أين الدور العربي من التقسيم الوظيفي الإقليمي الجديد في المنطقة؟
::cck::3179::/cck::
::introtext::
رفضت إدارة الرئيس بوش عرضاً إيرانياً قدمته حكومة الرئيس خاتمي عام 2003 تضمن استعداد طهران للتفاوض المباشر مع واشنطن بشأن البرنامج النووي الذي يهم إيران بجانب الوضع في العراق الذي يهم البيت الأبيض، بل وأبدت استعدادها لأن يمتد الوضع في العراق إلى مناقشة قضايا مثل علاقة إيران بالفصائل الفلسطينية المسلحة وكذلك العلاقة مع حزب الله ولكن الولايات المتحدة رفضت حينها هذا العرض المغري.
::/introtext::
::fulltext::
رفضت إدارة الرئيس بوش عرضاً إيرانياً قدمته حكومة الرئيس خاتمي عام 2003 تضمن استعداد طهران للتفاوض المباشر مع واشنطن بشأن البرنامج النووي الذي يهم إيران بجانب الوضع في العراق الذي يهم البيت الأبيض، بل وأبدت استعدادها لأن يمتد الوضع في العراق إلى مناقشة قضايا مثل علاقة إيران بالفصائل الفلسطينية المسلحة وكذلك العلاقة مع حزب الله ولكن الولايات المتحدة رفضت حينها هذا العرض المغري.
معنى هذا أن الورقة العراقية كانت كبش الفداء بين الجانبين، ويمكن أن نقول إن إيران تعتبر الورقة العراقية طوق النجاة الأساسي لها، التي يمكن من خلالها المساومة مع (البطش) الأمريكي.
وتملك إيران أوراقاً قوية في العراق تراهن بها وفي مقدمتها المجلس الأعلى للثورة الإسلامية الذي كان يتخذ من إيران مقراً له، بل إن جميع الشيعة في العراق هم موالون لها، فراحت تمد الجسور مع كافة الأطراف الشيعية مثل حزب الدعوة، حتى التيار الصدري العروبي أقامت معه علاقات وثيقة فأصبحت الساحة العراقية في يد طهران وأدخلت أكبر عدد ممكن من الكوادر الاستخبارية التابعة لها إلى أرض العراق ولا تمانع طهران في التعامل حتى مع المقاومة السنية في العراق حتى لو كانوا من القاعدة وتقديم الخدمات اللوجستية والأمنية لهم، ويصل الأمر إلى حد التغاضي عن تهريب الأسلحة إليهم لتعزيز مقاومتهم الشرسة ضد الجنود الأمريكيين ليصبح العراق ورقة ضغط قوية في يد إيران، بل باتت كل أوراق اللعبة في العراق بيد إيران إلى أن اقتنعت واشنطن بأن الوضع في العراق لا يمكن أن يستقر من دون تعاون إيراني، فأصبحت مفاتيح المنطقة بيد إيران وبسبب الضغوط الغربية وخاصة الأمريكية على سوريا ونتيجة لضعف الموقف العربي لعبت سوريا دوراً مزدوجاً لتخفيف الضغوط عليها، وأتاحت لإيران من جهة فرصة تضخيم نفوذها في هلال قوي وموحد يمتد من سوريا إلى الأراضي الفلسطينية التي تسيطر عليها (حماس) المتحالفة مع كل من سوريا وإيران ومحاولات واشنطن احتواء إيران وعزل سوريا بعدما تمكن البلدان من توطيد علاقاتهما على جبهات متعددة، بل وضخت إيران في سوريا الكثير من الثقة وإن كانت إيران تعزز من هيمنتها في المنطقة وتواجه سوريا ضغوطاً دولية.
إن العلاقات السورية – الإيرانية هي مرحلة جديدة تعكس مدى عمق الانقسام العربي، وتوزع العرب على الجبهات الإقليمية والدولية المتصارعة. فالحرب العبثية التي قادها صدام ضد إيران نشأت علاقة بين الأب الراحل حافظ الأسد وإيران ولكن من منطلق علاقة متكافئة على عكس ما هي عليه العلاقة الآن التي انخرطت فيها سوريا في الفلك الإيراني، واتجهت نحو عسكرة العلاقة التي ليست ذات قيمة استراتيجية بالنسبة لسوريا بسبب غياب عامل الاتصال الجغرافي بين البلدين.
ورغم إغلاق الأب الأسد أنبوب تصدير النفط العراقي وإغلاق الموانئ السورية في وجه نقل البضائع إلى العراق فإنه لم يتورط في الحرب ووقف ضد الخميني علانية في محاولته اختراق أراضي العراق بعد تراجع قوة صدام الهجومية وتحولها إلى الدفاع، لكن في الفترة الحالية تشجع إيران سوريا على إقامة علاقة وطيدة مع الحكم الشيعي في العراق ليتحقق لها أمل امتداد الهلال الشيعي إلا أن الحسابات السورية متأرجحة بين المطلب الإيراني والنصيحة المصرية بتقوية أواصر العلاقة مع لبنان، فاغتيال الحريري أوجد فتوراً في العلاقة بين الأردن وسوريا بسبب اتهام الأردن سوريا بتهريب سلاح لحماس للقيام بعمليات إرهابية في الأردن. وفي الجانب الآخر تحاول إيران طمأنة دول الخليج والعالم العربي من خلال زيارات متبادلة بين السعودية وطهران، وزيارة الرئيس محمود أحمدي نجاد إلى الكويت وتحرك إيراني نحو مصر وهذه كلها رسائل طمأنة تقلل من مخاوف الدول العربية من برنامج إيران النووي.
ولا يستبعد أن يكون لإيران دور في تنشيط مقاومة طالبان الأخيرة في أفغانستان، لأن قلب الدين حكميتار كان مقيماً في إيران بعد القضاء على طالبان، ومعروف أن حكميتار يقود المقاومة بالتحالف مع قادة طالبان وبالتالي أصبحت أوراق المنطقة برمتها في يد طهران.
إن التحرك العربي في ظل الظروف التي تمر بها المنطقة بين سوريا ولبنان وبين القوى في داخل لبنان والحصار الذي يفرضه المجتمع الدولي على (حماس) لايزال محدوداً جداً، وأصبحت المنطقة مليئة بالثقوب الواسعة تتدفق إليها المشكلات من كل حدب وصوب مترابطة ومتربصة، كما أن كل ما يجري في العراق تنتقل أصداؤه إلى دول الخليج والأردن ولبنان وسوريا، وسبق أن نبه العاهل عبدالله الثاني ملك الأردن إلى خطر (الهلال الشيعي) على المنطقة. وهذا ما جعل أمريكا تبحث في جلسات مغلقة مسألة الخروج من المأزق العراقي، بحيث لا تبدو الولايات المتحدة وكأنها منيت بهزيمة استراتيجية، ولذلك لم يجد الأمريكيون سوى إيران للعب دور يخرجها من ذلك المأزق، ولذلك أخذت إيران ترصد تلك النوايا فبدأت تعرض ذلك الدور مقابل الحصول على أكبر قدر ممكن من المكاسب الاستراتيجية. فثمرة الحرب الأمريكية على العراق وقعت في الحضن الإيراني، وتلاقت المصالح الإيرانية مع أهداف المصالح الروسية والصينية وكذلك الهندية خصوصاً بعد تصريح المسؤولين في الهند مؤخراً بقولهم إن من حق إيران امتلاك السلاح النووي السلمي وهي رسالة لتحقيق أكبر قدر ممكن من المصالح الاستراتيجية والاقتصادية لتلك الدول.
أما الدول العربية وعلى رأسها السعودية ومصر وكذلك تركيا فليس مطلوباً منها رفض البرنامج النووي الإيراني امتثالاً لمطالب كوندوليزا رايس أو وزير خارجية ألمانيا فرانك فالتر شتاينماير الذي طالب بالتعبير بصورة أكثر حدة عن رفضها للبرنامج النووي الإيراني المثير للجدل وبحسب قوله (إن هذا يعمل لصالح منطقة الشرق الأوسط بكاملها). وقال إن إدانة واضحة للسياسة النووية التي تتبعها القيادة الإيرانية (ستبعث برسالة قوية مفادها أن هذا ليس صراعاً بين إيران والغرب)، ورأى أن مطلب دول مجلس التعاون الخليجي بإخلاء منطقة الشرق الأوسط بالكامل من أسلحة الدمار الشامل بما فيها إسرائيل هو مطلب عادل كمخرج لها من الدخول في صدام مع دولة جارة لا يمكن أن ترضخ لتلك المطالب وإسرائيل تمتلك أسلحة نووية أكثر قوة وأكبر عدداً.
ولكن السؤال الأهم هو: هل تترك إيران أن تلعب بمفردها دوراً إقليمياً رئيسياً في المنطقة يجعلها تتقاسم دوراً وظيفياً مع واشنطن؟
صحيح تربطنا علاقة أخوة إسلامية ومصير مشترك مع إيران ولكن إيران ستغّلب مصالحها الاستراتيجية على المبادئ في معظم الأحوال.
وهذا ما أدى إلى ظهور استقطابات جديدة بدأت تبرز في هذه المنطقة المتوترة أصلا تصب في صالح أطراف ثلاثة إيران وأمريكا وإسرائيل، وسوف يدخل العرب مرحلة اندثار وتهميش ان لم يعوا المستجدات المرتقبة والواقع الجديد الذي سيأخذ شكلاً جديداً، وسيكون حقيقة مرة وخطراً يهدد الجميع.
إن رسائل التطمينات التي يرسلها الإيرانيون إلى عرب الخليج والعرب الآخرين لا تعكس حقيقة الواقع، ولذلك حان الوقت للتعاطي مع المشهد العراقي بإيجابية والتوقف عن الحيادية التي يمارسها العرب من أجل الحفاظ على وحدة العراق والاستثمار في العملية السياسية غير الدعم، وإذا كان شيعة العراق تربطهم علاقة مذهبية بإيران فهم أيضاً تربطهم علاقات بالإطار العربي لأنهم عرب ولهم امتداد ثقافي ومصلحي مع محيطهم العربي. لذا يجب أن يكون لدول الخليج ودول الجوار وعلى رأسها السعودية وسوريا وتركيا والأردن تكوين استراتيجية موحدة للتعامل مع الطيف السياسي العراقي يتمثل في حضور سياسي فاعل مع العراق مع تقديم الدعم الحيوي للحكومة ومد جسور التعاون ليكونوا عنصراً حيوياً لجلب الاستقرار والأمن إلى المنطقة والمشاركة الفعلية في الدور الإقليمي من دون إقصاء إيران أو أمريكا، بل العمل إلى جانبهما لأنهما أصبحا أمراً واقعاً من حيث امتداد إيران في العراق ووجود أمريكا على أراضي العراق، وفي النهاية سيكون هناك توازن بين جميع الأطراف يصب في مصلحة العراق أولاً والمنطقة برمتها.
إننا لا نستطيع أن نقصي طرفاً من الأطراف أو ننتقد أطرافاً إقليمية غير عربية على اتساع نفوذها داخل الأراضي العراقية، وإذا حصل هذا فهو نتيجة غياب الدور العربي الكامل مهما كانت الأسباب في تحفظاتهم على التغيير في العراق، ويجب أن نعترف بأن العراق هو امتداد جغرافي منفتح على دول الجوار بلا فواصل وبتنوع جغرافي متعدد إيراني وتركي وعربي، فالتماثل المذهبي الشيعي في إيران مع المكون الشيعي في العراق جعل قوى سياسية مهمة تحتفظ بعلاقات إيجابية مع إيران تعود لسنين طويلة، وفي الوقت نفسه تلقت دعماً بصور متعددة تمتد من الإقامة وغيرها، ولكن هذا لا يمنع أنهم يدركون أن العراق هو امتداد جغرافي متنوع وامتداد ثقافي عربي بالدرجة الأولى بصرف النظر عن التماثل المذهبي.
إن غياب الدور العربي عما يجري في المنطقة يمكن أن يصبح نتيجته العراق أفغانستان رقم اثنين، ويمكن أن ينزلق البلد نحو حرب أهلية وتصفيات وعزل طائفي تغذيها أطراف عديدة ذات أهداف أيديولوجية وأطماع توسعية لتقسيم العراق مع ما يحمله من مخاطر على البنية الإقليمية. فالدور العربي ليس فقط مطالباً بتقديم الدعم من أجل الحفاظ على وحدة العراق واستقراره بل واستثمار المشهد السياسي العراقي لصالح استقرار المنطقة.
فالمملكة العربية السعودية مركز الثقل السياسي في المنطقة ويقع عليها عبء المبادرة إلى قيادة وبناء استراتيجية عربية موحدة تقوم على أساس حضور سياسي فاعل في الشأن العراقي من أجل المساندة وتحقيق أهداف الحكومة العراقية ومد الجسور بين جميع مكونات الشعب العراقي بجميع أطيافه ومساعدة العراق على ضبط حدوده وجدولة ديونه وتقديم برنامج مساعدات يحقق للعراق انطلاقة تنموية ضمن منظومة إقليمية مترابطة، فهو خدمة للعراق ولدول المنطقة وليس للمصالح الأمريكية، كما تروج له بعض الأطراف من أجل وقف العون العربي القادر على ضبط ميليشيات العنف ذات الامتدادات الجغرافية المجاورة التي تقدم لها الدعم والتأييد.
مجلة آراء حول الخليج – العدد الثالث والعشرون
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::3179::/cck::
::introtext::
رفضت إدارة الرئيس بوش عرضاً إيرانياً قدمته حكومة الرئيس خاتمي عام 2003 تضمن استعداد طهران للتفاوض المباشر مع واشنطن بشأن البرنامج النووي الذي يهم إيران بجانب الوضع في العراق الذي يهم البيت الأبيض، بل وأبدت استعدادها لأن يمتد الوضع في العراق إلى مناقشة قضايا مثل علاقة إيران بالفصائل الفلسطينية المسلحة وكذلك العلاقة مع حزب الله ولكن الولايات المتحدة رفضت حينها هذا العرض المغري.
::/introtext::
::fulltext::
رفضت إدارة الرئيس بوش عرضاً إيرانياً قدمته حكومة الرئيس خاتمي عام 2003 تضمن استعداد طهران للتفاوض المباشر مع واشنطن بشأن البرنامج النووي الذي يهم إيران بجانب الوضع في العراق الذي يهم البيت الأبيض، بل وأبدت استعدادها لأن يمتد الوضع في العراق إلى مناقشة قضايا مثل علاقة إيران بالفصائل الفلسطينية المسلحة وكذلك العلاقة مع حزب الله ولكن الولايات المتحدة رفضت حينها هذا العرض المغري.
معنى هذا أن الورقة العراقية كانت كبش الفداء بين الجانبين، ويمكن أن نقول إن إيران تعتبر الورقة العراقية طوق النجاة الأساسي لها، التي يمكن من خلالها المساومة مع (البطش) الأمريكي.
وتملك إيران أوراقاً قوية في العراق تراهن بها وفي مقدمتها المجلس الأعلى للثورة الإسلامية الذي كان يتخذ من إيران مقراً له، بل إن جميع الشيعة في العراق هم موالون لها، فراحت تمد الجسور مع كافة الأطراف الشيعية مثل حزب الدعوة، حتى التيار الصدري العروبي أقامت معه علاقات وثيقة فأصبحت الساحة العراقية في يد طهران وأدخلت أكبر عدد ممكن من الكوادر الاستخبارية التابعة لها إلى أرض العراق ولا تمانع طهران في التعامل حتى مع المقاومة السنية في العراق حتى لو كانوا من القاعدة وتقديم الخدمات اللوجستية والأمنية لهم، ويصل الأمر إلى حد التغاضي عن تهريب الأسلحة إليهم لتعزيز مقاومتهم الشرسة ضد الجنود الأمريكيين ليصبح العراق ورقة ضغط قوية في يد إيران، بل باتت كل أوراق اللعبة في العراق بيد إيران إلى أن اقتنعت واشنطن بأن الوضع في العراق لا يمكن أن يستقر من دون تعاون إيراني، فأصبحت مفاتيح المنطقة بيد إيران وبسبب الضغوط الغربية وخاصة الأمريكية على سوريا ونتيجة لضعف الموقف العربي لعبت سوريا دوراً مزدوجاً لتخفيف الضغوط عليها، وأتاحت لإيران من جهة فرصة تضخيم نفوذها في هلال قوي وموحد يمتد من سوريا إلى الأراضي الفلسطينية التي تسيطر عليها (حماس) المتحالفة مع كل من سوريا وإيران ومحاولات واشنطن احتواء إيران وعزل سوريا بعدما تمكن البلدان من توطيد علاقاتهما على جبهات متعددة، بل وضخت إيران في سوريا الكثير من الثقة وإن كانت إيران تعزز من هيمنتها في المنطقة وتواجه سوريا ضغوطاً دولية.
إن العلاقات السورية – الإيرانية هي مرحلة جديدة تعكس مدى عمق الانقسام العربي، وتوزع العرب على الجبهات الإقليمية والدولية المتصارعة. فالحرب العبثية التي قادها صدام ضد إيران نشأت علاقة بين الأب الراحل حافظ الأسد وإيران ولكن من منطلق علاقة متكافئة على عكس ما هي عليه العلاقة الآن التي انخرطت فيها سوريا في الفلك الإيراني، واتجهت نحو عسكرة العلاقة التي ليست ذات قيمة استراتيجية بالنسبة لسوريا بسبب غياب عامل الاتصال الجغرافي بين البلدين.
ورغم إغلاق الأب الأسد أنبوب تصدير النفط العراقي وإغلاق الموانئ السورية في وجه نقل البضائع إلى العراق فإنه لم يتورط في الحرب ووقف ضد الخميني علانية في محاولته اختراق أراضي العراق بعد تراجع قوة صدام الهجومية وتحولها إلى الدفاع، لكن في الفترة الحالية تشجع إيران سوريا على إقامة علاقة وطيدة مع الحكم الشيعي في العراق ليتحقق لها أمل امتداد الهلال الشيعي إلا أن الحسابات السورية متأرجحة بين المطلب الإيراني والنصيحة المصرية بتقوية أواصر العلاقة مع لبنان، فاغتيال الحريري أوجد فتوراً في العلاقة بين الأردن وسوريا بسبب اتهام الأردن سوريا بتهريب سلاح لحماس للقيام بعمليات إرهابية في الأردن. وفي الجانب الآخر تحاول إيران طمأنة دول الخليج والعالم العربي من خلال زيارات متبادلة بين السعودية وطهران، وزيارة الرئيس محمود أحمدي نجاد إلى الكويت وتحرك إيراني نحو مصر وهذه كلها رسائل طمأنة تقلل من مخاوف الدول العربية من برنامج إيران النووي.
ولا يستبعد أن يكون لإيران دور في تنشيط مقاومة طالبان الأخيرة في أفغانستان، لأن قلب الدين حكميتار كان مقيماً في إيران بعد القضاء على طالبان، ومعروف أن حكميتار يقود المقاومة بالتحالف مع قادة طالبان وبالتالي أصبحت أوراق المنطقة برمتها في يد طهران.
