الخلل السكاني.. رؤية مغايرة

::cck::2956::/cck::
::introtext::

أدبيات التنمية البشرية المتعلقة بمعالجة الخلل في التركيبة السكانية في الخليج، وعلى امتداد أربعة عقود، تنذر وتحذر وتثير الفزع في نفوس الخليجيين من الآثار والانعكاسات والتداعيات السلبية الخطيرة، الناتجة عن تدفق العمالة الآسيوية الوافدة على الوضع السكاني في دول مجلس التعاون. وقد دأب مثقفو الخليج على تضخيم المخاوف وبث الرعب في نفوسنا من جراء هذا الطوفان التسونامي الآسيوي الذي سيجرفنا، ويجعلنا أقلية هامشية، تذوب شخصيتها، وتفقد هويتها، وتضيع لغتها، وتهمش ثقافتها، وعبر رسم سيناريو مظلم لمستقبل الخليج، ومؤخرا كتبت الدكتورة حصة لوتاه، تقول: إن (عام 2020 يحمل مؤشرات مرعبة لجهة أن الإماراتيين سيشكلون 4 في المائة من مجمل السكان) –(البيان 4/6)- دعونا الآن نطرح بعض الأسئلة: ما هي مظاهر الخلل السكاني؟ وما آثاره؟ وما مشروعية المخاوف والهواجس الحاصلة؟ وهل سيفقد الخليج هويته وثقافته وخصوصيته؟ وما هي المقترحات للحد من مظاهر وآثار الخلل السكاني؟

::/introtext::
::fulltext::

أدبيات التنمية البشرية المتعلقة بمعالجة الخلل في التركيبة السكانية في الخليج، وعلى امتداد أربعة عقود، تنذر وتحذر وتثير الفزع في نفوس الخليجيين من الآثار والانعكاسات والتداعيات السلبية الخطيرة، الناتجة عن تدفق العمالة الآسيوية الوافدة على الوضع السكاني في دول مجلس التعاون. وقد دأب مثقفو الخليج على تضخيم المخاوف وبث الرعب في نفوسنا من جراء هذا الطوفان التسونامي الآسيوي الذي سيجرفنا، ويجعلنا أقلية هامشية، تذوب شخصيتها، وتفقد هويتها، وتضيع لغتها، وتهمش ثقافتها، وعبر رسم سيناريو مظلم لمستقبل الخليج، ومؤخرا كتبت الدكتورة حصة لوتاه، تقول: إن (عام 2020 يحمل مؤشرات مرعبة لجهة أن الإماراتيين سيشكلون 4 في المائة من مجمل السكان) –(البيان 4/6)- دعونا الآن نطرح بعض الأسئلة: ما هي مظاهر الخلل السكاني؟ وما آثاره؟ وما مشروعية المخاوف والهواجس الحاصلة؟ وهل سيفقد الخليج هويته وثقافته وخصوصيته؟ وما هي المقترحات للحد من مظاهر وآثار الخلل السكاني؟

وفي ما يتعلق بالمظاهر، فهناك الاختلال في معدل النمو السكاني الذي أصبح مرتبطاً بتدفق العمالة الوافدة لا بنسبة الزيادة الطبيعية للمجتمع. وهناك الاختلال في نسبة النوع التي أصبحت في بعض دول مجلس التعاون (100 أنثى) في مقابل (251 ذكراً)، وهناك التشوّه الذي لحق بالهرم السكاني بسبب تضخم نسبة الفئة العمرية الشبابية من الذكور العاملين (20-40) سنة.

وهناك الخلل في هامشية مساهمة المواطنين الخليجيين في مجمل قوة العمل بسبب عدم تلاؤم مؤهلاتهم وقلة خبراتهم مع متطلبات التنمية واحتياجات سوق العمل، وهناك أيضاً الخلل في توزيع الكادر الوطني على المهن المختلفة سواء في الوظائف الفنية أو الإدارية أو الكتابية أو الإنتاجية أو المرافق والخدمات، وهناك الخلل المتمثل في التركيز على استقدام جنسيات معينة.

أما الآثار السلبية الناجمة عن هذا الخلل فعديدة، منها: آثار سياسية خطيرة تتمثل في ممارسة بعض الدول ضغوطاً أو تدخلاً بحجة حماية مصالح رعاياها وعمالتها، وقد تتطور إلى المطالبة بمزيد من الامتيازات والحقوق التي قد تصل إلى المطالبة بالاستفتاء وحق تقرير المصير، كما حصل في (سنغافورة) التي انفصلت عن الاتحاد الماليزي بسبب الأغلبية الصينية، وهناك حالة (فيجي) و(قبرص) ومنها آثار اقتصادية تستنزف جزءاً كبيراً من الموارد المالية عبر التحويلات المالية للعمالة الوافدة إلى بلدانها والتي تقدر بعشرات المليارات من الدولارات. إضافة إلى اعتماد الخليجيين على العمالة في كافة الأعمال الإنتاجية والخدمية والإنشائية وشيوع الاتكالية والمتاجرة بالإقامات والاستغلال السيئ للعمالة. وهناك الآثار الاجتماعية وتتمثل في ازدياد الجرائم وانتشار المخدرات والرشى والتزوير. أما السلبيات الثقافية فتتعلق بخلخلة العادات والتقاليد وضياع الهوية والشخصية الخليجية، وتهميش اللغة وتشويه القيم والمفاهيم مما يهدد التجانس الاجتماعي الخليجي ( راجع البحث القيم: واقع التركيبة السكانية في دولة الإمارات، الدكتور مطر أحمد عبدالله).
ترى ما حقيقة تلك السلبيات؟ وما مدى مشروعية تلك المخاوف؟  لا شك في أن المخاوف حقيقية ومشروعة، ويأتي تقرير وزارة الخارجية الأمريكية حول الاتجار بالبشر واستغلال العمالة الوافدة في الخليج ليؤكد تلك المخاوف.

ومع ذلك فإنني أتصور أن في الأمر تهويلاً مبالغاً فيه، لأسباب كثيرة، منها:

أولاً: ها نحن بعد نصف قرن من وجود العمالة الأجنبية في الخليج وبالرغم من التوسع الهائل في مشاريع البناء والتنمية والمرافق والخدمات حتى أصبحت منطقة الخليج أكبر منطقة (معولمة) تضج بثقافات وتقاليد وأعراف لأكثر من (120 جنسية). لم نفقد شيئا مما حذرونا منه، لا ذابت شخصيتنا، ولا تلاشت خصوصيتنا، ولا ضعفت ثقافتنا، ولا اهتزت عاداتنا وتقاليدنا، ولا همشت لغتنا، ولا فرطنا في شيء من الثوابت الدينية والوطنية والخليجية والقومية، بل زادت رسوخاً وثباتاً. فأين فقدان الهوية المزعوم؟ الهوية أشبه بالبصمة الوراثية، لا أحد يفقدها.

ثانياً: إن الاحتماء بحصن (الهوية) في عصر (العولمة) المكشوف أصبح غير مجدٍ، وهو يتناقض مع التوجه الخليجي نحو جذب مزيد من الاستثمارات الأجنبية بتطوير التشريعات المحلية لتنسجم من الاتفاقيات والمواثيق الدولية التي توجب احترام حقوق الإنسان وإزالة التمييز بين البشر، وتطالب بالتدفق الحر عبر الحدود للبشر والمال في إطار من الشفافية والإصلاح الاقتصادي والسياسي.

ثالثاً: صيحات التخويف والفزع من الانفتاح وتضخيم سلبيات العمالة الوافدة لا تتناسب وسياسات دول الخليج نحو خلق بيئة جاذبة مريحة، غير كارهة أو معادية للآخرين، وتستقطب الثقافات المختلفة، وتثرى بها الحياة الثقافية والاجتماعية في الخليج، وفي مقالة قيّمة للدكتور الربعي يقول: (المجتمع الكندي نموذج لواحد من أسرار تطور المجتمعات، وهو سر التنوع وقبول الآخرين، والتعايش في وطن واحد، بغض النظر عن المعتقدات والأجناس والأصول العرقية، وفي شوارع فانكوفر تشعر أنك تسير في بكين أو هونج كونج).

رابعاً: إن العمالة الآسيوية غير مسيّسة، لا تعنيها السياسة، وهي منشغلة دائماً بلقمة عيشها فلا تشكل خطورة سياسية. إن الخطورة الحقيقية على الخليج آتية من الانغلاق وسيادة النزعات التعصبية وانتشار الدعوات الأيديولوجية. وهؤلاء الأبناء الذين احتضنهم الإرهاب فانقلبوا علينا، إنما نشأوا وترعرعوا في ظل تربيتنا، ورضعوا من مناهجنا التعليمية، وحُرّضوا عبر منابرنا الدينية، وشحنوا عبر فضائياتنا ووسائلنا الإعلامية، هؤلاء هم الخطر الحقيقي لا العمالة الأجنبية.

خامساً: في ما يقال عن جرائم العمالة الآسيوية، فهي محدودة مقارنة بحجمها وبحجم العمالة العربية، ويجري تضخيمها إعلامياً لأهداف أيديولوجية سياسية، ومن باب تبرئة الذات واتهام الآخر، كما يقول الخبير الخليجي في الشؤون الآسيوية الدكتور عبدالله المدني – (الشرق الأوسط 23/1).

سادساً: في ما يتعلق بالتحويلات المالية للعمالة، يمكن امتصاصه داخليا عبر توفير فرص للاستثمارات وضمانات للبقاء والاستمرار والتملك، وتجربة (دبي) أكبر شاهد على قدرة الاقتصاد المحلي الهائلة، والتشريعات المنفتحة والرؤية السياسية الثاقبة في استقطاب الاستثمارات الخارجية من جهة، وضخ المرتبات والأجور والدخول في دورة الاقتصاد المحلي من جهة أخرى. (دبي) تقدم درساً خليجياً رائعاً في كيفية الإفادة من العمالة الوافدة مع الحد من سلبياتها، وهي بذلك تفند كل المخاوف المتراكمة حول خطورة وسلبيات العمالة الآسيوية.

سابعاً: أما الحديث عن انتشار قيم التواكل والاعتماد على الخدم والعمالة، وتهميش دور المواطن التنموي والإنتاجي، ومظاهر استغلال العمالة والمتاجرة بالتأشيرات وانتشار الرشى، فأمر لا علاقة له بالعمالة الوافدة ولا حتى بالخلل السكاني، وإنما يتعلق بمسؤولية المجتمع عامة بدءاً بنمط التربية السائد، مروراً بالتعليم وصعوداً ببرامج التأهيل والتدريب، وانتهاء بمدى تغلغل قيم الحداثة والتقدم، وانتشار قيم الولاء والانتماء والمسؤولية والمواطنة في النسيج المجتمعي. ومن المفارقات أن المجتمع الخليجي – قيادة وقاعدة- لا يشاطر المثقفين هواجسهم المبالغ فيها تجاه خطورة العمالة الآسيوية.

وأخيراً في ما يتعلق بالمقترحات والحلول فهي كثيرة، أبرزها: تفعيل التشريعات المتعلقة بالتوطين وتشجيع الخليجيين على زيادة النسل عبر العلاوات المختلفة، وتشجيع التزاوج الخليجي، وتفعيل قوانين الجنسية في الخليج، ومنح الجنسية لمن ولدوا وأقاموا في دول المجلس، وتشجيع الخليجيات على زيادة مساهمتهن في العمل، وتطوير مناهج التعليم بما يلبي احتياجات سوق العمل، وحق المواطنة الخليجية في منح جنسيتها لأولادها وزوجها، وتطوير التشريعات المحلية بما يتلاءم ومتطلبات العولمة الاقتصادية، وتطوير إجراءات ونظم استقدام العمالة، وإلغاء التمايزات بين أبناء المجتمع الواحد، وتفعيل مبدأ الثواب والعقاب، والمراقبة الحازمة، الشفافية، ومحاربة الفساد، وسيادة القانون.

 

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::2956::/cck::
::introtext::

أدبيات التنمية البشرية المتعلقة بمعالجة الخلل في التركيبة السكانية في الخليج، وعلى امتداد أربعة عقود، تنذر وتحذر وتثير الفزع في نفوس الخليجيين من الآثار والانعكاسات والتداعيات السلبية الخطيرة، الناتجة عن تدفق العمالة الآسيوية الوافدة على الوضع السكاني في دول مجلس التعاون. وقد دأب مثقفو الخليج على تضخيم المخاوف وبث الرعب في نفوسنا من جراء هذا الطوفان التسونامي الآسيوي الذي سيجرفنا، ويجعلنا أقلية هامشية، تذوب شخصيتها، وتفقد هويتها، وتضيع لغتها، وتهمش ثقافتها، وعبر رسم سيناريو مظلم لمستقبل الخليج، ومؤخرا كتبت الدكتورة حصة لوتاه، تقول: إن (عام 2020 يحمل مؤشرات مرعبة لجهة أن الإماراتيين سيشكلون 4 في المائة من مجمل السكان) –(البيان 4/6)- دعونا الآن نطرح بعض الأسئلة: ما هي مظاهر الخلل السكاني؟ وما آثاره؟ وما مشروعية المخاوف والهواجس الحاصلة؟ وهل سيفقد الخليج هويته وثقافته وخصوصيته؟ وما هي المقترحات للحد من مظاهر وآثار الخلل السكاني؟

::/introtext::
::fulltext::

أدبيات التنمية البشرية المتعلقة بمعالجة الخلل في التركيبة السكانية في الخليج، وعلى امتداد أربعة عقود، تنذر وتحذر وتثير الفزع في نفوس الخليجيين من الآثار والانعكاسات والتداعيات السلبية الخطيرة، الناتجة عن تدفق العمالة الآسيوية الوافدة على الوضع السكاني في دول مجلس التعاون. وقد دأب مثقفو الخليج على تضخيم المخاوف وبث الرعب في نفوسنا من جراء هذا الطوفان التسونامي الآسيوي الذي سيجرفنا، ويجعلنا أقلية هامشية، تذوب شخصيتها، وتفقد هويتها، وتضيع لغتها، وتهمش ثقافتها، وعبر رسم سيناريو مظلم لمستقبل الخليج، ومؤخرا كتبت الدكتورة حصة لوتاه، تقول: إن (عام 2020 يحمل مؤشرات مرعبة لجهة أن الإماراتيين سيشكلون 4 في المائة من مجمل السكان) –(البيان 4/6)- دعونا الآن نطرح بعض الأسئلة: ما هي مظاهر الخلل السكاني؟ وما آثاره؟ وما مشروعية المخاوف والهواجس الحاصلة؟ وهل سيفقد الخليج هويته وثقافته وخصوصيته؟ وما هي المقترحات للحد من مظاهر وآثار الخلل السكاني؟

وفي ما يتعلق بالمظاهر، فهناك الاختلال في معدل النمو السكاني الذي أصبح مرتبطاً بتدفق العمالة الوافدة لا بنسبة الزيادة الطبيعية للمجتمع. وهناك الاختلال في نسبة النوع التي أصبحت في بعض دول مجلس التعاون (100 أنثى) في مقابل (251 ذكراً)، وهناك التشوّه الذي لحق بالهرم السكاني بسبب تضخم نسبة الفئة العمرية الشبابية من الذكور العاملين (20-40) سنة.

وهناك الخلل في هامشية مساهمة المواطنين الخليجيين في مجمل قوة العمل بسبب عدم تلاؤم مؤهلاتهم وقلة خبراتهم مع متطلبات التنمية واحتياجات سوق العمل، وهناك أيضاً الخلل في توزيع الكادر الوطني على المهن المختلفة سواء في الوظائف الفنية أو الإدارية أو الكتابية أو الإنتاجية أو المرافق والخدمات، وهناك الخلل المتمثل في التركيز على استقدام جنسيات معينة.

أما الآثار السلبية الناجمة عن هذا الخلل فعديدة، منها: آثار سياسية خطيرة تتمثل في ممارسة بعض الدول ضغوطاً أو تدخلاً بحجة حماية مصالح رعاياها وعمالتها، وقد تتطور إلى المطالبة بمزيد من الامتيازات والحقوق التي قد تصل إلى المطالبة بالاستفتاء وحق تقرير المصير، كما حصل في (سنغافورة) التي انفصلت عن الاتحاد الماليزي بسبب الأغلبية الصينية، وهناك حالة (فيجي) و(قبرص) ومنها آثار اقتصادية تستنزف جزءاً كبيراً من الموارد المالية عبر التحويلات المالية للعمالة الوافدة إلى بلدانها والتي تقدر بعشرات المليارات من الدولارات. إضافة إلى اعتماد الخليجيين على العمالة في كافة الأعمال الإنتاجية والخدمية والإنشائية وشيوع الاتكالية والمتاجرة بالإقامات والاستغلال السيئ للعمالة. وهناك الآثار الاجتماعية وتتمثل في ازدياد الجرائم وانتشار المخدرات والرشى والتزوير. أما السلبيات الثقافية فتتعلق بخلخلة العادات والتقاليد وضياع الهوية والشخصية الخليجية، وتهميش اللغة وتشويه القيم والمفاهيم مما يهدد التجانس الاجتماعي الخليجي ( راجع البحث القيم: واقع التركيبة السكانية في دولة الإمارات، الدكتور مطر أحمد عبدالله).
ترى ما حقيقة تلك السلبيات؟ وما مدى مشروعية تلك المخاوف؟  لا شك في أن المخاوف حقيقية ومشروعة، ويأتي تقرير وزارة الخارجية الأمريكية حول الاتجار بالبشر واستغلال العمالة الوافدة في الخليج ليؤكد تلك المخاوف.

ومع ذلك فإنني أتصور أن في الأمر تهويلاً مبالغاً فيه، لأسباب كثيرة، منها:

أولاً: ها نحن بعد نصف قرن من وجود العمالة الأجنبية في الخليج وبالرغم من التوسع الهائل في مشاريع البناء والتنمية والمرافق والخدمات حتى أصبحت منطقة الخليج أكبر منطقة (معولمة) تضج بثقافات وتقاليد وأعراف لأكثر من (120 جنسية). لم نفقد شيئا مما حذرونا منه، لا ذابت شخصيتنا، ولا تلاشت خصوصيتنا، ولا ضعفت ثقافتنا، ولا اهتزت عاداتنا وتقاليدنا، ولا همشت لغتنا، ولا فرطنا في شيء من الثوابت الدينية والوطنية والخليجية والقومية، بل زادت رسوخاً وثباتاً. فأين فقدان الهوية المزعوم؟ الهوية أشبه بالبصمة الوراثية، لا أحد يفقدها.

ثانياً: إن الاحتماء بحصن (الهوية) في عصر (العولمة) المكشوف أصبح غير مجدٍ، وهو يتناقض مع التوجه الخليجي نحو جذب مزيد من الاستثمارات الأجنبية بتطوير التشريعات المحلية لتنسجم من الاتفاقيات والمواثيق الدولية التي توجب احترام حقوق الإنسان وإزالة التمييز بين البشر، وتطالب بالتدفق الحر عبر الحدود للبشر والمال في إطار من الشفافية والإصلاح الاقتصادي والسياسي.

ثالثاً: صيحات التخويف والفزع من الانفتاح وتضخيم سلبيات العمالة الوافدة لا تتناسب وسياسات دول الخليج نحو خلق بيئة جاذبة مريحة، غير كارهة أو معادية للآخرين، وتستقطب الثقافات المختلفة، وتثرى بها الحياة الثقافية والاجتماعية في الخليج، وفي مقالة قيّمة للدكتور الربعي يقول: (المجتمع الكندي نموذج لواحد من أسرار تطور المجتمعات، وهو سر التنوع وقبول الآخرين، والتعايش في وطن واحد، بغض النظر عن المعتقدات والأجناس والأصول العرقية، وفي شوارع فانكوفر تشعر أنك تسير في بكين أو هونج كونج).

رابعاً: إن العمالة الآسيوية غير مسيّسة، لا تعنيها السياسة، وهي منشغلة دائماً بلقمة عيشها فلا تشكل خطورة سياسية. إن الخطورة الحقيقية على الخليج آتية من الانغلاق وسيادة النزعات التعصبية وانتشار الدعوات الأيديولوجية. وهؤلاء الأبناء الذين احتضنهم الإرهاب فانقلبوا علينا، إنما نشأوا وترعرعوا في ظل تربيتنا، ورضعوا من مناهجنا التعليمية، وحُرّضوا عبر منابرنا الدينية، وشحنوا عبر فضائياتنا ووسائلنا الإعلامية، هؤلاء هم الخطر الحقيقي لا العمالة الأجنبية.

خامساً: في ما يقال عن جرائم العمالة الآسيوية، فهي محدودة مقارنة بحجمها وبحجم العمالة العربية، ويجري تضخيمها إعلامياً لأهداف أيديولوجية سياسية، ومن باب تبرئة الذات واتهام الآخر، كما يقول الخبير الخليجي في الشؤون الآسيوية الدكتور عبدالله المدني – (الشرق الأوسط 23/1).

سادساً: في ما يتعلق بالتحويلات المالية للعمالة، يمكن امتصاصه داخليا عبر توفير فرص للاستثمارات وضمانات للبقاء والاستمرار والتملك، وتجربة (دبي) أكبر شاهد على قدرة الاقتصاد المحلي الهائلة، والتشريعات المنفتحة والرؤية السياسية الثاقبة في استقطاب الاستثمارات الخارجية من جهة، وضخ المرتبات والأجور والدخول في دورة الاقتصاد المحلي من جهة أخرى. (دبي) تقدم درساً خليجياً رائعاً في كيفية الإفادة من العمالة الوافدة مع الحد من سلبياتها، وهي بذلك تفند كل المخاوف المتراكمة حول خطورة وسلبيات العمالة الآسيوية.

سابعاً: أما الحديث عن انتشار قيم التواكل والاعتماد على الخدم والعمالة، وتهميش دور المواطن التنموي والإنتاجي، ومظاهر استغلال العمالة والمتاجرة بالتأشيرات وانتشار الرشى، فأمر لا علاقة له بالعمالة الوافدة ولا حتى بالخلل السكاني، وإنما يتعلق بمسؤولية المجتمع عامة بدءاً بنمط التربية السائد، مروراً بالتعليم وصعوداً ببرامج التأهيل والتدريب، وانتهاء بمدى تغلغل قيم الحداثة والتقدم، وانتشار قيم الولاء والانتماء والمسؤولية والمواطنة في النسيج المجتمعي. ومن المفارقات أن المجتمع الخليجي – قيادة وقاعدة- لا يشاطر المثقفين هواجسهم المبالغ فيها تجاه خطورة العمالة الآسيوية.

وأخيراً في ما يتعلق بالمقترحات والحلول فهي كثيرة، أبرزها: تفعيل التشريعات المتعلقة بالتوطين وتشجيع الخليجيين على زيادة النسل عبر العلاوات المختلفة، وتشجيع التزاوج الخليجي، وتفعيل قوانين الجنسية في الخليج، ومنح الجنسية لمن ولدوا وأقاموا في دول المجلس، وتشجيع الخليجيات على زيادة مساهمتهن في العمل، وتطوير مناهج التعليم بما يلبي احتياجات سوق العمل، وحق المواطنة الخليجية في منح جنسيتها لأولادها وزوجها، وتطوير التشريعات المحلية بما يتلاءم ومتطلبات العولمة الاقتصادية، وتطوير إجراءات ونظم استقدام العمالة، وإلغاء التمايزات بين أبناء المجتمع الواحد، وتفعيل مبدأ الثواب والعقاب، والمراقبة الحازمة، الشفافية، ومحاربة الفساد، وسيادة القانون.

 

::/fulltext::
::cck::2956::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *