المرأة العراقية رحلة الألم الدائم نحو المستقبل غير الواضح
::cck::2898::/cck::
::introtext::
ألقت الحقب السياسية التي تداولت على حكم العراق منذ مرحلة التحرر الوطني من الاستعمار البريطاني وحتى عهد الاحتلال الأمريكي بأحمالها الثقيلة على كيان المرأة العراقية، حيث انعكست المشكلة السياسية على وضع المرأة الاجتماعي العام لما عرف عن المجتمع العراقي بأنه مجتمع انقلابات وحروب وأزمات، وقد عكس نصف القرن الماضي معاناة مركبة في مقدمتها التذبذب وعدم الاستقرار في القوانين الخاصة بالمرأة والأسرة.
::/introtext::
::fulltext::
ألقت الحقب السياسية التي تداولت على حكم العراق منذ مرحلة التحرر الوطني من الاستعمار البريطاني وحتى عهد الاحتلال الأمريكي بأحمالها الثقيلة على كيان المرأة العراقية، حيث انعكست المشكلة السياسية على وضع المرأة الاجتماعي العام لما عرف عن المجتمع العراقي بأنه مجتمع انقلابات وحروب وأزمات، وقد عكس نصف القرن الماضي معاناة مركبة في مقدمتها التذبذب وعدم الاستقرار في القوانين الخاصة بالمرأة والأسرة.
في العهد الجمهوري الأول عام 1958 أجرى عبد الكريم قاسم من خلال قانون الأحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959 بعض التحسينات على وضع المرأة العراقية بمنحها بعض الحقوق والامتيازات مثل الحد من تعدد الزوجات وقانون الطلاق وقانون الإرث وغيرها، ليتيح للمرأة تنفس بعض نسائم الحرية، وفي هذا العهد أيضاً حصلت المرأة على منصب وزيرة وهي أول وزيرة في المنطقة العربية وهي المحامية نزيهة الدليمي المقيمة حالياً في باريس، وكانت المرأة قد لبت أيضاً دعوات التطور في الالتحاق بالتعليم الجامعي المختلط والتعليم خارج القطر والمشاركة في البعثات الدراسية الحكومية في الخارج والسفور وقيادة السيارة وغيرها من المظاهر التي كانت حكراً على الرجال، بيد أن ذلك الوضع ظل مقتصراً على مجتمع المدينة وخاصة العاصمة بغداد، فالمشكلة الأكبر كانت في حياة المرأة الريفية بما يشكله مجتمع الريف من نسبة تتجاوز 70 في المائة من المجتمع العراقي، حيث تمتد ثقافة المرأة الريفية إلى المرأة التي تسكن المدينة أيضاً، فغالبية سكان المدن ينحدرون من أصل ريفي فلاحي لم تتمكن علاقات الإنتاج في المصانع وحياة المدينة من إحداث تغيير في النظرة إلى المرأة، التي عانت من التسلط الاجتماعي للرجل والمجتمع الذكوري والذي اُستغلت فيه المرأة بشكل كبير، فالمرأة تعمل في الحقل، وتسوق المحاصيل، وتدبر أمور البيت من طعام ولباس وتربية الأطفال وإنجاب الكثير منهم والاعتناء بالدواجن والحيوانات وهي أعمال متعبة ومرهقة للمرأة بالإضافة إلى حرمانها في الغالب من فرصة التعليم أو الاستمرار فيه وفي الرعاية الصحية وغيرها.
ولم تستطع المرأة بصورة عامة أن تتجاوز الكثير من المشكلات حتى أوقات قريبة، فالإحصائيات المعتمدة لسنة 2001 والتي أجريت من قبل اليونسيف (who & unicef ) بخصوص الوضع الصحي للإنسان في العراق كانت قد وضعت معدل طول العمر بالنسبة للنساء بحدود 63 سنة، والأطفال يموتون في العراق تحت سن الخامسة بنسبة 133 لكل 1000 ولادة حية، والأمهات يتوفين عند الولادة بنسبة 294 لكل 100 ألف ولادة، ويعاني الأطفال من سوء التغذية بنسبة 1 لكل 5 أطفال، وربع مجموع المواليد الجدد يولدون بأوزان تقل عن الوزن الطبيعي.
إن تلك المؤشرات المؤلمة تعطي تفسيراً واضحاً من أن المرأة العراقية تعيش في مجتمع لم يحقق لها الأمان والرعاية الاجتماعية والصحية.
في العهد الجمهوري الخامس، فرضت السلطة ضوابط تقترب من سلطة القوانين حالت بوساطتها دولة مشاركة المرأة مثلاً في العمل الدبلوماسي في الخارج والسفر إلا بمرافقة محرم، بالمقابل أشركت المرأة في العمل الحزبي عبر واجهة اتحاد النساء الذي تمكن من النفوذ إلى قوانين الأحوال الشخصية لتمنح المرأة حقوقاً إضافية في مجال الحقوق الشرعية في الزواج والطلاق وحضانة الأطفال وفي الاحتفاظ ببيت الزوجية بعد الطلاق، كما استطاع اتحاد النساء التدخل في قضايا حل المشكلات الزوجية مثل استدعاء الأزواج ومحاسبتهم بخصوص معاملة المرأة وقضايا حضانة الأطفال وجلسات المشاهدة للزوج المطلق لأطفاله في مقرات اتحاد النساء وسواها، ولا ينكر أن تلك المرحلة شهدت إعطاء المرأة بعض الامتيازات لتكون قاضية وأن تصل إلى محكمة التمييز، وأن تتساوى كلياً بفرصة التعليم في الجامعات والمعاهد وغير ذلك وفي حرية ارتداء الحجاب من عدمه، وقد شهد هذا العهد وصول المرأة إلى منصب عضو في القيادات العليا ولكن عبر منفذ واحد هو حزب البعث.
إن تلك الامتيازات لم تصل إلى عموم النساء أي غير المنتسبات إلى الحزب، رغم ذلك فإن التطور الاجتماعي الطبيعي للمرأة أفرز حصول المرأة على كثير من الفرص الاجتماعية باجتهادها الخاص لتكون عالمة وأستاذة وجراحة وشخصية اجتماعية وغير ذلك، ولكن مع حاجز الخوف من أن تكون السلطة الحاكمة راضية أو غير راضية عن أدائها. كما أن الإرث الذي عاشته وتعيشه المرأة العراقية نتيجة العوامل السياسية والحروب السابقة التي تسببت بمقتل مئات الآلاف في ساحات المعارك أفرز وضعاً مأساوياً للمرأة العراقية يصل إلى حد الفجيعة بفقدان أفراد الأسرة والمعيل، وكذلك واجهت تحدياً كبيراً وصل إلى حد وجودها الاجتماعي والإنساني، وإذا استذكرنا الحرب العراقية-الإيرانية التي دامت ثماني سنوات (1980-1988) فإن أكثر من مليون امرأة أصبحت ثكلى أو أرملة أو يتيمة، وانعكس ذلك سلبا على بناء المؤسسة العائلية وبروز ظاهرة (تأنيث العوائل) كما وصفتها الدكتورة (فوزية العطية) وهذا بحد ذاته تحدٍ كبير قصم ظهر المرأة وملأ مخيلتها بالألم والعذاب اليومي، ووسم شخصيتها بذاكرة متشحة بالسواد، فطيلة سنين الحرب ساد اللون الأسود لباس المرأة وحزنها المتصل مع حروب لاحقة تسببت بخسائر بشرية هائلة حتى وصل التدمير إلى المرأة من خلال القصف للبيوت في حروب خاسرة تسببها النظام السياسي السابق.
إن تلك التحديات تركت ندباً وانكسارات هائلة في نفسية المرأة وفي وضعها الاجتماعي وحالت في الغالب دون انعتاقها واندماجها في المجتمع خارج إطار البلد أو مع بيئتها المهددة دوماً.كما أن مجتمع الحروب الذي عاشه المجتمع عموماً والمرأة العراقية خاصة أنتج حالة العوز الدائم ولم تكن الإجراءات الحكومية كافية لمعالجة وضع المرأة، فلم تكن المرأة العراقية تعرف حالة التسول أو امتهان أعمال وضيعة ومهينة، ولم تكن أيضاً المرأة العراقية إلا عزيزة في بيتها وعملها، لكن حالة التشرذم والبحث في المقابر والسجون خدشت كرامتها وأذلتها، ولا يستثنى زمن سياسي من ظواهر استلاب المرأة من قبل أجهزة القمع والقتل والتصفيات الجسدية وخاصة للرموز الاجتماعية لاسيما اللواتي اشتركن في الحياة السياسية، وتعرض الأسر التي يعتقل أبناؤها لأسباب شتى إلى إهانة المرأة في عقر دارها واستخدامها كورقة لانتزاع الاعترافات من قبل المعتقلين.
إن التغيير السياسي الذي حدث في 9 إبريل 2003 والذي كان بمثابة تغيير دراماتيكي دفع المجتمع إلى فوضى اجتماعية شاملة، نتيجة التحديات الأمنية وتفجر الأوضاع العامة والتصعيد الطائفي، التي هزت كيان المجتمع بالكامل، جعل المرأة أكثر عرضة للمخاطر وفي حالة خوف وهلع دائمين نتيجة لاقتحام البيوت من مختلف الأطراف، المحتل أو الميليشيات أو عناصر مسلحة مجهولة، والتي تلاحق خصومها حتى البيوت. وهنا دخلت المرأة في مرحلة جديدة كيف تحمي الأسرة وتدافع عن وجودها في مثل هذه الأوضاع التي تعصف بالمجتمع؟
إن مشروع الدولة الجديد الذي طالب بأن تكون مشاركة المرأة السياسية بنسبة 25 في المائة لم يكن مستنداً إلى أرضية مهيئة لهذا القرار، وأدخل المرأة في تقاطع النيران بين الرجال وخصوماتهم السياسية والتهديد الأمني المتواصل، بل تعدى ذلك إلى رفض مشاركة المرأة السياسية من قبل قوى سياسية معارضة ابتدأ بالجريمة السياسية تجاه المرأة بمقتل عضو مجلس الحكم الدكتورة عقيلة الهاشمي، واختطاف واغتيال وتهديد العديد من النساء المشاركات في العمل السياسي من قبل أطراف عديدة. بالإضافة إلى مقتل المئات من النساء في الشوارع والبيوت عبر المتفجرات والمفخخات مما هزّ كيان واستقرار المرأة والأسرة، كما أن هناك دعوات علنية لتهميش مشاركة المرأة والالتفاف على حصتها (25 في المائة) في المشاركة السياسية من قبل تيارات متعددة مشاركة في العملية السياسية أو من خارجها، حتى وصل الأمر إلى تكفير تلك المشاركة رغم الفرصة المتاحة لها دستورياً، وشهدت هذه المرحلة مؤشرات تمثلت بمنح المرأة حقائب وزارية غير سيادية وهو ما قد يراه البعض تجميلاً لشكل السلطة الجديد، وتم فتح المجال لعمل المرأة في السلك الدبلوماسي في الخارج وفي الإيفاد والسفر من دون محرم، إلا أن الوضع الاجتماعي للمرأة ظل متدهوراً فمثلاً منعت المرأة في بعض المناطق من الذهاب إلى العمل كما في الأنبار وديالى، وشيوع سلطة الخوف والإرهاب السياسي والاجتماعي واستشراء الخطف والعصابات واغتيال العشرات من المشتغلات بقضايا الثقافة والفكر والإعلام وفرض ارتداء الحجاب بدعوى التدين وغيرها، لكن الكثير من النساء في العراق أثبتن قدرتهن على تحدي هذا الواقع من خلال المنتديات الثقافية والمشاركة في منظمات المجتمع المدني بتشكيلاته المختلفة التي وصلت إلى أكثر إلى من 8000 منظمة، وعلى الرغم مما يوجه إلى تلك المنظمات من نقد بخصوص مرجعياتها وعدم وضوح مصادر تمويلها وفي الصورة النمطية السالبة عن فاعليتها، إلا أنه يمكن أن تشكل تلك المنظمات جماعات ضغط على الحكومة وعلى القرارات التي يتخذها البرلمان بخصوص المرأة وقضايا المجتمع، فمثلاً عندما صدر القرار (137) والذي كان ينص على إلغاء قانون الأحوال الشخصية قامت منظمات المجتمع المدني النسائية بدور فاعل استطاعت من خلال الاعتصامات والاحتجاجات أن تحصل على قرار بإيقاف تنفيذ هذا القانون قبل صدور مسودة الدستور فضلاً عن المقترحات والتوصيات التي قدمت من قبل تلك المنظمات لمسودة الدستور في ما يتعلق بحقوق المرأة.
لقد أفرزت حالة اللاستقرار السياسي والاقتصادي والانخراط في التشكيلات السياسية المتصارعة وحالة الهروب والهجرة والتهجير وضعا حال دون استقرار المجتمع مما رفع نسبة عزوف الشباب عن الزواج بتقديرات كبيرة جداً، بمعنى ارتفاع نسبة العنوسة عند الإناث، فضلاً عن حالة القلق الاجتماعي والتسلط الذكوري الممتد لكل مفاصل المجتمع والذي حرم المرأة العراقية من فرصة الانطلاق ومحاكاة المجتمع الإنساني، وفرض عليها حالة التردد والخوف برغم إمكانياتها العقلية المشهودة وذكائها ودورها الريادي بالنسبة للمرأة العربية في الإبداع والفنون والآداب والعلوم.
إن فرضية الحداثة التقليدية بأن انتشار التعليم ووسائل الاتصال الحديثة وزيادة النمو الاقتصادي وتطوير مؤسسات الدولة كفيلة بتطوير المرأة تظل موضع شك بالنسبة للمرأة العراقية التي تعيش وضعاً اجتماعياً صعباً وإن طال الحديث عن قوانين جديدة تتيح لها حرية الانعتاق من جديد.
ورغم كل الموروث الحزين الذي تختزنه الذاكرة النسائية العراقية إلا أن قدرتها تكاد تكون استثنائية في المشاركة في صنع الأحداث، وعدم انزوائها الاجتماعي، كما أن ذلك يرشح المرأة العراقية التي وقفت دوماً في خضم الصراعات المتفجرة في العراق إلى انتزاع دور مستقبلي أكبر عند استقرار الأمور في البلاد شرط بروز قيادات سياسية متفهمة لمعادلة أن نسبة النساء في العراق تشكل أكثر من نصف المجتمع، وأن مهام بناء العراق المنشود يتطلب عملاً دؤوباً لمشاركة واسعة واستثنائية للنصف شبه المعطل من المجتمع ألا وهو المرأة التي ستكون المصدر الفاعل في الاستقرار والتهدئة الاجتماعية يساعدها ارتفاع مستوى التعليم وتفعيل ذلك المستوى بالانفتاح على المجتمع الدولي وتدخله في تأكيد حقوق المرأة ومجالات اشتغالها بفاعلية في تحقيق التفاعل الحضاري الذي يحد من تفرد الرجل في اتخاذ القرارات.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2898::/cck::
::introtext::
ألقت الحقب السياسية التي تداولت على حكم العراق منذ مرحلة التحرر الوطني من الاستعمار البريطاني وحتى عهد الاحتلال الأمريكي بأحمالها الثقيلة على كيان المرأة العراقية، حيث انعكست المشكلة السياسية على وضع المرأة الاجتماعي العام لما عرف عن المجتمع العراقي بأنه مجتمع انقلابات وحروب وأزمات، وقد عكس نصف القرن الماضي معاناة مركبة في مقدمتها التذبذب وعدم الاستقرار في القوانين الخاصة بالمرأة والأسرة.
::/introtext::
::fulltext::
ألقت الحقب السياسية التي تداولت على حكم العراق منذ مرحلة التحرر الوطني من الاستعمار البريطاني وحتى عهد الاحتلال الأمريكي بأحمالها الثقيلة على كيان المرأة العراقية، حيث انعكست المشكلة السياسية على وضع المرأة الاجتماعي العام لما عرف عن المجتمع العراقي بأنه مجتمع انقلابات وحروب وأزمات، وقد عكس نصف القرن الماضي معاناة مركبة في مقدمتها التذبذب وعدم الاستقرار في القوانين الخاصة بالمرأة والأسرة.
في العهد الجمهوري الأول عام 1958 أجرى عبد الكريم قاسم من خلال قانون الأحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959 بعض التحسينات على وضع المرأة العراقية بمنحها بعض الحقوق والامتيازات مثل الحد من تعدد الزوجات وقانون الطلاق وقانون الإرث وغيرها، ليتيح للمرأة تنفس بعض نسائم الحرية، وفي هذا العهد أيضاً حصلت المرأة على منصب وزيرة وهي أول وزيرة في المنطقة العربية وهي المحامية نزيهة الدليمي المقيمة حالياً في باريس، وكانت المرأة قد لبت أيضاً دعوات التطور في الالتحاق بالتعليم الجامعي المختلط والتعليم خارج القطر والمشاركة في البعثات الدراسية الحكومية في الخارج والسفور وقيادة السيارة وغيرها من المظاهر التي كانت حكراً على الرجال، بيد أن ذلك الوضع ظل مقتصراً على مجتمع المدينة وخاصة العاصمة بغداد، فالمشكلة الأكبر كانت في حياة المرأة الريفية بما يشكله مجتمع الريف من نسبة تتجاوز 70 في المائة من المجتمع العراقي، حيث تمتد ثقافة المرأة الريفية إلى المرأة التي تسكن المدينة أيضاً، فغالبية سكان المدن ينحدرون من أصل ريفي فلاحي لم تتمكن علاقات الإنتاج في المصانع وحياة المدينة من إحداث تغيير في النظرة إلى المرأة، التي عانت من التسلط الاجتماعي للرجل والمجتمع الذكوري والذي اُستغلت فيه المرأة بشكل كبير، فالمرأة تعمل في الحقل، وتسوق المحاصيل، وتدبر أمور البيت من طعام ولباس وتربية الأطفال وإنجاب الكثير منهم والاعتناء بالدواجن والحيوانات وهي أعمال متعبة ومرهقة للمرأة بالإضافة إلى حرمانها في الغالب من فرصة التعليم أو الاستمرار فيه وفي الرعاية الصحية وغيرها.
ولم تستطع المرأة بصورة عامة أن تتجاوز الكثير من المشكلات حتى أوقات قريبة، فالإحصائيات المعتمدة لسنة 2001 والتي أجريت من قبل اليونسيف (who & unicef ) بخصوص الوضع الصحي للإنسان في العراق كانت قد وضعت معدل طول العمر بالنسبة للنساء بحدود 63 سنة، والأطفال يموتون في العراق تحت سن الخامسة بنسبة 133 لكل 1000 ولادة حية، والأمهات يتوفين عند الولادة بنسبة 294 لكل 100 ألف ولادة، ويعاني الأطفال من سوء التغذية بنسبة 1 لكل 5 أطفال، وربع مجموع المواليد الجدد يولدون بأوزان تقل عن الوزن الطبيعي.
إن تلك المؤشرات المؤلمة تعطي تفسيراً واضحاً من أن المرأة العراقية تعيش في مجتمع لم يحقق لها الأمان والرعاية الاجتماعية والصحية.
في العهد الجمهوري الخامس، فرضت السلطة ضوابط تقترب من سلطة القوانين حالت بوساطتها دولة مشاركة المرأة مثلاً في العمل الدبلوماسي في الخارج والسفر إلا بمرافقة محرم، بالمقابل أشركت المرأة في العمل الحزبي عبر واجهة اتحاد النساء الذي تمكن من النفوذ إلى قوانين الأحوال الشخصية لتمنح المرأة حقوقاً إضافية في مجال الحقوق الشرعية في الزواج والطلاق وحضانة الأطفال وفي الاحتفاظ ببيت الزوجية بعد الطلاق، كما استطاع اتحاد النساء التدخل في قضايا حل المشكلات الزوجية مثل استدعاء الأزواج ومحاسبتهم بخصوص معاملة المرأة وقضايا حضانة الأطفال وجلسات المشاهدة للزوج المطلق لأطفاله في مقرات اتحاد النساء وسواها، ولا ينكر أن تلك المرحلة شهدت إعطاء المرأة بعض الامتيازات لتكون قاضية وأن تصل إلى محكمة التمييز، وأن تتساوى كلياً بفرصة التعليم في الجامعات والمعاهد وغير ذلك وفي حرية ارتداء الحجاب من عدمه، وقد شهد هذا العهد وصول المرأة إلى منصب عضو في القيادات العليا ولكن عبر منفذ واحد هو حزب البعث.
إن تلك الامتيازات لم تصل إلى عموم النساء أي غير المنتسبات إلى الحزب، رغم ذلك فإن التطور الاجتماعي الطبيعي للمرأة أفرز حصول المرأة على كثير من الفرص الاجتماعية باجتهادها الخاص لتكون عالمة وأستاذة وجراحة وشخصية اجتماعية وغير ذلك، ولكن مع حاجز الخوف من أن تكون السلطة الحاكمة راضية أو غير راضية عن أدائها. كما أن الإرث الذي عاشته وتعيشه المرأة العراقية نتيجة العوامل السياسية والحروب السابقة التي تسببت بمقتل مئات الآلاف في ساحات المعارك أفرز وضعاً مأساوياً للمرأة العراقية يصل إلى حد الفجيعة بفقدان أفراد الأسرة والمعيل، وكذلك واجهت تحدياً كبيراً وصل إلى حد وجودها الاجتماعي والإنساني، وإذا استذكرنا الحرب العراقية-الإيرانية التي دامت ثماني سنوات (1980-1988) فإن أكثر من مليون امرأة أصبحت ثكلى أو أرملة أو يتيمة، وانعكس ذلك سلبا على بناء المؤسسة العائلية وبروز ظاهرة (تأنيث العوائل) كما وصفتها الدكتورة (فوزية العطية) وهذا بحد ذاته تحدٍ كبير قصم ظهر المرأة وملأ مخيلتها بالألم والعذاب اليومي، ووسم شخصيتها بذاكرة متشحة بالسواد، فطيلة سنين الحرب ساد اللون الأسود لباس المرأة وحزنها المتصل مع حروب لاحقة تسببت بخسائر بشرية هائلة حتى وصل التدمير إلى المرأة من خلال القصف للبيوت في حروب خاسرة تسببها النظام السياسي السابق.
إن تلك التحديات تركت ندباً وانكسارات هائلة في نفسية المرأة وفي وضعها الاجتماعي وحالت في الغالب دون انعتاقها واندماجها في المجتمع خارج إطار البلد أو مع بيئتها المهددة دوماً.كما أن مجتمع الحروب الذي عاشه المجتمع عموماً والمرأة العراقية خاصة أنتج حالة العوز الدائم ولم تكن الإجراءات الحكومية كافية لمعالجة وضع المرأة، فلم تكن المرأة العراقية تعرف حالة التسول أو امتهان أعمال وضيعة ومهينة، ولم تكن أيضاً المرأة العراقية إلا عزيزة في بيتها وعملها، لكن حالة التشرذم والبحث في المقابر والسجون خدشت كرامتها وأذلتها، ولا يستثنى زمن سياسي من ظواهر استلاب المرأة من قبل أجهزة القمع والقتل والتصفيات الجسدية وخاصة للرموز الاجتماعية لاسيما اللواتي اشتركن في الحياة السياسية، وتعرض الأسر التي يعتقل أبناؤها لأسباب شتى إلى إهانة المرأة في عقر دارها واستخدامها كورقة لانتزاع الاعترافات من قبل المعتقلين.
إن التغيير السياسي الذي حدث في 9 إبريل 2003 والذي كان بمثابة تغيير دراماتيكي دفع المجتمع إلى فوضى اجتماعية شاملة، نتيجة التحديات الأمنية وتفجر الأوضاع العامة والتصعيد الطائفي، التي هزت كيان المجتمع بالكامل، جعل المرأة أكثر عرضة للمخاطر وفي حالة خوف وهلع دائمين نتيجة لاقتحام البيوت من مختلف الأطراف، المحتل أو الميليشيات أو عناصر مسلحة مجهولة، والتي تلاحق خصومها حتى البيوت. وهنا دخلت المرأة في مرحلة جديدة كيف تحمي الأسرة وتدافع عن وجودها في مثل هذه الأوضاع التي تعصف بالمجتمع؟
إن مشروع الدولة الجديد الذي طالب بأن تكون مشاركة المرأة السياسية بنسبة 25 في المائة لم يكن مستنداً إلى أرضية مهيئة لهذا القرار، وأدخل المرأة في تقاطع النيران بين الرجال وخصوماتهم السياسية والتهديد الأمني المتواصل، بل تعدى ذلك إلى رفض مشاركة المرأة السياسية من قبل قوى سياسية معارضة ابتدأ بالجريمة السياسية تجاه المرأة بمقتل عضو مجلس الحكم الدكتورة عقيلة الهاشمي، واختطاف واغتيال وتهديد العديد من النساء المشاركات في العمل السياسي من قبل أطراف عديدة. بالإضافة إلى مقتل المئات من النساء في الشوارع والبيوت عبر المتفجرات والمفخخات مما هزّ كيان واستقرار المرأة والأسرة، كما أن هناك دعوات علنية لتهميش مشاركة المرأة والالتفاف على حصتها (25 في المائة) في المشاركة السياسية من قبل تيارات متعددة مشاركة في العملية السياسية أو من خارجها، حتى وصل الأمر إلى تكفير تلك المشاركة رغم الفرصة المتاحة لها دستورياً، وشهدت هذه المرحلة مؤشرات تمثلت بمنح المرأة حقائب وزارية غير سيادية وهو ما قد يراه البعض تجميلاً لشكل السلطة الجديد، وتم فتح المجال لعمل المرأة في السلك الدبلوماسي في الخارج وفي الإيفاد والسفر من دون محرم، إلا أن الوضع الاجتماعي للمرأة ظل متدهوراً فمثلاً منعت المرأة في بعض المناطق من الذهاب إلى العمل كما في الأنبار وديالى، وشيوع سلطة الخوف والإرهاب السياسي والاجتماعي واستشراء الخطف والعصابات واغتيال العشرات من المشتغلات بقضايا الثقافة والفكر والإعلام وفرض ارتداء الحجاب بدعوى التدين وغيرها، لكن الكثير من النساء في العراق أثبتن قدرتهن على تحدي هذا الواقع من خلال المنتديات الثقافية والمشاركة في منظمات المجتمع المدني بتشكيلاته المختلفة التي وصلت إلى أكثر إلى من 8000 منظمة، وعلى الرغم مما يوجه إلى تلك المنظمات من نقد بخصوص مرجعياتها وعدم وضوح مصادر تمويلها وفي الصورة النمطية السالبة عن فاعليتها، إلا أنه يمكن أن تشكل تلك المنظمات جماعات ضغط على الحكومة وعلى القرارات التي يتخذها البرلمان بخصوص المرأة وقضايا المجتمع، فمثلاً عندما صدر القرار (137) والذي كان ينص على إلغاء قانون الأحوال الشخصية قامت منظمات المجتمع المدني النسائية بدور فاعل استطاعت من خلال الاعتصامات والاحتجاجات أن تحصل على قرار بإيقاف تنفيذ هذا القانون قبل صدور مسودة الدستور فضلاً عن المقترحات والتوصيات التي قدمت من قبل تلك المنظمات لمسودة الدستور في ما يتعلق بحقوق المرأة.
لقد أفرزت حالة اللاستقرار السياسي والاقتصادي والانخراط في التشكيلات السياسية المتصارعة وحالة الهروب والهجرة والتهجير وضعا حال دون استقرار المجتمع مما رفع نسبة عزوف الشباب عن الزواج بتقديرات كبيرة جداً، بمعنى ارتفاع نسبة العنوسة عند الإناث، فضلاً عن حالة القلق الاجتماعي والتسلط الذكوري الممتد لكل مفاصل المجتمع والذي حرم المرأة العراقية من فرصة الانطلاق ومحاكاة المجتمع الإنساني، وفرض عليها حالة التردد والخوف برغم إمكانياتها العقلية المشهودة وذكائها ودورها الريادي بالنسبة للمرأة العربية في الإبداع والفنون والآداب والعلوم.
إن فرضية الحداثة التقليدية بأن انتشار التعليم ووسائل الاتصال الحديثة وزيادة النمو الاقتصادي وتطوير مؤسسات الدولة كفيلة بتطوير المرأة تظل موضع شك بالنسبة للمرأة العراقية التي تعيش وضعاً اجتماعياً صعباً وإن طال الحديث عن قوانين جديدة تتيح لها حرية الانعتاق من جديد.
ورغم كل الموروث الحزين الذي تختزنه الذاكرة النسائية العراقية إلا أن قدرتها تكاد تكون استثنائية في المشاركة في صنع الأحداث، وعدم انزوائها الاجتماعي، كما أن ذلك يرشح المرأة العراقية التي وقفت دوماً في خضم الصراعات المتفجرة في العراق إلى انتزاع دور مستقبلي أكبر عند استقرار الأمور في البلاد شرط بروز قيادات سياسية متفهمة لمعادلة أن نسبة النساء في العراق تشكل أكثر من نصف المجتمع، وأن مهام بناء العراق المنشود يتطلب عملاً دؤوباً لمشاركة واسعة واستثنائية للنصف شبه المعطل من المجتمع ألا وهو المرأة التي ستكون المصدر الفاعل في الاستقرار والتهدئة الاجتماعية يساعدها ارتفاع مستوى التعليم وتفعيل ذلك المستوى بالانفتاح على المجتمع الدولي وتدخله في تأكيد حقوق المرأة ومجالات اشتغالها بفاعلية في تحقيق التفاعل الحضاري الذي يحد من تفرد الرجل في اتخاذ القرارات.
::/fulltext::
::cck::2898::/cck::