إن التحرك العربي في ظل الظروف التي تمر بها المنطقة بين سوريا ولبنان وبين القوى في داخل لبنان والحصار الذي يفرضه المجتمع الدولي على (حماس) لايزال محدوداً جداً، وأصبحت المنطقة مليئة بالثقوب الواسعة تتدفق إليها المشكلات من كل حدب وصوب مترابطة ومتربصة، كما أن كل ما يجري في العراق تنتقل أصداؤه إلى دول الخليج والأردن ولبنان وسوريا، وسبق أن نبه العاهل عبدالله الثاني ملك الأردن إلى خطر (الهلال الشيعي) على المنطقة. وهذا ما جعل أمريكا تبحث في جلسات مغلقة مسألة الخروج من المأزق العراقي، بحيث لا تبدو الولايات المتحدة وكأنها منيت بهزيمة استراتيجية، ولذلك لم يجد الأمريكيون سوى إيران للعب دور يخرجها من ذلك المأزق، ولذلك أخذت إيران ترصد تلك النوايا فبدأت تعرض ذلك الدور مقابل الحصول على أكبر قدر ممكن من المكاسب الاستراتيجية. فثمرة الحرب الأمريكية على العراق وقعت في الحضن الإيراني، وتلاقت المصالح الإيرانية مع أهداف المصالح الروسية والصينية وكذلك الهندية خصوصاً بعد تصريح المسؤولين في الهند مؤخراً بقولهم إن من حق إيران امتلاك السلاح النووي السلمي وهي رسالة لتحقيق أكبر قدر ممكن من المصالح الاستراتيجية والاقتصادية لتلك الدول.
أما الدول العربية وعلى رأسها السعودية ومصر وكذلك تركيا فليس مطلوباً منها رفض البرنامج النووي الإيراني امتثالاً لمطالب كوندوليزا رايس أو وزير خارجية ألمانيا فرانك فالتر شتاينماير الذي طالب بالتعبير بصورة أكثر حدة عن رفضها للبرنامج النووي الإيراني المثير للجدل وبحسب قوله (إن هذا يعمل لصالح منطقة الشرق الأوسط بكاملها). وقال إن إدانة واضحة للسياسة النووية التي تتبعها القيادة الإيرانية (ستبعث برسالة قوية مفادها أن هذا ليس صراعاً بين إيران والغرب)، ورأى أن مطلب دول مجلس التعاون الخليجي بإخلاء منطقة الشرق الأوسط بالكامل من أسلحة الدمار الشامل بما فيها إسرائيل هو مطلب عادل كمخرج لها من الدخول في صدام مع دولة جارة لا يمكن أن ترضخ لتلك المطالب وإسرائيل تمتلك أسلحة نووية أكثر قوة وأكبر عدداً.
ولكن السؤال الأهم هو: هل تترك إيران أن تلعب بمفردها دوراً إقليمياً رئيسياً في المنطقة يجعلها تتقاسم دوراً وظيفياً مع واشنطن؟
صحيح تربطنا علاقة أخوة إسلامية ومصير مشترك مع إيران ولكن إيران ستغّلب مصالحها الاستراتيجية على المبادئ في معظم الأحوال.
وهذا ما أدى إلى ظهور استقطابات جديدة بدأت تبرز في هذه المنطقة المتوترة أصلا تصب في صالح أطراف ثلاثة إيران وأمريكا وإسرائيل، وسوف يدخل العرب مرحلة اندثار وتهميش ان لم يعوا المستجدات المرتقبة والواقع الجديد الذي سيأخذ شكلاً جديداً، وسيكون حقيقة مرة وخطراً يهدد الجميع.
