وهذا ما نتوقعه مستقبلاً.
ويبدو أن السيناريوهات الأمريكية لم تعد تأخذ طابعاً استراتيجياً بسبب الأحداث المتسارعة في العراق، وانفلات الأوضاع، وعدم السيطرة عليها إلا بحدود الثوابت والمصالح، وهي الأخرى تتعرض إلى اهتزازات بسبب المتغيرات السياسية والأمنية، ومع ذلك يمكن القول إن هذه السيناريوهات ترتبط اليوم بعوامل أساسية هي:
– أزمة أمريكا مع إيران بسبب تخصيب اليورانيوم والأجندات الأمريكية الخفية لتدمير أحد (محاور الشر) بالرؤية الأمريكية، وانعكاساتها على الوضع العراقي.
– الحرب الطائفية وانعكاساتها على تقسيم العراق، بمعنى صناعة الأزمة لتبرير الأفعال.
– المقاومة العراقية وضغوطها على المحتل، بمعنى تقليص فاعليته السياسية، وتعطيل مشاريعه وأجنداته.

فما هو الحل الأمريكي المتوقع لمستقبله في العراق في ضوء الأزمات والتهديدات والحروب الطائفية، والدعوات إلى التقسيم الفيدرالي الطائفي، وتحويل الدولة إلى (دولة ميليشيات) يغلب عليها العنف الطائفي، والأهم انعكاس ما يحدث من جراء الأزمة الأمريكية- الإيرانية، خاصة أن إيران هي اللاعب الأكبر في الحياة السياسية العراقية؟
ولا جدال بأن المأزق الأمريكي في العراق يتفاقم في ضوء المتغيرات العراقية الداخلية، وضغوط الرأي العام الأمريكي ومؤسسات الحكم، وهو مأزق يستدعي مواجهة هذه الأعاصير بأفعال استباقية تتمثل في صناعة سيناريوهات متعددة:
– سيناريو تقسيم العراق إلى مناطق طائفية وقومية لتفتيت القوة العراقية وسهولة السيطرة والتحكم لوجستياً ومكانياً، وضمان الاستقرار لقوات الاحتلال وحمايتها، وإشغال المجتمع بالفيدراليات وغنائم السلطة والنفوذ، ولكن تنفيذ هذا السيناريو في الوقت الحاضر يبدو غير واقعي من الناحية السياسية للأسباب التالية:
– التقسيم يعني إنشاء فيدرالية جنوبية قوية تكون عمقاً لإيران في حالة تفاقم الأزمة بين أمريكا وإيران، وهذا يسبب شرخاً كبيراً في أمن القوات الأمريكية الموجودة على الأراضي العراقية.
– السيناريو الأمريكي لا يريد تهميش المنطقة الجنوبية في الوقت الحاضر على الأقل، لأن معظم الأحزاب السياسية في هذه المناطق تشكل قوة في الحياة السياسية العراقية وتدعم المشروع السياسي، ومعظمها يؤمن بالمقاومة السياسية، وهو أمر لا يمكن للأجندات الأمريكية التضحية بهذا الامتياز، ولا يمكن لها أيضاً فتح جهات متعددة.
– التقسيم يعني زيادة مخاوف دول الجوار، وفتح جبهة جديدة معها يؤدي إلى زيادة الأزمات، وظهور أنماط جديدة للمقاومة تكون عبئاً إضافياً عليها.
– التقسيم يعني قتل العملية السياسية التي تقودها الولايات المتحدة الأمريكية في العراق من خلال مشاركة الأحزاب (السنية) التي ترتبط الكثير منها بأجندات المقاومة المسلحة بشكل أو بآخر، مما يعني فتح جبهة مع هذه الأحزاب، وتعطيل العملية السياسية وهو أمر يهدد المشروع الأمريكي ويعيده إلى المربع الأول.
باختصار شديد، إن سيناريو التقسيم موجود في الأجندة الأمريكية، ولكن مؤجل في الوقت الحاضر بانتظار زوال الأسباب الموضوعية المرتبطة بأوضاع العراق، والحرب ضد إيران، مثلما هو مؤجل قرار التعامل مع الأحزاب العراقية بطريقة جديدة، ومدى قربها وبعدها من المصالح الأمريكية في المستقبل، لأن تكتيك الولايات المتحدة مع بعض الأحزاب، هو تكتيكات مؤقتة مرتبطة بالأزمات وبالذات مع إيران، ولا يمكن أن يدوم هذا التحالف مستقبلا، لأنه يتعارض مع الاستراتيجية الأمريكية، وتحالفاتها مع دول الجوار العراقي التي تمنع قيام فيدرالية شيعية قوية بوجود النظام الإيراني الحالي.
وإذا كان المحتل له أجندته السياسية وأهدافه، فإن هذه الأحزاب عليها مسؤولية أكبر في إشاعة هذه الأفكار والممارسات الخاطئة، وهي تشترك أيضاً بشكل مباشر أو غير مباشر مع سياسة المحتل وتنفيذ خططه. ولا أعتقد أن هذه الأحزاب تجهل أجندات المحتل وخططه في تقسيم العراق، ولكنها تفتقد الرؤية السياسة المستقبلية، ومشروعها هو امتلاك الحاضر بأي ثمن على حساب مستقبل العراق ووحدته، وتقديم مصالحها الذاتية وأجندتها على مصالح العراق الوطنية، بدليل استثمارها لنوازع الشعب الدينية والطائفية وعدم التركيز على برامجها السياسية.
ولابد من الاعتراف بأن هذه الأحزاب لها مشاريعها السياسية، وهي مشاريع تتجه إلى (العموميات) ولا تقدم حلولا علمية وواقعية للمشكلات العراقية، إنما تحاول دغدغة عواطف الناس ومزاجهم وحاجاتهم بشكل بدائي يستند إلى ثقافة تقليدية عمرها أكثر من نصف قرن، بمعنى أن هذه الأحزاب تتجه إلى النمط التقليدي في تشكيلتها ومشاريعها، فلا يزال البرنامج السياسي يتأطر بثقافة البيئة التقليدية وحاجاتها، ومثقلاً بالماضي وردود الفعل، وبآليات الربح والخسارة، وبروح اقتناص الفرص، والتلاعب بالعواطف والغرائز، وبأسلوب دكتاتورية الماضي، فلا يزال (رئيس الحزب) هو الحاكم الناهي، والحاكم إلى الأبد. ومن الغرابة أن تدعو هذه الأحزاب إلى الديمقراطية وتداول السلطة، وهي نفسها تمارس الدكتاتورية الحزبية بين أعضائها، ولا يزال الكثير من رؤساء الأحزاب العراقية يحكمون أحزابهم منذ نصف قرن من الزمان.
فإذا كانت هذه الأحزاب تكرس لمفهوم الفرد الواحد والقائد الواحد وإشاعة ثقافة الولاء الطائفي أو القومي أو الديني بين أعضائها، فإنه لا يمكن للعراق أن يكون جديداً كما نريده، إلا إذا أشاعت هذه الأحزاب الديمقراطية داخل كياناتها، وعلمت أعضاءها أبجديات الديمقراطية في الاختيار وتداول السلطة واحترام الرأي الآخر وحرية التعبير، بعدها يحق لهذه الأحزاب أن تمارس سلطتها في الدولة العراقية أو البرلمان العراقي.
ولا يمكن الحديث عن التوافق الوطني في ظل أجواء الإقصاء، وبناء خنادق الطائفية، وثقافة الثأر من الماضي، وأسلوب المهاترات السياسية والتخويف، إلا عندما نبدأ بترميم النفوس، وإعادة النظر بثقافتنا التقليدية في ممارسة الحق السياسي والانتخابي، وبناء جسور الثقة بين الأحزاب والتكتلات والكيانات. فنحن أمام مشهد صراعي سلبي لا يتجه إلى مناقشة البرامج السياسية بل إلى تخويف الآخر، واغتياله جسدياً ووطنياً، وبناء صور نمطية للطوائف والقوميات بحيث يرتبط بعضها بنعوت خارج الحالة الوطنية، لتؤذي المشاعر، وتوقظ البغض والكراهية بين الشعب. ومن المحزن أن يعيد البعض التاريخ القديم بطريقة انتقائية غير علمية ليوجه للطائفة الشيعية صورة الصفويين وهم يستبيحون المدن العراقية تحت شعار (لا سنة بعد اليوم) عام 1623، ومحاولة ربط ولائهم بإيران، وهم العراقيون العرب الذين لا يمكن لأحد أن يزايد على وطنيتهم عبر تاريخ العراق الحديث والمعاصر، ومن المحزن أيضاً أن يحاول البعض ربط الطائفة السنية التي قادت أكثر من خمس محاولات للانقلاب ضد النظام السابق، وخسرت العديد من رموزها السياسية والاجتماعية عبر التاريخ، ولها حضور قوي الآن في مقاومة المحتل، لربطها بـ (النظام السابق) (وحزب البعث). مثلما لا يمكن تخوين الأكراد من جراء تصرفات فردية ومصالح ذاتية، وهذا المشهد السياسي العراقي عمّق النزاعات الطائفية والقومية وجعلها في أعلى مستوياتها، وأحدث شرخاً كبيراً في النسيج الاجتماعي والسياسي، حيث فورة شيعية بالجنوب والوسط تسخرها كيانات وشخصيات لمصالحها السياسية والذاتية، وهناك قلق سني من الحاضر والمستقبل بالغرب والشمال الغربي، وتخندق قومي وكردي، لأن الخطاب السياسي للأحزاب يتجه عموماً إلى تعميق مفهوم أن كل سني (بعثي) وكل شيعي (إيراني) والكردي يتآمر على العروبة. وهو أمر لصالح المحتل وأجندته السياسية، وهو المشروع الأول له في العراق.
وإذا كان المحتل يحاول جاهداً الاستعجال بمشروعه السياسي الخطير، وهو إحداث الفتنة الطائفية والقومية وإشعال فتيلها، لأن المشهد العراقي أفرز صراعات شديدة أكثر منها توافقاً وطنياً، بسبب طبيعة الأحزاب ومساراتها السياسية وخطاباتها، فنحن سنشهد أحزاباً شيعية وسنية وكردية وتركمانية تتخندق مع نفسها أو مع بعضها ضد الآخر، ليس ضمن اللعبة الديمقراطية، وإنما لاقتناص الفرص وتحقيق مصالح ضيقة، والاستعجال بصنع القرارات السريعة، خوفاً من المستقبل على حساب الوطن ووحدته وانتمائه العربي.
وبقدر ما يتحمل المحتل نزيف الدم في العراق، وتصاعد العنف الطائفي في ضوء قرارات الأمم المتحدة والقوانين الدولية، فإن الأحزاب العراقية تتحمل المسؤولية الأكبر في تعميق الاقتتال الطائفي، وإشاعة الثقافة المذهبية، مثلما تتحمل الحكومة العراقية مسؤولية تردي الأوضاع الأمنية والاقتصادية والخدمية، وسوء إدارة العراق، وإدخاله في حمامات الدم بسبب العنف المذهبي والطائفي الذي تسبب وفق تقرير (لانست) الأخير بمقتل (665) ألف عراقي، وهجرة أكثر من مليوني عراقي إلى الخارج معظمهم من الكفاءات العلمية والجامعية والمهنية، بما في ذلك (18) ألف طبيب، كما أصبح (3) ملايين عراقي من دون مأوى في وطنهم العراق.
وباختصار فإن هذه الأحزاب التي تكون الحكومة الآن، أدخلت العراق في نفق مظلم يتجه إلى تعميق مشروع التقسيم باسم الفيدرالية، وحققت للمحتل أجنداته السرية في تدمير البلد وتقسيمه، فالأحزاب الكردية وجدت نفسها أمام فرصة تاريخية لإثبات الوجود، واستغلال الاقتتال الطائفي لتأكيد استقلال كردستان وتعميق الهوية الكردية، وفرض الواقع في ظل هذه الفوضى السياسية والأمنية، كما شاركت بعض الأحزاب السنية ذات الطابع الديني في تأجيج العنف الطائفي بأشكال مختلفة، بعضها ساهم في صناعة الأزمات بالقتل والتفجير تحت شعار (تكفير الآخر)، وساهمت بعضها الآخر بالمشاركة في العملية السياسية بتأزيم الأزمات بخطاب قوي، وتارة أخرى بتمرير المشاريع الأكثر خطورة كالدستور لمصالح ذاتية ترتبط بهوس السلطة والنفوذ، وبعضها وجدت العودة إلى السلطة كخيار لاستعادة مواقعها في السلطة بأسلوب العنف والقوة من دون أن تدرك بواقعية متغيرات الواقع ومتطلباته. وتبقى الظاهرة الأنقى في هذا الواقع هي صورة المقاومة الوطنية في مقاومتها للمحتل دون الاقتراب من خصوصيات المجتمع الدينية والطائفية والقومية، وعدم استهدافها المدنيين. وهناك بعض الأحزاب الشيعية، وخاصة الدينية منها، وجدت في الاحتلال فرصة كبيرة للسيطرة على الحياة العراقية وتغلغلها في الميادين العسكرية والأمنية، وأنشأت لها (دولة ميليشيات) داخل الدولة العراقية لتصفية الآخر وإرهابه، وتعايشت مع المشروع الأمريكي بتكتيك انتهازي، واتباع سياسة المحاصصة الطائفية، وتعميق مشروع الفيدرالية وأجنداته السرية، كما يعاب على هذه الأحزاب الدينية ارتباطاتها السياسية والعقائدية مع إيران، حيث مهدت إلى تحويل ساحة العراق لتصفية الحسابات بين أمريكا وإيران على حساب البيت العراقي.
وكان طبيعياً، في ضوء هذا الواقع المتأزم بالاقتتال الطائفي والمصالح. أن يتحول العراق إلى بؤرة متوهجة بنار العنف الطائفي، وشلالات نزيف الدم، وتصاعد الحقد والكراهية في النفوس لتغليب منطق القتل والاغتيالات والتهجير على منطق الحكمة والتسامح.ولم يعد مع الأسف أفق الكثير من السياسيين العراقيين متحضراً إلا بحدود المصالح واقتسام الغنائم وإرضاء المحتل، بمعنى أن السياسيين مطالبون بفك الاشتباك بين قضايا الخلاف وهواجس الماضي والحاضر، وقتل شكوك التخويف من الآخر ونبذ الطائفية، لأن الأوطان لا تبنى على توحش طائفة على طائفة، أو عرق على عرق، إنما بنى على مفهوم التوافق الوطني على قضايا الشعب والوطن. ولا حديث للسياسي العراقي الجديد اليوم عن الوطنية إلا بابتعاده عن خنادق الطائفية لأنها تتناقض مع الوطنية وروحها وانتمائها وطهارتها. كما أن المدخل الصحيح لمعالجة الأزمة الموروثة هو إطلاق فكرة المواطنة باعتبارها جوهر الوطنية، ومقياس الانتماء، بحيث يصبح العراقيون، عرباً وأكراداً، سنة وشيعة، مسلمين ومسيحيين، متساوين أمام القانون في الحقوق والواجبات ضمن إطار دولة العراق، فهي الضمانة الحقيقية للتوافق وركيزة أساسية لبناء الديمقراطية والمجتمع المدني، لأن نتاج (الديمقراطية) القائمة على الطائفية والقومية والدينية لا يمكن أن يحقق الاستقرار والتوافق الوطني، فهذه الديمقراطية أجندة المحتل واستراتيجيته المستقبلية، وعندما يجد نفسه في مأزق التعامل مع الشعب العراقي ووطنيته وولائه، وأحزابه الوطنية، فلا يجد أمامه إلا فرص مشاريع تقسيمية للعراق، ومشاريع حرب داخلية طاحنة. لأن المشهد العراقي، من دون توافق وطني حقيقي، سيؤدي إلى (بلقنة) العراق وإطالة أمد الاحتلال، وإنشاء قواعد عسكرية له، وإيقاظ الحرب الأهلية، وقيام الفيدرالية الطائفية بين سنة وشيعة وأكراد. ومثلما تكون المواطنة جوهر وجود العراق ووحدته وقوته، فإن الحاجة تتطلب تجذير الديمقراطية في الأحزاب، وتعميق ثقافة الديمقراطية باتجاه تداول سلطة الحزب، وعصرنة أداء السياسي العراقي، واستيعابه للعبة الديمقراطية، وإشاعة ثقافة صوت الرافض داخل البرلمان واحترام رؤيته واجتهاداته. والأهم أن يكون هناك تلون سياسي داخل كل ائتلاف طائفي أو قومي يقضي على سيادة الحزب الواحد داخل الطائفة، بمعنى أن يكون الائتلاف الموحد عراقياً وليس شيعياً صرفاً، والتوافق عراقياً وليس سنياً، والتحالف الكردي عراقياً وليس كردياً.
وإذا كانت الديمقراطية حاجة ماسة، فإن الحاجة أقوى إلى إشاعة ثقافة ممارسة الديمقراطية، وتعويد الشعب على كيفية اختيار السياسي الأصلح، واحترام الرأي الآخر، لأن العراق يحتاج اليوم إلى ترميم النفوس قبل ترميم البيوت والجسور، وإعادة بنائه سياسياً بما ينسجم مع الحالة الوطنية للانتماء. لأن البيئة السياسية العراقية الحالية، هي بيئة صراعية غير صحية أوجدها المحتل، واستثمرها لمصالحه السياسية وأجندته الخاصة، وهي بيئة المحاصصة الطائفية، وصراعات الطوائف والقوميات والأعراق، بيئة الفتن الطائفية، والتفجيرات وألغام الإعلام الطائفي، وكلها قنوات شجعها وأوقدها المحتل لإلهاء المواطن بموضوعات ثانوية، وإبعاده عن التفكير بممارساته وأجندته السرية، وأخطرها الحرب الأهلية وتقسيم العراق.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::2896::/cck::
::introtext::

لم تكن تصريحات رجال الإدارة الأمريكية، وتسريبات التقارير الصحفية ذات المصدر الاستخباري والمعلوماتي، مجرد بالونات اختبار سياسية بهدف رصد ردود الأفعال للدراسة والتقويم، وإنما هي تحمل الكثير من الدلالات والإشارات الواضحة حول مستقبل العراق، والسيناريوهات (المؤجلة التنفيذ) و(المستحدثة) في ضوء الواقع السياسي العراقي وإفرازاته، وفشل المشروع السياسي وتناقضاته، وهو مشروع لم يحقق إلا المزيد من الاحتراب الطائفي، وتفاقم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والخدمية، ونهب منظم للثروات العراقية، وتمهيد لتفتيت وحدة البلاد.

::/introtext::
::fulltext::

لم تكن تصريحات رجال الإدارة الأمريكية، وتسريبات التقارير الصحفية ذات المصدر الاستخباري والمعلوماتي، مجرد بالونات اختبار سياسية بهدف رصد ردود الأفعال للدراسة والتقويم، وإنما هي تحمل الكثير من الدلالات والإشارات الواضحة حول مستقبل العراق، والسيناريوهات (المؤجلة التنفيذ) و(المستحدثة) في ضوء الواقع السياسي العراقي وإفرازاته، وفشل المشروع السياسي وتناقضاته، وهو مشروع لم يحقق إلا المزيد من الاحتراب الطائفي، وتفاقم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والخدمية، ونهب منظم للثروات العراقية، وتمهيد لتفتيت وحدة البلاد.
ولم تكن الإدارة الأمريكية وخططها بمعزل عما يدور في الحياة السياسية العراقية، فهي اللاعب الأكبر في صناعة (الأزمات)، وتحريك (الإرادات) السياسية لمصالحها وأجندتها، وتمرير المشاريع وتنميتها وتزويقها، لأن ما يحدث في العراق مرتبط بأجندات المحتل وسياساته المتفقة مع مصالحه الاستراتيجية. ومن الغباء السياسي أن يتصور السياسي العراقي، كما يعلن بعضهم، أنه يعمل في ظل سيادة عراقية وبيئة صحية من دون ضغوط، لأن الواقع العراقي يشير إلى دور بارز للمحتل الأمريكي في صناعة القرار العراقي بأجنداته وضغوطه، من خلال تأثيرات قانون بريمر على الدستور العراقي ومجمل العملية السياسية، وطبيعة التحالفات الحزبية، والعلاقات المتشنجة بين الأحزاب، إضافة إلى التأثيرات الخطيرة على الحياة العراقية في إشاعة الفوضى، وإشعال فتيل الطائفية، وإيجاد الأزمات السياسية والاقتصادية، وكان الهدف هو إلهاء السياسيين بنزاعات السلطة وإفسادهم بالمال، وأيضاً إلهاء المجتمع العراقي بأزمات الطائفية وخدمات الكهرباء والبترول، وإشاعة المخدرات بين الشباب، وكلها تهدف إلى تحويل بؤرة الاهتمام المحتمل وممارساته وخططه. والأبرز في هذا الأمر هو تحويل المقاومة الشعبية للمحتل إلى مقاومة طائفية، بمعنى تخندق الطوائف الدينية للدفاع عن مواطنيها بعد ظهور الميليشيات الحزبية، ودورها في مهاجمة المناطق وقتل المواطنين بدم بارد على الهوية. وهكذا تحول المشهد العراقي إلى أشبه بحرب أهلية تشتعل على نار هادئة تنتظر التوقيت المناسب للتفجير الأخير.
