المواجهة الإيرانية – الأمريكية : بين “المأمول” الأمريكي و”المعقول” الإيراني
::cck::3011::/cck::
::introtext::
إذا كان القول سابقاً بأن الأصل في الرأسمالية (والمتمثلة الآن في الولايات المتحدة الأمريكية) بأنها نظام استقطابي لمراكز مُسيطرة وأطراف خاضعة يتلازم مع تراكم رأسمال العامل على نطاق عالمي ومُؤسَّس على قانون القيمة المُعولمة، فإن هذا التوصيف أضحى أكثر التصاقاً بما شُبّه به بعد الحرب الأمريكية على العراق. كما أن اعتقاد (الديغولية) بأن هدف الولايات المتحدة الأمريكية منذ العام 1945 هو السيطرة على مُجمل العالم القديم (أوراسيا) وضرورة قيام تحالف فرنسي – ألماني بات في شبه المؤكد بعد التجيير القسري لإرادات أوروبية نحو مشروع الهيمنة الأمريكية في الشرق الأوسط، وبالتحديد في قضية العراق. ورغم أن ذلك المشروع يسير بجنون وبفضاضة إمبريالية نادرة وجديدة على السلوك السياسي، وحتى الإمبراطوري إلاّ أنه يُواجَه أيضاً بخصوم امتلكوا ذات الجنون والفضاضة، كما أن بعضاً من هؤلاء الخصوم امتهن المناورة السياسية وسياسة التحالفات عبر الحدود المباشرة وغير المباشرة بغرض التأمين الجيوبوليتيكي تارة والحماية الإقليمية والدولية تارة أخرى، رغم أن النظرية العسكرية الأمريكية الإمبريالية لم تغفله، واشتغلت ضده بقوة من دون أدنى تفريط لأي من الخيارات.
::/introtext::
::fulltext::
إذا كان القول سابقاً بأن الأصل في الرأسمالية (والمتمثلة الآن في الولايات المتحدة الأمريكية) بأنها نظام استقطابي لمراكز مُسيطرة وأطراف خاضعة يتلازم مع تراكم رأسمال العامل على نطاق عالمي ومُؤسَّس على قانون القيمة المُعولمة، فإن هذا التوصيف أضحى أكثر التصاقاً بما شُبّه به بعد الحرب الأمريكية على العراق. كما أن اعتقاد (الديغولية) بأن هدف الولايات المتحدة الأمريكية منذ العام 1945 هو السيطرة على مُجمل العالم القديم (أوراسيا) وضرورة قيام تحالف فرنسي – ألماني بات في شبه المؤكد بعد التجيير القسري لإرادات أوروبية نحو مشروع الهيمنة الأمريكية في الشرق الأوسط، وبالتحديد في قضية العراق. ورغم أن ذلك المشروع يسير بجنون وبفضاضة إمبريالية نادرة وجديدة على السلوك السياسي، وحتى الإمبراطوري إلاّ أنه يُواجَه أيضاً بخصوم امتلكوا ذات الجنون والفضاضة، كما أن بعضاً من هؤلاء الخصوم امتهن المناورة السياسية وسياسة التحالفات عبر الحدود المباشرة وغير المباشرة بغرض التأمين الجيوبوليتيكي تارة والحماية الإقليمية والدولية تارة أخرى، رغم أن النظرية العسكرية الأمريكية الإمبريالية لم تغفله، واشتغلت ضده بقوة من دون أدنى تفريط لأي من الخيارات.
العداء الأمريكي لإيران
وبملاحظة ما تعيشه المنطقة من أجواء ضاغطة ومُحاذية لحروب استنزاف بين القوة القادمة من وراء الأطلسي وبين قوى في المنطقة (سوريا وإيران) يبقى الحديث عن مفاهيم العسكرة الأمريكية للمنطقة أمراً جدّ مهم، ويتّسق مع اهتمامات الحدث والساعة، وبالخصوص الحديث عن السياسة الأمريكية تجاه الجمهورية الإسلامية الإيرانية. فالعلاقات الإيرانية – الأمريكية قُيِّضَ لها أن تعيش رهينة سياسات استحكمت فيها الأيديولوجيا الإمبريالية بقسوة حتى غدا الأمر وكأنه مجموعة من العقائد اليمينية الصمّاء المُتقَولبة غير القابلة للتسييس أو التعاطي وفق منظومة السيادة والاحترام المُتبادل، فتأثرت بذلك خطوط محاذية للهيب تلك العلاقة المأزومة، بل وفي بعض الأحيان، أصيبت بالتعثر والجمود.
إن مسيرة الخلاف القائم بين طهران وواشنطن (وصيرورته كعداء أزلي) ليست نتاج مماحكات وتباينات آنية أو طارئة في مفاهيم إدارة التنافس والصراع القِيَمي والبراجماتي، بل هو اجترار لسلسلة طويلة من التنابذ الثنائي، المهووس بخطاب سياسي راديكالي يقترب بالأشياء حيناً إلى حافة الهاوية وحيناً بالتهديد والضغوط، ثم يخبو بحذر ليبقى ثأراً نائماً، لكنه جاهز لكي يستيقظ في أي وقت مُعيداً معه أحقاداً وتناكفاً واستصحابات تفرض أجندتها على الحدث.
كما أن التاريخ المُثخن بالعداء والذاكرة الإيرانية المكتنزة أحداثاً مُؤلمة قد جعل من محاولات إعادة المياه إلى مجاريها أمراً صعب التحقق، فمن إسقاط حكومة مصدق في العام 1953 إلى دعم واشنطن لنظام صدام حسين إبّان حرب الخليج الأولى ومروراً بضرب المنشآت البترولية في عبدان عام 1988 من قِبَل الأسطول الأمريكي المرابط في مياه الخليج، ومن ثم إسقاط الطراد الأمريكي فينينس لطائرة الإيرباص الإيرانية في العام 1987 ومقتل جميع ركابها الـ 290، وما أقره الكونغرس الأمريكي قبل خمس سنوات من رصد مبلغ 20 مليون دولار لممارسة أنشطة استخباراتية وتخريبية في إيران، ثم العداء الأمريكي الواضح للرئيس المنتخب محمود أحمدي نجاد ، فهذه كلها أمور لا تُشجّع على أي نوع من التقارب بين البلدين، بل تزيد النار أواراً، أضف إلى ذلك فقد اتبعت الحكومات الأمريكية المتعاقبة (الجمهورية والديمقراطية على السواء) منذ بداية عقد التسعينات وإلى الآن سياسات أقرب ما تكون إلى حرب غير مُعلنة ضد إيران حيث بدأت في:
1. تضمين السياسة الخارجية الأمريكية لسياسة الاحتواء المزدوج منذ العام 1993 ضد العراق وإيران
2. تشريع قانون مقاطعة الاستثمار (داماتو) في العام 1996 الذي يُحرّم على الشركات الأجنبية استثمار أكثر من 40
مليون دولار في قطاعي النفط والغاز الطبيعي داخل الأراضي الإيرانية، والذي جُدِّد العمل به لمدة خمس سنوات في العام 2001.
3. فتح ملفات قانونية في المحاكم الأمريكية ضد إيران.
4. الضغط على روسيا والصين لوقف تعاونهما النووي والعسكري مع إيران، وكذلك الضغط على الوكالة الدولية للطاقة الذرية للحد من سعي إيران لامتلاك تكنولوجيا الطاقة النووية.
5. ممارسة ضغوط قوية على أوروبا واليابان ودول آسيا الوسطى والقوقاز بهدف تقليص تعاونها التجاري والثقافي مع إيران، والتقارب نحو أذربيجان وأوزبكستان بعد أحداث سبتمبر 2001 لخلق فرص حقيقية للوجود الأمريكي بالمنطقة.
6. الدخول على خط الصراع بين الدول المتشاطئة لبحر قزوين وعرقلة أي جهود إيرانية لتسوية الخلاف وبالخصوص موضوع المحاصصة المقترحة من قِبَل طهران في ذلك.
7. الضغط على تركيا لإيقاف اتفاقها في مجال الغاز مع طهران والقاضي بأن تُزوّد الأخيرة أنقرة بالغاز المُسال لمدة 20 عاماً بتكلفة تقارب 23 مليار دولار.
8. إطلاق حملات إعلامية واسعة تُحرّض دول الجوار وتُحذرها من قدرات إيران الصاروخية.