إن رسائل التطمينات التي يرسلها الإيرانيون إلى عرب الخليج والعرب الآخرين لا تعكس حقيقة الواقع، ولذلك حان الوقت للتعاطي مع المشهد العراقي بإيجابية والتوقف عن الحيادية التي يمارسها العرب من أجل الحفاظ على وحدة العراق والاستثمار في العملية السياسية غير الدعم، وإذا كان شيعة العراق تربطهم علاقة مذهبية بإيران فهم أيضاً تربطهم علاقات بالإطار العربي لأنهم عرب ولهم امتداد ثقافي ومصلحي مع محيطهم العربي. لذا يجب أن يكون لدول الخليج ودول الجوار وعلى رأسها السعودية وسوريا وتركيا والأردن تكوين استراتيجية موحدة للتعامل مع الطيف السياسي العراقي يتمثل في حضور سياسي فاعل مع العراق مع تقديم الدعم الحيوي للحكومة ومد جسور التعاون ليكونوا عنصراً حيوياً لجلب الاستقرار والأمن إلى المنطقة والمشاركة الفعلية في الدور الإقليمي من دون إقصاء إيران أو أمريكا، بل العمل إلى جانبهما لأنهما أصبحا أمراً واقعاً من حيث امتداد إيران في العراق ووجود أمريكا على أراضي العراق، وفي النهاية سيكون هناك توازن بين جميع الأطراف يصب في مصلحة العراق أولاً والمنطقة برمتها.
إننا لا نستطيع أن نقصي طرفاً من الأطراف أو ننتقد أطرافاً إقليمية غير عربية على اتساع نفوذها داخل الأراضي العراقية، وإذا حصل هذا فهو نتيجة غياب الدور العربي الكامل مهما كانت الأسباب في تحفظاتهم على التغيير في العراق، ويجب أن نعترف بأن العراق هو امتداد جغرافي منفتح على دول الجوار بلا فواصل وبتنوع جغرافي متعدد إيراني وتركي وعربي، فالتماثل المذهبي الشيعي في إيران مع المكون الشيعي في العراق جعل قوى سياسية مهمة تحتفظ بعلاقات إيجابية مع إيران تعود لسنين طويلة، وفي الوقت نفسه تلقت دعماً بصور متعددة تمتد من الإقامة وغيرها، ولكن هذا لا يمنع أنهم يدركون أن العراق هو امتداد جغرافي متنوع وامتداد ثقافي عربي بالدرجة الأولى بصرف النظر عن التماثل المذهبي.
إن غياب الدور العربي عما يجري في المنطقة يمكن أن يصبح نتيجته العراق أفغانستان رقم اثنين، ويمكن أن ينزلق البلد نحو حرب أهلية وتصفيات وعزل طائفي تغذيها أطراف عديدة ذات أهداف أيديولوجية وأطماع توسعية لتقسيم العراق مع ما يحمله من مخاطر على البنية الإقليمية. فالدور العربي ليس فقط مطالباً بتقديم الدعم من أجل الحفاظ على وحدة العراق واستقراره بل واستثمار المشهد السياسي العراقي لصالح استقرار المنطقة.
فالمملكة العربية السعودية مركز الثقل السياسي في المنطقة ويقع عليها عبء المبادرة إلى قيادة وبناء استراتيجية عربية موحدة تقوم على أساس حضور سياسي فاعل في الشأن العراقي من أجل المساندة وتحقيق أهداف الحكومة العراقية ومد الجسور بين جميع مكونات الشعب العراقي بجميع أطيافه ومساعدة العراق على ضبط حدوده وجدولة ديونه وتقديم برنامج مساعدات يحقق للعراق انطلاقة تنموية ضمن منظومة إقليمية مترابطة، فهو خدمة للعراق ولدول المنطقة وليس للمصالح الأمريكية، كما تروج له بعض الأطراف من أجل وقف العون العربي القادر على ضبط ميليشيات العنف ذات الامتدادات الجغرافية المجاورة التي تقدم لها الدعم والتأييد.
مجلة آراء حول الخليج – العدد الثالث والعشرون
::/fulltext::
::cck::3179::/cck::
