الخليج و(أذرعة) الثورة الإيرانية.. الأيديولوجيا والمشروع
::cck::3110::/cck::
::introtext::
تشهد الساحة أحداثاً متسارعة في الخليج منذ تطور الاحتلال الأمريكي للعراق وتداعيات فشل المشروع الأمريكي على الأقل في صياغته الأولى وبروز إيران كطرف رئيسي مؤثر في أوضاع العراق سواء عبر الوجود المباشر الذي رُصد كثيراً لقواتها ومؤسساتها السياسية والدينية أو من خلال البرنامج الذي نفذته القوى المرتبطة بالثورة ببنائها الثقافي الأيديولوجي وتشكيلها السياسي والعسكري منذ قيام الثورة الإيرانية 1979، هذا البناء الذي استثمر بوضوح وكثافة من قبل ما يعتبر ذراعاً للثورة الإيرانية في العراق، وشكل قاعدة الأحداث التي يعيشها العراق الآن خاصة ما قام به هذا الذراع من هدم وإعادة بناء للتماسك الاجتماعي الذي توطن في العراق قديماً، وأدى تدميره إلى حالة الفوضى التي يعيشها العراق الآن عبر هذه الأيديولوجيا في نظر كثير من الباحثين العرب.
::/introtext::
::fulltext::
تشهد الساحة أحداثاً متسارعة في الخليج منذ تطور الاحتلال الأمريكي للعراق وتداعيات فشل المشروع الأمريكي على الأقل في صياغته الأولى وبروز إيران كطرف رئيسي مؤثر في أوضاع العراق سواء عبر الوجود المباشر الذي رُصد كثيراً لقواتها ومؤسساتها السياسية والدينية أو من خلال البرنامج الذي نفذته القوى المرتبطة بالثورة ببنائها الثقافي الأيديولوجي وتشكيلها السياسي والعسكري منذ قيام الثورة الإيرانية 1979، هذا البناء الذي استثمر بوضوح وكثافة من قبل ما يعتبر ذراعاً للثورة الإيرانية في العراق، وشكل قاعدة الأحداث التي يعيشها العراق الآن خاصة ما قام به هذا الذراع من هدم وإعادة بناء للتماسك الاجتماعي الذي توطن في العراق قديماً، وأدى تدميره إلى حالة الفوضى التي يعيشها العراق الآن عبر هذه الأيديولوجيا في نظر كثير من الباحثين العرب.
هذا التطور الدراماتيكي السريع لأحداث العراق وتهيئة الجنوب العراقي عبر أحداث البصرة المتعاقبة وما بدا تهيئة لفصل الجنوب العراقي وإلحاقه بالحكم الإيراني أو إخضاعه للنفوذ المباشر وتزايد التوتر بين واشنطن وطهران سواء أدى هذا التوتر إلى مواجهة أو اتفاق سري لمستقبل الخليج بين الطرفين كانت أذرعه الثورة الإيرانية في عموم الخليج طرفاً فاعلاً ومؤثراً ولا تزال كسلاح قوي لتحديد مسار المنطقة ومستقبلها؛ وهذا ما دعا المحللين لبحث واستقراء تاريخ هذه الحركة الثقافية ودورها في إعادة رسم وتشكيل أوضاع الخليج العربي؛ وسنحاول عبر هذه الدراسة والمتابعة معرفة الأيديولوجيا البنائية لهذه التشكيلات وعلاقتها بمشروعها السياسي في الخليج العربي. وخلال زيارتي للحجاز الأسبوع الماضي حرصت على الالتقاء بأحد الباحثين المميزين في تاريخ التشريع الإسلامي واتجاهاته الفكرية، هذا الباحث هو الأستاذ خالد الجفري المتخصص بدراسة (التشيع العلوي) أو ما يسمى بـ (التشيع العربي) ومواقف الطالبيين.
إن هذه الدراسة تركز على أحد أهم الأطراف على ساحة الصراع وهي الولايات المتحدة والقاعدة والحركة الصفوية (أذرعة الثقافة الإيرانية) في المركز (طهران) وبقية الخليج العربي والطرف الثالث هو المعني بهذه الدراسة لفهم ومعرفة المخزون الثقافي الذي سيشكل قاعدة الدفع العقائدية والفكرية الذي عبأت به طهران المنطقة في زمن قياسي منذ قيام الثورة 1979 حتى دعمها وشراكتها لاحتلال العراق أمريكيا.
إن التشيع العلوي لم يكن التشيع الأول – وهو التشيع العربي – يحمل هذه الروح والأيديولوجية التي أعادت بثها الدولة الإيرانية الحديثة على منهج الإمبراطورية الصفوية، وليس على منهج التشيع الأصيل. فالتشيع العربي كان يقوم على أساسيات حول حق آل البيت بالقيام بالخلافة خاصة بعد مقتل الإمام علي بن أبي طالب و(الخلافة الراشدة) التي واصلها الإمام الحسن بن علي لستة أشهر أكملت نص الحديث الذي يحدد معالم الخلافة الراشدة التي حددها بثلاثين عاماً تكمل بخلافة الحسن وهو ما يتطابق مع مدرسة أهل السنة والجماعة في الموقف من الخلاف التاريخي بين المدرستين.
ومن ثم خروج الإمام الحسين طلباً للحكم بعد معاوية لإيمانه بأنه أقدر على تحقيق منهج الخلافة الراشدة وكذلك عبدالله بن الزبير رضي الله عنهما في خروجه لهذا السبب ذاته. والخلافة الراشدة لدى التشيع العلوي وأهل السنة على السواء هي نهج العدالة وتحقيق الشورى والقيام بحق الأمة في سيادة العدل، الذي قام به الخلفاء الراشدون المهديون (كما ينص الحديث) وهي (السنة الراشدة) التي أمرت الأمة باتباعها، أي تحقيق العدل بحسب مفاهيم المدرستين فخروج الحسين لم يكن ركناً عقائدياً في الدين مرتبطاً بولايته الشخصية بقدر ما هو تحقيق لواجب القيام بمنهج العدل السياسي الراشد الذي نزع من المسلمين حين ولي (يزيد) وهذا الفهم أيضاً من ضمن المشتركات بين التشيع العلوي وجمهور أهل السنة، لذا كان خروجه مشروعاً للقيام بهذا العهد وليس لتنصيب مشهد جنائزي للتفريق بين المسلمين رغم الجريمة التاريخية في حق الحسين ولكن منهج الوعي وثقافة العدل السياسي كان السياق الذي وضعت فيه ثورة الحسين لدى المدرستين.
ومن هنا بدء تشكل مفهوم التشيع العربي العلوي أو الطالبي والتباين بين التشيع الصفوي المعادي لقواعد وقيم أصيلة في الإسلام وما يتبناه من روح مبغضة لكل انتماء عربي وبين التشيع العربي العلوي ومبدأ الخلاف على نظام الحكم. ومن ذلك ما أكدناه من مفهوم الخروج الذي قام به الإمام الحسين رضي الله عنه لإعادة ميزان العدالة السياسي الذي يعتقده وهو السبب نفسه الذي حمل عبدالله بن الزبير رضي الله عنهما للخروج، أي إعادة منهج العدالة السياسية في الحكم وفي اختيار الحاكم وفقاً لقرار الأمة وعدم تسليمهما بثقافة الاستبداد والجبر.
وبقي هذا المفهوم يتداول عند مدرسة الطالبيين تلبية لهذا الميثاق الإسلامي، واستمر السياق التاريخي للدعوة يتنامى في العهود التي تلت ثورة الحسين وكذلك استمرت ثقافة مواجهة الاستبداد لدى مدرسة أهل السنة، بل إن حركة العباسيين وهي من البيت الهاشمي نفسه استثمرت هذه القضية في تحقيق الانقلاب على الحكم الأموي وتتبع شخصياتهم قتلاً وأسراً على الخلفية نفسها، أي استرداد الحكم لمدرسة آل البيت وإعادة الأمور إلى نصابها، ثم قلبوا الطاولة على الطالبيين وأثخنوا في المواجهة واستمر الاستبداد في نسبية تتأرجح في طبيعة الحكم أو طول فترته أي في ممارسته للمظالم أو تحقيق عدالة اجتماعية ووفرة اقتصادية وتقدم علمي وحماية للحدود السياسية والجغرافية للدولة الإسلامية مع قوة الهوية العربية وكذلك السياق التاريخي منذ أن عُزل الحكم الراشد، وتحولت ملكاً (عاضاً) ثم حكماً جبرياً في مفاهيم الوعي الإسلامي.
ونحن هنا لسنا بصدد التقييم الكامل لمسيرة دولتي بني أمية وبني العباس والجوانب الإيجابية في مسيرتهم السياسية، ولكن نتبع ما يحدد لنا معالم الفكر السياسي الإسلامي في منهج إقامة الحكم وعلاقته بدراستنا عن الثقافة الصفوية المرتبطة بشكل مؤسس ببرنامج طهران وأذرعتها. ووجود خلل في الحكم لا يعني خللاً في العهد ومفاهيم الوعي الإسلامي فيه، بل إن جمهور الأئمة في عهد (التابعين) ومن بعدهم كانت لهم مواقف قوية وحازمة في مواجهة الاستبداد، فمن الأئمة الأربعة موقف أبي حنيفة النعمان والإمام الشافعي في دعم منهج استرداد العدل السياسي وكذلك الإمام مالك في اعتبار الحكم الاستبدادي ظلماً لا ينصر الحاكم المستبد في وجه المعارضة المسلحة رغم أنه لم يكن يحبذها إلا أنه منع مساندة الظالمين ضدها، أما الإمام أحمد فقد آثر عدم تزكية الظلم وصمد بقوة أمام إغراءاته ولكن تجنب إبداء موقف سياسي محدد تجاه حركات المعارضة المنادية بالعدل السياسي؛ ونحن هنا نقتبس مواقف محدودة من فكر وفقه عريض للثقافة السياسية للعهود الأولى لم يدرس ويعطى حقه في زمننا المعاصر ثم انتهى الأمر بعد ذلك عند بعض المتأخرين من علماء المذاهب إلى منع الخروج المسلح قياساً على مفسدة القتل وسفك الدماء فقط وليس تزكية للحكم الاستبدادي أو شرعنة وجوده واستقر الأمر بعد ذلك على هذا المفهوم، كما نص الإمام النووي رحمه الله.
لذا كانت مفاهيم التدافع السياسي لتحقيق العدالة متحركة لدى الجميع أهل السنة و(التشيع العلوي) ولم تكن القضية في العهد الأول تأخذ أبعادا متباينة في الاعتقاد ولكن توسع الأمر بعد ذلك. وما يهمُنا هنا أن نعرض للقضايا الرئيسية لفكر (التشيع الصفوي) التي لم تكن مقبولة أو واردة لدى مدرسة التشيع العلوي العربي، وأهم هذه القضايا الخطيرة تأسيس التشيع الصفوي على حتمية تاريخية لديهم بأن الرسالة منذ أصلها لم تستقر سوى لدى بضعة أشخاص، وأن المحيط العربي قبل وبعد فتح مكة واستقرار الإسلام هو مجتمع جاهلي مشرك مرتد في حياة المصطفى وبعد مماته صلى الله عليه وسلم وبالتالي اختطف جانب من الدين في حياة المصطفى ثم أطبقت الضلالة بعد موته وأول من نفذ هذا الأمر هو الخليفة أبوبكر الصديق رضي الله عنه حسب الاعتقاد الصفوي.
هذا المفهوم المنحرف هو ما تسنده الحركة الصفوية وتجدده على أنه حتمية تاريخية على مدار التاريخ فهي تتحدث عن مجتمع الرسالة العربي من المهاجرين والأنصار ومن ثم من أسلم بعد ذلك على أنهم مجتمع عربي مرتد معاد لآل البيت وليس يعنيهم البتة السياق التاريخي المتواتر بالسند العلمي المدلل عقلياً عن حال الصحبة وقيامهم بمهمة الرسالة والمجتمع الإسلامي الفاضل الذي قام في عهد النبوة وبعد وفاته صلى الله عليه وسلم، بل ينكرونه جملة وتفصيلاً ويستثنون من ذلك بضعة نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
والذي يعنينا لفهم الجذور الأيديولوجية للحركة الصفوية هو حجم التباين والبغض والازدراء التاريخي للجيل العربي الأول الذي سلم وأسلم للرسالة وبنيت به حضارة الأمة والدولة والسياق التاريخي العربي فيما بعد عهد النبوة وكيف يقدم على أنه أساس الانحراف والردة والتآمر، وهو ما يؤسس بعد ذلك شرعية لمجموعة من المفاهيم والعقائد بعثتها الثقافة الإيرانية المرتبطة بالثورة وكرستها لدى مناضليها في الخليج كوقود للمواجهة.
ويرى الأستاذ خالد الجفري الباحث في تاريخ التشيع العلوي أن الصفويين أسسوا لدعم هذا المفهوم غيبة الإمام الثاني عشر، ويقول إن هناك أئمة عظاماً من آل البيت كعبد الله بن الحسن ومحمد ذو النفس الزكية وغيرهما كثير من الأئمة الذين يتم بهم العدد لإمامة (اثنا عشر) لكن الغيبة ضمنت لمدرسة التشيع الصفوي الوكالة الثقافية والأيديولوجية التاريخية لهذه المدرسة، وبالتالي القدرة على توجيه الخطاب عبر هذا المفهوم أي صياغة خطاب وتوجيهه بناء على غياب الإمام.
ويضيف إن حديث البخاري الذي يستشهد به الصفويون (الخلفاء اثنا عشر كلهم من قريش) هو حجة دامغة ضد الأساس الذي يسعون لإثباته وصيانته عن النقد التاريخي، لذا يلجأون للخروج من المواجهة بإضافة رواية غير صحيحة (كلهم من بني هاشم) خلافاً للرواية الصريحة الصحيحة.
ويضيف السيد الجفري إن الخلافة إنما تطلق لمن يقوم بالعدل وبالتالي كل خليفة قام بالعدل الراشد التام من بعده صلى الله عليه وسلم يضاف إلى (الاثنا عشر) بدءاً بأبي بكر الصديق رضي الله عنه ومن بعده الثلاثة ومن بعدهم الإمام الحسن ومن بعده عمر بن عبدالعزيز ثم معاوية بن يزيد، أي من حقق العدل الراشد وهو من قريش (إخباراً وليس تشريعاً) جميعاً وليسوا من بني هاشم فقط وبالتالي فإن معنى الحديث من يقيم العدل بين الناس وليس الوصاية التشريعية خلافاً للمفهوم الصفوي.
فمفهوم العدل الراشد قيامه بحقوق الأمة ووحدتها وتحقيق المساواة تحت معاني الرسالة وبعث فكري راشد وليس مفهوم صراع وتكفير وانتظار لحظات الانتقام. وبالضبط هذا ما اجتمع عليه الناس مواليهم ومعارضهم في خلافة عمر بن عبدالعزيز فانتهت حركات المعارضة المسلحة في عهده وأمن الناس على أنفسهم وأموالهم بل وموقفهم ورأيهم السياسي الناقد.
وهناك توضيح لابد منه وهو ما تكرسه الثقافة الإيرانية للتشيع الصفوي بأن الحركات المنتسبة لآل البيت لم تحكم مطلقاً وهو ما كُثف إعلامياً بعد احتلال العراق، وهذا غير صحيح فالتاريخ العربي عرض لعدد من هذه الدول، فدولة الفاطميين وسلطة البويهيين والأدارسة وغيرها كثير قامت بناء على هذا الفكر وانتصاراً له وكون أن انحرافات صاحبت قيام هذه الدول أو انتهت إليها فهذا ليس عذراً ينفي الدولة عن استخدامها لهذا الفكر الذي قامت باسمه.
ومع تقدم الزمن وتغلغل مفهوم الكراهية والعداء للعرب تطرفت هذه المفاهيم خاصة بعد قيام الإمبراطورية الصفوية وتسربت بشدة إلى المناهج (الحوزوية) ووجد دعاة التشيع المعتدل صعوبة بل استحالة على مواجهة هذه الحملة.
ولا شك في وجود ممارسات إقصائية طالت دعاة التشيع العلوي وتسرب ثقافة الجفاء لآل البيت في بعض المناهج والفترات التاريخية التي خضعت فيها بعض الثقافات والمجتمعات في أزمنة وعهود للتأثير السياسي في توجيه الفكر؛ وبالتالي استغلال هذه الحوادث في صناعة طقوس تؤسس على مفاهيم الكراهية والانتقام من المجتمع العربي الآخر تُجدد دورياً لضمان بقاء التأثير الصفوي.
ومن ذلك المشهد الجنائزي لاستشهاد الإمام الحسين رضي الله عنه فقد طور ليشكل عقيدة مستقلة تضخم مع الزمن حتى تهيمن على المشهد والتفكير الوجداني كاملاً ومن خلاله تمرر المواقف والتعليمات السياسية. ورغم فداحة الجرح الغائر على حادثة الاستشهاد في كربلاء إلا أن استنهاض روح الثأر التي بثتها الثقافة الصفوية كانت من أكبر وسائل التأثير في وحدة وتضامن العالم الإسلامي وأعاقت قيامها بإعادة البناء الراشد لمفهوم الرسالة الإسلامية الإنساني.
ولو أن أهل السنة استحضروا مشهد مقتل عثمان بن عفان رضي الله عنه وكيف أنه وهو رئيس الدولة الأولى في العالم يرفض وبشدة أن تقوم أي مواجهة عسكرية من أجل حمايته خاصة بعد أن ناشده آل البيت في ذلك فأبى وأصر على أن الرئيس الأول للمسلمين لا يحجب بالحراس ولا يُقاتل دونه حتى منعوه وآل بيته الماء وشددوا عليهم ثم قتل. فلو صنع أهل السنة من هذا المشهد المفجع في تاريخهم حادثة يصنعون منها مأتماً ثأرياً لمن يشتم عثمان ويحتفل بمقتله فأي حال يصيب الناس.
لقد ذكرت بعض التفصيل الضروري حتى نتعرف إلى الثقافة التي تجذرت منها الحركة تاريخياً ومن ثم نفصل عن استعادة هذا الخطاب وإعادة بثه في مشروع الحركة الصفوية التي قامت مع الثورة الإيرانية لتكتمل الصورة وتتضح للقارئ. ومما سبق يتضح تاريخ كلتا المدرستين التشيع العلوي والتشيّع الصفوي وبروز صورة مهمة توضح خطورة الأساس العقائدي القائم على ثوابت خطيرة تكرس حالة الانقسام في المجتمع العربي بل وتصنع برنامجاً عميقاً من خطاب الكراهية والعداء المبدئي، وبالتالي تؤسس هذه الثقافة الصفوية ثقافة الحرب والمواجهة مع المجتمع العربي الآخر وتنقض أسس التعايش السلمي الأهلي وبإعادة تسجيل هذه الثوابت نجملها في الآتي:
1- المجتمع العربي الآخر هو امتداد لمدرسة الجيل الأول من الصحابة المهاجرين والأنصار باستثناء عدد قليل استثنتهم الثقافة الصفوية وعلى رأسهم أبو بكر الصديق والخلفاء من بعده المحكوم بردتهم أو ضلالهم المحض، وبالتالي السياق التاريخي والفكري الذي عاشوا فيه ومن تبعهم يأخذ نفس الحكم.
2- وقياساً على ذلك بطلان مصادر الاعتقاد أو التشريع الموحد الذي يجمع المسلمين بطوائفهم والنظر إليها بعين النقض والتشكيك.
3- تجذير هذه الثقافة على برنامج مفاصلة تاريخي يركز خطاب الثأر والانتقام منه عبر مشهد جنائزي دوري وهو جريمة مقتل الإمام الحسين رضي الله عنه واستخدامها وقوداً لشحن الأجواء وإلغاء العقل عبر خطاب العاطفة المنحرف.
4- توجيه هذه المشاعر لتعزيز المفهوم العقائدي بأن المواجهة الحقيقية هي أولاً مع هذا المجتمع العربي وليس أي مجتمع آخر يسبقه في استحكام العداء وضروريات التصفية للخصوم.
وأود هنا أن أشير إلى صورتين فحسب عن هذه الروح ثم نستأنف السياق الأول: تصريح عمار الحكيم في مجلس الأمن القومي الأمريكي وما قبله من ضرورة تحالف الحركة الصفوية في الخليج مع الولايات المتحدة في برنامج المشروع الشامل للمنطقة.
الصورة الثانية: هي عمليات الإبادة التي نفذت ضد المجتمع العربي الآخر المناهض للحركة الصفوية في العراق عبر قطع الرؤوس وخرق (الدريل) ومقتل 40000 من هذا المجتمع في فترة حكم الجعفري، وقبلهم آلاف أخرى من المدنيين لم تحص، وأقصد هنا بأن هذا القتل صدر على يد مناضلين ينتمون مباشرة إلى هذه الحركة الصفوية أو اخترقتهم ثقافياً واستهدفت مدنيين عزّل لهوياتهم المحددة في المساجد والمنازل خلافاً لضحايا الجرائم الشنيعة التي ندينها مباشرة وبلا تردد لعمليات الزرقاوي في صفوف المدنيين والآتية من خارج الإطار العراقي عبر مجموعات كانت ولا تزال في معزل بل وفي مواجهة أحياناً مع مجتمع العرب السنة، أما من نفذ المذابح في العرب السنة فقد كان عبر قوى محددة المعالم ثقافياً وسياسياً وعسكرياً بل وتغطية إعلامية في قنواتها الفضائية لنشاط هذه المجموعات والألوية التي أسستها الحركة الصفوية؛ ويؤكد ذلك ما أعلنه مؤخراً محافظ البصرة عن مسؤولية المرجعيات والأحزاب المرتبطة بطهران عن أحداث البصرة الأخيرة.
إن البناء الأيديولوجي للثورة وازدواجية الخطاب منذ أن قامت الثورة الإيرانية باشرت بحماس واندفاع بالتبشير بخطابها التحرري والموجه في اتجاهين الأول: استقطاب النفوذ وكسب المجتمع العربي المتعطش لأي حالة ثورية تتمرد على ما يعتبرونه الطغيان الأمريكي والاستبداد الدولي فلاقت صدى قوياً متعاطفاً لدى النخبة القومية والإسلامية في العالم العربي تقاطر ممثلوها زرافات ووحدان تقدم لهم الصورة المخملية لعدالة الثورة وتسامحها ووحدتها مع المحيط العربي وانفض السامر بعد حين، حين تبينت له الحقيقة بعد أن استنزفت طهران وحركتها الصفوية تصريحات ومواقف من هذه الطلائع ساهمت في فترة زمنية في تضليل الرأي العام قبل أن يستفيق الجميع على الحقيقة الكبرى ومن أوائل هذه المواقف التي تكشف روح الثورة الحقيقي تأييد طهران لمذابح حماه التي نفذها الحكم في سوريا على خلفية طائفية في صورة وحشية وصلت إلى بقر بطون الحوامل واغتصاب النساء في قضية معتقلات تدمر الشهيرة، وأطلقت بعض التصريحات في إيران خلال مذبحة 1982 تصف الإخوان المسلمين بـ (إخوان الشياطين) وتدين بقوة ومعها الحركة الصفوية في المنطقة الانتفاضة الشعبية في تلك الفترة مع أنها لم ترتبط مطلقاً بنظام آخر، وكانت حركة مستقلة، غير أن اختلاف الهوية والمصلحة الطائفية حوّلها إلى حركة عدائية بدل أن تدخل في مقاييس الانتفاضات المباركة التي نفذتها الحركة الصفوية في الخليج! الخطاب الآخر، البناء الثوري لأيديولوجية العقيدة، الخطاب الذي خصص لبناء فروع الحركة الصفوية (أذرعة إيران) في الخليج أو البناء الثوري لأيديولوجية الإيمان والعقيدة في مناطق امتداد النفوذ للثورة خاصة في مواقع الإمبراطورية الصفوية الرئيسية أي ما تسميه (الخليج الفارسي) في ضفتيه حسب عقيدة الثورة الراسخ؛ فلقد تم استقطاب الآلاف من أولئك الشباب الثائر على الوضع القائم بناء على ما كان يصله من ثقافة تحمل جذور الفكر الصفوي من جهة، ومن جهة ثانية حالة التمييز والاضطهاد التي كان يعيشها في مجتمعه العربي إما عبر الاستبداد السياسي الذي يشمل الجميع سنة وشيعة أو عبر ثقافة الامتهان التي كانت سائدة في الزمن القديم بدعم من توجه غلو وتشدد لإحدى مدارس أهل السنة، ولكن ذلك الاستقطاب لم يكن فقط بناء على الظرف الذي عايشه أولئك الشباب فحسب بل حتى المناطق التي تسود فيها حياة ديمقراطية نسبية تجاوبت بوضوح لبرنامج الحركة الصفوية.
ووجدت الثورة ميداناً خصباً في أولئك الشباب الزاحفين استجابة (لعهد الإمام المقدس) باعتباره المنقذ المخلّص ووضعوا أنفسهم رهن برنامج الثورة فتخرجوا في دورات الثأر الفكري والتدريب العسكري في معسكرات البقاع اللبناني التي أشرف عليها الحرس الثوري تحت السيادة السورية، وكان هذا الخطاب يعلن من وسائل الإعلام للثورة الإيرانية ويفتخر به في السنوات الأولى عبر إعلان صريح عن قيام المجلس الأعلى لتصدير الثورة الإسلامية الذي كان يشرف عليه علي أكبر محتشمي وزير الداخلية السابق.
ويبدو أن الثورة كانت تعتقد أن الحركة الصفوية في المنطقة تستطيع أن تحقق انقلابات تاريخية شاملة في مناطق نفوذها، لذا باشرت تعبئة الخطاب سياسياً وعسكرياً في انتفاضات دورية نفذها مناضلون قادوا بها جموعاً من المتعاطفين مع قيم الثورة وتعبيراً عن مكنون تاريخي للتهميش ومن جهة أخرى من خلال خطاب العداء والانتقام من المجتمع الآخر العربي وليس حكوماته فحسب! وتعززت هذه الحملة الثورية للحركة الصفوية ولكن عبر مد وجزر حتى منتصف الثمانينات واستمرت ولكن على نطاق محدود وانتهت إلى عملية عسكرية كبرى في عام 1995 ضد الوجود الأمريكي في الخليج خلافاً لبرنامج الحركة الذي باستثناء هذه العملية التي نفذت بدقة متناهية كانت الحركة تتجنب المواجهة مع الأمريكيين، وهناك خلفية بدأت تتحدد معالمها عن هذه العملية لسنا في صددها الآن سوى أنها كانت خارج سياق التوجه الجديد للحركة في ذلك الوقت.
وانتهى الفصل العسكري الأول بعدما تبين لقادة الحركة في المركز وبعض قيادات الفروع استحالة تنفيذ المشروع عبر هذا الخطاب وحجم الخسائر والتضحيات التي قدمت في سبيله ولكن القاعدة النضالية لم تكن مجمعة كلياً على هذا المفهوم.
إن هذه الحقبة وكما قلنا إضافة للخروج الشعبي في بعض المواقع تزامنت مع تفعيل قوي للجناح العسكري للحركة الصفوية باعتباره ذلك الوقت (حزب الله الخليج) نفذ خلالها محاولة اغتيال أمير الكويت الراحل واختطف طائرتين مدنيتين للكويت كاظمة والجابرية، واختار المختطفون تصفية أحد موظفي الدفاع المدني من العرب السنة في الكويت عوضا عن الشخصيات الأمريكية التي كانت على متن الطائرة وتم إلقاء جثته على مدرج المطار، واختتمت الرحلة بعد ذلك بضمان سلامة المختطفين حيث نزلوا في الجزائر ومنها إلى طهران. وبعد اختتام مرحلة العمل العسكري توجهت الحركة لبرنامجها السياسي الجديد ولكن عبر لندن وواشنطن وليس طهران.
وبعد فشل المشروع العسكري أو الثوري للحركة في الخليج رغم الدعم المادي والمعنوي الهائل الذي بذلته القيادة التاريخية للحركة في طهران فإن تلك الفروع عجزت عن تغيير الواقع خاصة في ظل معارضة واشنطن في تلك الفترة لمشروع الحركة في عموم الإقليم فتوجهت إلى العمل السياسي. لذا شكل عام 1991 انطلاقة جديدة نحو المشروع السياسي للحركة وبقي الجناح العسكري مجمداً أو معوماً حتى تحرك في العراق في معركة الاحتلال الأخير عبر فيلق بدر الذي أوكلت إليه مهمة التصفية المدنية للمقاومة العراقية وكذلك مهمة الميليشيا المساندة لعمليات الاحتلال في الأحياء المدنية وما يتبع ذلك من تصفيات نفذتها فصائل عدة من الحركة الصفوية في العراق شراكة مع الضباط الإيرانيين وخطة الاحتلال.
وعوداً إلى السياق فقد بدأت الحركة بعد فشل المشروع الانقلابي مسيرة الخيار السياسي الاستراتيجي فقد تحولت الحركة الصفوية في عموم الخليج إلى واشنطن ولندن عبر خطاب جديد احتضنتها فيه مؤسسات غربية متعددة والعنوان البارز هو (الحقوق والمساواة والعدالة السياسية) وانأ هنا لا أتحدث عن مجرد الوجود في تلك العاصمتين اضطرارا كما هو الحال لبعض المعارضة العربية، ولكني أقصد الشراكة مع واشنطن في الخيار الجديد.
وهنا وقفة لابد منها إذ إنه من المؤكد أن المنهج الوحيد لسيادة العدالة واستقرار المجتمع وتنميته هو الإصلاح السياسي الحقيقي القائم على برنامج فعال وواضح لتحقيق التقدم والاستقرار وديمقراطية حقيقية مرتبطة بهوية المجتمع وسيادته لا تستثني أحداً مطلقاً من هذه الحقوق والحياة السياسية الفاضلة، لكن البرنامج الذي اعتمدته الحركة الصفوية في الخليج قام في أساسه منذ شروع اتصالاته مع قوى ودوائر التخطيط الغربي خاصة في واشنطن على اعتبار محدد يقوم على حقوق ومطالب الطائفية السياسية وهو بالضبط ما كان يطابق مشروع الأمريكيين في المنطقة ..لماذا؟ لأن الأمريكيين كانوا ولا يزالون يعارضون وبقوة وعبر التجربة المباشرة قيام أي مشروع وطني شامل، ويرتكز خطابه على الهوية الشاملة من دون أقليات وأكثريات يقوم على أساس المرجعية التاريخية للوطن العربي الإسلامي، وبالتالي تصاغ فيه بنود الحقوق والحريات وأركان التقدم السياسي والاقتصادي.
إن قيام هذا المشروع يعني أن الإرادة الشعبية ستحقق موقفها الوطني السيادي المستقل لمصلحة قيم وتقدم الإنسان العربي وليس إنسان الغرب وحماية مصالحه، وتلك الديمقراطية الحقيقة هي الكارثة الكبرى على واشنطن، بل حتى لو تحققت هذه المعادلة نسبياً ضمن الخيار الشمولي للديمقراطية والسيادة فهي لن تقبل بهذا مطلقاً
لذا كان التقاء الحركة الصفوية في الخليج مع مشروع واشنطن فرصة ذهبية تاريخية في المنطقة، فالحركة تضمن لواشنطن حقوق وخطاب الطائفية السياسية وحريات الطائفية السيادية وهي بالتالي تشعل المنطقة بهذه الروح ومن خلال تبني واشنطن لهذه المطالب تروج لسلوكيات غريبة وأنماط استهلاكية هي في حقيقتها وكما قال أحد مسؤولي واشنطن في مشروع الشرق الأوسط الكبير (تضمن لنا تسويق المنتج وتسويق الثقافة) وهذا هو ما يعنيهم في الخليج لكي يضمنوا تسويق منتجاتهم (سوق ثقافته) تأخذ من قيمهم ومبيعاتهم وهم يستنزفون من المخزون الاقتصادي للخليج، وفي الوقت ذاته تشكل نظرية الفرز في المطالب الحقوقية بنية تحتية تعد من خلالها الولايات المتحدة مشاريع الجيواستراتيجية الكبرى في المنطقة عبر هذه الثقافة وفصائلها.
واندفعت الحركة في هذا المضمار تتلاقى مع واشنطن في الأحداث خاصة حين تبنت مبكراً دعم مشروع احتلال العراق تنفيذياً عبر الفرع العراقي ومعنوياً عبر بقية الفروع، وأقصت الحركة من أدبياتها وخطابها مطلقاً قضية السيادة في المنطقة وقضية استنزاف الثروة وهذا ما شجع الولايات المتحدة على رعايتها أكثر فأكثر إعلامياً وسياسياً.
إن الهدف الذي تحلم به الحركة هو في أصله هدف طائفي وهو بالضبط ما حدده محمد بحر العلوم في لقائه مع صحيفة (القبس) وهو عضو مجلس الحكم الانتقالي السابق في العراق الذي عينه بريمر، حيث قال لقد (كان خطأنا أننا حولنا بغداد إلى حسينية كبيرة) فالتطيير وبقية الطقوس أهم من الخدمات الحياتية ورعاية الناس وهتاف الثأر والمعسكرات أهم من حماية الوحدة الاجتماعية، بل الهدف هو إقامة هذا الشكل من الطائفية السياسية وهو بالضبط ما سعت إليه الحركة لتنفيذه في عموم الخليج أي تحويل الخليج إلى حسينية كبرى ليست لأبناء المنطقة فحسب ولكن حكراً على التشيع الصفوي! ولذا قاتل مناضلو الثقافة الإيرانية ثقافياً وفكرياً وإعلامياً بقوة لتقديم إحصاءات سكانية وتاريخ يلغي الوجود العربي السني بل العربي الإسلامي، ويعيد صياغة معالم الجغرافيا والجغرافيا التاريخية إلى كل ما يربطه بإيران. وسعت بكل جهد إلى إخفاء أي معالم للوجود العربي كحراك وتاريخ ثقافي ونضال سياسي والذي كان متوحداً (سنة وشيعة) في مقابل النفوذ الغربي في منتصف القرن الماضي حتى نهاية السبعينات وإضاءة يسيرة من منهجه مؤخراً.
لقد أخطأ بعض الباحثين حين اعتقدوا أن الأمريكيين يجهلون حقيقة الوجود العربي السني في المنطقة أو فكر التشيع العربي مستقلاً أو تحت هوية القومية العربية، ولكنهم كانوا يعلمون ذلك جيداً وعن تنسيق مع الحركة الصفوية وأن العمل على إخفاء هذه الحقيقة الديموغرافية والفكرية هو مهمة ضرورية لديهم، وأي خرق لها يعامل بحساسية بالغة من قبل الطرفين الأمريكي والصفوي بل ويحرض عليه أو يسعى لطمس وجوده تاريخياً وواقعياً؛ لذا يركز التحالف على مشاريع الطائفية السياسية بعناوين مختلفة.
وحتى تضمن الحركة الصفوية شيئاً من المشروعية في خطابها أمام المجتمع المدني والإعلام الغربي سعت للاستعانة بعدد من المناضلين المنتسبين للتيارات الأخرى إضافة إلى الشخصيات القريبة من المشروع الأمريكي لكن عادة ما يفتقد هؤلاء لأي رصيد شعبي أو قبول وطني لقوة ارتباطهم مع واشنطن.
لذا استعانت الحركة الصفوية بأولئك المناضلين ذوي التاريخ النضالي الحقوقي وهيأت لهم منابر وجسوراً للاتصال بالمشروع الغربي والرأي العام ولكن عبر لافتة المطالب الحقوقية، وبالتالي يحقق وجود تلك النماذج والشخصيات حاجة ضرورية لتسويق مشروع الحركة الصفوية في مراحل متعددة منه ولذلك انتبه بعض أولئك المناضلين لتلك المهمة حتى لا تتكرر المأساة بعد أن رأوا نتائج هذا المشروع الذي نفذته واشنطن وطهران في العراق.
ومن تلك الخطة جر رجل بعض المجموعات الفكرية التي تعاني من إقصاء وتهميش حقيقي لمدارسها الدينية ورؤاها الفكرية للمشاركة مع مشروع الحركة مع واشنطن في سبيل تغطية لوجستية على أهدافه وهو تحرك يقوم على نفعية بحتة، لذا ورغم ترديد رموز الحركة بأن مواجهتهم تقوم وحسب مع التيار السلفي التكفيري كما يقولون إلا أن معارك العراق الأخيرة والمذابح الجماعية شملت الجميع وبخاصة شيوخ وتلاميذ المدارس الصوفية السنية وخاصة معركتي الفلوجة التي كان لشيوخ الطرق الصوفية وتلاميذهم في العراق الدور الرئيسي في مواجهة الهجوم الأمريكي – الإيراني المزدوج ولذلك خُصوا بعمليات انتقام وحشية واسعة لأفرادهم ومساجدهم، بمعنى أن المواجهة تشمل المجتمع العربي بكل توجهاته الإسلامية والقومية مادام خارج نفوذ الحركة الصفوية وتوجيهها. وكانت تهيئة واشنطن الساحة للحركة وحلفائها وحماية ظهورهم أبرز معالم المرحلة الأخيرة من المشروع السياسي وبالتالي ربط الأطراف والشخصيات بهذا البرنامج أو تركهم يواجهون آلة القمع مع مواكبة منظمة من الجمعيات والأنشطة الإعلامية تقوم رغم أنها أجنبية الأصل على خدمة هذه المجموعة وخطتها بناء على معايير الفرز نفسها للإدارة الأمريكية وليس على معايير الحقوق المطلقة.
وبالمحصلة أقول بإيمان حقيقي بأن العمل على إحياء قيم التواصل والتعايش بين الطائفتين المتجاورتين في محبة وسلام منذ مئات السنين بعيداً عن توظيف الحركة الصفوية السياسي هو السبيل الوحيد لإشاعة هذه الأجواء أمام العواصف الخطيرة التي تمر بها المنطقة وهذا لا يوقف أو يلغي روح المطالبة الحقوقية الدستورية والسيادية بل يعززها ويرفدها.
وحين أقول الحركة الصفوية فليس بالضرورة أن يتساوى كل مناضليها أو جمهورها العام بل هم يختلفون قطعاً من حيث الإيمان الأيديولوجي العميق المرتبط بإيران ومن تأثر بهذه الثقافة. إذاً فالحوار والتواصل أمر مطلوب لكن في وضح النهار وصراحة الفكرة مع التزام ميثاق واضح يؤمن به ويسوق له شعبياً حيث تصدق النوايا. وحين نقول العرب والتيار العروبي فنحن لم ولن نقصد عروبة النسب بل عروبة الفكر والولاء (عرب القبيلة وعرب الحاضرة) هم فيه سواء بإخلاصهم لهويتهم يتفاوتون. وختاماً لم أدافع عن أحد في مسؤولية احتلال العراق وذكرت ذلك في مقالات شتى ولكنني خصصت الحركة الصفوية لقلة علم الساحة بها وعن مشروعها الخطير بدقة بعيداً عن لغة (الملاعنة) و(التكفير) ولكي أوضح وبقوة أن خلافنا مع هذه الحركة وليس مع إخواننا أبناء الطائفة الذين عايشتهم في قريتي وبلدتي ولا نزال ولله الحمد منذ أكثر من ثلاثمائة عام في مجتمعنا الأحسائي الذي هو نموذج من بقية الخليج لروح التسامح والمشاركة العذبة.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::3110::/cck::
::introtext::
تشهد الساحة أحداثاً متسارعة في الخليج منذ تطور الاحتلال الأمريكي للعراق وتداعيات فشل المشروع الأمريكي على الأقل في صياغته الأولى وبروز إيران كطرف رئيسي مؤثر في أوضاع العراق سواء عبر الوجود المباشر الذي رُصد كثيراً لقواتها ومؤسساتها السياسية والدينية أو من خلال البرنامج الذي نفذته القوى المرتبطة بالثورة ببنائها الثقافي الأيديولوجي وتشكيلها السياسي والعسكري منذ قيام الثورة الإيرانية 1979، هذا البناء الذي استثمر بوضوح وكثافة من قبل ما يعتبر ذراعاً للثورة الإيرانية في العراق، وشكل قاعدة الأحداث التي يعيشها العراق الآن خاصة ما قام به هذا الذراع من هدم وإعادة بناء للتماسك الاجتماعي الذي توطن في العراق قديماً، وأدى تدميره إلى حالة الفوضى التي يعيشها العراق الآن عبر هذه الأيديولوجيا في نظر كثير من الباحثين العرب.
::/introtext::
::fulltext::
تشهد الساحة أحداثاً متسارعة في الخليج منذ تطور الاحتلال الأمريكي للعراق وتداعيات فشل المشروع الأمريكي على الأقل في صياغته الأولى وبروز إيران كطرف رئيسي مؤثر في أوضاع العراق سواء عبر الوجود المباشر الذي رُصد كثيراً لقواتها ومؤسساتها السياسية والدينية أو من خلال البرنامج الذي نفذته القوى المرتبطة بالثورة ببنائها الثقافي الأيديولوجي وتشكيلها السياسي والعسكري منذ قيام الثورة الإيرانية 1979، هذا البناء الذي استثمر بوضوح وكثافة من قبل ما يعتبر ذراعاً للثورة الإيرانية في العراق، وشكل قاعدة الأحداث التي يعيشها العراق الآن خاصة ما قام به هذا الذراع من هدم وإعادة بناء للتماسك الاجتماعي الذي توطن في العراق قديماً، وأدى تدميره إلى حالة الفوضى التي يعيشها العراق الآن عبر هذه الأيديولوجيا في نظر كثير من الباحثين العرب.
هذا التطور الدراماتيكي السريع لأحداث العراق وتهيئة الجنوب العراقي عبر أحداث البصرة المتعاقبة وما بدا تهيئة لفصل الجنوب العراقي وإلحاقه بالحكم الإيراني أو إخضاعه للنفوذ المباشر وتزايد التوتر بين واشنطن وطهران سواء أدى هذا التوتر إلى مواجهة أو اتفاق سري لمستقبل الخليج بين الطرفين كانت أذرعه الثورة الإيرانية في عموم الخليج طرفاً فاعلاً ومؤثراً ولا تزال كسلاح قوي لتحديد مسار المنطقة ومستقبلها؛ وهذا ما دعا المحللين لبحث واستقراء تاريخ هذه الحركة الثقافية ودورها في إعادة رسم وتشكيل أوضاع الخليج العربي؛ وسنحاول عبر هذه الدراسة والمتابعة معرفة الأيديولوجيا البنائية لهذه التشكيلات وعلاقتها بمشروعها السياسي في الخليج العربي. وخلال زيارتي للحجاز الأسبوع الماضي حرصت على الالتقاء بأحد الباحثين المميزين في تاريخ التشريع الإسلامي واتجاهاته الفكرية، هذا الباحث هو الأستاذ خالد الجفري المتخصص بدراسة (التشيع العلوي) أو ما يسمى بـ (التشيع العربي) ومواقف الطالبيين.
إن هذه الدراسة تركز على أحد أهم الأطراف على ساحة الصراع وهي الولايات المتحدة والقاعدة والحركة الصفوية (أذرعة الثقافة الإيرانية) في المركز (طهران) وبقية الخليج العربي والطرف الثالث هو المعني بهذه الدراسة لفهم ومعرفة المخزون الثقافي الذي سيشكل قاعدة الدفع العقائدية والفكرية الذي عبأت به طهران المنطقة في زمن قياسي منذ قيام الثورة 1979 حتى دعمها وشراكتها لاحتلال العراق أمريكيا.
إن التشيع العلوي لم يكن التشيع الأول – وهو التشيع العربي – يحمل هذه الروح والأيديولوجية التي أعادت بثها الدولة الإيرانية الحديثة على منهج الإمبراطورية الصفوية، وليس على منهج التشيع الأصيل. فالتشيع العربي كان يقوم على أساسيات حول حق آل البيت بالقيام بالخلافة خاصة بعد مقتل الإمام علي بن أبي طالب و(الخلافة الراشدة) التي واصلها الإمام الحسن بن علي لستة أشهر أكملت نص الحديث الذي يحدد معالم الخلافة الراشدة التي حددها بثلاثين عاماً تكمل بخلافة الحسن وهو ما يتطابق مع مدرسة أهل السنة والجماعة في الموقف من الخلاف التاريخي بين المدرستين.
ومن ثم خروج الإمام الحسين طلباً للحكم بعد معاوية لإيمانه بأنه أقدر على تحقيق منهج الخلافة الراشدة وكذلك عبدالله بن الزبير رضي الله عنهما في خروجه لهذا السبب ذاته. والخلافة الراشدة لدى التشيع العلوي وأهل السنة على السواء هي نهج العدالة وتحقيق الشورى والقيام بحق الأمة في سيادة العدل، الذي قام به الخلفاء الراشدون المهديون (كما ينص الحديث) وهي (السنة الراشدة) التي أمرت الأمة باتباعها، أي تحقيق العدل بحسب مفاهيم المدرستين فخروج الحسين لم يكن ركناً عقائدياً في الدين مرتبطاً بولايته الشخصية بقدر ما هو تحقيق لواجب القيام بمنهج العدل السياسي الراشد الذي نزع من المسلمين حين ولي (يزيد) وهذا الفهم أيضاً من ضمن المشتركات بين التشيع العلوي وجمهور أهل السنة، لذا كان خروجه مشروعاً للقيام بهذا العهد وليس لتنصيب مشهد جنائزي للتفريق بين المسلمين رغم الجريمة التاريخية في حق الحسين ولكن منهج الوعي وثقافة العدل السياسي كان السياق الذي وضعت فيه ثورة الحسين لدى المدرستين.
ومن هنا بدء تشكل مفهوم التشيع العربي العلوي أو الطالبي والتباين بين التشيع الصفوي المعادي لقواعد وقيم أصيلة في الإسلام وما يتبناه من روح مبغضة لكل انتماء عربي وبين التشيع العربي العلوي ومبدأ الخلاف على نظام الحكم. ومن ذلك ما أكدناه من مفهوم الخروج الذي قام به الإمام الحسين رضي الله عنه لإعادة ميزان العدالة السياسي الذي يعتقده وهو السبب نفسه الذي حمل عبدالله بن الزبير رضي الله عنهما للخروج، أي إعادة منهج العدالة السياسية في الحكم وفي اختيار الحاكم وفقاً لقرار الأمة وعدم تسليمهما بثقافة الاستبداد والجبر.
وبقي هذا المفهوم يتداول عند مدرسة الطالبيين تلبية لهذا الميثاق الإسلامي، واستمر السياق التاريخي للدعوة يتنامى في العهود التي تلت ثورة الحسين وكذلك استمرت ثقافة مواجهة الاستبداد لدى مدرسة أهل السنة، بل إن حركة العباسيين وهي من البيت الهاشمي نفسه استثمرت هذه القضية في تحقيق الانقلاب على الحكم الأموي وتتبع شخصياتهم قتلاً وأسراً على الخلفية نفسها، أي استرداد الحكم لمدرسة آل البيت وإعادة الأمور إلى نصابها، ثم قلبوا الطاولة على الطالبيين وأثخنوا في المواجهة واستمر الاستبداد في نسبية تتأرجح في طبيعة الحكم أو طول فترته أي في ممارسته للمظالم أو تحقيق عدالة اجتماعية ووفرة اقتصادية وتقدم علمي وحماية للحدود السياسية والجغرافية للدولة الإسلامية مع قوة الهوية العربية وكذلك السياق التاريخي منذ أن عُزل الحكم الراشد، وتحولت ملكاً (عاضاً) ثم حكماً جبرياً في مفاهيم الوعي الإسلامي.
ونحن هنا لسنا بصدد التقييم الكامل لمسيرة دولتي بني أمية وبني العباس والجوانب الإيجابية في مسيرتهم السياسية، ولكن نتبع ما يحدد لنا معالم الفكر السياسي الإسلامي في منهج إقامة الحكم وعلاقته بدراستنا عن الثقافة الصفوية المرتبطة بشكل مؤسس ببرنامج طهران وأذرعتها. ووجود خلل في الحكم لا يعني خللاً في العهد ومفاهيم الوعي الإسلامي فيه، بل إن جمهور الأئمة في عهد (التابعين) ومن بعدهم كانت لهم مواقف قوية وحازمة في مواجهة الاستبداد، فمن الأئمة الأربعة موقف أبي حنيفة النعمان والإمام الشافعي في دعم منهج استرداد العدل السياسي وكذلك الإمام مالك في اعتبار الحكم الاستبدادي ظلماً لا ينصر الحاكم المستبد في وجه المعارضة المسلحة رغم أنه لم يكن يحبذها إلا أنه منع مساندة الظالمين ضدها، أما الإمام أحمد فقد آثر عدم تزكية الظلم وصمد بقوة أمام إغراءاته ولكن تجنب إبداء موقف سياسي محدد تجاه حركات المعارضة المنادية بالعدل السياسي؛ ونحن هنا نقتبس مواقف محدودة من فكر وفقه عريض للثقافة السياسية للعهود الأولى لم يدرس ويعطى حقه في زمننا المعاصر ثم انتهى الأمر بعد ذلك عند بعض المتأخرين من علماء المذاهب إلى منع الخروج المسلح قياساً على مفسدة القتل وسفك الدماء فقط وليس تزكية للحكم الاستبدادي أو شرعنة وجوده واستقر الأمر بعد ذلك على هذا المفهوم، كما نص الإمام النووي رحمه الله.
لذا كانت مفاهيم التدافع السياسي لتحقيق العدالة متحركة لدى الجميع أهل السنة و(التشيع العلوي) ولم تكن القضية في العهد الأول تأخذ أبعادا متباينة في الاعتقاد ولكن توسع الأمر بعد ذلك. وما يهمُنا هنا أن نعرض للقضايا الرئيسية لفكر (التشيع الصفوي) التي لم تكن مقبولة أو واردة لدى مدرسة التشيع العلوي العربي، وأهم هذه القضايا الخطيرة تأسيس التشيع الصفوي على حتمية تاريخية لديهم بأن الرسالة منذ أصلها لم تستقر سوى لدى بضعة أشخاص، وأن المحيط العربي قبل وبعد فتح مكة واستقرار الإسلام هو مجتمع جاهلي مشرك مرتد في حياة المصطفى وبعد مماته صلى الله عليه وسلم وبالتالي اختطف جانب من الدين في حياة المصطفى ثم أطبقت الضلالة بعد موته وأول من نفذ هذا الأمر هو الخليفة أبوبكر الصديق رضي الله عنه حسب الاعتقاد الصفوي.
هذا المفهوم المنحرف هو ما تسنده الحركة الصفوية وتجدده على أنه حتمية تاريخية على مدار التاريخ فهي تتحدث عن مجتمع الرسالة العربي من المهاجرين والأنصار ومن ثم من أسلم بعد ذلك على أنهم مجتمع عربي مرتد معاد لآل البيت وليس يعنيهم البتة السياق التاريخي المتواتر بالسند العلمي المدلل عقلياً عن حال الصحبة وقيامهم بمهمة الرسالة والمجتمع الإسلامي الفاضل الذي قام في عهد النبوة وبعد وفاته صلى الله عليه وسلم، بل ينكرونه جملة وتفصيلاً ويستثنون من ذلك بضعة نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
والذي يعنينا لفهم الجذور الأيديولوجية للحركة الصفوية هو حجم التباين والبغض والازدراء التاريخي للجيل العربي الأول الذي سلم وأسلم للرسالة وبنيت به حضارة الأمة والدولة والسياق التاريخي العربي فيما بعد عهد النبوة وكيف يقدم على أنه أساس الانحراف والردة والتآمر، وهو ما يؤسس بعد ذلك شرعية لمجموعة من المفاهيم والعقائد بعثتها الثقافة الإيرانية المرتبطة بالثورة وكرستها لدى مناضليها في الخليج كوقود للمواجهة.
ويرى الأستاذ خالد الجفري الباحث في تاريخ التشيع العلوي أن الصفويين أسسوا لدعم هذا المفهوم غيبة الإمام الثاني عشر، ويقول إن هناك أئمة عظاماً من آل البيت كعبد الله بن الحسن ومحمد ذو النفس الزكية وغيرهما كثير من الأئمة الذين يتم بهم العدد لإمامة (اثنا عشر) لكن الغيبة ضمنت لمدرسة التشيع الصفوي الوكالة الثقافية والأيديولوجية التاريخية لهذه المدرسة، وبالتالي القدرة على توجيه الخطاب عبر هذا المفهوم أي صياغة خطاب وتوجيهه بناء على غياب الإمام.
ويضيف إن حديث البخاري الذي يستشهد به الصفويون (الخلفاء اثنا عشر كلهم من قريش) هو حجة دامغة ضد الأساس الذي يسعون لإثباته وصيانته عن النقد التاريخي، لذا يلجأون للخروج من المواجهة بإضافة رواية غير صحيحة (كلهم من بني هاشم) خلافاً للرواية الصريحة الصحيحة.
ويضيف السيد الجفري إن الخلافة إنما تطلق لمن يقوم بالعدل وبالتالي كل خليفة قام بالعدل الراشد التام من بعده صلى الله عليه وسلم يضاف إلى (الاثنا عشر) بدءاً بأبي بكر الصديق رضي الله عنه ومن بعده الثلاثة ومن بعدهم الإمام الحسن ومن بعده عمر بن عبدالعزيز ثم معاوية بن يزيد، أي من حقق العدل الراشد وهو من قريش (إخباراً وليس تشريعاً) جميعاً وليسوا من بني هاشم فقط وبالتالي فإن معنى الحديث من يقيم العدل بين الناس وليس الوصاية التشريعية خلافاً للمفهوم الصفوي.
فمفهوم العدل الراشد قيامه بحقوق الأمة ووحدتها وتحقيق المساواة تحت معاني الرسالة وبعث فكري راشد وليس مفهوم صراع وتكفير وانتظار لحظات الانتقام. وبالضبط هذا ما اجتمع عليه الناس مواليهم ومعارضهم في خلافة عمر بن عبدالعزيز فانتهت حركات المعارضة المسلحة في عهده وأمن الناس على أنفسهم وأموالهم بل وموقفهم ورأيهم السياسي الناقد.
وهناك توضيح لابد منه وهو ما تكرسه الثقافة الإيرانية للتشيع الصفوي بأن الحركات المنتسبة لآل البيت لم تحكم مطلقاً وهو ما كُثف إعلامياً بعد احتلال العراق، وهذا غير صحيح فالتاريخ العربي عرض لعدد من هذه الدول، فدولة الفاطميين وسلطة البويهيين والأدارسة وغيرها كثير قامت بناء على هذا الفكر وانتصاراً له وكون أن انحرافات صاحبت قيام هذه الدول أو انتهت إليها فهذا ليس عذراً ينفي الدولة عن استخدامها لهذا الفكر الذي قامت باسمه.
ومع تقدم الزمن وتغلغل مفهوم الكراهية والعداء للعرب تطرفت هذه المفاهيم خاصة بعد قيام الإمبراطورية الصفوية وتسربت بشدة إلى المناهج (الحوزوية) ووجد دعاة التشيع المعتدل صعوبة بل استحالة على مواجهة هذه الحملة.
ولا شك في وجود ممارسات إقصائية طالت دعاة التشيع العلوي وتسرب ثقافة الجفاء لآل البيت في بعض المناهج والفترات التاريخية التي خضعت فيها بعض الثقافات والمجتمعات في أزمنة وعهود للتأثير السياسي في توجيه الفكر؛ وبالتالي استغلال هذه الحوادث في صناعة طقوس تؤسس على مفاهيم الكراهية والانتقام من المجتمع العربي الآخر تُجدد دورياً لضمان بقاء التأثير الصفوي.
ومن ذلك المشهد الجنائزي لاستشهاد الإمام الحسين رضي الله عنه فقد طور ليشكل عقيدة مستقلة تضخم مع الزمن حتى تهيمن على المشهد والتفكير الوجداني كاملاً ومن خلاله تمرر المواقف والتعليمات السياسية. ورغم فداحة الجرح الغائر على حادثة الاستشهاد في كربلاء إلا أن استنهاض روح الثأر التي بثتها الثقافة الصفوية كانت من أكبر وسائل التأثير في وحدة وتضامن العالم الإسلامي وأعاقت قيامها بإعادة البناء الراشد لمفهوم الرسالة الإسلامية الإنساني.
ولو أن أهل السنة استحضروا مشهد مقتل عثمان بن عفان رضي الله عنه وكيف أنه وهو رئيس الدولة الأولى في العالم يرفض وبشدة أن تقوم أي مواجهة عسكرية من أجل حمايته خاصة بعد أن ناشده آل البيت في ذلك فأبى وأصر على أن الرئيس الأول للمسلمين لا يحجب بالحراس ولا يُقاتل دونه حتى منعوه وآل بيته الماء وشددوا عليهم ثم قتل. فلو صنع أهل السنة من هذا المشهد المفجع في تاريخهم حادثة يصنعون منها مأتماً ثأرياً لمن يشتم عثمان ويحتفل بمقتله فأي حال يصيب الناس.
لقد ذكرت بعض التفصيل الضروري حتى نتعرف إلى الثقافة التي تجذرت منها الحركة تاريخياً ومن ثم نفصل عن استعادة هذا الخطاب وإعادة بثه في مشروع الحركة الصفوية التي قامت مع الثورة الإيرانية لتكتمل الصورة وتتضح للقارئ. ومما سبق يتضح تاريخ كلتا المدرستين التشيع العلوي والتشيّع الصفوي وبروز صورة مهمة توضح خطورة الأساس العقائدي القائم على ثوابت خطيرة تكرس حالة الانقسام في المجتمع العربي بل وتصنع برنامجاً عميقاً من خطاب الكراهية والعداء المبدئي، وبالتالي تؤسس هذه الثقافة الصفوية ثقافة الحرب والمواجهة مع المجتمع العربي الآخر وتنقض أسس التعايش السلمي الأهلي وبإعادة تسجيل هذه الثوابت نجملها في الآتي:
1- المجتمع العربي الآخر هو امتداد لمدرسة الجيل الأول من الصحابة المهاجرين والأنصار باستثناء عدد قليل استثنتهم الثقافة الصفوية وعلى رأسهم أبو بكر الصديق والخلفاء من بعده المحكوم بردتهم أو ضلالهم المحض، وبالتالي السياق التاريخي والفكري الذي عاشوا فيه ومن تبعهم يأخذ نفس الحكم.
2- وقياساً على ذلك بطلان مصادر الاعتقاد أو التشريع الموحد الذي يجمع المسلمين بطوائفهم والنظر إليها بعين النقض والتشكيك.
3- تجذير هذه الثقافة على برنامج مفاصلة تاريخي يركز خطاب الثأر والانتقام منه عبر مشهد جنائزي دوري وهو جريمة مقتل الإمام الحسين رضي الله عنه واستخدامها وقوداً لشحن الأجواء وإلغاء العقل عبر خطاب العاطفة المنحرف.
4- توجيه هذه المشاعر لتعزيز المفهوم العقائدي بأن المواجهة الحقيقية هي أولاً مع هذا المجتمع العربي وليس أي مجتمع آخر يسبقه في استحكام العداء وضروريات التصفية للخصوم.
وأود هنا أن أشير إلى صورتين فحسب عن هذه الروح ثم نستأنف السياق الأول: تصريح عمار الحكيم في مجلس الأمن القومي الأمريكي وما قبله من ضرورة تحالف الحركة الصفوية في الخليج مع الولايات المتحدة في برنامج المشروع الشامل للمنطقة.
الصورة الثانية: هي عمليات الإبادة التي نفذت ضد المجتمع العربي الآخر المناهض للحركة الصفوية في العراق عبر قطع الرؤوس وخرق (الدريل) ومقتل 40000 من هذا المجتمع في فترة حكم الجعفري، وقبلهم آلاف أخرى من المدنيين لم تحص، وأقصد هنا بأن هذا القتل صدر على يد مناضلين ينتمون مباشرة إلى هذه الحركة الصفوية أو اخترقتهم ثقافياً واستهدفت مدنيين عزّل لهوياتهم المحددة في المساجد والمنازل خلافاً لضحايا الجرائم الشنيعة التي ندينها مباشرة وبلا تردد لعمليات الزرقاوي في صفوف المدنيين والآتية من خارج الإطار العراقي عبر مجموعات كانت ولا تزال في معزل بل وفي مواجهة أحياناً مع مجتمع العرب السنة، أما من نفذ المذابح في العرب السنة فقد كان عبر قوى محددة المعالم ثقافياً وسياسياً وعسكرياً بل وتغطية إعلامية في قنواتها الفضائية لنشاط هذه المجموعات والألوية التي أسستها الحركة الصفوية؛ ويؤكد ذلك ما أعلنه مؤخراً محافظ البصرة عن مسؤولية المرجعيات والأحزاب المرتبطة بطهران عن أحداث البصرة الأخيرة.
إن البناء الأيديولوجي للثورة وازدواجية الخطاب منذ أن قامت الثورة الإيرانية باشرت بحماس واندفاع بالتبشير بخطابها التحرري والموجه في اتجاهين الأول: استقطاب النفوذ وكسب المجتمع العربي المتعطش لأي حالة ثورية تتمرد على ما يعتبرونه الطغيان الأمريكي والاستبداد الدولي فلاقت صدى قوياً متعاطفاً لدى النخبة القومية والإسلامية في العالم العربي تقاطر ممثلوها زرافات ووحدان تقدم لهم الصورة المخملية لعدالة الثورة وتسامحها ووحدتها مع المحيط العربي وانفض السامر بعد حين، حين تبينت له الحقيقة بعد أن استنزفت طهران وحركتها الصفوية تصريحات ومواقف من هذه الطلائع ساهمت في فترة زمنية في تضليل الرأي العام قبل أن يستفيق الجميع على الحقيقة الكبرى ومن أوائل هذه المواقف التي تكشف روح الثورة الحقيقي تأييد طهران لمذابح حماه التي نفذها الحكم في سوريا على خلفية طائفية في صورة وحشية وصلت إلى بقر بطون الحوامل واغتصاب النساء في قضية معتقلات تدمر الشهيرة، وأطلقت بعض التصريحات في إيران خلال مذبحة 1982 تصف الإخوان المسلمين بـ (إخوان الشياطين) وتدين بقوة ومعها الحركة الصفوية في المنطقة الانتفاضة الشعبية في تلك الفترة مع أنها لم ترتبط مطلقاً بنظام آخر، وكانت حركة مستقلة، غير أن اختلاف الهوية والمصلحة الطائفية حوّلها إلى حركة عدائية بدل أن تدخل في مقاييس الانتفاضات المباركة التي نفذتها الحركة الصفوية في الخليج! الخطاب الآخر، البناء الثوري لأيديولوجية العقيدة، الخطاب الذي خصص لبناء فروع الحركة الصفوية (أذرعة إيران) في الخليج أو البناء الثوري لأيديولوجية الإيمان والعقيدة في مناطق امتداد النفوذ للثورة خاصة في مواقع الإمبراطورية الصفوية الرئيسية أي ما تسميه (الخليج الفارسي) في ضفتيه حسب عقيدة الثورة الراسخ؛ فلقد تم استقطاب الآلاف من أولئك الشباب الثائر على الوضع القائم بناء على ما كان يصله من ثقافة تحمل جذور الفكر الصفوي من جهة، ومن جهة ثانية حالة التمييز والاضطهاد التي كان يعيشها في مجتمعه العربي إما عبر الاستبداد السياسي الذي يشمل الجميع سنة وشيعة أو عبر ثقافة الامتهان التي كانت سائدة في الزمن القديم بدعم من توجه غلو وتشدد لإحدى مدارس أهل السنة، ولكن ذلك الاستقطاب لم يكن فقط بناء على الظرف الذي عايشه أولئك الشباب فحسب بل حتى المناطق التي تسود فيها حياة ديمقراطية نسبية تجاوبت بوضوح لبرنامج الحركة الصفوية.
ووجدت الثورة ميداناً خصباً في أولئك الشباب الزاحفين استجابة (لعهد الإمام المقدس) باعتباره المنقذ المخلّص ووضعوا أنفسهم رهن برنامج الثورة فتخرجوا في دورات الثأر الفكري والتدريب العسكري في معسكرات البقاع اللبناني التي أشرف عليها الحرس الثوري تحت السيادة السورية، وكان هذا الخطاب يعلن من وسائل الإعلام للثورة الإيرانية ويفتخر به في السنوات الأولى عبر إعلان صريح عن قيام المجلس الأعلى لتصدير الثورة الإسلامية الذي كان يشرف عليه علي أكبر محتشمي وزير الداخلية السابق.
ويبدو أن الثورة كانت تعتقد أن الحركة الصفوية في المنطقة تستطيع أن تحقق انقلابات تاريخية شاملة في مناطق نفوذها، لذا باشرت تعبئة الخطاب سياسياً وعسكرياً في انتفاضات دورية نفذها مناضلون قادوا بها جموعاً من المتعاطفين مع قيم الثورة وتعبيراً عن مكنون تاريخي للتهميش ومن جهة أخرى من خلال خطاب العداء والانتقام من المجتمع الآخر العربي وليس حكوماته فحسب! وتعززت هذه الحملة الثورية للحركة الصفوية ولكن عبر مد وجزر حتى منتصف الثمانينات واستمرت ولكن على نطاق محدود وانتهت إلى عملية عسكرية كبرى في عام 1995 ضد الوجود الأمريكي في الخليج خلافاً لبرنامج الحركة الذي باستثناء هذه العملية التي نفذت بدقة متناهية كانت الحركة تتجنب المواجهة مع الأمريكيين، وهناك خلفية بدأت تتحدد معالمها عن هذه العملية لسنا في صددها الآن سوى أنها كانت خارج سياق التوجه الجديد للحركة في ذلك الوقت.
وانتهى الفصل العسكري الأول بعدما تبين لقادة الحركة في المركز وبعض قيادات الفروع استحالة تنفيذ المشروع عبر هذا الخطاب وحجم الخسائر والتضحيات التي قدمت في سبيله ولكن القاعدة النضالية لم تكن مجمعة كلياً على هذا المفهوم.
إن هذه الحقبة وكما قلنا إضافة للخروج الشعبي في بعض المواقع تزامنت مع تفعيل قوي للجناح العسكري للحركة الصفوية باعتباره ذلك الوقت (حزب الله الخليج) نفذ خلالها محاولة اغتيال أمير الكويت الراحل واختطف طائرتين مدنيتين للكويت كاظمة والجابرية، واختار المختطفون تصفية أحد موظفي الدفاع المدني من العرب السنة في الكويت عوضا عن الشخصيات الأمريكية التي كانت على متن الطائرة وتم إلقاء جثته على مدرج المطار، واختتمت الرحلة بعد ذلك بضمان سلامة المختطفين حيث نزلوا في الجزائر ومنها إلى طهران. وبعد اختتام مرحلة العمل العسكري توجهت الحركة لبرنامجها السياسي الجديد ولكن عبر لندن وواشنطن وليس طهران.
وبعد فشل المشروع العسكري أو الثوري للحركة في الخليج رغم الدعم المادي والمعنوي الهائل الذي بذلته القيادة التاريخية للحركة في طهران فإن تلك الفروع عجزت عن تغيير الواقع خاصة في ظل معارضة واشنطن في تلك الفترة لمشروع الحركة في عموم الإقليم فتوجهت إلى العمل السياسي. لذا شكل عام 1991 انطلاقة جديدة نحو المشروع السياسي للحركة وبقي الجناح العسكري مجمداً أو معوماً حتى تحرك في العراق في معركة الاحتلال الأخير عبر فيلق بدر الذي أوكلت إليه مهمة التصفية المدنية للمقاومة العراقية وكذلك مهمة الميليشيا المساندة لعمليات الاحتلال في الأحياء المدنية وما يتبع ذلك من تصفيات نفذتها فصائل عدة من الحركة الصفوية في العراق شراكة مع الضباط الإيرانيين وخطة الاحتلال.
وعوداً إلى السياق فقد بدأت الحركة بعد فشل المشروع الانقلابي مسيرة الخيار السياسي الاستراتيجي فقد تحولت الحركة الصفوية في عموم الخليج إلى واشنطن ولندن عبر خطاب جديد احتضنتها فيه مؤسسات غربية متعددة والعنوان البارز هو (الحقوق والمساواة والعدالة السياسية) وانأ هنا لا أتحدث عن مجرد الوجود في تلك العاصمتين اضطرارا كما هو الحال لبعض المعارضة العربية، ولكني أقصد الشراكة مع واشنطن في الخيار الجديد.
وهنا وقفة لابد منها إذ إنه من المؤكد أن المنهج الوحيد لسيادة العدالة واستقرار المجتمع وتنميته هو الإصلاح السياسي الحقيقي القائم على برنامج فعال وواضح لتحقيق التقدم والاستقرار وديمقراطية حقيقية مرتبطة بهوية المجتمع وسيادته لا تستثني أحداً مطلقاً من هذه الحقوق والحياة السياسية الفاضلة، لكن البرنامج الذي اعتمدته الحركة الصفوية في الخليج قام في أساسه منذ شروع اتصالاته مع قوى ودوائر التخطيط الغربي خاصة في واشنطن على اعتبار محدد يقوم على حقوق ومطالب الطائفية السياسية وهو بالضبط ما كان يطابق مشروع الأمريكيين في المنطقة ..لماذا؟ لأن الأمريكيين كانوا ولا يزالون يعارضون وبقوة وعبر التجربة المباشرة قيام أي مشروع وطني شامل، ويرتكز خطابه على الهوية الشاملة من دون أقليات وأكثريات يقوم على أساس المرجعية التاريخية للوطن العربي الإسلامي، وبالتالي تصاغ فيه بنود الحقوق والحريات وأركان التقدم السياسي والاقتصادي.
إن قيام هذا المشروع يعني أن الإرادة الشعبية ستحقق موقفها الوطني السيادي المستقل لمصلحة قيم وتقدم الإنسان العربي وليس إنسان الغرب وحماية مصالحه، وتلك الديمقراطية الحقيقة هي الكارثة الكبرى على واشنطن، بل حتى لو تحققت هذه المعادلة نسبياً ضمن الخيار الشمولي للديمقراطية والسيادة فهي لن تقبل بهذا مطلقاً
لذا كان التقاء الحركة الصفوية في الخليج مع مشروع واشنطن فرصة ذهبية تاريخية في المنطقة، فالحركة تضمن لواشنطن حقوق وخطاب الطائفية السياسية وحريات الطائفية السيادية وهي بالتالي تشعل المنطقة بهذه الروح ومن خلال تبني واشنطن لهذه المطالب تروج لسلوكيات غريبة وأنماط استهلاكية هي في حقيقتها وكما قال أحد مسؤولي واشنطن في مشروع الشرق الأوسط الكبير (تضمن لنا تسويق المنتج وتسويق الثقافة) وهذا هو ما يعنيهم في الخليج لكي يضمنوا تسويق منتجاتهم (سوق ثقافته) تأخذ من قيمهم ومبيعاتهم وهم يستنزفون من المخزون الاقتصادي للخليج، وفي الوقت ذاته تشكل نظرية الفرز في المطالب الحقوقية بنية تحتية تعد من خلالها الولايات المتحدة مشاريع الجيواستراتيجية الكبرى في المنطقة عبر هذه الثقافة وفصائلها.
واندفعت الحركة في هذا المضمار تتلاقى مع واشنطن في الأحداث خاصة حين تبنت مبكراً دعم مشروع احتلال العراق تنفيذياً عبر الفرع العراقي ومعنوياً عبر بقية الفروع، وأقصت الحركة من أدبياتها وخطابها مطلقاً قضية السيادة في المنطقة وقضية استنزاف الثروة وهذا ما شجع الولايات المتحدة على رعايتها أكثر فأكثر إعلامياً وسياسياً.
إن الهدف الذي تحلم به الحركة هو في أصله هدف طائفي وهو بالضبط ما حدده محمد بحر العلوم في لقائه مع صحيفة (القبس) وهو عضو مجلس الحكم الانتقالي السابق في العراق الذي عينه بريمر، حيث قال لقد (كان خطأنا أننا حولنا بغداد إلى حسينية كبيرة) فالتطيير وبقية الطقوس أهم من الخدمات الحياتية ورعاية الناس وهتاف الثأر والمعسكرات أهم من حماية الوحدة الاجتماعية، بل الهدف هو إقامة هذا الشكل من الطائفية السياسية وهو بالضبط ما سعت إليه الحركة لتنفيذه في عموم الخليج أي تحويل الخليج إلى حسينية كبرى ليست لأبناء المنطقة فحسب ولكن حكراً على التشيع الصفوي! ولذا قاتل مناضلو الثقافة الإيرانية ثقافياً وفكرياً وإعلامياً بقوة لتقديم إحصاءات سكانية وتاريخ يلغي الوجود العربي السني بل العربي الإسلامي، ويعيد صياغة معالم الجغرافيا والجغرافيا التاريخية إلى كل ما يربطه بإيران. وسعت بكل جهد إلى إخفاء أي معالم للوجود العربي كحراك وتاريخ ثقافي ونضال سياسي والذي كان متوحداً (سنة وشيعة) في مقابل النفوذ الغربي في منتصف القرن الماضي حتى نهاية السبعينات وإضاءة يسيرة من منهجه مؤخراً.
لقد أخطأ بعض الباحثين حين اعتقدوا أن الأمريكيين يجهلون حقيقة الوجود العربي السني في المنطقة أو فكر التشيع العربي مستقلاً أو تحت هوية القومية العربية، ولكنهم كانوا يعلمون ذلك جيداً وعن تنسيق مع الحركة الصفوية وأن العمل على إخفاء هذه الحقيقة الديموغرافية والفكرية هو مهمة ضرورية لديهم، وأي خرق لها يعامل بحساسية بالغة من قبل الطرفين الأمريكي والصفوي بل ويحرض عليه أو يسعى لطمس وجوده تاريخياً وواقعياً؛ لذا يركز التحالف على مشاريع الطائفية السياسية بعناوين مختلفة.
وحتى تضمن الحركة الصفوية شيئاً من المشروعية في خطابها أمام المجتمع المدني والإعلام الغربي سعت للاستعانة بعدد من المناضلين المنتسبين للتيارات الأخرى إضافة إلى الشخصيات القريبة من المشروع الأمريكي لكن عادة ما يفتقد هؤلاء لأي رصيد شعبي أو قبول وطني لقوة ارتباطهم مع واشنطن.
لذا استعانت الحركة الصفوية بأولئك المناضلين ذوي التاريخ النضالي الحقوقي وهيأت لهم منابر وجسوراً للاتصال بالمشروع الغربي والرأي العام ولكن عبر لافتة المطالب الحقوقية، وبالتالي يحقق وجود تلك النماذج والشخصيات حاجة ضرورية لتسويق مشروع الحركة الصفوية في مراحل متعددة منه ولذلك انتبه بعض أولئك المناضلين لتلك المهمة حتى لا تتكرر المأساة بعد أن رأوا نتائج هذا المشروع الذي نفذته واشنطن وطهران في العراق.
ومن تلك الخطة جر رجل بعض المجموعات الفكرية التي تعاني من إقصاء وتهميش حقيقي لمدارسها الدينية ورؤاها الفكرية للمشاركة مع مشروع الحركة مع واشنطن في سبيل تغطية لوجستية على أهدافه وهو تحرك يقوم على نفعية بحتة، لذا ورغم ترديد رموز الحركة بأن مواجهتهم تقوم وحسب مع التيار السلفي التكفيري كما يقولون إلا أن معارك العراق الأخيرة والمذابح الجماعية شملت الجميع وبخاصة شيوخ وتلاميذ المدارس الصوفية السنية وخاصة معركتي الفلوجة التي كان لشيوخ الطرق الصوفية وتلاميذهم في العراق الدور الرئيسي في مواجهة الهجوم الأمريكي – الإيراني المزدوج ولذلك خُصوا بعمليات انتقام وحشية واسعة لأفرادهم ومساجدهم، بمعنى أن المواجهة تشمل المجتمع العربي بكل توجهاته الإسلامية والقومية مادام خارج نفوذ الحركة الصفوية وتوجيهها. وكانت تهيئة واشنطن الساحة للحركة وحلفائها وحماية ظهورهم أبرز معالم المرحلة الأخيرة من المشروع السياسي وبالتالي ربط الأطراف والشخصيات بهذا البرنامج أو تركهم يواجهون آلة القمع مع مواكبة منظمة من الجمعيات والأنشطة الإعلامية تقوم رغم أنها أجنبية الأصل على خدمة هذه المجموعة وخطتها بناء على معايير الفرز نفسها للإدارة الأمريكية وليس على معايير الحقوق المطلقة.
وبالمحصلة أقول بإيمان حقيقي بأن العمل على إحياء قيم التواصل والتعايش بين الطائفتين المتجاورتين في محبة وسلام منذ مئات السنين بعيداً عن توظيف الحركة الصفوية السياسي هو السبيل الوحيد لإشاعة هذه الأجواء أمام العواصف الخطيرة التي تمر بها المنطقة وهذا لا يوقف أو يلغي روح المطالبة الحقوقية الدستورية والسيادية بل يعززها ويرفدها.
وحين أقول الحركة الصفوية فليس بالضرورة أن يتساوى كل مناضليها أو جمهورها العام بل هم يختلفون قطعاً من حيث الإيمان الأيديولوجي العميق المرتبط بإيران ومن تأثر بهذه الثقافة. إذاً فالحوار والتواصل أمر مطلوب لكن في وضح النهار وصراحة الفكرة مع التزام ميثاق واضح يؤمن به ويسوق له شعبياً حيث تصدق النوايا. وحين نقول العرب والتيار العروبي فنحن لم ولن نقصد عروبة النسب بل عروبة الفكر والولاء (عرب القبيلة وعرب الحاضرة) هم فيه سواء بإخلاصهم لهويتهم يتفاوتون. وختاماً لم أدافع عن أحد في مسؤولية احتلال العراق وذكرت ذلك في مقالات شتى ولكنني خصصت الحركة الصفوية لقلة علم الساحة بها وعن مشروعها الخطير بدقة بعيداً عن لغة (الملاعنة) و(التكفير) ولكي أوضح وبقوة أن خلافنا مع هذه الحركة وليس مع إخواننا أبناء الطائفة الذين عايشتهم في قريتي وبلدتي ولا نزال ولله الحمد منذ أكثر من ثلاثمائة عام في مجتمعنا الأحسائي الذي هو نموذج من بقية الخليج لروح التسامح والمشاركة العذبة.
::/fulltext::
::cck::3110::/cck::
