الخليج.. “التدويل” ومخاوف التقسيم
::cck::3000::/cck::
::introtext::
خلال أغسطس الماضي سلم وفد لحركة معارضة في إحدى دول مجلس التعاون الخليجي وهي حركة ذات علاقة عقائدية وسياسية وثيقة بإيران الأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان وثيقة الاستفتاء المطلق على هوية الدولة ونظامها السياسي.
::/introtext::
::fulltext::
خلال أغسطس الماضي سلم وفد لحركة معارضة في إحدى دول مجلس التعاون الخليجي وهي حركة ذات علاقة عقائدية وسياسية وثيقة بإيران الأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان وثيقة الاستفتاء المطلق على هوية الدولة ونظامها السياسي. وتزامن هذا الحدث مع تطورات سياسية كبيرة في المنطقة العربية رفعت أسهم طهران ودعمت وجودها كمحور إقليمي مطلق لأول مرة منذ أن أزيح العراق عبر الاحتلال المزدوج. وهذا التزامن واضح أنه أخذ في الاعتبار ما تعتبره إيران نجاحاً لمشروعها من خلال دعم حزب الله في لبنان وحليفها الإقليمي النظام السوري على تجيير المكاسب لها، ولكن خطورة الخطوة وحساسياتها دفعتا بالحركة الصفوية (وهو المصطلح الذي يطلقه الباحثون في الخليج على المجموعات الثقافية لإيران في المنطقة) إلى أن تمرر إعلامياً هذه الخطوة التاريخية بهدوء شديد وحذر خلافاً لمنهجها المعروف في تضخيم الأحداث السياسية والانتفاع الإعلامي منها بأقصى حد ممكن.
وترافق هذا الموعد أيضاً مع تحديد موعد الانتخابات في هذه الدولة وإن كان هذا الجناح من الحركة الصفوية أعلن مقاطعته إلا أن سياسة تبادل الأدوار هي الراجح لمثل هذا التبادل والتوزيع للمواقف في المهمة، وهذا لا يعني في تصوري كمحلل سياسي بأن الرسالة توجه ضمنياً للحكم (لو حصلنا على هذا المطلب سوف نتخلى عن ذلك المطلب) كرسالة تهديد ضمنية ولكنها، وحسب رصدي للحركة الصفوية، مشروع مرحلي مهم يتلوه مشروع استراتيجي مطلق في ترادف دقيق بدأ يدخل منعطفاً خطراً للمشروع الإيراني في المنطقة.
وخلال هذه الفترة الزمنية يُلاحظ إعادة الحيوية والنشاط بين مجموعة الحركة الصفوية في عموم الخليج وبين مجموعة واشنطن من بعض النشطاء الليبراليين المرتبطين بواشنطن، إضافة إلى عناصر من اليسار الذي سبق أن ُوجه بعد انحرافه عن مبادئه النضالية ضد الامبريالية الغربية لخدمة المشروع المزدوج مما يعني أنه رغم الخلاف المعلن والقوي على الساحة اللبنانية والملف النووي بين واشنطن وطهران فإن هذه المجاميع لا تزال تعمل باستمرارية نحو تحقيق الخليج الجديد.
وخلال الفترة الماضية لاحظنا تحرك السفارات الأمريكية في المنطقة بصورة فاعلة أكثر من ذي قبل وصاحبه، وهو الجديد الآن، تقدم الإيرانيين في العمق العربي بقوة عبر مراجع ومثقفي الحركة الصفوية، فلقد تبنت طهران رعاية مجالس ثقافية وندوات تدعم الموقف والثقافة الإيرانيين في أوساط العرب السنة في منطقة الخليج واستخدام بعض مواقعهم وشخصياتهم للدفاع عن موقع طهران في العراق، وكذلك تم توجيه دعوات مباشرة لبعض المثقفين لزيارة طهران والالتقاء بمسؤوليها، وهذا العمق لم يكن يجري فيه مثل هذه الخطوات التنفيذية بهذا المستوى، هذا فضلا عن العمل السياسي المتواصل والجاد لبرنامج الشراكة السياسية والثقافية لكلتا المجموعتين.
ولعل أبرز حدث فكري في ساحة دول المنطقة هو انشقاق الحركة الإصلاحية لإحدى أهم دولها بين فريقين: التيار الإسلامي العروبي الوطني والذي يشمل الليبراليين واليساريين الوطنيين، وتحالف مجموعتي واشنطن وطهران مؤخراً؛ وكان هذا الأمر متوقعاً قبل فترة على اعتبار تقدم أجندة التحالف على واقع الأرض، وأن المبادئ والمُثل التي يتبناها التيار الإسلامي العروبي الوطني تصطدم مع وسائل وأهداف هذا التحالف القائم على الشراكة التي تحقق في النهاية أطماع الجهتين الاستعماريتين الراعيتين لهما وإن تصارعاً على النفوذ لاحقاً.
ولعل من أهم الأسباب التي سببت الانفصال على الساحة إضافة لتصادم المبادئ إحساس واشنطن بأنها يجب أن تعتمد في الفترة الحالية على رجالها وألا يحظى أي مناضل يتمرد على المشروع الأمريكي، ولو كان لديه استعداد للاستفادة منه لاعتبارات ديمقراطية ولكنه يتصادم مع أهدافه الإستراتيجية، بأي رعاية أو حماية مباشرة أو ضمنية من واشنطن.
وبالطبع كان نصيب هذا التيار الذي يناضل في سبيل تحقيق الإصلاح مستقلاً عن المشروع الأجنبي التضييق لظهره المكشوف، فالمبادئ الأصيلة لا تحمي هؤلاء بل تُحفز عليهم.
إن كل هذه المقدمات والأحداث المتسلسلة في هذا الزمن الدقيق تزامنت مع وثيقة الاستفتاء المقدمة للأمم المتحدة والتي تحمل في طياتها مضامين غاية في الخطورة والمفاصلة مع الهوية العربية الإسلامية للخليج.
وتزامنت هذه الظروف المحيطة كما قلنا مع صعود الموقف السياسي لطهران وتفاعل المواجهات الدبلوماسية بينها وبين واشنطن استباقاً لما ستسفر عنه الوساطة الأوروبية بين القطب الدولي والإقليمي وانعكاساته على الأوضاع الداخلية في الخليج العربي وتوجيه حركات المعارضة خاصة الموالية للقوى الاستعمارية في واشنطن وطهران.
وقبل أن أستطرد للوقوف العلمي والسياسي على هذه المصطلحات التي وردت في وثيقة الاستفتاء المطلق أود أن أؤكد على قضية ثابتة لدي وإن كانت مكررة بأن الإيمان بالإصلاح الدستوري الحقيقي والقائم على هوية وحضارة الشعب العربي المسلم تشريعاً وتنفيذاً هو وسيلة النهوض الحقيقي لأبناء الشعب العربي. لكننا هنا نواجه حالة من توجيه الحقوق الدستورية نحو رعاية الأجنبي وتدويل القضية لتحقيق أهداف أثبتت التجربة أنها موغلة في المحاصصة الطائفية وتدمير العلاقات للشعب العربي في الخليج، والعراق أنموذج حي على مشروعهم.
عودة إلى مصطلحات الوثيقة
حين ذكرت أن الاستفتاء هو استفتاء مطلق، أي يعيد التاريخ إلى نقطة الصفر المرغوبة ويستدعي من الذاكرة التاريخية عن عمد ووضوح ما يحقق هدفه من هذه (الصفرية) ولهذا ورد في الوثيقة أن أصل الاستفتاء القديم قائم على مطالبة إيران بهذه الدولة، وأن العروبة التي صوت لها الشعب كانت (على أن يتمتع الشعب بحقوقه المدنية والسياسية) و لا أعرف مطلقاً شعباً من الشعوب يشترط أن تكون هويته وانتماؤه التاريخي القومي والديني محل مساومة، وهذا لا يعني التخلي عن النضال في سبيل الحقوق، ولكن هذا التعبير كان مزورا وغير صحيح، ولو ُسئل الناس في حينها هل تتركون عروبتكم إذا لم تتحقق لكم المطالب المدنية لقالوا في حينها (كلا) الهوية والحقوق جنباً إلى جنب.
لكن لماذا هذا الاستدعاء وهذه العروبة المشروطة؟ المسألة غاية في الخطورة، فهي تقول ضمنياً إن هذه العروبة طارئة، أي لا تعترف بالانتماء إلى الجانب الغربي العربي من الخليج كما هو التاريخ من قبل بعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم وحتى عهد الإقليم الموحد والمرتبط بالعراق أو عمق الجزيرة إبان عهد العثمانيين أي قبل الاستعمار الإنجليزي والمؤكد حسب الوقائع والتاريخ.
ثم تنص الوثيقة على أن هذا الانتماء قد نُقض بعد أن نُقض الشرط، وبالتالي أعيدت القضية إلى مجراها القانوني؛ والحديث هنا كان موجهاً للقيادة الأممية القانونية الممثلة في شخص الأمين العام والمحور القانوني الذي تريد الوثيقة تأكيده هو العودة إلى مطالبة إيران.
وهنا بين أيدينا نص في الوثيقة وهناك واقع تاريخي راسخ وموثق يثبت بالدليل القاطع علاقة الحركة الصفوية أيديولوجياً وفكرياً وسياسياً وحتى عسكرياً في فترات سابقة كما يعلم الجميع بالمشروع الاستعماري لإيران الثورة.
وورد في الوثيقة مصطلحان يحملان مفاهيم ذات دلالة خاصة المقاومة ونحن نعرف أين تستخدم هذه العبارة؛ والمصطلح الثاني الانتفاضة الشعبية في بلد خليجي مستقر وهي تكريس للمفاصلة الكلية في الوثيقة مع الواقع. وهنا التفاتة بأن هذا الخطاب مرة أخرى ليس في سياق كلمات التي الذي يتحدث بها المناضلون من أجل حقوقهم في مجتمعاتهم ولكنها موجهة إلى الأمم المتحدة بغرض تدويل القضية.
ووردت في الوثيقة أيضاً عبارتان أتركهما بلا تعليق، الأولى أن الحالة التي يعيشها هذا الإقليم العربي عمقت الاستبداد في البلاد، بمعنى أن الحالة قبل الإجراءات الإصلاحية كانت أقل سوءاً؟
الثانية أن الدستور قد فرض على الشعب، فهل فرض الدستور على الشعب؟
لقد كان هناك قلق شديد جداً في الوثيقة من تأثير التركيبة السكانية بعد إعطاء حق المواطنة والجنسية لبعض المقيمين العرب وتأثيره في مشروع أصحاب الوثيقة وطبعا النفس الطائفي بارز بقوة في هذا الإطار.
واختتمت الوثيقة بقضيتين رئيسيتين هما تأكيد تدخل الأمم المتحدة وإشرافها على الانتخابات ونحن نعلم جيدا بأن الأمم المتحدة لا يمكن أن تقدم على هذه الخطوة من دون قرار من مجلس الأمن، بمعنى أن الوثيقة أرادت تماماً كما هو معلوم قانونياً وسياسياً قرارات ضد دولتها من مجلس الأمن، والدليل الذي يؤكد هذا التوجه هو أنه أول صورة من الوثيقة كما ذيلت كانت موجهة نصاً لرؤساء الدول الثماني الكبرى ومدار الأمر كما هو معروف على دولة واحدة ورديف لها لا ثالث لهما!
والعجيب أن الحركة الصفوية تعارض وبشدة قرارات مجلس الأمن ضد طهران ثم تستدعيها في وطنها وهو ما يعني أن الأزمة ليست حقوق الأزمة في الهوية.
ومع التسليم بأننا حين نعرض لهذه الوقائع والتحليلات، فليس بالضرورة أن تطابق المستقبل ولكنها مؤشر مهم جداً في ظل هذه الظروف التي تعيشها المنطقة ومع ذلك يؤخذ في الاعتبار أن الخطوة جاءت قبل تداعيات محتملة وخطيرة وهي قيام التقسيم واقعاً على الأرض العراقية وكذلك تطور الصراع الطائفي إلى حرب أهلية شاملة وتداعيات ذلك على المنطقة، فما هي الانعكاسات المتوقعة على نفس الإقليم العربي في الخليج خاصة أن هذا المشروع يمس جميع دول المنطقة ويستهدف مباشرة دولتين منها تدويلاً وتقسيماً حسب المعطيات التي تعززها الساحة السياسية.
وهناك سؤال مهم لا يمكن أن يتجاوزه المحلل السياسي يطرحه دائماً البعض من أنصار موقف السّكينة السّكينة والزموا رحالكم حتى إن داهمكم العدو؟!) أي من يعارضون أي توقع أو تحليل سياسي عطفا على قضية مركزية حقيقية، هذه القضية هي إيمان البعض المطلق بأن الولايات المتحدة لا يمكن أن تُفرط في مستقبل هذه المنطقة سواء كمخزون نفطي استراتيجي أو كموقع إقليمي حيوي خطير ونقول إن الأساس الذي يُبنى عليه مثل هذا الموقف صحيح ولكن الإيمان بأنه قدر حتمي تلك هي الكارثة كيف ذلك؟والحقيقة الواضحة هي أن الأمريكيين فشلوا في العراق بفضل المقاومة العراقية، وفشلوا أيضاً حتى الآن في لبنان وكلها مواقع حساسة وخطيرة وتداعيات فشلهم في العراق أعطت مؤشرات فعلية وواقعية لتأثيراتها في الخليج خاصة التفوق الإيراني المطرد وصعود الحركة التابعة له وممارساتها في تصعيد متدرج لموقفها السياسي والثقافي والاجتماعي عطفاً على هذه التطورات.
وما أعنيه أن الأمريكيين بدأوا بالفعل التعامل مع هذه القضية على محورين المحور الأول: التوصل إلى تفاهم مع إيران حول تقاسم النفوذ أي الاعتراف العملي بالتفوق الإيراني من دون أن يتغير حالياً الوضع الاستراتيجي وخارطة الدول تغيراً جذرياً لكن ضريبة هذا الأمر ستكون بلا شك زيادة نفوذ إيران والحركة الصفوية واقتحامها مواقع جديدة.
المحور الثاني: الدفع نحو انفجار شامل تسعى فيه الولايات المتحدة بعد إنهاك المنطقة إلى إعادة رسم الخريطة والنفوذ كلياً من جديد. وهناك محور ثالث هو الذي تراهن عليه الحكومات في الخليج، ويتمثل في خطط احتواء تدريجية للتفوق الإيراني وإعادة ترتيب منطقة الخليج أمريكياً وهو ما تبين فشله في كل التجارب السابقة مع قوة الحراك والاختراق الإيراني المكثف للمنطقة المدعوم عبر آليات عقائدية توالي مرجعية طهران قبل أي انتماء وطني أو عروبي أو إسلامي آخر.
والوقائع تثبت هذا الفشل وتحوله إلى احتواء عكسي من قبل إيران، وبالتالي يعود الأمر تلقائيّاً إلى المحور الأول الذي ذكرناه وفي كل الحالات طهران هي المستفيد. ولعل من أهم الدلائل التي تشير إلى التحولات الكبيرة في مواقف دول مجلس التعاون الخليجي تُجاه هذه التطورات موقف إحدى دوله التي بدأت فعلياً في التعامل مع الإيرانيين كقوة إقليمية صاعدة رغم أن علاقتها بالولايات المتحدة علاقة استراتيجية مطلقة كحال بقية دول المجلس.
إن هذا الاستفتاء إعلان عن مرحلة جديدة للواقع السياسي والاستراتيجي لمنطقة الخليج، فالتدويل في دولة (ب) يعني تلقائياً مخاوف التقسيم في دولة (أ) خاصة مع تجاوب حيوي ومؤثر مع المشروع لدولة (ج) المختلفة مع بعض دول المجلس وهو ما يعزز حضور الطرف الإيراني ضد الهوية العربية.
لكن من كان يريد أن يخدم هذه الهوية العربية كان عليه أن يسعى لحمايتها في العراق ولو كان يريد أن يتدارك التقصير فليدعم القوى العربية الإسلامية المقاومة وخاصة سياسياً في العراق وعلى رأسها المؤتمر التأسيسي الذي يجتمع فيه أبناء الطائفتين على الأقل كإبراز لمحوره السياسي الذي طمره أصدقاؤه الأمريكيون وتركوا للاعب صغير أن يقوم به لمصلحته. ومَن كان يريد الهوية العربية عليه أن يترك حراكها الوطني المخلص، وأن يسعى للإصلاح وتقوية الجبهة الداخلية في استقلال من دون توجيه أو تضييق وإلا فما فائدة العويل بعد خراب البصرة!
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::3000::/cck::
::introtext::
خلال أغسطس الماضي سلم وفد لحركة معارضة في إحدى دول مجلس التعاون الخليجي وهي حركة ذات علاقة عقائدية وسياسية وثيقة بإيران الأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان وثيقة الاستفتاء المطلق على هوية الدولة ونظامها السياسي.
::/introtext::
::fulltext::
خلال أغسطس الماضي سلم وفد لحركة معارضة في إحدى دول مجلس التعاون الخليجي وهي حركة ذات علاقة عقائدية وسياسية وثيقة بإيران الأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان وثيقة الاستفتاء المطلق على هوية الدولة ونظامها السياسي. وتزامن هذا الحدث مع تطورات سياسية كبيرة في المنطقة العربية رفعت أسهم طهران ودعمت وجودها كمحور إقليمي مطلق لأول مرة منذ أن أزيح العراق عبر الاحتلال المزدوج. وهذا التزامن واضح أنه أخذ في الاعتبار ما تعتبره إيران نجاحاً لمشروعها من خلال دعم حزب الله في لبنان وحليفها الإقليمي النظام السوري على تجيير المكاسب لها، ولكن خطورة الخطوة وحساسياتها دفعتا بالحركة الصفوية (وهو المصطلح الذي يطلقه الباحثون في الخليج على المجموعات الثقافية لإيران في المنطقة) إلى أن تمرر إعلامياً هذه الخطوة التاريخية بهدوء شديد وحذر خلافاً لمنهجها المعروف في تضخيم الأحداث السياسية والانتفاع الإعلامي منها بأقصى حد ممكن.
وترافق هذا الموعد أيضاً مع تحديد موعد الانتخابات في هذه الدولة وإن كان هذا الجناح من الحركة الصفوية أعلن مقاطعته إلا أن سياسة تبادل الأدوار هي الراجح لمثل هذا التبادل والتوزيع للمواقف في المهمة، وهذا لا يعني في تصوري كمحلل سياسي بأن الرسالة توجه ضمنياً للحكم (لو حصلنا على هذا المطلب سوف نتخلى عن ذلك المطلب) كرسالة تهديد ضمنية ولكنها، وحسب رصدي للحركة الصفوية، مشروع مرحلي مهم يتلوه مشروع استراتيجي مطلق في ترادف دقيق بدأ يدخل منعطفاً خطراً للمشروع الإيراني في المنطقة.
وخلال هذه الفترة الزمنية يُلاحظ إعادة الحيوية والنشاط بين مجموعة الحركة الصفوية في عموم الخليج وبين مجموعة واشنطن من بعض النشطاء الليبراليين المرتبطين بواشنطن، إضافة إلى عناصر من اليسار الذي سبق أن ُوجه بعد انحرافه عن مبادئه النضالية ضد الامبريالية الغربية لخدمة المشروع المزدوج مما يعني أنه رغم الخلاف المعلن والقوي على الساحة اللبنانية والملف النووي بين واشنطن وطهران فإن هذه المجاميع لا تزال تعمل باستمرارية نحو تحقيق الخليج الجديد.
وخلال الفترة الماضية لاحظنا تحرك السفارات الأمريكية في المنطقة بصورة فاعلة أكثر من ذي قبل وصاحبه، وهو الجديد الآن، تقدم الإيرانيين في العمق العربي بقوة عبر مراجع ومثقفي الحركة الصفوية، فلقد تبنت طهران رعاية مجالس ثقافية وندوات تدعم الموقف والثقافة الإيرانيين في أوساط العرب السنة في منطقة الخليج واستخدام بعض مواقعهم وشخصياتهم للدفاع عن موقع طهران في العراق، وكذلك تم توجيه دعوات مباشرة لبعض المثقفين لزيارة طهران والالتقاء بمسؤوليها، وهذا العمق لم يكن يجري فيه مثل هذه الخطوات التنفيذية بهذا المستوى، هذا فضلا عن العمل السياسي المتواصل والجاد لبرنامج الشراكة السياسية والثقافية لكلتا المجموعتين.
ولعل أبرز حدث فكري في ساحة دول المنطقة هو انشقاق الحركة الإصلاحية لإحدى أهم دولها بين فريقين: التيار الإسلامي العروبي الوطني والذي يشمل الليبراليين واليساريين الوطنيين، وتحالف مجموعتي واشنطن وطهران مؤخراً؛ وكان هذا الأمر متوقعاً قبل فترة على اعتبار تقدم أجندة التحالف على واقع الأرض، وأن المبادئ والمُثل التي يتبناها التيار الإسلامي العروبي الوطني تصطدم مع وسائل وأهداف هذا التحالف القائم على الشراكة التي تحقق في النهاية أطماع الجهتين الاستعماريتين الراعيتين لهما وإن تصارعاً على النفوذ لاحقاً.
ولعل من أهم الأسباب التي سببت الانفصال على الساحة إضافة لتصادم المبادئ إحساس واشنطن بأنها يجب أن تعتمد في الفترة الحالية على رجالها وألا يحظى أي مناضل يتمرد على المشروع الأمريكي، ولو كان لديه استعداد للاستفادة منه لاعتبارات ديمقراطية ولكنه يتصادم مع أهدافه الإستراتيجية، بأي رعاية أو حماية مباشرة أو ضمنية من واشنطن.
وبالطبع كان نصيب هذا التيار الذي يناضل في سبيل تحقيق الإصلاح مستقلاً عن المشروع الأجنبي التضييق لظهره المكشوف، فالمبادئ الأصيلة لا تحمي هؤلاء بل تُحفز عليهم.
إن كل هذه المقدمات والأحداث المتسلسلة في هذا الزمن الدقيق تزامنت مع وثيقة الاستفتاء المقدمة للأمم المتحدة والتي تحمل في طياتها مضامين غاية في الخطورة والمفاصلة مع الهوية العربية الإسلامية للخليج.
وتزامنت هذه الظروف المحيطة كما قلنا مع صعود الموقف السياسي لطهران وتفاعل المواجهات الدبلوماسية بينها وبين واشنطن استباقاً لما ستسفر عنه الوساطة الأوروبية بين القطب الدولي والإقليمي وانعكاساته على الأوضاع الداخلية في الخليج العربي وتوجيه حركات المعارضة خاصة الموالية للقوى الاستعمارية في واشنطن وطهران.
وقبل أن أستطرد للوقوف العلمي والسياسي على هذه المصطلحات التي وردت في وثيقة الاستفتاء المطلق أود أن أؤكد على قضية ثابتة لدي وإن كانت مكررة بأن الإيمان بالإصلاح الدستوري الحقيقي والقائم على هوية وحضارة الشعب العربي المسلم تشريعاً وتنفيذاً هو وسيلة النهوض الحقيقي لأبناء الشعب العربي. لكننا هنا نواجه حالة من توجيه الحقوق الدستورية نحو رعاية الأجنبي وتدويل القضية لتحقيق أهداف أثبتت التجربة أنها موغلة في المحاصصة الطائفية وتدمير العلاقات للشعب العربي في الخليج، والعراق أنموذج حي على مشروعهم.
عودة إلى مصطلحات الوثيقة
حين ذكرت أن الاستفتاء هو استفتاء مطلق، أي يعيد التاريخ إلى نقطة الصفر المرغوبة ويستدعي من الذاكرة التاريخية عن عمد ووضوح ما يحقق هدفه من هذه (الصفرية) ولهذا ورد في الوثيقة أن أصل الاستفتاء القديم قائم على مطالبة إيران بهذه الدولة، وأن العروبة التي صوت لها الشعب كانت (على أن يتمتع الشعب بحقوقه المدنية والسياسية) و لا أعرف مطلقاً شعباً من الشعوب يشترط أن تكون هويته وانتماؤه التاريخي القومي والديني محل مساومة، وهذا لا يعني التخلي عن النضال في سبيل الحقوق، ولكن هذا التعبير كان مزورا وغير صحيح، ولو ُسئل الناس في حينها هل تتركون عروبتكم إذا لم تتحقق لكم المطالب المدنية لقالوا في حينها (كلا) الهوية والحقوق جنباً إلى جنب.
لكن لماذا هذا الاستدعاء وهذه العروبة المشروطة؟ المسألة غاية في الخطورة، فهي تقول ضمنياً إن هذه العروبة طارئة، أي لا تعترف بالانتماء إلى الجانب الغربي العربي من الخليج كما هو التاريخ من قبل بعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم وحتى عهد الإقليم الموحد والمرتبط بالعراق أو عمق الجزيرة إبان عهد العثمانيين أي قبل الاستعمار الإنجليزي والمؤكد حسب الوقائع والتاريخ.
ثم تنص الوثيقة على أن هذا الانتماء قد نُقض بعد أن نُقض الشرط، وبالتالي أعيدت القضية إلى مجراها القانوني؛ والحديث هنا كان موجهاً للقيادة الأممية القانونية الممثلة في شخص الأمين العام والمحور القانوني الذي تريد الوثيقة تأكيده هو العودة إلى مطالبة إيران.
وهنا بين أيدينا نص في الوثيقة وهناك واقع تاريخي راسخ وموثق يثبت بالدليل القاطع علاقة الحركة الصفوية أيديولوجياً وفكرياً وسياسياً وحتى عسكرياً في فترات سابقة كما يعلم الجميع بالمشروع الاستعماري لإيران الثورة.
وورد في الوثيقة مصطلحان يحملان مفاهيم ذات دلالة خاصة المقاومة ونحن نعرف أين تستخدم هذه العبارة؛ والمصطلح الثاني الانتفاضة الشعبية في بلد خليجي مستقر وهي تكريس للمفاصلة الكلية في الوثيقة مع الواقع. وهنا التفاتة بأن هذا الخطاب مرة أخرى ليس في سياق كلمات التي الذي يتحدث بها المناضلون من أجل حقوقهم في مجتمعاتهم ولكنها موجهة إلى الأمم المتحدة بغرض تدويل القضية.
ووردت في الوثيقة أيضاً عبارتان أتركهما بلا تعليق، الأولى أن الحالة التي يعيشها هذا الإقليم العربي عمقت الاستبداد في البلاد، بمعنى أن الحالة قبل الإجراءات الإصلاحية كانت أقل سوءاً؟
الثانية أن الدستور قد فرض على الشعب، فهل فرض الدستور على الشعب؟
لقد كان هناك قلق شديد جداً في الوثيقة من تأثير التركيبة السكانية بعد إعطاء حق المواطنة والجنسية لبعض المقيمين العرب وتأثيره في مشروع أصحاب الوثيقة وطبعا النفس الطائفي بارز بقوة في هذا الإطار.
واختتمت الوثيقة بقضيتين رئيسيتين هما تأكيد تدخل الأمم المتحدة وإشرافها على الانتخابات ونحن نعلم جيدا بأن الأمم المتحدة لا يمكن أن تقدم على هذه الخطوة من دون قرار من مجلس الأمن، بمعنى أن الوثيقة أرادت تماماً كما هو معلوم قانونياً وسياسياً قرارات ضد دولتها من مجلس الأمن، والدليل الذي يؤكد هذا التوجه هو أنه أول صورة من الوثيقة كما ذيلت كانت موجهة نصاً لرؤساء الدول الثماني الكبرى ومدار الأمر كما هو معروف على دولة واحدة ورديف لها لا ثالث لهما!
والعجيب أن الحركة الصفوية تعارض وبشدة قرارات مجلس الأمن ضد طهران ثم تستدعيها في وطنها وهو ما يعني أن الأزمة ليست حقوق الأزمة في الهوية.
ومع التسليم بأننا حين نعرض لهذه الوقائع والتحليلات، فليس بالضرورة أن تطابق المستقبل ولكنها مؤشر مهم جداً في ظل هذه الظروف التي تعيشها المنطقة ومع ذلك يؤخذ في الاعتبار أن الخطوة جاءت قبل تداعيات محتملة وخطيرة وهي قيام التقسيم واقعاً على الأرض العراقية وكذلك تطور الصراع الطائفي إلى حرب أهلية شاملة وتداعيات ذلك على المنطقة، فما هي الانعكاسات المتوقعة على نفس الإقليم العربي في الخليج خاصة أن هذا المشروع يمس جميع دول المنطقة ويستهدف مباشرة دولتين منها تدويلاً وتقسيماً حسب المعطيات التي تعززها الساحة السياسية.
وهناك سؤال مهم لا يمكن أن يتجاوزه المحلل السياسي يطرحه دائماً البعض من أنصار موقف السّكينة السّكينة والزموا رحالكم حتى إن داهمكم العدو؟!) أي من يعارضون أي توقع أو تحليل سياسي عطفا على قضية مركزية حقيقية، هذه القضية هي إيمان البعض المطلق بأن الولايات المتحدة لا يمكن أن تُفرط في مستقبل هذه المنطقة سواء كمخزون نفطي استراتيجي أو كموقع إقليمي حيوي خطير ونقول إن الأساس الذي يُبنى عليه مثل هذا الموقف صحيح ولكن الإيمان بأنه قدر حتمي تلك هي الكارثة كيف ذلك؟والحقيقة الواضحة هي أن الأمريكيين فشلوا في العراق بفضل المقاومة العراقية، وفشلوا أيضاً حتى الآن في لبنان وكلها مواقع حساسة وخطيرة وتداعيات فشلهم في العراق أعطت مؤشرات فعلية وواقعية لتأثيراتها في الخليج خاصة التفوق الإيراني المطرد وصعود الحركة التابعة له وممارساتها في تصعيد متدرج لموقفها السياسي والثقافي والاجتماعي عطفاً على هذه التطورات.
وما أعنيه أن الأمريكيين بدأوا بالفعل التعامل مع هذه القضية على محورين المحور الأول: التوصل إلى تفاهم مع إيران حول تقاسم النفوذ أي الاعتراف العملي بالتفوق الإيراني من دون أن يتغير حالياً الوضع الاستراتيجي وخارطة الدول تغيراً جذرياً لكن ضريبة هذا الأمر ستكون بلا شك زيادة نفوذ إيران والحركة الصفوية واقتحامها مواقع جديدة.
المحور الثاني: الدفع نحو انفجار شامل تسعى فيه الولايات المتحدة بعد إنهاك المنطقة إلى إعادة رسم الخريطة والنفوذ كلياً من جديد. وهناك محور ثالث هو الذي تراهن عليه الحكومات في الخليج، ويتمثل في خطط احتواء تدريجية للتفوق الإيراني وإعادة ترتيب منطقة الخليج أمريكياً وهو ما تبين فشله في كل التجارب السابقة مع قوة الحراك والاختراق الإيراني المكثف للمنطقة المدعوم عبر آليات عقائدية توالي مرجعية طهران قبل أي انتماء وطني أو عروبي أو إسلامي آخر.
والوقائع تثبت هذا الفشل وتحوله إلى احتواء عكسي من قبل إيران، وبالتالي يعود الأمر تلقائيّاً إلى المحور الأول الذي ذكرناه وفي كل الحالات طهران هي المستفيد. ولعل من أهم الدلائل التي تشير إلى التحولات الكبيرة في مواقف دول مجلس التعاون الخليجي تُجاه هذه التطورات موقف إحدى دوله التي بدأت فعلياً في التعامل مع الإيرانيين كقوة إقليمية صاعدة رغم أن علاقتها بالولايات المتحدة علاقة استراتيجية مطلقة كحال بقية دول المجلس.
إن هذا الاستفتاء إعلان عن مرحلة جديدة للواقع السياسي والاستراتيجي لمنطقة الخليج، فالتدويل في دولة (ب) يعني تلقائياً مخاوف التقسيم في دولة (أ) خاصة مع تجاوب حيوي ومؤثر مع المشروع لدولة (ج) المختلفة مع بعض دول المجلس وهو ما يعزز حضور الطرف الإيراني ضد الهوية العربية.
لكن من كان يريد أن يخدم هذه الهوية العربية كان عليه أن يسعى لحمايتها في العراق ولو كان يريد أن يتدارك التقصير فليدعم القوى العربية الإسلامية المقاومة وخاصة سياسياً في العراق وعلى رأسها المؤتمر التأسيسي الذي يجتمع فيه أبناء الطائفتين على الأقل كإبراز لمحوره السياسي الذي طمره أصدقاؤه الأمريكيون وتركوا للاعب صغير أن يقوم به لمصلحته. ومَن كان يريد الهوية العربية عليه أن يترك حراكها الوطني المخلص، وأن يسعى للإصلاح وتقوية الجبهة الداخلية في استقلال من دون توجيه أو تضييق وإلا فما فائدة العويل بعد خراب البصرة!
::/fulltext::
::cck::3000::/cck::