9. تشغيل وتمويل الشبكات التلفزيونية والإذاعية الناطقة باللغة الفارسية من صحراء كاليفورنيا والموجهة ضد إيران (قناة فردا مثالاً).
10. إدخال إيران فيما يُسمى (محور الشر) منذ يناير 2002.
11. العمل على مد حلف الناتو إلى مناطق آسيا الوسطى بهدف فصل إيران من الشمال والشمال الشرقي عن كل من روسيا والصين.
12. الاحتلال الأمريكي المباشر للعراق، الأمر الذي جعل الطوق الأمني والعسكري حول إيران شبه مُكتمل، فباكستان أقامت علاقات تعاون استخباراتي وثيق مع واشنطن لتعقّب مقاتلي تنظيم القاعدة، وأفغانستان بات الوجود الأمريكي فيها واقعاً قائماً، وكذلك الأمر بالنسبة لأذربيجان وتركمانستان، فضلاً عن قاعدة إنجرليك التركية المُزودة برؤوس نووية.
الموقف الأمريكي ضد إيران بعد أحداث سبتمبر واحتلال العراق
بعد أحداث 11 سبتمبر تحولت السياسة الخارجية لواشنطن من العمل التعاوني النسبي مع القوى الدولية إلى التحرك المنفرد متجاوزةً كل مكتسبات العمل الجمعي والقانوني الدولي السائد منذ الحرب العالمية الثانية، ورفض الارتكاز على العقوبات بالأساس في صنع السياسة الخارجية واللجوء مباشرة للقوة العسكرية، والانتقال فعلياً (حسب وثيقة الأمن القومي الأمريكية) من سياسة الردع والاحتواء إلى استراتيجية الهجوم الوقائي، ومن سياسة الردع الاستراتيجي التي كانت سائدة في الحرب الباردة إلى الحرب الاستباقية، وهي أجندة تذهب إلى الحد الأقصى في العلاقات الدولية، الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على علاقتها مع إيران خصوصاً مع ازدياد نفوذ صقور اليمين داخل الإدارة الأمريكية الذين يضعون إيران كـ (هدف ضرورة) يجب القضاء عليه عاجلاً أم آجلاً، ويشمل هذا الاتجاه أسماء مثل ريتشارد بيرل، وبول ولفوويتز ودوجلاس فيث، وهؤلاء يؤكدون علناً أن الولايات المتحدة يجب أن تستغل فرصة وجودها العسكري الكبير في العراق وأفغانستان للخلاص من نظام الحكم في طهران.
كما أن تلك السياسة المتشددة بدأت تلقى رواجاً لدى مراكز الأبحاث اليمينية، فقد تحدث رابت ساتلات مدير مؤسسة واشنطن عن أن الولايات المتحدة (يجب أن تحاصر إيران في قضايا الأمن الداخلي والخارجي بحيث تشغلها عن التقدم ووضع العراقيل أمامها، وزجها في مواقف تضطر فيها للدفاع اليومي عن نفسها ضد عشرات الأنواع من الاتهامات والمخاطر، وهو ما سيؤدي إلى استياء عام في الداخل، بالإضافة إلى وجود الثغرات السياسية في النظام الإيراني، وازدياد المشكلات يمكن أن يضع البلاد أمام تحديات كبيرة).
كما علّق ريتشارد بيرل أحد القادة الجمهوريين الكبار في خطاب له بتاريخ 14 نوفمبر 2001 في مؤسسة السياسة الخارجية (بأن الطريق الوحيد لمواجهة إيران بعد أحداث 11 سبتمبر هو تغيير بنية السلطة في إيران).
وأمام هذا النهم الأمريكي في العداء نحو إيران يُمكننا توقّع قيام الولايات المتحدة الأمريكية بأحد السيناريوهات التالية:
• ضرب مراكز الأبحاث النووية في (نطنز وآراك وإصفهان) والمنشآت العسكرية الإيرانية عبر غارات مباغتة قد يُشارك فيها الطيران الحربي الإسرائيلي.
• تشديد الخناق الاقتصادي على إيران مُصاحَبَاً بتشريعات جديدة أو بقرارات أممية وذلك بغرض إنهاك النظام الإيراني، وجرّه إلى اعتماد (المركَزَة الاقتصادية) والتي ستؤدي بلا شك إلى المزيد من التكلّس والانكفاء المالي والتجاري.
• إثارة موضوع الإثنيات والأعراق المتعددة في إيران واللعب بها بما يضمن إيجاد مناخ مضطرب يُمكن تحريكه شعبياً، وهو ما تمّ تجريبه بالفعل قبل أقل من شهرين في مناطق محافظة خوزستان وبالتحديد في الأهواز وفي مرتفعات علوى وعبدا وملاشيه وحميدية.
وتعليقاً على تلك السيناريوهات يُمكن مناقشة الآتي:
خيارالضربة العسكرية :
فعلى الرغم من أن الولايات المتحدة لن تستطيع إيجاد عملية مواءمة إقليمية أو دولية تُساندها في هذا المجال، خصوصاً مع وجود تجربة احتلال العراق، فإن القدرات العسكرية الإيرانية بدأت تُشكل قوة حقيقية ضد أي هجوم مُرتقب، يُساندها في ذلك وجود عقول إيرانية تمّ استنساخها في روسيا والصين والبرازيل والهند، فالقدرات الإيرانية، وبالتحديد في مجال الصواريخ، بدأت تمتلك قدرة تقنية عالية وبمدى خطير يجعل من شمال إفريقيا وجنوب شرق أوروبا ومناطق الهلال الخصيب أهدافاً يُمكن الوصول إليها، كما أن التقارير العسكرية تُشير إلى أن هذه التقنية باتت تُشكل خطراً حتى على القدرات الصاروخية الإسرائيلية، وبالتحديد لصاروخ (حيتس) الإسرائيلي. وفي هذا السياق ذكرت صحيفة (هآرتس) في مقال لها في 17 يوليو من العام 2000 أن صاروخ شهاب 3 (1300 كم) يوفر قدرة مضمونة على ضرب أهداف داخل إسرائيل، وأشار زئيف شيف وهو أحد المحللين الإسرائيليين إلى أن التغيير الذي أحدثه دخول (شهاب 3) كصاروخ باليستي في المنطقة هو أن إسرائيل لم تعد الدولة الوحيدة في الشرق الأوسط المزودة بصاروخ أرض أرض يتجاوز مداه ألف كيلو متر.
لقد فهِمَ الإيرانيون أن مساحة البلاد الضخمة (1.648.000 كم) والحدود المتاخمة لسبعٍ من الدول غير المستقرة أو ذات تحالفات استراتيجية مع واشنطن، لا يمكن تأمين ذلك إلاّ من خلال إيجاد منظومة صاروخية قوية يُمكن الركون إليها عند المواجهة، وهو ما تبيّن لهم جلياً خلال الحرب مع العراق، وكيف أن العدو استطاع أن يلتهم بصواريخه معظم المحافظات الإيرانية الخمس (خوزستان، إيلام، باختران، كردستان، أذربيجان الغربية) والمدن والقرى الغربية المتاخمة محدثاً بذلك خسائر فادحة في الأرواح والممتلكات ونزوحاً بشرياً عارماً لأكثر من مليوني إيراني من قاطني تلك المحافظات إلى عمق الداخل الجغرافي.
لذا فإنه، ومنذ بداية تسعينات القرن الماضي، كان أكثر من خمسة آلاف إيراني يتلقون دورات عسكرية في روسيا وكوريا الشمالية والصين ويوغسلافيا ورومانيا والهند والبرازيل، كما أن وزارة الدفاع الإيرانية وقيادة الحرس الثوري بدأتا التعامل بقوة مع شركات السلاح في كل من روسيا والصين والهند كشركة الصناعات الصينية الشمالية المعروفة باسم نورينكو وهي شركة بارزة في تصدير القذائف والصواريخ للشرق الأوسط، وحصلت إيران عن طريقها على فولاذٍ من نوعية عالية الجودة وخلطات معدنية خاصة يتم استخدامها كحاويات لمحتويات صاروخية وللدروع المعدنية التي توضع حول أنظمة القيادة والإرشاد، كما أن معظم الصواريخ الإيرانية كـ (شهاب 3 وشهاب 4 وشهاب 5) ومنظومة صواريخ (زلزال 1 وزلزال 2 وزلزال 3 وصياد 1 المضاد للطائرات) هي كلها تحوير آخر لصواريخ شرقية الصنع كـ (إس إس 4) الروسية و(دودونج) و(تايبو دونج) الكوريين الشماليين، و(سلكوروم) الصيني، حيث تقوم إيران بالاستفادة من تقنيتها ومن إعادة تصنيعها، كما بدأت في تشييد العديد من المصانع العسكرية في الداخل وأممتها كمجموعة صناعات الشهيد همّت ومصنع (فاتح 110) ومؤسسة الصناعات الجوية الإيرانية مستغلة في ذلك عدم توصل المجتمع الدولي إلى إبرام معاهدة دولية أو نظام قانوني محدد لإنتاج واستخدام الصواريخ.
وتُشير الدراسات العسكرية الحديثة إلى أن إيران تقوم حالياً بإنتاج أكثر من 80 في المائة من أسلحتها الثقيلة، كما أنها:
• بدأت في إنتاج صاروخ (فاتح 110) من طراز أرض أرض بمدى يبلغ 250 كم وأجريت له تجربة ناجحة في السادس من سبتمبر 2002.
• أعلنت في شهر سبتمبر قبل الماضي على لسان رئيس مؤسسة الصناعات الجوية الإيرانية العميد أحمد وحيدي عن تدشينها لمصنع جديد لإنتاج صاروخ كروز البحري وصاروخ فجر وخط إنتاج للمدفعية المضادة للجو من عيار 35 ملم، كما تمّ الإعلان عن إنتاج صواريخ مضادة للدروع وصواريخ تعمل بالوقود الجامد.
• بدأت في تصنيع ناقلات الدبابات تيماز (وهي تطوير للدبابة الروسية تي 72) وكذا تصنيع دبابات (ذو الفقار).
• بدأت في العام 1997 في تصنيع الطائرات الخفيفة بدون طيار ومقاتلات إف 4 وإف 5 والطوافة شباوز 75 وشباوز 206 التي يمكنها التحليق على ارتفاع 12600 قدم، وأشار العميد بحري محمد شفيعي مساعد شؤون التنسيق في وزارة الدفاع وإسناد القوات المسلحة في تصريح له نشرته صحيفة (كيهان) الإيرانية واسعة الانتشار في الثامن عشر من سبتمبر قبل الماضي إلى أن الجمهورية الإسلامية وصلت في قطاع المعدات الدفاعية إلى الاكتفاء الذاتي ولا حاجة لها إلى الدول الأخرى، وأنها تنافس ما تمتلكه تركيا والهند ودول أخرى في هذا المجال.
وتابع قائلاً: إن عامل عبورنا من كوننا مستهلكين فقط إلى الاكتفاء الذاتي في القطاع الدفاعي هو المصادر البشرية، بحيث توصلنا اليوم إلى إمكانية وضع التصاميم في مجال الدروع والصواريخ والأجهزة الالكترونية والاتصالات والرادارات والكمبيوتر، وإن قدرتنا في صناعة الطائرات وصلت إلى الحد الذي نمارس فيه الأنشطة في صنع المروحيات والقطع البحرية والبرمائية والطائرات بدون طيار، التي تتميز بتكنولوجيا متطورة للغاية. كما أكد شفيعي أن إيران تنتج صواريخ مضادة للدروع وإنتاج رادارات من نوع (بصير) وتصميم وصنع طائرات (فجر 3) ورشاشات متعددة الأغراض وعدد من المعدات الذكية والأسلحة الفردية.
وإلى جانب كل ذلك فقد بذَل الإيرانيون الكثير من المال قارب 12 مليار دولار لشراء كميات كبيرة من السلاح والعتاد في الفترة من 1996 وحتى 1998، حيث كانت هناك صفقات مع روسيا بستة مليارات ومع الصين بأربعة مليارات ومع كوريا الشمالية بملياري دولار، ويمكن تفصيل ماهية تلك الصفقات طبقاً لدراسة اللواء الركن جمال مظلوم من مركز الخليج للدراسات الاستراتيجية كالتالي : ضمّت صفقة الأسلحة الروسية حوالي 12 قاذفة استراتيجية ثقيلة و24 مقاتلة هجومية استراتيجية بعيدة المدى من طراز (سوخوي 27) و48 مقاتلة (ميج 29) و24 مقاتلة (ميج 31) و24 مقاتلة (ميج 27) وطائرتين للرصد والإنذار المبكر من طراز (اليوشن), إضافة إلى 400 دبابة حديثة و400 عربة قتال مدرعة ومدافع ذاتية الحركة عيار (52 مم2 و122مم) ووحدات صاروخية متعددة الفوهات عيار (220مم و122 مم) وصواريخ للردع وأخرى مضادة للطائرات من طراز (سام 5 وسام 11 وسام 13) و3 غواصات هجومية , بالإضافة إلى صفقة أخرى تم الاتفاق عليها مؤخرا تشمل شبكات متطورة للدفاع الجوي من (طراز سي300) وطائرات هليكوبتر حربية من طراز (إم آي 7) وطائرات مقاتلة من طراز سوخوي 25 وأسلحة تقليدية أخرى.
بينما شملت الصفقات مع الصين 100 مقاتلة من طراز (إف 7) إلى جانب عدد من مقاتلات سوخوي 24 الصينية، إضافة إلى التعاون في مجال تكنولوجيا التسلح. أما مع كوريا الشمالية فتركّزت الصفقات على صواريخ أرض – أرض وإنشاء قواعد صاروخية بحرية إضافة إلى صواريخ سكود متطورة مداها 600 كم بقيمة مليارين ونصف المليار دولار.
كما سعت إيران إلى تطوير القاعدة الصناعية الحربية لها لتحقيق الاكتفاء الذاتي والحصول على تكنولوجيا تسلح ومعدات صناعية متطورة لتحديث قاعدة الإنتاج الحربي والحصول على حاسبات إلكترونية متطورة وألياف زجاجية لإقامة صناعة تسليح متطورة.
وحول حجم الجيش الإيراني وعناصره المختلفة، تشير الدراسات إلى أن القوات البرية الإيرانية تتكون من 220 ألف جندي وتضم 4 فرق مدرعة تضم 3 ألوية مدرعة ولواء ميكانيكياً و4 إلى 5 كتائب مدفعية و6 فرق مشاة و4 ألوية مشاة و4 إلى 5 ألوية مدفعية، بالإضافة إلى فرقة صاعقة وفرقة قوات خاصة ولواء محمول جواً وألوية مدرعة مستقلة ومشاة ميكانيكية وصاعقة ومجموعات مدفعية, وتمثّل دبابات القتال الرئيسية إم بي تي منها ( ت 54/55 وت 62 وت 72 ) وأنواع أخرى مع مئات العربات المدرعة ذات النوعيات المتعددة و1950 قطعة مدفعية مجرورة و290 قطعة ذاتية الحركة و664 مدفعية صاروخية و1700 مدفع مضاد للطائرات مع صواريخ سكود بي / سي وسام 7 ، بينما تشمل القوات الجوية نحو 45 ألف عنصر تضم 291 مقاتلة موزعة على 9 أسراب مقاتلة و4 أسراب مسلحة بـ 66 طائرة (إف 4) و5 أسراب مسلحة بـ 60 طائرة (إف 15) وسرب مسلح بـ 24 طائرة (سوخوي 4) و7 طائرات (سوخوي 25) إضافة إلى 7 أسراب مقاتلة منها سربان مسلحان بنحو 60 طائرة (إف 14) وسرب مسلح بنحو 24 طائرة (إف 7) وسربان مسلحان بـ 30 طائرة (ميج 29 إيه) إضافة إلى عدد آخر من طائرات النقل الجوي والهليكوبتر.
في حين تضم البحرية الإيرانية 18 ألف عنصر منها 2600 من مشاة الأسطول و3 غواصات روسية و3 تشكيلات بحرية و3 فرقاطات و63 قطعة بحرية دورية ودفاع ساحلي و5 كاسحات ألغام مع عدد آخر من سفن الألغام والبرمائية وطائرات الهليكوبتر. وتؤكد الدراسات امتلاك إيران لقدرات صاروخية متنوعة، حيث توجد لديها أعداد كبيرة من صواريخ جو/أرض وصواريخ جو/جو وصواريخ أرض/جو متنوعة.
كما تمتلك أيضاً قاعدة كبيرة من الصناعات الحربية التي طُوّرت بدرجة كبيرة في الفترة التالية من الحرب العراقية – الإيرانية حيث تغطي 80 في المائة من الاحتياجات العسكرية الداخلية, كما أن القدرات التصنيعية الإيرانية تشمل إنتاج الأسلحة الصغيرة والصواريخ المضادة للدبابات من طراز سي طوفان وطوفان 2 ومدافع الهاون من أعيرة مختلفة والمدفعية وثندر عيار 122 مم وثندر 2 عيار 155 مم, إضافة إلى تصنيع ناقلات الجند المدرعة والدبابات (ذو الفقار) الإيرانية وتوفان وتي 72 الإيرانية، بالإضافة إلى أجهزة الاتصال وقطع الغيار والذخيرة.
وأمام تلك المنظومة الدفاعية يبقى الخيار العسكري ضد إيران بالغ الخطورة، وسيؤدي إلى خسائر فادحة ستتكبدها القوات الأمريكية إن هي أقدمت على عمل مسلح.
خيار الحصار الاقتصادي:
من المكابرة ألا تعترف إيران بأن الحصار الاقتصادي الذي تفرضه الولايات المتحدة الأمريكية عليها غير مؤذٍ لها أو غير مضر باقتصادها ومشاريعها التنموية، لكنه وفي الوقت نفسه يجب أن نعترف بأن الإيرانيين استطاعوا أن يفتحوا لهم منافذ اقتصادية متعددة عبر استثمار التناقضات الدولية حيناً، وعبر حاجات الدول لما هو متوفر لديها وبالخصوص في مجال الطاقة حيناً آخر، فالتقديرات الاقتصادية العالمية تُشير إلى أن حجم الاستثمار الأجنبي في إيران مع نهاية العام 2003 وصل إلى أكثر من 15 مليار دولار معظمه في مجال الطاقة، في حين ما زالت الشركات الأمريكية تتعامل مع الصفين الثاني والثالث من مجالات الاستثمار في إيران كالكافيار والسجاد والفستق بعد قرار واشنطن رفع الحظر عنها في مارس 2000 بعد أن كانت التجارة الأمريكية تخسر سنوياً ما قيمته 8 مليارات دولار كنتيجة لذلك الحظر بسبب استيرادها لتلك الأصناف عبر وسطاء وسماسرة، أضف إلى ذلك فإن إيران أدركت ما للجنوب الشرقي للقارة الآسيوية من حاجة ماسة للنفط ومشتقاته وهو الذي كانت تستورده من الشركات الأمريكية (60 ألف برميل يومياً) لتحل هي بديلاً قوياً وناجزاً محلها، ليس آخرها اعتزام الهند توقيع اتفاق معها بقيمة 40 مليار دولار لاستيراد خمسة ملايين طن من الغاز الطبيعي المسال سنوياً لمدة خمسة وعشرين عاماً وذلك بشراء 20 في المائة من حقل يادوران الإيراني الذي يضم أكثر من ثلاثة مليارات برميل من النفط، وقبله اتفاقها الضخم مع شركة سينوبيك جروب الصينية بقيمة سبعين مليار دولار للحصول على 250 مليون طن من الغاز المسال على مدى ثلاثين عاماً.
كما أن طهران لجأت لزحزحة الحصار الأمريكي عنها نحو الانفتاح على الدول الحليفة لواشنطن في الخليج فدفعت باتجاه مجالات التجارة والاستيراد والتصدير بعد تسويات سياسية مع المملكة العربية السعودية، فأبرمت اتفاقاً مع قطر لنقل مياه نهر قارون جنوب إيران إلى الأراضي القطرية سُمي (مشروع الأنبوب الأخضر) كما وقّعت اتفاقاً مشابهاً مع الكويت، وحسّنت كثيراً من علاقاتها مع المنامة فضلاً عن مسقط وأبوظبي التي ظلّت على علاقة تجارية جيدة مع طهران رغم الخلاف حول الجزر الثلاث، من جانب آخر استثمر الإيرانيون منافع طريق الحرير لنقل أكثر من 15 مليون طن من البضائع سنوياً، وقاموا بتشييد قاعدتين تجاريتين في جلستان وخراسان لزيادة عمليات الترانزيت والوسائط التجارية عبرها نحو آسيا الوسطى، بالإضافة إلى ذلك فقد حافظت إيران على علاقتها الاقتصادية مع أوروبا القديمة (كما سمّاها رامسفيلد) وباتت ألمانيا وفرنسا وبريطانيا من أهم الشركاء الاقتصاديين لإيران، وليس سراً أن تعمل أكثر من 1400 شركة ألمانية في مجالات تجارية واستثمارية داخل الأراضي الإيرانية.
الخيار العِرقي والإثني:
تعيش في إيران خمس قوميات رئيسية هي الفرس والآذريون والعرب والأكراد والبلوش، وقد تعاملت الثورة الإسلامية في بدايتها مع هذا التنوع العرقي والإثني بكثير من الحزم بعد تمرد الأكراد في إقليم اللور وكردستان، لكنها في الوقت نفسه تمكنت من صهر تلك الفسيفساء في عقد مواطنة تمّ سبكه بإتقان تحت شعارات دينية راديكالية، كما أن الأزمات التي مرّت بها إيران جعلت من دعوات الانفصال تنكفئ، كما أن أكبر القوميات وهما الفرس والآذريون تُعتبران خارج اللعبة باعتبار أن معظم رجالات الحكم الإسلامي ينتميان إليها، فرئيس البرلمان السابق ناطق نوري ورئيس مجلس صيانة الدستور آية الله أحمد جنتي وغيرهما كثر ينتمون إلى القومية الآذرية ويتكلمون اللغة التركية، بينما كان الإمام الخميني والمرشد الحالي آية الله خامنئي من الفرس، وقد استطاع النظام في إيران أن يُكون توليفة إدارية متعددة من القوميات الخمس تُسيّر دفة الحكم لكسب مزيد من الشرعية، فجاء بمحسن رضائي وينتسب إلى إقليم اللور، وجاء بعلي شمخاني من أصول عربية وهكذا دواليك، كما التفت النظام أيضاً إلى مسألة الأقليات الدينية الأخرى فسمَحَ الدستور بأن ينتخب الزرادشت واليهود كل على حدة نائباً واحداً، وينتخب المسيحيون الآشوريون والكلدانيون معاً نائباً واحداً، وينتخب المسيحيون الأرمن في الجنوب والشمال كل على حدة نائباً واحداً، كما أن السُنّة الذين يتشكلون من مزيج من القوميات المختلفة تمّ الالتفات إليهم بمزيد من الحساسية وذلك لتحاشي وَسَم الدولة بالطائفية والمذهبية (يملك السنة في البرلمان الحالي ستة عشر مقعداً).
وبذلك استطاع الحكم أن يُؤمّن الورقة القومية، رغم أنه أخفق إلى حد ما في حَسَم قضية العرب في إقليم خوزستان الذي تضرر كثيراً بفعل الحرب العراقية – الإيرانية، ولم تستطع الخطط الاقتصادية المتلاحقة التي يتم إقرارها تأمين برامج تنموية لهذا الإقليم توازي حجم الدمار الذي
لَحِق به جراء الحرب، لذا فقد بقيت فرص استخدام الورقة العربية مؤاتية لأي تحريض خارجي، رغم أن حكومة الرئيس خاتمي ومنذ العام 2001 قد بدأت في الاهتمام فعلاً بمنطقة خوزستان من حيث بناء السدود أو الطرق أو الخدمات وتشييد المصانع، ولكن وبصورة إجمالية يبقى التعويل من قِبَل واشنطن على تحريك الورقة القومية غير مُوفق، وقد لا تستحصل منه أي فائدة تُرتَجى، وبالتالي فإن هذا الخيار يبقى خياراً عاجزاً عن التحقق.
ونخلص أخيراً إلى القول بأنه قد لا يُرى في الأفق القريب أي فرصة لعودة العلاقات الإيرانية – الأمريكية أو تهيئتها لبدء حوار جدّي يُنفض فيه الغبار عن العديد من الملفات العالقة، بل إن انتخاب محمود أحمدي نجاد قد قطع الطريق على أي فرصة نحو ذلك، وهو ما عبّر عنه خلال مؤتمراته الصحفية ومن خلفيته كيميني متشدد، ورغم الرسائل الإيجابية التي بعثت بها طهران لواشنطن خلال الأزمة الأفغانية والعراقية، إلاّ أن اليمين المتطرف في البيت الأبيض لم يعد يرى سوى الحدّة والتصادم خياراً في تعامله مع الخصم، رغم أن العقلاء يُدركون أن هذا الخيار قد يكون هلاكاً لصاحبه حين يستخدمه في غير موضعه.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::3011::/cck::
::introtext::
إذا كان القول سابقاً بأن الأصل في الرأسمالية (والمتمثلة الآن في الولايات المتحدة الأمريكية) بأنها نظام استقطابي لمراكز مُسيطرة وأطراف خاضعة يتلازم مع تراكم رأسمال العامل على نطاق عالمي ومُؤسَّس على قانون القيمة المُعولمة، فإن هذا التوصيف أضحى أكثر التصاقاً بما شُبّه به بعد الحرب الأمريكية على العراق. كما أن اعتقاد (الديغولية) بأن هدف الولايات المتحدة الأمريكية منذ العام 1945 هو السيطرة على مُجمل العالم القديم (أوراسيا) وضرورة قيام تحالف فرنسي – ألماني بات في شبه المؤكد بعد التجيير القسري لإرادات أوروبية نحو مشروع الهيمنة الأمريكية في الشرق الأوسط، وبالتحديد في قضية العراق. ورغم أن ذلك المشروع يسير بجنون وبفضاضة إمبريالية نادرة وجديدة على السلوك السياسي، وحتى الإمبراطوري إلاّ أنه يُواجَه أيضاً بخصوم امتلكوا ذات الجنون والفضاضة، كما أن بعضاً من هؤلاء الخصوم امتهن المناورة السياسية وسياسة التحالفات عبر الحدود المباشرة وغير المباشرة بغرض التأمين الجيوبوليتيكي تارة والحماية الإقليمية والدولية تارة أخرى، رغم أن النظرية العسكرية الأمريكية الإمبريالية لم تغفله، واشتغلت ضده بقوة من دون أدنى تفريط لأي من الخيارات.
::/introtext::
::fulltext::
إذا كان القول سابقاً بأن الأصل في الرأسمالية (والمتمثلة الآن في الولايات المتحدة الأمريكية) بأنها نظام استقطابي لمراكز مُسيطرة وأطراف خاضعة يتلازم مع تراكم رأسمال العامل على نطاق عالمي ومُؤسَّس على قانون القيمة المُعولمة، فإن هذا التوصيف أضحى أكثر التصاقاً بما شُبّه به بعد الحرب الأمريكية على العراق. كما أن اعتقاد (الديغولية) بأن هدف الولايات المتحدة الأمريكية منذ العام 1945 هو السيطرة على مُجمل العالم القديم (أوراسيا) وضرورة قيام تحالف فرنسي – ألماني بات في شبه المؤكد بعد التجيير القسري لإرادات أوروبية نحو مشروع الهيمنة الأمريكية في الشرق الأوسط، وبالتحديد في قضية العراق. ورغم أن ذلك المشروع يسير بجنون وبفضاضة إمبريالية نادرة وجديدة على السلوك السياسي، وحتى الإمبراطوري إلاّ أنه يُواجَه أيضاً بخصوم امتلكوا ذات الجنون والفضاضة، كما أن بعضاً من هؤلاء الخصوم امتهن المناورة السياسية وسياسة التحالفات عبر الحدود المباشرة وغير المباشرة بغرض التأمين الجيوبوليتيكي تارة والحماية الإقليمية والدولية تارة أخرى، رغم أن النظرية العسكرية الأمريكية الإمبريالية لم تغفله، واشتغلت ضده بقوة من دون أدنى تفريط لأي من الخيارات.
العداء الأمريكي لإيران
وبملاحظة ما تعيشه المنطقة من أجواء ضاغطة ومُحاذية لحروب استنزاف بين القوة القادمة من وراء الأطلسي وبين قوى في المنطقة (سوريا وإيران) يبقى الحديث عن مفاهيم العسكرة الأمريكية للمنطقة أمراً جدّ مهم، ويتّسق مع اهتمامات الحدث والساعة، وبالخصوص الحديث عن السياسة الأمريكية تجاه الجمهورية الإسلامية الإيرانية. فالعلاقات الإيرانية – الأمريكية قُيِّضَ لها أن تعيش رهينة سياسات استحكمت فيها الأيديولوجيا الإمبريالية بقسوة حتى غدا الأمر وكأنه مجموعة من العقائد اليمينية الصمّاء المُتقَولبة غير القابلة للتسييس أو التعاطي وفق منظومة السيادة والاحترام المُتبادل، فتأثرت بذلك خطوط محاذية للهيب تلك العلاقة المأزومة، بل وفي بعض الأحيان، أصيبت بالتعثر والجمود.
إن مسيرة الخلاف القائم بين طهران وواشنطن (وصيرورته كعداء أزلي) ليست نتاج مماحكات وتباينات آنية أو طارئة في مفاهيم إدارة التنافس والصراع القِيَمي والبراجماتي، بل هو اجترار لسلسلة طويلة من التنابذ الثنائي، المهووس بخطاب سياسي راديكالي يقترب بالأشياء حيناً إلى حافة الهاوية وحيناً بالتهديد والضغوط، ثم يخبو بحذر ليبقى ثأراً نائماً، لكنه جاهز لكي يستيقظ في أي وقت مُعيداً معه أحقاداً وتناكفاً واستصحابات تفرض أجندتها على الحدث.
كما أن التاريخ المُثخن بالعداء والذاكرة الإيرانية المكتنزة أحداثاً مُؤلمة قد جعل من محاولات إعادة المياه إلى مجاريها أمراً صعب التحقق، فمن إسقاط حكومة مصدق في العام 1953 إلى دعم واشنطن لنظام صدام حسين إبّان حرب الخليج الأولى ومروراً بضرب المنشآت البترولية في عبدان عام 1988 من قِبَل الأسطول الأمريكي المرابط في مياه الخليج، ومن ثم إسقاط الطراد الأمريكي فينينس لطائرة الإيرباص الإيرانية في العام 1987 ومقتل جميع ركابها الـ 290، وما أقره الكونغرس الأمريكي قبل خمس سنوات من رصد مبلغ 20 مليون دولار لممارسة أنشطة استخباراتية وتخريبية في إيران، ثم العداء الأمريكي الواضح للرئيس المنتخب محمود أحمدي نجاد ، فهذه كلها أمور لا تُشجّع على أي نوع من التقارب بين البلدين، بل تزيد النار أواراً، أضف إلى ذلك فقد اتبعت الحكومات الأمريكية المتعاقبة (الجمهورية والديمقراطية على السواء) منذ بداية عقد التسعينات وإلى الآن سياسات أقرب ما تكون إلى حرب غير مُعلنة ضد إيران حيث بدأت في:
1. تضمين السياسة الخارجية الأمريكية لسياسة الاحتواء المزدوج منذ العام 1993 ضد العراق وإيران
2. تشريع قانون مقاطعة الاستثمار (داماتو) في العام 1996 الذي يُحرّم على الشركات الأجنبية استثمار أكثر من 40
مليون دولار في قطاعي النفط والغاز الطبيعي داخل الأراضي الإيرانية، والذي جُدِّد العمل به لمدة خمس سنوات في العام 2001.
3. فتح ملفات قانونية في المحاكم الأمريكية ضد إيران.
4. الضغط على روسيا والصين لوقف تعاونهما النووي والعسكري مع إيران، وكذلك الضغط على الوكالة الدولية للطاقة الذرية للحد من سعي إيران لامتلاك تكنولوجيا الطاقة النووية.
5. ممارسة ضغوط قوية على أوروبا واليابان ودول آسيا الوسطى والقوقاز بهدف تقليص تعاونها التجاري والثقافي مع إيران، والتقارب نحو أذربيجان وأوزبكستان بعد أحداث سبتمبر 2001 لخلق فرص حقيقية للوجود الأمريكي بالمنطقة.
6. الدخول على خط الصراع بين الدول المتشاطئة لبحر قزوين وعرقلة أي جهود إيرانية لتسوية الخلاف وبالخصوص موضوع المحاصصة المقترحة من قِبَل طهران في ذلك.
7. الضغط على تركيا لإيقاف اتفاقها في مجال الغاز مع طهران والقاضي بأن تُزوّد الأخيرة أنقرة بالغاز المُسال لمدة 20 عاماً بتكلفة تقارب 23 مليار دولار.
8. إطلاق حملات إعلامية واسعة تُحرّض دول الجوار وتُحذرها من قدرات إيران الصاروخية.
9. تشغيل وتمويل الشبكات التلفزيونية والإذاعية الناطقة باللغة الفارسية من صحراء كاليفورنيا والموجهة ضد إيران (قناة فردا مثالاً).
10. إدخال إيران فيما يُسمى (محور الشر) منذ يناير 2002.
11. العمل على مد حلف الناتو إلى مناطق آسيا الوسطى بهدف فصل إيران من الشمال والشمال الشرقي عن كل من روسيا والصين.
12. الاحتلال الأمريكي المباشر للعراق، الأمر الذي جعل الطوق الأمني والعسكري حول إيران شبه مُكتمل، فباكستان أقامت علاقات تعاون استخباراتي وثيق مع واشنطن لتعقّب مقاتلي تنظيم القاعدة، وأفغانستان بات الوجود الأمريكي فيها واقعاً قائماً، وكذلك الأمر بالنسبة لأذربيجان وتركمانستان، فضلاً عن قاعدة إنجرليك التركية المُزودة برؤوس نووية.
الموقف الأمريكي ضد إيران بعد أحداث سبتمبر واحتلال العراق
بعد أحداث 11 سبتمبر تحولت السياسة الخارجية لواشنطن من العمل التعاوني النسبي مع القوى الدولية إلى التحرك المنفرد متجاوزةً كل مكتسبات العمل الجمعي والقانوني الدولي السائد منذ الحرب العالمية الثانية، ورفض الارتكاز على العقوبات بالأساس في صنع السياسة الخارجية واللجوء مباشرة للقوة العسكرية، والانتقال فعلياً (حسب وثيقة الأمن القومي الأمريكية) من سياسة الردع والاحتواء إلى استراتيجية الهجوم الوقائي، ومن سياسة الردع الاستراتيجي التي كانت سائدة في الحرب الباردة إلى الحرب الاستباقية، وهي أجندة تذهب إلى الحد الأقصى في العلاقات الدولية، الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على علاقتها مع إيران خصوصاً مع ازدياد نفوذ صقور اليمين داخل الإدارة الأمريكية الذين يضعون إيران كـ (هدف ضرورة) يجب القضاء عليه عاجلاً أم آجلاً، ويشمل هذا الاتجاه أسماء مثل ريتشارد بيرل، وبول ولفوويتز ودوجلاس فيث، وهؤلاء يؤكدون علناً أن الولايات المتحدة يجب أن تستغل فرصة وجودها العسكري الكبير في العراق وأفغانستان للخلاص من نظام الحكم في طهران.
كما أن تلك السياسة المتشددة بدأت تلقى رواجاً لدى مراكز الأبحاث اليمينية، فقد تحدث رابت ساتلات مدير مؤسسة واشنطن عن أن الولايات المتحدة (يجب أن تحاصر إيران في قضايا الأمن الداخلي والخارجي بحيث تشغلها عن التقدم ووضع العراقيل أمامها، وزجها في مواقف تضطر فيها للدفاع اليومي عن نفسها ضد عشرات الأنواع من الاتهامات والمخاطر، وهو ما سيؤدي إلى استياء عام في الداخل، بالإضافة إلى وجود الثغرات السياسية في النظام الإيراني، وازدياد المشكلات يمكن أن يضع البلاد أمام تحديات كبيرة).
كما علّق ريتشارد بيرل أحد القادة الجمهوريين الكبار في خطاب له بتاريخ 14 نوفمبر 2001 في مؤسسة السياسة الخارجية (بأن الطريق الوحيد لمواجهة إيران بعد أحداث 11 سبتمبر هو تغيير بنية السلطة في إيران).
وأمام هذا النهم الأمريكي في العداء نحو إيران يُمكننا توقّع قيام الولايات المتحدة الأمريكية بأحد السيناريوهات التالية:
• ضرب مراكز الأبحاث النووية في (نطنز وآراك وإصفهان) والمنشآت العسكرية الإيرانية عبر غارات مباغتة قد يُشارك فيها الطيران الحربي الإسرائيلي.
• تشديد الخناق الاقتصادي على إيران مُصاحَبَاً بتشريعات جديدة أو بقرارات أممية وذلك بغرض إنهاك النظام الإيراني، وجرّه إلى اعتماد (المركَزَة الاقتصادية) والتي ستؤدي بلا شك إلى المزيد من التكلّس والانكفاء المالي والتجاري.
• إثارة موضوع الإثنيات والأعراق المتعددة في إيران واللعب بها بما يضمن إيجاد مناخ مضطرب يُمكن تحريكه شعبياً، وهو ما تمّ تجريبه بالفعل قبل أقل من شهرين في مناطق محافظة خوزستان وبالتحديد في الأهواز وفي مرتفعات علوى وعبدا وملاشيه وحميدية.
وتعليقاً على تلك السيناريوهات يُمكن مناقشة الآتي:
خيارالضربة العسكرية :
فعلى الرغم من أن الولايات المتحدة لن تستطيع إيجاد عملية مواءمة إقليمية أو دولية تُساندها في هذا المجال، خصوصاً مع وجود تجربة احتلال العراق، فإن القدرات العسكرية الإيرانية بدأت تُشكل قوة حقيقية ضد أي هجوم مُرتقب، يُساندها في ذلك وجود عقول إيرانية تمّ استنساخها في روسيا والصين والبرازيل والهند، فالقدرات الإيرانية، وبالتحديد في مجال الصواريخ، بدأت تمتلك قدرة تقنية عالية وبمدى خطير يجعل من شمال إفريقيا وجنوب شرق أوروبا ومناطق الهلال الخصيب أهدافاً يُمكن الوصول إليها، كما أن التقارير العسكرية تُشير إلى أن هذه التقنية باتت تُشكل خطراً حتى على القدرات الصاروخية الإسرائيلية، وبالتحديد لصاروخ (حيتس) الإسرائيلي. وفي هذا السياق ذكرت صحيفة (هآرتس) في مقال لها في 17 يوليو من العام 2000 أن صاروخ شهاب 3 (1300 كم) يوفر قدرة مضمونة على ضرب أهداف داخل إسرائيل، وأشار زئيف شيف وهو أحد المحللين الإسرائيليين إلى أن التغيير الذي أحدثه دخول (شهاب 3) كصاروخ باليستي في المنطقة هو أن إسرائيل لم تعد الدولة الوحيدة في الشرق الأوسط المزودة بصاروخ أرض أرض يتجاوز مداه ألف كيلو متر.
لقد فهِمَ الإيرانيون أن مساحة البلاد الضخمة (1.648.000 كم) والحدود المتاخمة لسبعٍ من الدول غير المستقرة أو ذات تحالفات استراتيجية مع واشنطن، لا يمكن تأمين ذلك إلاّ من خلال إيجاد منظومة صاروخية قوية يُمكن الركون إليها عند المواجهة، وهو ما تبيّن لهم جلياً خلال الحرب مع العراق، وكيف أن العدو استطاع أن يلتهم بصواريخه معظم المحافظات الإيرانية الخمس (خوزستان، إيلام، باختران، كردستان، أذربيجان الغربية) والمدن والقرى الغربية المتاخمة محدثاً بذلك خسائر فادحة في الأرواح والممتلكات ونزوحاً بشرياً عارماً لأكثر من مليوني إيراني من قاطني تلك المحافظات إلى عمق الداخل الجغرافي.
لذا فإنه، ومنذ بداية تسعينات القرن الماضي، كان أكثر من خمسة آلاف إيراني يتلقون دورات عسكرية في روسيا وكوريا الشمالية والصين ويوغسلافيا ورومانيا والهند والبرازيل، كما أن وزارة الدفاع الإيرانية وقيادة الحرس الثوري بدأتا التعامل بقوة مع شركات السلاح في كل من روسيا والصين والهند كشركة الصناعات الصينية الشمالية المعروفة باسم نورينكو وهي شركة بارزة في تصدير القذائف والصواريخ للشرق الأوسط، وحصلت إيران عن طريقها على فولاذٍ من نوعية عالية الجودة وخلطات معدنية خاصة يتم استخدامها كحاويات لمحتويات صاروخية وللدروع المعدنية التي توضع حول أنظمة القيادة والإرشاد، كما أن معظم الصواريخ الإيرانية كـ (شهاب 3 وشهاب 4 وشهاب 5) ومنظومة صواريخ (زلزال 1 وزلزال 2 وزلزال 3 وصياد 1 المضاد للطائرات) هي كلها تحوير آخر لصواريخ شرقية الصنع كـ (إس إس 4) الروسية و(دودونج) و(تايبو دونج) الكوريين الشماليين، و(سلكوروم) الصيني، حيث تقوم إيران بالاستفادة من تقنيتها ومن إعادة تصنيعها، كما بدأت في تشييد العديد من المصانع العسكرية في الداخل وأممتها كمجموعة صناعات الشهيد همّت ومصنع (فاتح 110) ومؤسسة الصناعات الجوية الإيرانية مستغلة في ذلك عدم توصل المجتمع الدولي إلى إبرام معاهدة دولية أو نظام قانوني محدد لإنتاج واستخدام الصواريخ.
وتُشير الدراسات العسكرية الحديثة إلى أن إيران تقوم حالياً بإنتاج أكثر من 80 في المائة من أسلحتها الثقيلة، كما أنها:
• بدأت في إنتاج صاروخ (فاتح 110) من طراز أرض أرض بمدى يبلغ 250 كم وأجريت له تجربة ناجحة في السادس من سبتمبر 2002.
• أعلنت في شهر سبتمبر قبل الماضي على لسان رئيس مؤسسة الصناعات الجوية الإيرانية العميد أحمد وحيدي عن تدشينها لمصنع جديد لإنتاج صاروخ كروز البحري وصاروخ فجر وخط إنتاج للمدفعية المضادة للجو من عيار 35 ملم، كما تمّ الإعلان عن إنتاج صواريخ مضادة للدروع وصواريخ تعمل بالوقود الجامد.
• بدأت في تصنيع ناقلات الدبابات تيماز (وهي تطوير للدبابة الروسية تي 72) وكذا تصنيع دبابات (ذو الفقار).
• بدأت في العام 1997 في تصنيع الطائرات الخفيفة بدون طيار ومقاتلات إف 4 وإف 5 والطوافة شباوز 75 وشباوز 206 التي يمكنها التحليق على ارتفاع 12600 قدم، وأشار العميد بحري محمد شفيعي مساعد شؤون التنسيق في وزارة الدفاع وإسناد القوات المسلحة في تصريح له نشرته صحيفة (كيهان) الإيرانية واسعة الانتشار في الثامن عشر من سبتمبر قبل الماضي إلى أن الجمهورية الإسلامية وصلت في قطاع المعدات الدفاعية إلى الاكتفاء الذاتي ولا حاجة لها إلى الدول الأخرى، وأنها تنافس ما تمتلكه تركيا والهند ودول أخرى في هذا المجال.
وتابع قائلاً: إن عامل عبورنا من كوننا مستهلكين فقط إلى الاكتفاء الذاتي في القطاع الدفاعي هو المصادر البشرية، بحيث توصلنا اليوم إلى إمكانية وضع التصاميم في مجال الدروع والصواريخ والأجهزة الالكترونية والاتصالات والرادارات والكمبيوتر، وإن قدرتنا في صناعة الطائرات وصلت إلى الحد الذي نمارس فيه الأنشطة في صنع المروحيات والقطع البحرية والبرمائية والطائرات بدون طيار، التي تتميز بتكنولوجيا متطورة للغاية. كما أكد شفيعي أن إيران تنتج صواريخ مضادة للدروع وإنتاج رادارات من نوع (بصير) وتصميم وصنع طائرات (فجر 3) ورشاشات متعددة الأغراض وعدد من المعدات الذكية والأسلحة الفردية.
وإلى جانب كل ذلك فقد بذَل الإيرانيون الكثير من المال قارب 12 مليار دولار لشراء كميات كبيرة من السلاح والعتاد في الفترة من 1996 وحتى 1998، حيث كانت هناك صفقات مع روسيا بستة مليارات ومع الصين بأربعة مليارات ومع كوريا الشمالية بملياري دولار، ويمكن تفصيل ماهية تلك الصفقات طبقاً لدراسة اللواء الركن جمال مظلوم من مركز الخليج للدراسات الاستراتيجية كالتالي : ضمّت صفقة الأسلحة الروسية حوالي 12 قاذفة استراتيجية ثقيلة و24 مقاتلة هجومية استراتيجية بعيدة المدى من طراز (سوخوي 27) و48 مقاتلة (ميج 29) و24 مقاتلة (ميج 31) و24 مقاتلة (ميج 27) وطائرتين للرصد والإنذار المبكر من طراز (اليوشن), إضافة إلى 400 دبابة حديثة و400 عربة قتال مدرعة ومدافع ذاتية الحركة عيار (52 مم2 و122مم) ووحدات صاروخية متعددة الفوهات عيار (220مم و122 مم) وصواريخ للردع وأخرى مضادة للطائرات من طراز (سام 5 وسام 11 وسام 13) و3 غواصات هجومية , بالإضافة إلى صفقة أخرى تم الاتفاق عليها مؤخرا تشمل شبكات متطورة للدفاع الجوي من (طراز سي300) وطائرات هليكوبتر حربية من طراز (إم آي 7) وطائرات مقاتلة من طراز سوخوي 25 وأسلحة تقليدية أخرى.
بينما شملت الصفقات مع الصين 100 مقاتلة من طراز (إف 7) إلى جانب عدد من مقاتلات سوخوي 24 الصينية، إضافة إلى التعاون في مجال تكنولوجيا التسلح. أما مع كوريا الشمالية فتركّزت الصفقات على صواريخ أرض – أرض وإنشاء قواعد صاروخية بحرية إضافة إلى صواريخ سكود متطورة مداها 600 كم بقيمة مليارين ونصف المليار دولار.
كما سعت إيران إلى تطوير القاعدة الصناعية الحربية لها لتحقيق الاكتفاء الذاتي والحصول على تكنولوجيا تسلح ومعدات صناعية متطورة لتحديث قاعدة الإنتاج الحربي والحصول على حاسبات إلكترونية متطورة وألياف زجاجية لإقامة صناعة تسليح متطورة.
وحول حجم الجيش الإيراني وعناصره المختلفة، تشير الدراسات إلى أن القوات البرية الإيرانية تتكون من 220 ألف جندي وتضم 4 فرق مدرعة تضم 3 ألوية مدرعة ولواء ميكانيكياً و4 إلى 5 كتائب مدفعية و6 فرق مشاة و4 ألوية مشاة و4 إلى 5 ألوية مدفعية، بالإضافة إلى فرقة صاعقة وفرقة قوات خاصة ولواء محمول جواً وألوية مدرعة مستقلة ومشاة ميكانيكية وصاعقة ومجموعات مدفعية, وتمثّل دبابات القتال الرئيسية إم بي تي منها ( ت 54/55 وت 62 وت 72 ) وأنواع أخرى مع مئات العربات المدرعة ذات النوعيات المتعددة و1950 قطعة مدفعية مجرورة و290 قطعة ذاتية الحركة و664 مدفعية صاروخية و1700 مدفع مضاد للطائرات مع صواريخ سكود بي / سي وسام 7 ، بينما تشمل القوات الجوية نحو 45 ألف عنصر تضم 291 مقاتلة موزعة على 9 أسراب مقاتلة و4 أسراب مسلحة بـ 66 طائرة (إف 4) و5 أسراب مسلحة بـ 60 طائرة (إف 15) وسرب مسلح بـ 24 طائرة (سوخوي 4) و7 طائرات (سوخوي 25) إضافة إلى 7 أسراب مقاتلة منها سربان مسلحان بنحو 60 طائرة (إف 14) وسرب مسلح بنحو 24 طائرة (إف 7) وسربان مسلحان بـ 30 طائرة (ميج 29 إيه) إضافة إلى عدد آخر من طائرات النقل الجوي والهليكوبتر.
في حين تضم البحرية الإيرانية 18 ألف عنصر منها 2600 من مشاة الأسطول و3 غواصات روسية و3 تشكيلات بحرية و3 فرقاطات و63 قطعة بحرية دورية ودفاع ساحلي و5 كاسحات ألغام مع عدد آخر من سفن الألغام والبرمائية وطائرات الهليكوبتر. وتؤكد الدراسات امتلاك إيران لقدرات صاروخية متنوعة، حيث توجد لديها أعداد كبيرة من صواريخ جو/أرض وصواريخ جو/جو وصواريخ أرض/جو متنوعة.
كما تمتلك أيضاً قاعدة كبيرة من الصناعات الحربية التي طُوّرت بدرجة كبيرة في الفترة التالية من الحرب العراقية – الإيرانية حيث تغطي 80 في المائة من الاحتياجات العسكرية الداخلية, كما أن القدرات التصنيعية الإيرانية تشمل إنتاج الأسلحة الصغيرة والصواريخ المضادة للدبابات من طراز سي طوفان وطوفان 2 ومدافع الهاون من أعيرة مختلفة والمدفعية وثندر عيار 122 مم وثندر 2 عيار 155 مم, إضافة إلى تصنيع ناقلات الجند المدرعة والدبابات (ذو الفقار) الإيرانية وتوفان وتي 72 الإيرانية، بالإضافة إلى أجهزة الاتصال وقطع الغيار والذخيرة.
وأمام تلك المنظومة الدفاعية يبقى الخيار العسكري ضد إيران بالغ الخطورة، وسيؤدي إلى خسائر فادحة ستتكبدها القوات الأمريكية إن هي أقدمت على عمل مسلح.
خيار الحصار الاقتصادي:
من المكابرة ألا تعترف إيران بأن الحصار الاقتصادي الذي تفرضه الولايات المتحدة الأمريكية عليها غير مؤذٍ لها أو غير مضر باقتصادها ومشاريعها التنموية، لكنه وفي الوقت نفسه يجب أن نعترف بأن الإيرانيين استطاعوا أن يفتحوا لهم منافذ اقتصادية متعددة عبر استثمار التناقضات الدولية حيناً، وعبر حاجات الدول لما هو متوفر لديها وبالخصوص في مجال الطاقة حيناً آخر، فالتقديرات الاقتصادية العالمية تُشير إلى أن حجم الاستثمار الأجنبي في إيران مع نهاية العام 2003 وصل إلى أكثر من 15 مليار دولار معظمه في مجال الطاقة، في حين ما زالت الشركات الأمريكية تتعامل مع الصفين الثاني والثالث من مجالات الاستثمار في إيران كالكافيار والسجاد والفستق بعد قرار واشنطن رفع الحظر عنها في مارس 2000 بعد أن كانت التجارة الأمريكية تخسر سنوياً ما قيمته 8 مليارات دولار كنتيجة لذلك الحظر بسبب استيرادها لتلك الأصناف عبر وسطاء وسماسرة، أضف إلى ذلك فإن إيران أدركت ما للجنوب الشرقي للقارة الآسيوية من حاجة ماسة للنفط ومشتقاته وهو الذي كانت تستورده من الشركات الأمريكية (60 ألف برميل يومياً) لتحل هي بديلاً قوياً وناجزاً محلها، ليس آخرها اعتزام الهند توقيع اتفاق معها بقيمة 40 مليار دولار لاستيراد خمسة ملايين طن من الغاز الطبيعي المسال سنوياً لمدة خمسة وعشرين عاماً وذلك بشراء 20 في المائة من حقل يادوران الإيراني الذي يضم أكثر من ثلاثة مليارات برميل من النفط، وقبله اتفاقها الضخم مع شركة سينوبيك جروب الصينية بقيمة سبعين مليار دولار للحصول على 250 مليون طن من الغاز المسال على مدى ثلاثين عاماً.
كما أن طهران لجأت لزحزحة الحصار الأمريكي عنها نحو الانفتاح على الدول الحليفة لواشنطن في الخليج فدفعت باتجاه مجالات التجارة والاستيراد والتصدير بعد تسويات سياسية مع المملكة العربية السعودية، فأبرمت اتفاقاً مع قطر لنقل مياه نهر قارون جنوب إيران إلى الأراضي القطرية سُمي (مشروع الأنبوب الأخضر) كما وقّعت اتفاقاً مشابهاً مع الكويت، وحسّنت كثيراً من علاقاتها مع المنامة فضلاً عن مسقط وأبوظبي التي ظلّت على علاقة تجارية جيدة مع طهران رغم الخلاف حول الجزر الثلاث، من جانب آخر استثمر الإيرانيون منافع طريق الحرير لنقل أكثر من 15 مليون طن من البضائع سنوياً، وقاموا بتشييد قاعدتين تجاريتين في جلستان وخراسان لزيادة عمليات الترانزيت والوسائط التجارية عبرها نحو آسيا الوسطى، بالإضافة إلى ذلك فقد حافظت إيران على علاقتها الاقتصادية مع أوروبا القديمة (كما سمّاها رامسفيلد) وباتت ألمانيا وفرنسا وبريطانيا من أهم الشركاء الاقتصاديين لإيران، وليس سراً أن تعمل أكثر من 1400 شركة ألمانية في مجالات تجارية واستثمارية داخل الأراضي الإيرانية.
الخيار العِرقي والإثني:
تعيش في إيران خمس قوميات رئيسية هي الفرس والآذريون والعرب والأكراد والبلوش، وقد تعاملت الثورة الإسلامية في بدايتها مع هذا التنوع العرقي والإثني بكثير من الحزم بعد تمرد الأكراد في إقليم اللور وكردستان، لكنها في الوقت نفسه تمكنت من صهر تلك الفسيفساء في عقد مواطنة تمّ سبكه بإتقان تحت شعارات دينية راديكالية، كما أن الأزمات التي مرّت بها إيران جعلت من دعوات الانفصال تنكفئ، كما أن أكبر القوميات وهما الفرس والآذريون تُعتبران خارج اللعبة باعتبار أن معظم رجالات الحكم الإسلامي ينتميان إليها، فرئيس البرلمان السابق ناطق نوري ورئيس مجلس صيانة الدستور آية الله أحمد جنتي وغيرهما كثر ينتمون إلى القومية الآذرية ويتكلمون اللغة التركية، بينما كان الإمام الخميني والمرشد الحالي آية الله خامنئي من الفرس، وقد استطاع النظام في إيران أن يُكون توليفة إدارية متعددة من القوميات الخمس تُسيّر دفة الحكم لكسب مزيد من الشرعية، فجاء بمحسن رضائي وينتسب إلى إقليم اللور، وجاء بعلي شمخاني من أصول عربية وهكذا دواليك، كما التفت النظام أيضاً إلى مسألة الأقليات الدينية الأخرى فسمَحَ الدستور بأن ينتخب الزرادشت واليهود كل على حدة نائباً واحداً، وينتخب المسيحيون الآشوريون والكلدانيون معاً نائباً واحداً، وينتخب المسيحيون الأرمن في الجنوب والشمال كل على حدة نائباً واحداً، كما أن السُنّة الذين يتشكلون من مزيج من القوميات المختلفة تمّ الالتفات إليهم بمزيد من الحساسية وذلك لتحاشي وَسَم الدولة بالطائفية والمذهبية (يملك السنة في البرلمان الحالي ستة عشر مقعداً).
وبذلك استطاع الحكم أن يُؤمّن الورقة القومية، رغم أنه أخفق إلى حد ما في حَسَم قضية العرب في إقليم خوزستان الذي تضرر كثيراً بفعل الحرب العراقية – الإيرانية، ولم تستطع الخطط الاقتصادية المتلاحقة التي يتم إقرارها تأمين برامج تنموية لهذا الإقليم توازي حجم الدمار الذي
لَحِق به جراء الحرب، لذا فقد بقيت فرص استخدام الورقة العربية مؤاتية لأي تحريض خارجي، رغم أن حكومة الرئيس خاتمي ومنذ العام 2001 قد بدأت في الاهتمام فعلاً بمنطقة خوزستان من حيث بناء السدود أو الطرق أو الخدمات وتشييد المصانع، ولكن وبصورة إجمالية يبقى التعويل من قِبَل واشنطن على تحريك الورقة القومية غير مُوفق، وقد لا تستحصل منه أي فائدة تُرتَجى، وبالتالي فإن هذا الخيار يبقى خياراً عاجزاً عن التحقق.
ونخلص أخيراً إلى القول بأنه قد لا يُرى في الأفق القريب أي فرصة لعودة العلاقات الإيرانية – الأمريكية أو تهيئتها لبدء حوار جدّي يُنفض فيه الغبار عن العديد من الملفات العالقة، بل إن انتخاب محمود أحمدي نجاد قد قطع الطريق على أي فرصة نحو ذلك، وهو ما عبّر عنه خلال مؤتمراته الصحفية ومن خلفيته كيميني متشدد، ورغم الرسائل الإيجابية التي بعثت بها طهران لواشنطن خلال الأزمة الأفغانية والعراقية، إلاّ أن اليمين المتطرف في البيت الأبيض لم يعد يرى سوى الحدّة والتصادم خياراً في تعامله مع الخصم، رغم أن العقلاء يُدركون أن هذا الخيار قد يكون هلاكاً لصاحبه حين يستخدمه في غير موضعه.
::/fulltext::
::cck::3011::/cck::