ولم تكن هذه الخطط بمعزل عن استراتيجية احتلال العراق، وما وضع من أجندات وسيناريوهات لها، كذلك لم تكن بمعزل أيضاً عن مستجدات الواقع بعد الاحتلال عراقياً، وكذلك ما يربط بأجندات أمريكا ضد إيران في ما يتعلق بتخصيب اليورانيوم والتأثير الإيراني الفعال على الحياة السياسية العراقية، ومحاولة إفشال المشروع السياسي الأمريكي، وتخفيف الضغط عليها.

وبشكل عام، فإن السيناريوهات الأمريكية قبل الاحتلال وبعدها، ارتبطت بعضها بمواقف سياسية مسبقة قائمة على تصفية حسابات مع النظام العراقي السابق، وتم تسويقها تحت ذريعة (أسلحة الدمار الشامل)، وارتبط بعضها الآخر بمعلومات مضللة من الدوائر الاستخبارية، وبعض رجال المعارضة العراقية الذين قدموا معلومات مموهة ومضللة لأصحاب القرار الأمريكي، فارتبطت هذه الممارسات والمعلومات بصياغة سيناريو الحرب القائم على استراتيجية (التفتيت) للدولة العراقية كمؤسسات وأنظمة من خلال تدمير البنية التحتية لهذه المؤسسات، وحل المؤسسة العسكرية والإعلامية بقصد إشاعة الفوضى.
فالمعلومات التي حاولت التأكيد على أن حل الجيش العراقي والأجهزة الأمنية كانت خطأً كبيراً من قبل الإدارة الأمريكية، لم تكن إلا معلومات مضللة، لأن هذا القرار كان متعمداً وهدفه استراتيجي وليس تكتيكياً، بمعنى أن بقاء الجيش العراقي كان يعني استقرار الوضع الأمني، والسيطرة على الفوضى، وهذا ما لم يكن يريده الاحتلال بدليل الفوضى الحالية التي وصلت إلى بدايات التفجير الطائفي، وتحويل بؤرة الاهتمام عن ممارساته وأجنداته، وتخفيف الضغط عنه من قبل المقاومة العراقية. باختصار لم يكن حل الجيش العراقي خطأ أمريكياً غير مقصود، وإنما كان الخطأ الجسيم عدم دقة تقدير المشهد العراقي بعد الاحتلال، وبروز المقاومة العراقية بقوة مؤثرة أفشلت المشروع الأمريكي، وأحرجت الإدارة الأمريكية وماكنتها الدعائية أمام شعبها، وبالتالي لم يعد لها إلا أن تقوم بانقلاب مفاجىء في الحياة السياسية العراقية، وهذا ما نتوقعه مستقبلاً.
ويبدو أن السيناريوهات الأمريكية لم تعد تأخذ طابعاً استراتيجياً بسبب الأحداث المتسارعة في العراق، وانفلات الأوضاع، وعدم السيطرة عليها إلا بحدود الثوابت والمصالح، وهي الأخرى تتعرض إلى اهتزازات بسبب المتغيرات السياسية والأمنية، ومع ذلك يمكن القول إن هذه السيناريوهات ترتبط اليوم بعوامل أساسية هي:
– أزمة أمريكا مع إيران بسبب تخصيب اليورانيوم والأجندات الأمريكية الخفية لتدمير أحد (محاور الشر) بالرؤية الأمريكية، وانعكاساتها على الوضع العراقي.
– الحرب الطائفية وانعكاساتها على تقسيم العراق، بمعنى صناعة الأزمة لتبرير الأفعال.
– المقاومة العراقية وضغوطها على المحتل، بمعنى تقليص فاعليته السياسية، وتعطيل مشاريعه وأجنداته.

فما هو الحل الأمريكي المتوقع لمستقبله في العراق في ضوء الأزمات والتهديدات والحروب الطائفية، والدعوات إلى التقسيم الفيدرالي الطائفي، وتحويل الدولة إلى (دولة ميليشيات) يغلب عليها العنف الطائفي، والأهم انعكاس ما يحدث من جراء الأزمة الأمريكية- الإيرانية، خاصة أن إيران هي اللاعب الأكبر في الحياة السياسية العراقية؟
ولا جدال بأن المأزق الأمريكي في العراق يتفاقم في ضوء المتغيرات العراقية الداخلية، وضغوط الرأي العام الأمريكي ومؤسسات الحكم، وهو مأزق يستدعي مواجهة هذه الأعاصير بأفعال استباقية تتمثل في صناعة سيناريوهات متعددة:
– سيناريو تقسيم العراق إلى مناطق طائفية وقومية لتفتيت القوة العراقية وسهولة السيطرة والتحكم لوجستياً ومكانياً، وضمان الاستقرار لقوات الاحتلال وحمايتها، وإشغال المجتمع بالفيدراليات وغنائم السلطة والنفوذ، ولكن تنفيذ هذا السيناريو في الوقت الحاضر يبدو غير واقعي من الناحية السياسية للأسباب التالية:
– التقسيم يعني إنشاء فيدرالية جنوبية قوية تكون عمقاً لإيران في حالة تفاقم الأزمة بين أمريكا وإيران، وهذا يسبب شرخاً كبيراً في أمن القوات الأمريكية الموجودة على الأراضي العراقية.
– السيناريو الأمريكي لا يريد تهميش المنطقة الجنوبية في الوقت الحاضر على الأقل، لأن معظم الأحزاب السياسية في هذه المناطق تشكل قوة في الحياة السياسية العراقية وتدعم المشروع السياسي، ومعظمها يؤمن بالمقاومة السياسية، وهو أمر لا يمكن للأجندات الأمريكية التضحية بهذا الامتياز، ولا يمكن لها أيضاً فتح جهات متعددة.
– التقسيم يعني زيادة مخاوف دول الجوار، وفتح جبهة جديدة معها يؤدي إلى زيادة الأزمات، وظهور أنماط جديدة للمقاومة تكون عبئاً إضافياً عليها.
– التقسيم يعني قتل العملية السياسية التي تقودها الولايات المتحدة الأمريكية في العراق من خلال مشاركة الأحزاب (السنية) التي ترتبط الكثير منها بأجندات المقاومة المسلحة بشكل أو بآخر، مما يعني فتح جبهة مع هذه الأحزاب، وتعطيل العملية السياسية وهو أمر يهدد المشروع الأمريكي ويعيده إلى المربع الأول.
باختصار شديد، إن سيناريو التقسيم موجود في الأجندة الأمريكية، ولكن مؤجل في الوقت الحاضر بانتظار زوال الأسباب الموضوعية المرتبطة بأوضاع العراق، والحرب ضد إيران، مثلما هو مؤجل قرار التعامل مع الأحزاب العراقية بطريقة جديدة، ومدى قربها وبعدها من المصالح الأمريكية في المستقبل، لأن تكتيك الولايات المتحدة مع بعض الأحزاب، هو تكتيكات مؤقتة مرتبطة بالأزمات وبالذات مع إيران، ولا يمكن أن يدوم هذا التحالف مستقبلا، لأنه يتعارض مع الاستراتيجية الأمريكية، وتحالفاتها مع دول الجوار العراقي التي تمنع قيام فيدرالية شيعية قوية بوجود النظام الإيراني الحالي.
وإذا كان المحتل له أجندته السياسية وأهدافه، فإن هذه الأحزاب عليها مسؤولية أكبر في إشاعة هذه الأفكار والممارسات الخاطئة، وهي تشترك أيضاً بشكل مباشر أو غير مباشر مع سياسة المحتل وتنفيذ خططه. ولا أعتقد أن هذه الأحزاب تجهل أجندات المحتل وخططه في تقسيم العراق، ولكنها تفتقد الرؤية السياسة المستقبلية، ومشروعها هو امتلاك الحاضر بأي ثمن على حساب مستقبل العراق ووحدته، وتقديم مصالحها الذاتية وأجندتها على مصالح العراق الوطنية، بدليل استثمارها لنوازع الشعب الدينية والطائفية وعدم التركيز على برامجها السياسية.
ولابد من الاعتراف بأن هذه الأحزاب لها مشاريعها السياسية، وهي مشاريع تتجه إلى (العموميات) ولا تقدم حلولا علمية وواقعية للمشكلات العراقية، إنما تحاول دغدغة عواطف الناس ومزاجهم وحاجاتهم بشكل بدائي يستند إلى ثقافة تقليدية عمرها أكثر من نصف قرن، بمعنى أن هذه الأحزاب تتجه إلى النمط التقليدي في تشكيلتها ومشاريعها، فلا يزال البرنامج السياسي يتأطر بثقافة البيئة التقليدية وحاجاتها، ومثقلاً بالماضي وردود الفعل، وبآليات الربح والخسارة، وبروح اقتناص الفرص، والتلاعب بالعواطف والغرائز، وبأسلوب دكتاتورية الماضي، فلا يزال (رئيس الحزب) هو الحاكم الناهي، والحاكم إلى الأبد. ومن الغرابة أن تدعو هذه الأحزاب إلى الديمقراطية وتداول السلطة، وهي نفسها تمارس الدكتاتورية الحزبية بين أعضائها، ولا يزال الكثير من رؤساء الأحزاب العراقية يحكمون أحزابهم منذ نصف قرن من الزمان.
فإذا كانت هذه الأحزاب تكرس لمفهوم الفرد الواحد والقائد الواحد وإشاعة ثقافة الولاء الطائفي أو القومي أو الديني بين أعضائها، فإنه لا يمكن للعراق أن يكون جديداً كما نريده، إلا إذا أشاعت هذه الأحزاب الديمقراطية داخل كياناتها، وعلمت أعضاءها أبجديات الديمقراطية في الاختيار وتداول السلطة واحترام الرأي الآخر وحرية التعبير، بعدها يحق لهذه الأحزاب أن تمارس سلطتها في الدولة العراقية أو البرلمان العراقي.
ولا يمكن الحديث عن التوافق الوطني في ظل أجواء الإقصاء، وبناء خنادق الطائفية، وثقافة الثأر من الماضي، وأسلوب المهاترات السياسية والتخويف، إلا عندما نبدأ بترميم النفوس، وإعادة النظر بثقافتنا التقليدية في ممارسة الحق السياسي والانتخابي، وبناء جسور الثقة بين الأحزاب والتكتلات والكيانات. فنحن أمام مشهد صراعي سلبي لا يتجه إلى مناقشة البرامج السياسية بل إلى تخويف الآخر، واغتياله جسدياً ووطنياً، وبناء صور نمطية للطوائف والقوميات بحيث يرتبط بعضها بنعوت خارج الحالة الوطنية، لتؤذي المشاعر، وتوقظ البغض والكراهية بين الشعب. ومن المحزن أن يعيد البعض التاريخ القديم بطريقة انتقائية غير علمية ليوجه للطائفة الشيعية صورة الصفويين وهم يستبيحون المدن العراقية تحت شعار (لا سنة بعد اليوم) عام 1623، ومحاولة ربط ولائهم بإيران، وهم العراقيون العرب الذين لا يمكن لأحد أن يزايد على وطنيتهم عبر تاريخ العراق الحديث والمعاصر، ومن المحزن أيضاً أن يحاول البعض ربط الطائفة السنية التي قادت أكثر من خمس محاولات للانقلاب ضد النظام السابق، وخسرت العديد من رموزها السياسية والاجتماعية عبر التاريخ، ولها حضور قوي الآن في مقاومة المحتل، لربطها بـ (النظام السابق) (وحزب البعث). مثلما لا يمكن تخوين الأكراد من جراء تصرفات فردية ومصالح ذاتية، وهذا المشهد السياسي العراقي عمّق النزاعات الطائفية والقومية وجعلها في أعلى مستوياتها، وأحدث شرخاً كبيراً في النسيج الاجتماعي والسياسي، حيث فورة شيعية بالجنوب والوسط تسخرها كيانات وشخصيات لمصالحها السياسية والذاتية، وهناك قلق سني من الحاضر والمستقبل بالغرب والشمال الغربي، وتخندق قومي وكردي، لأن الخطاب السياسي للأحزاب يتجه عموماً إلى تعميق مفهوم أن كل سني (بعثي) وكل شيعي (إيراني) والكردي يتآمر على العروبة. وهو أمر لصالح المحتل وأجندته السياسية، وهو المشروع الأول له في العراق.
وإذا كان المحتل يحاول جاهداً الاستعجال بمشروعه السياسي الخطير، وهو إحداث الفتنة الطائفية والقومية وإشعال فتيلها، لأن المشهد العراقي أفرز صراعات شديدة أكثر منها توافقاً وطنياً، بسبب طبيعة الأحزاب ومساراتها السياسية وخطاباتها، فنحن سنشهد أحزاباً شيعية وسنية وكردية وتركمانية تتخندق مع نفسها أو مع بعضها ضد الآخر، ليس ضمن اللعبة الديمقراطية، وإنما لاقتناص الفرص وتحقيق مصالح ضيقة، والاستعجال بصنع القرارات السريعة، خوفاً من المستقبل على حساب الوطن ووحدته وانتمائه العربي.
وبقدر ما يتحمل المحتل نزيف الدم في العراق، وتصاعد العنف الطائفي في ضوء قرارات الأمم المتحدة والقوانين الدولية، فإن الأحزاب العراقية تتحمل المسؤولية الأكبر في تعميق الاقتتال الطائفي، وإشاعة الثقافة المذهبية، مثلما تتحمل الحكومة العراقية مسؤولية تردي الأوضاع الأمنية والاقتصادية والخدمية، وسوء إدارة العراق، وإدخاله في حمامات الدم بسبب العنف المذهبي والطائفي الذي تسبب وفق تقرير (لانست) الأخير بمقتل (665) ألف عراقي، وهجرة أكثر من مليوني عراقي إلى الخارج معظمهم من الكفاءات العلمية والجامعية والمهنية، بما في ذلك (18) ألف طبيب، كما أصبح (3) ملايين عراقي من دون مأوى في وطنهم العراق.
وباختصار فإن هذه الأحزاب التي تكون الحكومة الآن، أدخلت العراق في نفق مظلم يتجه إلى تعميق مشروع التقسيم باسم الفيدرالية، وحققت للمحتل أجنداته السرية في تدمير البلد وتقسيمه، فالأحزاب الكردية وجدت نفسها أمام فرصة تاريخية لإثبات الوجود، واستغلال الاقتتال الطائفي لتأكيد استقلال كردستان وتعميق الهوية الكردية، وفرض الواقع في ظل هذه الفوضى السياسية والأمنية، كما شاركت بعض الأحزاب السنية ذات الطابع الديني في تأجيج العنف الطائفي بأشكال مختلفة، بعضها ساهم في صناعة الأزمات بالقتل والتفجير تحت شعار (تكفير الآخر)، وساهمت بعضها الآخر بالمشاركة في العملية السياسية بتأزيم الأزمات بخطاب قوي، وتارة أخرى بتمرير المشاريع الأكثر خطورة كالدستور لمصالح ذاتية ترتبط بهوس السلطة والنفوذ، وبعضها وجدت العودة إلى السلطة كخيار لاستعادة مواقعها في السلطة بأسلوب العنف والقوة من دون أن تدرك بواقعية متغيرات الواقع ومتطلباته. وتبقى الظاهرة الأنقى في هذا الواقع هي صورة المقاومة الوطنية في مقاومتها للمحتل دون الاقتراب من خصوصيات المجتمع الدينية والطائفية والقومية، وعدم استهدافها المدنيين. وهناك بعض الأحزاب الشيعية، وخاصة الدينية منها، وجدت في الاحتلال فرصة كبيرة للسيطرة على الحياة العراقية وتغلغلها في الميادين العسكرية والأمنية، وأنشأت لها (دولة ميليشيات) داخل الدولة العراقية لتصفية الآخر وإرهابه، وتعايشت مع المشروع الأمريكي بتكتيك انتهازي، واتباع سياسة المحاصصة الطائفية، وتعميق مشروع الفيدرالية وأجنداته السرية، كما يعاب على هذه الأحزاب الدينية ارتباطاتها السياسية والعقائدية مع إيران، حيث مهدت إلى تحويل ساحة العراق لتصفية الحسابات بين أمريكا وإيران على حساب البيت العراقي.
وكان طبيعياً، في ضوء هذا الواقع المتأزم بالاقتتال الطائفي والمصالح. أن يتحول العراق إلى بؤرة متوهجة بنار العنف الطائفي، وشلالات نزيف الدم، وتصاعد الحقد والكراهية في النفوس لتغليب منطق القتل والاغتيالات والتهجير على منطق الحكمة والتسامح.ولم يعد مع الأسف أفق الكثير من السياسيين العراقيين متحضراً إلا بحدود المصالح واقتسام الغنائم وإرضاء المحتل، بمعنى أن السياسيين مطالبون بفك الاشتباك بين قضايا الخلاف وهواجس الماضي والحاضر، وقتل شكوك التخويف من الآخر ونبذ الطائفية، لأن الأوطان لا تبنى على توحش طائفة على طائفة، أو عرق على عرق، إنما بنى على مفهوم التوافق الوطني على قضايا الشعب والوطن. ولا حديث للسياسي العراقي الجديد اليوم عن الوطنية إلا بابتعاده عن خنادق الطائفية لأنها تتناقض مع الوطنية وروحها وانتمائها وطهارتها. كما أن المدخل الصحيح لمعالجة الأزمة الموروثة هو إطلاق فكرة المواطنة باعتبارها جوهر الوطنية، ومقياس الانتماء، بحيث يصبح العراقيون، عرباً وأكراداً، سنة وشيعة، مسلمين ومسيحيين، متساوين أمام القانون في الحقوق والواجبات ضمن إطار دولة العراق، فهي الضمانة الحقيقية للتوافق وركيزة أساسية لبناء الديمقراطية والمجتمع المدني، لأن نتاج (الديمقراطية) القائمة على الطائفية والقومية والدينية لا يمكن أن يحقق الاستقرار والتوافق الوطني، فهذه الديمقراطية أجندة المحتل واستراتيجيته المستقبلية، وعندما يجد نفسه في مأزق التعامل مع الشعب العراقي ووطنيته وولائه، وأحزابه الوطنية، فلا يجد أمامه إلا فرص مشاريع تقسيمية للعراق، ومشاريع حرب داخلية طاحنة. لأن المشهد العراقي، من دون توافق وطني حقيقي، سيؤدي إلى (بلقنة) العراق وإطالة أمد الاحتلال، وإنشاء قواعد عسكرية له، وإيقاظ الحرب الأهلية، وقيام الفيدرالية الطائفية بين سنة وشيعة وأكراد. ومثلما تكون المواطنة جوهر وجود العراق ووحدته وقوته، فإن الحاجة تتطلب تجذير الديمقراطية في الأحزاب، وتعميق ثقافة الديمقراطية باتجاه تداول سلطة الحزب، وعصرنة أداء السياسي العراقي، واستيعابه للعبة الديمقراطية، وإشاعة ثقافة صوت الرافض داخل البرلمان واحترام رؤيته واجتهاداته. والأهم أن يكون هناك تلون سياسي داخل كل ائتلاف طائفي أو قومي يقضي على سيادة الحزب الواحد داخل الطائفة، بمعنى أن يكون الائتلاف الموحد عراقياً وليس شيعياً صرفاً، والتوافق عراقياً وليس سنياً، والتحالف الكردي عراقياً وليس كردياً.
وإذا كانت الديمقراطية حاجة ماسة، فإن الحاجة أقوى إلى إشاعة ثقافة ممارسة الديمقراطية، وتعويد الشعب على كيفية اختيار السياسي الأصلح، واحترام الرأي الآخر، لأن العراق يحتاج اليوم إلى ترميم النفوس قبل ترميم البيوت والجسور، وإعادة بنائه سياسياً بما ينسجم مع الحالة الوطنية للانتماء. لأن البيئة السياسية العراقية الحالية، هي بيئة صراعية غير صحية أوجدها المحتل، واستثمرها لمصالحه السياسية وأجندته الخاصة، وهي بيئة المحاصصة الطائفية، وصراعات الطوائف والقوميات والأعراق، بيئة الفتن الطائفية، والتفجيرات وألغام الإعلام الطائفي، وكلها قنوات شجعها وأوقدها المحتل لإلهاء المواطن بموضوعات ثانوية، وإبعاده عن التفكير بممارساته وأجندته السرية، وأخطرها الحرب الأهلية وتقسيم العراق.

::/fulltext::
::cck::2896::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *