التخاطب بين الغرباء

::cck::2959::/cck::
::introtext::

كتبت الكثير من الدراسات والطروحات الأكاديمية حول التركيبة السكانية في بلدان مجلس التعاون الخليجي، وتركزت معظم هذه الدراسات على أن هذه التركيبة تستدعي الدراسة والبحث واتخاذ القرار، وبخاصة في دول المجلس التي تعاني من خلل كبير فيها، كدولة الإمارات مثلاً، التي أصبحت نسبة سكانها الأصليين ضئيلة جداً وفي تناقص شديد. ويسعى هذا المقال للمساهمة في النقاش والطروحات حول هذه القضية وما قد تشكله تداعياتها في المستقبل من احتمالات، مركزاً على قضية جوهرية تتعلق بإمكانية، أو بالأحرى بإشكالية وجود، والتفاهم بين الأفراد المختلفين في أنظمتهم الثقافية. وفي البداية لا بد من ذكر نقطتين مهمتين، الأولى: أن دول مجلس التعاون الخليجي ليست متشابهة، بل متفاوتة في إشكاليات أوضاعها السكانية، فالمملكة العربية السعودية وسلطنة عمان، على سبيل المثال، لا تعانيان من خلل في تركيبتهما السكانية بنفس الحجم الذي تعاني منه دولة الإمارات، وبالتالي لا يخشى كثيرا على أوضاع تلك البلدان في ما يتعلق مثلا بإمكانية حدوث خلل في منظومتها المجتمعية أو الثقافية.

 

::/introtext::
::fulltext::

كتبت الكثير من الدراسات والطروحات الأكاديمية حول التركيبة السكانية في بلدان مجلس التعاون الخليجي، وتركزت معظم هذه الدراسات على أن هذه التركيبة تستدعي الدراسة والبحث واتخاذ القرار، وبخاصة في دول المجلس التي تعاني من خلل كبير فيها، كدولة الإمارات مثلاً، التي أصبحت نسبة سكانها الأصليين ضئيلة جداً وفي تناقص شديد. ويسعى هذا المقال للمساهمة في النقاش والطروحات حول هذه القضية وما قد تشكله تداعياتها في المستقبل من احتمالات، مركزاً على قضية جوهرية تتعلق بإمكانية، أو بالأحرى بإشكالية وجود، والتفاهم بين الأفراد المختلفين في أنظمتهم الثقافية. وفي البداية لا بد من ذكر نقطتين مهمتين، الأولى: أن دول مجلس التعاون الخليجي ليست متشابهة، بل متفاوتة في إشكاليات أوضاعها السكانية، فالمملكة العربية السعودية وسلطنة عمان، على سبيل المثال، لا تعانيان من خلل في تركيبتهما السكانية بنفس الحجم الذي تعاني منه دولة الإمارات، وبالتالي لا يخشى كثيرا على أوضاع تلك البلدان في ما يتعلق مثلا بإمكانية حدوث خلل في منظومتها المجتمعية أو الثقافية.

وعلى عكس ما هو متوقع في دولة الإمارات، التي يستدعي وضعها التوقف عنده وطرح النقاش والرؤية المتعمقة حوله، كون هذه الدولة من دول مجلس التعاون التي، كما ذكرنا أعلاه، يشكل سكانها الأصليون نسبة ضئيلة جدا فيها، قياسا إلى نسبة الوافدين إليها، وبخاصة من الآسيويين والهنود تحديدا. والنقطة الثانية: أن النقاط التي سترد في هذا المقال تركز بالدرجة الأساسية على وضع الاحتمالات، وليس على الجزم بما سيكون عليه المستقبل، لأن دروس التاريخ تعلمنا أنه لا توجد حتمية تاريخية نستطيع الاستناد إليها حين التحدث عن الظروف التي تتغير بها المجتمعات واتجاهات هذا التغيير. فما عرفناه في تجارب الكثير من الدول يشير إلى أن الظروف أحيانا تتأثر بمتغيرات ربما لم تكن قد خطرت على بال الكثيرين ممن درسوا أوضاع تلك الدول، ووضعوا توقعاتهم حولها، كما أن بعض هذه المتغيرات قد لا تكون سياسية أو اجتماعية بحتة، بل ربما جاءت كنتيجة لتغيرات ناتجة عن عوامل طبيعية، لكن هذا لا يمنع بطبيعة الحال من وضع التصورات الآنية حول ما نعتقد أنه، في حال استمرت الظروف المجتمعية على ما هي عليه، ستكون بعض النتائج التي تطرح للنقاش محتملة.

إن التواصل الناجح بين المجموعات البشرية يرتكز بالدرجة الأولى على وجود نسق ثقافي مدرك ومتفق عليه من قبل الأشخاص المتعايشين فيه. وبالتالي فإن التمايز الثقافي يخلق جواً من الصعوبة في التعامل بين الأفراد الذين لا يلتقون في خلفياتهم الثقافية أو لا ينتمون لمنظومة ثقافية مشتركة، مما يتطلب جهودا كبيرة في التغلب على هذه الاختلافات وتجاوزها وتجاوز إشكالياتها، كما يتطلب في البداية الإدراك والاعتراف بوجود هذه الفوارق واحترامها والعمل على إيجاد أنساق ثقافية جديدة أو مستجدة لاستيعابها. إن مفهوم الثقافة الذي أطرحه هنا هو ذاك المقصود به كافة أشكال المعتقدات والممارسات التي تقوم بها مجموعة بشرية ما، وتحتوي على أنظمتها الحياتية المختلفة، بما في ذلك النظام اللغوي والقيمي والمعرفي ونوعية التعامل مع المهام العملية، وحتى أنظمة التعبير الجسدية من رقص وغناء وأشكال المشي والجلوس، إلى آخر ما يميز مجموعة بشرية عن أخرى غيرها، ففي ظل غياب الاتفاق في الخلفيات الثقافية، كما يشير إلى ذلك بعض علماء الاتصال المهتمين بمثل هذه المجالات، يصبح التفاهم بين الغرباء صعب وتشوبه الكثير من عوامل سوء الفهم والافتراضات الخاطئة.

 34 أي أن غياب تبادل المعاني المشتركة في الحياة اليومية تنتج عنه مشكلات كبيرة، ليست مقتصرة على الفشل في إيصال المعلومات وما ينتج عنها من تعطيل للتواصل فقط، بل ربما تصل الأمور إلى إذكاء أو خلق توترات في المجتمع كنتيجة لهذا الفشل، والتي قد يكون من بينها ظهور ما يسمى (الصراعات العرقية)، أو المشكلات التي تنتج بسبب الانتماء لجماعات فكرية مختلفة. وبما أن الوضع في دولة الإمارات يتسم بقيامه على وجود مجموعات بشرية لا تتفق في أنساقها الثقافية، فإن إدراك أبعاد هذه المسألة ضروري لنا حتى نرى صورة الوضع القائم بشكل صحيح. فنحن حين ننظر للمجموعات البشرية التي تقيم وتعمل في دولة الإمارات نرى أنها تنتمي تقريباً لكافة بلدان العالم، مع طغيان النسبة الآسيوية فيها، حتى أن هذه النسبة الآسيوية الأكبر تنتمي بدورها لثقافات ومعتقدات مختلفة، ففي وسط هؤلاء الآسيويين يوجد المسلمون والهندوس والكونفوشسيون والبوذيون والمسيحيون والعلمانيون، إلى آخر المنظومات الفكرية والعقائدية التي تدمغ ثقافات آسيا. ولسنا بحاجة إلى التذكير بأن التعايش بين هذه الثقافات في بلدانها الأصلية كثيراً ما تشوبه التوترات والصراعات، وبالتالي فإن نقل الاختلافات بين هؤلاء الأفراد إلى المناطق الجديدة التي يعيشون فيها، وبخاصة مع وجود قنوات تعبيرية، كالمحطات الإذاعية وسبل التعبير الثقافي الأخرى، في يد مجموعة دون غيرها من هذه المجموعات، وهو ما تتيحه أنظمة التجارة الحرة والسوق المفتوحة في الدولة، قد يسهم بدرجة كبيرة في خلق إشكاليات جديدة أو إذكاء الصراعات القديمة مستقبلا.

وهناك أيضا القوة المالية لبعض الوافدين إلى هذه المنطقة، والتي ساعدت على إعطائهم السيطرة على الكثير من المؤسسات في المجالات الاقتصادية في الدولة بسبب وجود أنظمة اقتصادية لا تضع قيودا على الاستثمار الأجنبي وفرها مناخ السوق الحر والعولمة والاتفاقات الاقتصادية القائمة على إضعاف أنظمة الاقتصاد التقليدية وتعزيز مناخ غير مقيد لحركة الرأس المال العالمي. ومع وجود خبرة غير كبيرة أو غير عريقة للكثيرين من أبناء الدولة الأصليين في التعامل مع التجارة العالمية، فإن إمكانية السيطرة من قبل الأجانب على أكثر المنشآت الاقتصادية الموجودة على هذه الأرض مستقبلا واردة، وهذا بدوره قد يسهم بشكل كبير في خلق توترات، ربما يكون مردها بالدرجة الأولى شعور المواطنين الأصليين بالتهميش، وربما حتى الاضطهاد من قبل المجموعات التي أصبحت تشكل الأكثرية في هذا البلد، وقد يعزز هذا الأمر أيضا الشعور لدى مواطني البلد الأصليين بتهميش الثقافة المحلية وإضعاف اللغة العربية في مؤسسات العمل والتعليم، وهو ما نراه سائداً اليوم، وهذه كلها ممارسات تضعف شعور الأفراد، وبخاصة أجيال الشباب، بقيمة إرثهم الثقافي وقيمة أنفسهم، مما يفسح المجال لهم لتبني ثقافات أخرى،

والاعتماد على استخدام لغات أو لغة أجنبية هي الانكليزية في تعبيرهم عن أنفسهم وعلاقتهم بالعالم. وهي تجربة خلقت الكثير من المشكلات المتسمة بطابع العنف في البلدان التي لعب الوجود الأجنبي فيها مثل هذا الدور في تعزيز ثقافته وإقصاء الثقافة المحلية، كما هو الحال على سبيل المثال في الجزائر ودول إفريقية وغير إفريقية أخرى، وبالتالي الخوف من ظهور مثل هذه المشكلات في المستقبل له ما يبرره. ولو أن أحداً قال إن تلك التجارب مختلفة في كونها كانت تجارب استعمارية مباشرة، وإن أساليب كثيرة لاضطهاد الشعوب المحلية قد مورست فيها، فعليه أن ينظر في مسألتين مهمتين هما: ما الذي يحدث للناس عندما يشعرون بالتهميش، وما هي الآثار النفسية للتقليل من قيمة الفرد ومن موروثه الثقافي، بما في ذلك موروثه اللغوي، وما هي أوجه الاختلاف في الإبداع والإنجاز بين إنسان أعطيت له المجالات ليعبر عن نفسه، بما هو، وآخر تمت مصادرته؟ يمكننا أن ننظر في الدراسات التي تعنى بما يسمى (تجربة ما بعد الاستعمار) فقد نجد بعض الإجابات عن أسئلتنا.

::/fulltext::

10018-98f
Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::2959::/cck::
::introtext::

كتبت الكثير من الدراسات والطروحات الأكاديمية حول التركيبة السكانية في بلدان مجلس التعاون الخليجي، وتركزت معظم هذه الدراسات على أن هذه التركيبة تستدعي الدراسة والبحث واتخاذ القرار، وبخاصة في دول المجلس التي تعاني من خلل كبير فيها، كدولة الإمارات مثلاً، التي أصبحت نسبة سكانها الأصليين ضئيلة جداً وفي تناقص شديد. ويسعى هذا المقال للمساهمة في النقاش والطروحات حول هذه القضية وما قد تشكله تداعياتها في المستقبل من احتمالات، مركزاً على قضية جوهرية تتعلق بإمكانية، أو بالأحرى بإشكالية وجود، والتفاهم بين الأفراد المختلفين في أنظمتهم الثقافية. وفي البداية لا بد من ذكر نقطتين مهمتين، الأولى: أن دول مجلس التعاون الخليجي ليست متشابهة، بل متفاوتة في إشكاليات أوضاعها السكانية، فالمملكة العربية السعودية وسلطنة عمان، على سبيل المثال، لا تعانيان من خلل في تركيبتهما السكانية بنفس الحجم الذي تعاني منه دولة الإمارات، وبالتالي لا يخشى كثيرا على أوضاع تلك البلدان في ما يتعلق مثلا بإمكانية حدوث خلل في منظومتها المجتمعية أو الثقافية.

 

::/introtext::
::fulltext::

كتبت الكثير من الدراسات والطروحات الأكاديمية حول التركيبة السكانية في بلدان مجلس التعاون الخليجي، وتركزت معظم هذه الدراسات على أن هذه التركيبة تستدعي الدراسة والبحث واتخاذ القرار، وبخاصة في دول المجلس التي تعاني من خلل كبير فيها، كدولة الإمارات مثلاً، التي أصبحت نسبة سكانها الأصليين ضئيلة جداً وفي تناقص شديد. ويسعى هذا المقال للمساهمة في النقاش والطروحات حول هذه القضية وما قد تشكله تداعياتها في المستقبل من احتمالات، مركزاً على قضية جوهرية تتعلق بإمكانية، أو بالأحرى بإشكالية وجود، والتفاهم بين الأفراد المختلفين في أنظمتهم الثقافية. وفي البداية لا بد من ذكر نقطتين مهمتين، الأولى: أن دول مجلس التعاون الخليجي ليست متشابهة، بل متفاوتة في إشكاليات أوضاعها السكانية، فالمملكة العربية السعودية وسلطنة عمان، على سبيل المثال، لا تعانيان من خلل في تركيبتهما السكانية بنفس الحجم الذي تعاني منه دولة الإمارات، وبالتالي لا يخشى كثيرا على أوضاع تلك البلدان في ما يتعلق مثلا بإمكانية حدوث خلل في منظومتها المجتمعية أو الثقافية.

وعلى عكس ما هو متوقع في دولة الإمارات، التي يستدعي وضعها التوقف عنده وطرح النقاش والرؤية المتعمقة حوله، كون هذه الدولة من دول مجلس التعاون التي، كما ذكرنا أعلاه، يشكل سكانها الأصليون نسبة ضئيلة جدا فيها، قياسا إلى نسبة الوافدين إليها، وبخاصة من الآسيويين والهنود تحديدا. والنقطة الثانية: أن النقاط التي سترد في هذا المقال تركز بالدرجة الأساسية على وضع الاحتمالات، وليس على الجزم بما سيكون عليه المستقبل، لأن دروس التاريخ تعلمنا أنه لا توجد حتمية تاريخية نستطيع الاستناد إليها حين التحدث عن الظروف التي تتغير بها المجتمعات واتجاهات هذا التغيير. فما عرفناه في تجارب الكثير من الدول يشير إلى أن الظروف أحيانا تتأثر بمتغيرات ربما لم تكن قد خطرت على بال الكثيرين ممن درسوا أوضاع تلك الدول، ووضعوا توقعاتهم حولها، كما أن بعض هذه المتغيرات قد لا تكون سياسية أو اجتماعية بحتة، بل ربما جاءت كنتيجة لتغيرات ناتجة عن عوامل طبيعية، لكن هذا لا يمنع بطبيعة الحال من وضع التصورات الآنية حول ما نعتقد أنه، في حال استمرت الظروف المجتمعية على ما هي عليه، ستكون بعض النتائج التي تطرح للنقاش محتملة.

إن التواصل الناجح بين المجموعات البشرية يرتكز بالدرجة الأولى على وجود نسق ثقافي مدرك ومتفق عليه من قبل الأشخاص المتعايشين فيه. وبالتالي فإن التمايز الثقافي يخلق جواً من الصعوبة في التعامل بين الأفراد الذين لا يلتقون في خلفياتهم الثقافية أو لا ينتمون لمنظومة ثقافية مشتركة، مما يتطلب جهودا كبيرة في التغلب على هذه الاختلافات وتجاوزها وتجاوز إشكالياتها، كما يتطلب في البداية الإدراك والاعتراف بوجود هذه الفوارق واحترامها والعمل على إيجاد أنساق ثقافية جديدة أو مستجدة لاستيعابها. إن مفهوم الثقافة الذي أطرحه هنا هو ذاك المقصود به كافة أشكال المعتقدات والممارسات التي تقوم بها مجموعة بشرية ما، وتحتوي على أنظمتها الحياتية المختلفة، بما في ذلك النظام اللغوي والقيمي والمعرفي ونوعية التعامل مع المهام العملية، وحتى أنظمة التعبير الجسدية من رقص وغناء وأشكال المشي والجلوس، إلى آخر ما يميز مجموعة بشرية عن أخرى غيرها، ففي ظل غياب الاتفاق في الخلفيات الثقافية، كما يشير إلى ذلك بعض علماء الاتصال المهتمين بمثل هذه المجالات، يصبح التفاهم بين الغرباء صعب وتشوبه الكثير من عوامل سوء الفهم والافتراضات الخاطئة.

 34 أي أن غياب تبادل المعاني المشتركة في الحياة اليومية تنتج عنه مشكلات كبيرة، ليست مقتصرة على الفشل في إيصال المعلومات وما ينتج عنها من تعطيل للتواصل فقط، بل ربما تصل الأمور إلى إذكاء أو خلق توترات في المجتمع كنتيجة لهذا الفشل، والتي قد يكون من بينها ظهور ما يسمى (الصراعات العرقية)، أو المشكلات التي تنتج بسبب الانتماء لجماعات فكرية مختلفة. وبما أن الوضع في دولة الإمارات يتسم بقيامه على وجود مجموعات بشرية لا تتفق في أنساقها الثقافية، فإن إدراك أبعاد هذه المسألة ضروري لنا حتى نرى صورة الوضع القائم بشكل صحيح. فنحن حين ننظر للمجموعات البشرية التي تقيم وتعمل في دولة الإمارات نرى أنها تنتمي تقريباً لكافة بلدان العالم، مع طغيان النسبة الآسيوية فيها، حتى أن هذه النسبة الآسيوية الأكبر تنتمي بدورها لثقافات ومعتقدات مختلفة، ففي وسط هؤلاء الآسيويين يوجد المسلمون والهندوس والكونفوشسيون والبوذيون والمسيحيون والعلمانيون، إلى آخر المنظومات الفكرية والعقائدية التي تدمغ ثقافات آسيا. ولسنا بحاجة إلى التذكير بأن التعايش بين هذه الثقافات في بلدانها الأصلية كثيراً ما تشوبه التوترات والصراعات، وبالتالي فإن نقل الاختلافات بين هؤلاء الأفراد إلى المناطق الجديدة التي يعيشون فيها، وبخاصة مع وجود قنوات تعبيرية، كالمحطات الإذاعية وسبل التعبير الثقافي الأخرى، في يد مجموعة دون غيرها من هذه المجموعات، وهو ما تتيحه أنظمة التجارة الحرة والسوق المفتوحة في الدولة، قد يسهم بدرجة كبيرة في خلق إشكاليات جديدة أو إذكاء الصراعات القديمة مستقبلا.

وهناك أيضا القوة المالية لبعض الوافدين إلى هذه المنطقة، والتي ساعدت على إعطائهم السيطرة على الكثير من المؤسسات في المجالات الاقتصادية في الدولة بسبب وجود أنظمة اقتصادية لا تضع قيودا على الاستثمار الأجنبي وفرها مناخ السوق الحر والعولمة والاتفاقات الاقتصادية القائمة على إضعاف أنظمة الاقتصاد التقليدية وتعزيز مناخ غير مقيد لحركة الرأس المال العالمي. ومع وجود خبرة غير كبيرة أو غير عريقة للكثيرين من أبناء الدولة الأصليين في التعامل مع التجارة العالمية، فإن إمكانية السيطرة من قبل الأجانب على أكثر المنشآت الاقتصادية الموجودة على هذه الأرض مستقبلا واردة، وهذا بدوره قد يسهم بشكل كبير في خلق توترات، ربما يكون مردها بالدرجة الأولى شعور المواطنين الأصليين بالتهميش، وربما حتى الاضطهاد من قبل المجموعات التي أصبحت تشكل الأكثرية في هذا البلد، وقد يعزز هذا الأمر أيضا الشعور لدى مواطني البلد الأصليين بتهميش الثقافة المحلية وإضعاف اللغة العربية في مؤسسات العمل والتعليم، وهو ما نراه سائداً اليوم، وهذه كلها ممارسات تضعف شعور الأفراد، وبخاصة أجيال الشباب، بقيمة إرثهم الثقافي وقيمة أنفسهم، مما يفسح المجال لهم لتبني ثقافات أخرى،

والاعتماد على استخدام لغات أو لغة أجنبية هي الانكليزية في تعبيرهم عن أنفسهم وعلاقتهم بالعالم. وهي تجربة خلقت الكثير من المشكلات المتسمة بطابع العنف في البلدان التي لعب الوجود الأجنبي فيها مثل هذا الدور في تعزيز ثقافته وإقصاء الثقافة المحلية، كما هو الحال على سبيل المثال في الجزائر ودول إفريقية وغير إفريقية أخرى، وبالتالي الخوف من ظهور مثل هذه المشكلات في المستقبل له ما يبرره. ولو أن أحداً قال إن تلك التجارب مختلفة في كونها كانت تجارب استعمارية مباشرة، وإن أساليب كثيرة لاضطهاد الشعوب المحلية قد مورست فيها، فعليه أن ينظر في مسألتين مهمتين هما: ما الذي يحدث للناس عندما يشعرون بالتهميش، وما هي الآثار النفسية للتقليل من قيمة الفرد ومن موروثه الثقافي، بما في ذلك موروثه اللغوي، وما هي أوجه الاختلاف في الإبداع والإنجاز بين إنسان أعطيت له المجالات ليعبر عن نفسه، بما هو، وآخر تمت مصادرته؟ يمكننا أن ننظر في الدراسات التي تعنى بما يسمى (تجربة ما بعد الاستعمار) فقد نجد بعض الإجابات عن أسئلتنا.

::/fulltext::
::cck::2959::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *