الشباب الخليجي وثورة الاتصال
::cck::2984::/cck::
::introtext::
يقول فيليب تايلور في كتابه (قصف العقول): ((الدعاية وحدها لا تتسبب في الحرب، ولا هي أحد الأسباب الرئيسية، إنما يتسبب فيها أصحاب السلطة الذين يوازنون بين المخاطر الممكنة والمكاسب المحتملة، حتى يحققوا أهدافهم بوسائل مختلفة عن الوسائل السلبية)). ها هو ذا تايلور يحدد مجال الممكن والمحتمل بين المخاطر والمكاسب، وهي الحسبة التي بات العالم يعتاش عليها بطريقة فجة بحساب سيطرة قيم الربح والخسارة على كل شيء، وتصدرها المشهد الحياتي الراهن، حيث هيمنة السوق على مجمل القيم والمعتقدات والمفاهيم السائدة، إنه الرواج لمنطق الربح الذي راحت ملامحه تطغى على كل شيء.
::/introtext::
::fulltext::
يقول فيليب تايلور في كتابه (قصف العقول): ((الدعاية وحدها لا تتسبب في الحرب، ولا هي أحد الأسباب الرئيسية، إنما يتسبب فيها أصحاب السلطة الذين يوازنون بين المخاطر الممكنة والمكاسب المحتملة، حتى يحققوا أهدافهم بوسائل مختلفة عن الوسائل السلبية)). ها هو ذا تايلور يحدد مجال الممكن والمحتمل بين المخاطر والمكاسب، وهي الحسبة التي بات العالم يعتاش عليها بطريقة فجة بحساب سيطرة قيم الربح والخسارة على كل شيء، وتصدرها المشهد الحياتي الراهن، حيث هيمنة السوق على مجمل القيم والمعتقدات والمفاهيم السائدة، إنه الرواج لمنطق الربح الذي راحت ملامحه تطغى على كل شيء.
الرابح والخاسر والمخذول
لم يعد خافياً على أحد تمييز ملامح السيطرة الناشبة، التي راحت تتقمصها تفاصيل الاقتصادي على حساب الثقافي، فالعولمة التي باتت تفرد تفصيلاتها على العالم، من خلال الثورة الاتصالية والمعلوماتية، وانتشار وسائل الضبط والترصد والتماهي، عبر الخضوع المطلق للمجتمع المعاصر في دوامة الستالايت والإنترنت والموبايل، ورواج (السي دي)، و(الدي في دي)، وألعاب البلاي ستيشن، بات يؤكد على حالة التنميط الثقافي، حيث التسلل في صلب الحقل الثقافي والعمل على سلب المقومات الرئيسية فيه، وبالتالي السعي إلى جعله مجرد وسيلة خاضعة لموجهات العقل الاقتصادي، الذي لم يتوان في غزو الثقافة والعمل على إغراقها بالمقومات الربحية والتفاعلات التسليعية، ليتم في النهاية العمل على تعليب الثقافة وتسعيرها من خلال الترويج لمنطق الثقافة الاستهلاكية، تلك التي برزت ملامحها عبر نموذج الرفاهية الأمريكي، والذي راح يتم تقديمه للعالم خلال الخمسينات من القرن العشرين. حيث المنزل الفاره والسيارة الواسعة والوجبات الجاهزة السريعة. إنها ثقافة ((التيك أواي)) التي راح يتم العمل على تكريسها في المجمل من تفاصيل الخريطة الأرضية، حتى بات الترويج لها بمثابة الاندراج في المعاصرة والتقدم والحرية والخلاص من الأنماط القديمة البائدة، ليتحول الماكدونالد والكانتاكي إلى إيقونات العالم المعاصر، حتى راحت مدن العالم جميعا تتسابق للحظوة برفع علامات (الببسي) و(الكوكا كولا) ونظائرها من العلامات الدعائية، التي راحت تتربع في صميم عقل الناشئة، على حساب الرموز الوطنية.
عالم من العلامات
كيف يمكن حساب دلالات السيادة في هذا العالم المبتلي بحمى الإعلانات؟ وأي قوة متعاظمة تلك التي راحت تحظى بها الشركات العابرة للقومية إزاء آخر الخطوط الدفاعية للثقافة الوطنية الواهنة، التي باتت تعاني من زخم القوة والجبروت والطغيان لسطوة الحضور الإعلامي المكثف، إلى الحد الذي راحت تتعاظم سطوتها من خلال التركيز المكثف والمستمر الذي راح يمارس رقابته الصارمة على المدركات العقلية لفئات المراهقين والشباب؟ فالمراهق أو الشاب بات يفخر بارتدائه علامة (البوما) و(النايكي) و(الأديداس)، حيث إطلاق العنان للمزيد من أوهام الجمال والحرية التميز، حتى تحولت لعبة التلاعب بالرغبات إلى محنة مريعة، راحت تفاصيلها تتبدى بوضوح على مجمل تفاصيل الحياة في الخليج العربي، حيث المسعى المحموم لامتلاك الغريب والمميز والفريد، تلك التفاصيل التي تنامت إلى الحد الذي راح المواطن الشاب يعمل وبكل ما أوتي من طاقة لامتلاك الموبايل الجديد أو الماركة الشهيرة لقميص أو سروال أو نظارة شمسية، ليعمل جاهداً للخلاص منها، بأبخس الأثمان بعد أن ينتهي من العرض المؤقت، حتى صار المزيد من الشباب مجرد عارضين لماركات ومنتجات عالمية من دون وعي بالعواقب التي راحت تعتصر ميزانية العائلة، وتعرضها لمكابدات مالية لا يمكن التغاضي عن أضرارها البالغة، وعلى مختلف الصعد الاقتصادية منها والاجتماعية والثقافية. فهذه أزمة تصنيع الرغبات والتلاعب بأحلام فئات المراهقين والشباب، التي لم تتوقف عند مدركات الموجه الاستهلاكي والاقتصادي، بقدر ما كان التركيز موجهاً نحو الموجه الثقافي والسعي لبناء النموذج الإدراكي الذي يخضع وبالمطلق إلى الرموز الإعلانية التي راحت تؤكدها الماكنة الإعلامية، عبر ربط الحاجات البشرية الأساسية برموز إعلانية بعينها، فالكولا باتت مرتبطة بإطفاء الظمأ، وسيارة الكابرس راح يتم تقديمها مرتبطة حد التوحد بممارسة العيش، والنفس المنعش تم ربطه بمعاجين معينة للأسنان، والشعر الأنيق بالشامبو والحضور اللافت بالإكسسوارات الثمينة. إنه الإغراق الإعلاني الذي يستهدف العقول عبر أدوات ووسائل الميديا الحديثة، التي تحولت إلى فلاشات تستهدف العين والأذن والمكان، عبر رسائل الموبايل وإعلانات الإنترنت والتلفزيون والمساحات الإعلانية الواسعة التي تتصدر صفحات الصحف والشوارع الرئيسية.
الصورة بوصفها مرجعاً
لم يعد الإعلان مجرد مهنة يقف على توجيهها مجموعة من الفنيين والخبراء، بقدر ما أضحى مؤسسات عملاقة، تقوم عليها أجهزة عملاقة من الأفكار والتصورات، بل والمدارس والاتجاهات الفكرية، حتى فتحت أرقى الجامعات والمعاهد العلمية أبوابها لتدريس هذا العلم، الذي راح يؤسس لتركيز مضامينه الجدية عبر الميزانيات المالية الهائلة، والتي تتجاوز ميزانيات دول كبيرة، فيما راح نفوذها يزدهر ويتوسع، لتمارس دورها الرقابي والمهيمن على المزيد من البلدان من خلال التلويح بسلاح الماركة التجارية والمسؤولية الاقتصادية والاحتكارات.
ويشير جيرمي رافكين إلى حالة التحول البنيوي التي شهدها مجال العلاقات الاقتصادية، فبعد أن كانت الثنائية الكلاسيكية تقوم على البائع -المشتري، تحولت العلاقة في ظل الثورة المعلوماتية والتجهيزات العالية التي تفرضها العلاقات الجديدة إلى ثنائية المنتج- المستهلك، وهذا ما تفصح عنه طبيعة الترويج للبضاعة التي تقدمها شبكة الإنترنت من خدمات مجانية على صعيد البريد الإلكتروني أو خدمات البحث عن المعلومات، حيث المسعى الذي يقوم على تغيير حالة الملكية التي عاش في كنفها العنصر البشري على مدى التاريخ، إلى حالة من الربط الصارم بالخدمات. ومن هنا ازدهرت خدمات (الياهو) و(الهوت ميل) و(الغوغول)، التي باتت تقدم خدمات عملاقة وكبيرة للمستهلكين في ظل التركيز على معنى الاستهلاك المفرط للمعلومات. ومن حالة التبصر في الرأسمال الذي تستثمره شركة (غوغول) في سوق البورصة العالمي والذي يتجاوز مبلغ الستة مليارات دولار، يتوضح مدى حجم التوجه الذي تقوم عليه مهمة التزويد للخدمات التي تنطوي على المزيد من التوجهات الربحية، النائية عن العلاقات التقليدية.
سؤال الهوية
لعل السؤال الأهم هنا يقوم على موقع الشباب الخليجي من كل هذا التفاعل الذي يمور به العالم، حيث النمط السريع الذي بات يعيشه العالم وسط زخم مذهل وموجع من اللهاث المعلوماتي، والذي يثقل على العقل إلى حد التعجيز. فالمعلومات والأخبار في ظل القرية الكونية جعلت العالم مرئياً بشكل يخرج عن حدود المنطق، حتى راح المشاهد يراقب وقائع العالم وأحداثه الجسام عن طريق الفضائيات التي راحت تتسابق في تقديم خدمة ((exclusive)) للمشاهد الذي راح يراقب تحطم برجي مركز التجارة العالمي، وأحداث غزو العراق والمزيد من الأحداث الجسام التي تدور رحاها في هذا العالم المضطرب.
لذلك أين يقف الشاب الخليجي من هذا الزخم الهائل من المعلومات والأخبار والدعايات والألوان والإبهار والغناء والرقص والفيديو كليب، إنها ثقافة الاستهلاك السريعة، التي لا تكاد تترك أثراً في العقل والذهن، بقدر ما تثير المزيد من الاضطراب والتداخل في المعلومات، حيث السعي إلى تحريك الغرائز والإمعان في الترويج للمسطح والساذج والمبتسر، والعزل الذهني عن العالم وتفاعلاته ومصيره.
ففي ظل العرض الدائب والدائم الذي تختطه المؤسسة الإعلانية، يتحول الموضوع إلى مجرد سلعة قابلة للترويج، ومن هنا نجد الحرص على تقديم فكرة المال، حتى تم الترويج لجعل أبطال ونجوم الرياضة مجرد سلع لا ينظر إليهم إلا من خلال بورصة الأسعار التي تتحكم بمصائرهم، حتى راح تقييم النجم يتم من خلال ما تم تقديره من مال في صفقة انتقاله من هذا النادي إلى ذاك. وعلى المسار ذاته تحولت الماكنة الدعائية إلى أداة مسخرة نحو رفض العقل النقدي والسعي إلى تكريس فكرة المنفعة والمصلحة في تعريض دائب ومستمر بالرؤى والطموحات والرموز الوطنية، بل إن التوجه راح يعمق من حدة فكرة الولاء للوطن والقضايا الكبرى ليتم استبدالها بتقديم الطارئ والسريع والنيئ. ومن هنا تحديداً يتبدى مجال الخطر الداهم الذي يتهدد توجهات وتطلعات الشباب العربي الخليجي، الذي يقف على مفترق الطرق، بين انتمائه وهويته وقيمه وتقاليده، وبين الواقع الذي يعيشه العالم حيث الزحف الإعلاني الذي يترصده من قبل المؤسسة الدعائية باعتبار ارتفاع مستوى الدخل في المنطقة.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2984::/cck::
::introtext::
يقول فيليب تايلور في كتابه (قصف العقول): ((الدعاية وحدها لا تتسبب في الحرب، ولا هي أحد الأسباب الرئيسية، إنما يتسبب فيها أصحاب السلطة الذين يوازنون بين المخاطر الممكنة والمكاسب المحتملة، حتى يحققوا أهدافهم بوسائل مختلفة عن الوسائل السلبية)). ها هو ذا تايلور يحدد مجال الممكن والمحتمل بين المخاطر والمكاسب، وهي الحسبة التي بات العالم يعتاش عليها بطريقة فجة بحساب سيطرة قيم الربح والخسارة على كل شيء، وتصدرها المشهد الحياتي الراهن، حيث هيمنة السوق على مجمل القيم والمعتقدات والمفاهيم السائدة، إنه الرواج لمنطق الربح الذي راحت ملامحه تطغى على كل شيء.
::/introtext::
::fulltext::
يقول فيليب تايلور في كتابه (قصف العقول): ((الدعاية وحدها لا تتسبب في الحرب، ولا هي أحد الأسباب الرئيسية، إنما يتسبب فيها أصحاب السلطة الذين يوازنون بين المخاطر الممكنة والمكاسب المحتملة، حتى يحققوا أهدافهم بوسائل مختلفة عن الوسائل السلبية)). ها هو ذا تايلور يحدد مجال الممكن والمحتمل بين المخاطر والمكاسب، وهي الحسبة التي بات العالم يعتاش عليها بطريقة فجة بحساب سيطرة قيم الربح والخسارة على كل شيء، وتصدرها المشهد الحياتي الراهن، حيث هيمنة السوق على مجمل القيم والمعتقدات والمفاهيم السائدة، إنه الرواج لمنطق الربح الذي راحت ملامحه تطغى على كل شيء.
الرابح والخاسر والمخذول
لم يعد خافياً على أحد تمييز ملامح السيطرة الناشبة، التي راحت تتقمصها تفاصيل الاقتصادي على حساب الثقافي، فالعولمة التي باتت تفرد تفصيلاتها على العالم، من خلال الثورة الاتصالية والمعلوماتية، وانتشار وسائل الضبط والترصد والتماهي، عبر الخضوع المطلق للمجتمع المعاصر في دوامة الستالايت والإنترنت والموبايل، ورواج (السي دي)، و(الدي في دي)، وألعاب البلاي ستيشن، بات يؤكد على حالة التنميط الثقافي، حيث التسلل في صلب الحقل الثقافي والعمل على سلب المقومات الرئيسية فيه، وبالتالي السعي إلى جعله مجرد وسيلة خاضعة لموجهات العقل الاقتصادي، الذي لم يتوان في غزو الثقافة والعمل على إغراقها بالمقومات الربحية والتفاعلات التسليعية، ليتم في النهاية العمل على تعليب الثقافة وتسعيرها من خلال الترويج لمنطق الثقافة الاستهلاكية، تلك التي برزت ملامحها عبر نموذج الرفاهية الأمريكي، والذي راح يتم تقديمه للعالم خلال الخمسينات من القرن العشرين. حيث المنزل الفاره والسيارة الواسعة والوجبات الجاهزة السريعة. إنها ثقافة ((التيك أواي)) التي راح يتم العمل على تكريسها في المجمل من تفاصيل الخريطة الأرضية، حتى بات الترويج لها بمثابة الاندراج في المعاصرة والتقدم والحرية والخلاص من الأنماط القديمة البائدة، ليتحول الماكدونالد والكانتاكي إلى إيقونات العالم المعاصر، حتى راحت مدن العالم جميعا تتسابق للحظوة برفع علامات (الببسي) و(الكوكا كولا) ونظائرها من العلامات الدعائية، التي راحت تتربع في صميم عقل الناشئة، على حساب الرموز الوطنية.
عالم من العلامات
كيف يمكن حساب دلالات السيادة في هذا العالم المبتلي بحمى الإعلانات؟ وأي قوة متعاظمة تلك التي راحت تحظى بها الشركات العابرة للقومية إزاء آخر الخطوط الدفاعية للثقافة الوطنية الواهنة، التي باتت تعاني من زخم القوة والجبروت والطغيان لسطوة الحضور الإعلامي المكثف، إلى الحد الذي راحت تتعاظم سطوتها من خلال التركيز المكثف والمستمر الذي راح يمارس رقابته الصارمة على المدركات العقلية لفئات المراهقين والشباب؟ فالمراهق أو الشاب بات يفخر بارتدائه علامة (البوما) و(النايكي) و(الأديداس)، حيث إطلاق العنان للمزيد من أوهام الجمال والحرية التميز، حتى تحولت لعبة التلاعب بالرغبات إلى محنة مريعة، راحت تفاصيلها تتبدى بوضوح على مجمل تفاصيل الحياة في الخليج العربي، حيث المسعى المحموم لامتلاك الغريب والمميز والفريد، تلك التفاصيل التي تنامت إلى الحد الذي راح المواطن الشاب يعمل وبكل ما أوتي من طاقة لامتلاك الموبايل الجديد أو الماركة الشهيرة لقميص أو سروال أو نظارة شمسية، ليعمل جاهداً للخلاص منها، بأبخس الأثمان بعد أن ينتهي من العرض المؤقت، حتى صار المزيد من الشباب مجرد عارضين لماركات ومنتجات عالمية من دون وعي بالعواقب التي راحت تعتصر ميزانية العائلة، وتعرضها لمكابدات مالية لا يمكن التغاضي عن أضرارها البالغة، وعلى مختلف الصعد الاقتصادية منها والاجتماعية والثقافية. فهذه أزمة تصنيع الرغبات والتلاعب بأحلام فئات المراهقين والشباب، التي لم تتوقف عند مدركات الموجه الاستهلاكي والاقتصادي، بقدر ما كان التركيز موجهاً نحو الموجه الثقافي والسعي لبناء النموذج الإدراكي الذي يخضع وبالمطلق إلى الرموز الإعلانية التي راحت تؤكدها الماكنة الإعلامية، عبر ربط الحاجات البشرية الأساسية برموز إعلانية بعينها، فالكولا باتت مرتبطة بإطفاء الظمأ، وسيارة الكابرس راح يتم تقديمها مرتبطة حد التوحد بممارسة العيش، والنفس المنعش تم ربطه بمعاجين معينة للأسنان، والشعر الأنيق بالشامبو والحضور اللافت بالإكسسوارات الثمينة. إنه الإغراق الإعلاني الذي يستهدف العقول عبر أدوات ووسائل الميديا الحديثة، التي تحولت إلى فلاشات تستهدف العين والأذن والمكان، عبر رسائل الموبايل وإعلانات الإنترنت والتلفزيون والمساحات الإعلانية الواسعة التي تتصدر صفحات الصحف والشوارع الرئيسية.
الصورة بوصفها مرجعاً
لم يعد الإعلان مجرد مهنة يقف على توجيهها مجموعة من الفنيين والخبراء، بقدر ما أضحى مؤسسات عملاقة، تقوم عليها أجهزة عملاقة من الأفكار والتصورات، بل والمدارس والاتجاهات الفكرية، حتى فتحت أرقى الجامعات والمعاهد العلمية أبوابها لتدريس هذا العلم، الذي راح يؤسس لتركيز مضامينه الجدية عبر الميزانيات المالية الهائلة، والتي تتجاوز ميزانيات دول كبيرة، فيما راح نفوذها يزدهر ويتوسع، لتمارس دورها الرقابي والمهيمن على المزيد من البلدان من خلال التلويح بسلاح الماركة التجارية والمسؤولية الاقتصادية والاحتكارات.
ويشير جيرمي رافكين إلى حالة التحول البنيوي التي شهدها مجال العلاقات الاقتصادية، فبعد أن كانت الثنائية الكلاسيكية تقوم على البائع -المشتري، تحولت العلاقة في ظل الثورة المعلوماتية والتجهيزات العالية التي تفرضها العلاقات الجديدة إلى ثنائية المنتج- المستهلك، وهذا ما تفصح عنه طبيعة الترويج للبضاعة التي تقدمها شبكة الإنترنت من خدمات مجانية على صعيد البريد الإلكتروني أو خدمات البحث عن المعلومات، حيث المسعى الذي يقوم على تغيير حالة الملكية التي عاش في كنفها العنصر البشري على مدى التاريخ، إلى حالة من الربط الصارم بالخدمات. ومن هنا ازدهرت خدمات (الياهو) و(الهوت ميل) و(الغوغول)، التي باتت تقدم خدمات عملاقة وكبيرة للمستهلكين في ظل التركيز على معنى الاستهلاك المفرط للمعلومات. ومن حالة التبصر في الرأسمال الذي تستثمره شركة (غوغول) في سوق البورصة العالمي والذي يتجاوز مبلغ الستة مليارات دولار، يتوضح مدى حجم التوجه الذي تقوم عليه مهمة التزويد للخدمات التي تنطوي على المزيد من التوجهات الربحية، النائية عن العلاقات التقليدية.
سؤال الهوية
لعل السؤال الأهم هنا يقوم على موقع الشباب الخليجي من كل هذا التفاعل الذي يمور به العالم، حيث النمط السريع الذي بات يعيشه العالم وسط زخم مذهل وموجع من اللهاث المعلوماتي، والذي يثقل على العقل إلى حد التعجيز. فالمعلومات والأخبار في ظل القرية الكونية جعلت العالم مرئياً بشكل يخرج عن حدود المنطق، حتى راح المشاهد يراقب وقائع العالم وأحداثه الجسام عن طريق الفضائيات التي راحت تتسابق في تقديم خدمة ((exclusive)) للمشاهد الذي راح يراقب تحطم برجي مركز التجارة العالمي، وأحداث غزو العراق والمزيد من الأحداث الجسام التي تدور رحاها في هذا العالم المضطرب.
لذلك أين يقف الشاب الخليجي من هذا الزخم الهائل من المعلومات والأخبار والدعايات والألوان والإبهار والغناء والرقص والفيديو كليب، إنها ثقافة الاستهلاك السريعة، التي لا تكاد تترك أثراً في العقل والذهن، بقدر ما تثير المزيد من الاضطراب والتداخل في المعلومات، حيث السعي إلى تحريك الغرائز والإمعان في الترويج للمسطح والساذج والمبتسر، والعزل الذهني عن العالم وتفاعلاته ومصيره.
ففي ظل العرض الدائب والدائم الذي تختطه المؤسسة الإعلانية، يتحول الموضوع إلى مجرد سلعة قابلة للترويج، ومن هنا نجد الحرص على تقديم فكرة المال، حتى تم الترويج لجعل أبطال ونجوم الرياضة مجرد سلع لا ينظر إليهم إلا من خلال بورصة الأسعار التي تتحكم بمصائرهم، حتى راح تقييم النجم يتم من خلال ما تم تقديره من مال في صفقة انتقاله من هذا النادي إلى ذاك. وعلى المسار ذاته تحولت الماكنة الدعائية إلى أداة مسخرة نحو رفض العقل النقدي والسعي إلى تكريس فكرة المنفعة والمصلحة في تعريض دائب ومستمر بالرؤى والطموحات والرموز الوطنية، بل إن التوجه راح يعمق من حدة فكرة الولاء للوطن والقضايا الكبرى ليتم استبدالها بتقديم الطارئ والسريع والنيئ. ومن هنا تحديداً يتبدى مجال الخطر الداهم الذي يتهدد توجهات وتطلعات الشباب العربي الخليجي، الذي يقف على مفترق الطرق، بين انتمائه وهويته وقيمه وتقاليده، وبين الواقع الذي يعيشه العالم حيث الزحف الإعلاني الذي يترصده من قبل المؤسسة الدعائية باعتبار ارتفاع مستوى الدخل في المنطقة.
::/fulltext::
::cck::2984::/cck::
