الأطماع الأمريكية وأطماع (حلف الناتو) في دول الخليج وتداعياتها الخطيرة

::cck::3281::/cck::
::introtext::

يقول التاريخ إن تطلعات الحكومات الأمريكية في منطقة الخليج بدأت منذ انتهاء مباحثات البنتاغون عام 1947 والتي تسلمت بموجبها الولايات المتحدة الأمريكية مفاتيح التحكم والسيطرة ثم القيادة من حليفتها وقتئذ بريطانيا التي كانت تُعرف ببريطانيا العظمى.. وبعدها حرصت الولايات المتحدة على أن تكون للإقليم الخليجي استراتيجيته السياسية والاقتصادية الخاصة بعيداً عن منطقة الشرق الأوسط ومنطقة الحزام الشمالي (إيران – تركيا – باكستان) والتي لها حدود مشتركة مع القوة العظمى الثانية. (الاتحاد السوفييتي السابق). وتقوم هذه الاستراتيجية على حماية الأنظمة والتأكيد على سلامة الإمدادات النفطية دون إبطاء، وأيضاً ضمان تفوق إسرائيل العسكري باطراد. وبعدها مضت الولايات المتحدة في ممارسة مهامها الدفاعية بأشكال مختلفة وفقاً لضغوط ومتطلبات كل مرحلة وتحدياتها القائمة والمحتملة ولكنها فوجئت بالانهيار المفاجئ والسريع لكافة القيم السياسية والاقتصادية التي حكمت بموجبها المنطقة لما يزيد على نصف قرن من الزمان. وكانت تفجيرات 11 سبتمبر 2001 هي نقطة التحول الجذري الكبرى للسياسة الأمريكية القديمة، والتي لا تزال تتخبط فيها حتى الآن ولا تعرف نهاية أبعادها وطموحاتها. فضلاً عن انهيار جسور الثقة بين الدول الخليجية والولايات المتحدة التي راحت تكيل اتهاماتها لكافة الشعوب الإسلامية أينما كانت، وكانت المملكة العربية السعودية في منتصف دائرة هذه الاتهامات باعتبارها قبلة المسلمين في جميع أنحاء العالم.

::/introtext::
::fulltext::

يقول التاريخ إن تطلعات الحكومات الأمريكية في منطقة الخليج بدأت منذ انتهاء مباحثات البنتاغون عام 1947 والتي تسلمت بموجبها الولايات المتحدة الأمريكية مفاتيح التحكم والسيطرة ثم القيادة من حليفتها وقتئذ بريطانيا التي كانت تُعرف ببريطانيا العظمى.. وبعدها حرصت الولايات المتحدة على أن تكون للإقليم الخليجي استراتيجيته السياسية والاقتصادية الخاصة بعيداً عن منطقة الشرق الأوسط ومنطقة الحزام الشمالي (إيران – تركيا – باكستان) والتي لها حدود مشتركة مع القوة العظمى الثانية. (الاتحاد السوفييتي السابق). وتقوم هذه الاستراتيجية على حماية الأنظمة والتأكيد على سلامة الإمدادات النفطية دون إبطاء، وأيضاً ضمان تفوق إسرائيل العسكري باطراد. وبعدها مضت الولايات المتحدة في ممارسة مهامها الدفاعية بأشكال مختلفة وفقاً لضغوط ومتطلبات كل مرحلة وتحدياتها القائمة والمحتملة ولكنها فوجئت بالانهيار المفاجئ والسريع لكافة القيم السياسية والاقتصادية التي حكمت بموجبها المنطقة لما يزيد على نصف قرن من الزمان. وكانت تفجيرات 11 سبتمبر 2001 هي نقطة التحول الجذري الكبرى للسياسة الأمريكية القديمة، والتي لا تزال تتخبط فيها حتى الآن ولا تعرف نهاية أبعادها وطموحاتها. فضلاً عن انهيار جسور الثقة بين الدول الخليجية والولايات المتحدة التي راحت تكيل اتهاماتها لكافة الشعوب الإسلامية أينما كانت، وكانت المملكة العربية السعودية في منتصف دائرة هذه الاتهامات باعتبارها قبلة المسلمين في جميع أنحاء العالم.
الإقليمية الخليجية من وجهة النظر الأمريكية
تقوم هذه التعقيدات المطردة لأنماط العلاقات والتفاعلات بين الأهداف الاستراتيجية الأمريكية والمفردات الإقليمية لمنطقة الخليج في محاولاتها هي الأخرى لتحقيق أعلى قدر من الاستقلال والسيادة في القرارات والمقدرات ووفق الإرادة الذاتية وحدودها الممكنة. وهي من وجهة النظر الأمريكية أيضاً وسيلة أو سبيل (الإقليمية Regionalism) إلى (العالمية Universalism) بينما هي بالنسبة للأطراف الخليجية ضرورة استراتيجية لمقاومة أو ردع أنماط وأطراف صراعية ضد الإرادة الجماعية. ومن ثم تباينت إشكالية قبول الإقليمية الخليجية الأمريكية بحيث بدت نزاعية أكثر من كونها نظاماً غايته الأمن ووسيلته الجماعية. وبعد أحداث 11 سبتمبر 2001 ظهرت الاستراتيجية الغربية للولايات المتحدة ودبلوماسية تغيير الأنظمة قسراً وقهراً وعُنوة تحت مزاعم محاربة الإرهاب، وكانت الهجمات المسعورة للوسائل الإعلام الأمريكية على المملكة العربية السعودية – أرض المقدسات – لقتل وتدمير وإرهاب وترويع الآمنين بعد اتهام المملكة بمسؤوليتها المباشرة عن أحداث سبتمبر وفقاً لما جاء في تقرير الكونجرس الأمريكي وذلك عقب تعليق وزارة الدفاع الأمريكية لوجودها العسكري في المملكة العربية السعودية، والعمل على إيجاد تحالفات استراتيجية بديلة لتفريغ الزخم السعودي من حيويته وفاعليته وجعله عرضة للانكشاف الأمني ليصبح السؤال كيف تطلق الولايات المتحدة صيحات العدالة والحرية والديمقراطية لتبطش بعد ذلك وتُرهب الشعوب الآمنة وبأساليب بغيضة بل وتستنكر للأصدقاء ولا تقيم وزناً إلا لمصالحها؟
ومع الغزو الأمريكي للعراق واحتلال أراضيه بدأ مسلسل الهيمنة الأمريكية على منطقة الشرق الأوسط ولصالح إسرائيل، وظهرت ملامح الاستراتيجية الأمريكية الجديدة للمضي في مسيرة الهيمنة كقوة عظمى وحيدة ترفع شعار الرفض المطلق للآخر، بل صار هذا الشعار نمطاً سلوكياً عنيفاً ومروعاً في سياستها الخارجية وإلى حد التجرؤ على القيم الدينية والأخلاقية، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع الصيحات في العديد من دول العالم لنبذ هذه النزعة العدائية والسلطوية في سياسات الولايات المتحدة، والتي لا تكترث سوى لتحقيق مصالحها وتأكيد سيطرتها الاقتصادية والفكرية على دول العالم وخاصة في منطقة الشرق الأوسط (فلسطين والعراق وأيضا إيران) تحت مزاعم دعمها للإرهاب – لحزب الله وحركات المقاومة الفلسطينية (حماس) و(الجهاد) و(كتائب الأقصى) – ثم إثارة المخاوف حول نشاطاتها النووية السلمية وزعم تخصيبها لليورانيوم لإنتاج الأسلحة النووية وإدخال ملفها النووي إلى مجلس الأمن الدولي تمهيداً لفرض عقوبات عليها لصالح إسرائيل أيضاً التي تمتلك بالفعل ترسانة أسلحة نووية منذ سنوات طويلة ولا تخضع للتفتيش من قبل الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
ودخلت سوريا بسبب مواقفها الرافضة للحرب الأمريكية على العراق وتعاطفها ومساندتها للمقاومة الفلسطينية أيضاً (محور الشر) من وجهة نظر الإدارة الأمريكية التي سعت لدى مجلس الأمن لاستصدار القرار 1559 الذي فرض على سوريا سحب قواتها وأجهزة استخباراتها من لبنان فضلاً عن محاولة إلصاق تهمة اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري بها وإشعال فتيل الخلافات بين سوريا ولبنان لنزع سلاح حزب الله، ولصالح إسرائيل أيضاً وإشعال الفتنة بين الحكومة والمعارضة في لبنان لاندلاع الحرب الأهلية من جديد.
الاستراتيجية الأمنية الجديدة في منطقة الخليج
لقد أصبح للعنصر الغربي الأجنبي اليد الطولى في سباق الانتفاع بالثروات الاقتصادية لدول الخليج، التي بدورها حاولت منذ إنشاء مجلس التعاون الخليجي في عام 1981 أن تتدارك هذه الأخطاء والأخطار التي تَعتمل في الاقتصاد الخليجي، ولكن محاولاتها كانت ضئيلة ومحدودة للغاية، فضلاً عن المعوقات الاقتصادية التي نَجمت أساساً نتيجة للتشابه بين النُظم الاقتصادية والموارد المتاحة والأنشطة السائدة التي تؤدي إلى تنافس هذه الاقتصادات فيما بينها بدلاً من الاعتماد على التبادل والتكامل.
لقد اكتشفت واشنطن بعد أحداث سبتمبر مدى خطورة الوفرة المالية في أيدي العناصر الراغبة في تصفية الحسابات العديدة مع الإدارة الأمريكية وممارستها في الشرق الأوسط، ومنطقة الخليج تبدو موضوع إلحاح للأمريكيين في المرحلة المقبلة وذلك لوجود الإسلاميين السياسيين فيها بكثافة.
أضف إلى ذلك مشكلة حماية النفط وعزل المنطقة عن محيطها العربي في إطار المواجهة التاريخية مع إسرائيل، لذا عزمت الولايات المتحدة ضمن وسائلها لمعالجة الآثار الاقتصادية الناجمة عن تفجيرات سبتمبر 2001 والحروب التي ستقودها ضد الإسلاميين وما يسمى (الدول المارقة) أن تمارس أنواعاً متعددة من الضغوط على الأطر والهياكل الاقتصادية وإلى الحد الذي تفقد معه هذه الهياكل الاقتصادية استقلاليتها في القرار، ومن ثم تؤدي بمنظمة بثقل (الأوبك) تنشط فيها دول الخليج إلى الفشل في التكيُّف مع هذه المتغيرات. وهكذا فإن القراءة الاستراتيجية لهذه التجربة تشير إلى أنه لم يعد مسموحاً للأوبك أو غيرها تقرير شيء ما بعيداً عن الإدارة الأمريكية، ناهيك عن استحالة تنفيذه في حال التجرؤ على فعل ذلك. لذا فإن العديد من أقطار الخليج بعد الحرب الأمريكية على العراق فقدت الميزة الاستراتيجية التي كانت تمنحها بعض المرونة المحدودة في المجال الاقتصادي، فضلاً عن تحمُّل هذه الدول فاتورة تكاليف هذه الحرب بما في ذلك تكاليف القواعد العسكرية والعتاد الحربي والجنود، إضافة إلى أن هذه الأوضاع سوف يطول أمدها بحثاً عن الإرهابيين واستعداداً للمواجهة العسكرية مع إيران مما يجعلنا نرى أن ما يحدث يبدو كأنه عملية اختطاف كبرى وفي وضح النهار للمقدرات والموارد في منطقة الخليج.
البعد السياسي في الاستراتيجية الأمنية الجديدة
يقول الدكتور فتحي العفيفي في كتابة (أمريكا والخليج): إن طبيعة العلاقات الاستعمارية الجديدة بين الولايات المتحدة والأقطار العربية في منطقة الخليج تقوم على أساس استخدام القوة والهيمنة أو التهديد بها، وأيضاً استخدام القوى الاقتصادية للسيطرة الاقتصادية وسلب الموارد الطبيعية وفتح الأسواق العربية أمام البضائع الغربية وتعطيل العوامل التكاملية بين الدول العربية بعضها البعض، والتضييق على الحضارة العربية، التي استندت إلى التعاليم الإسلامية، والتظاهر والإيحاء بوجود أزمات تهدد السلام الإقليمي والعالمي معاً مما يستوجب تدخلاً أمريكياً فعالاً.
إن أغرب ما في منظومة هذه القيم الجديدة ما أعلنته الإدارة الأمريكية عن الانقلاب ضد الأنظمة الحليفة والصديقة لها منذ عقود طويلة، بل واعتزامها تصدير (الديمقراطية) – بما يعني التدخل المباشر في الشؤون الداخلية للدول العربية والخليجية – وأن البعد السياسي الأمني أصبح مفتوحاً على كافة الاحتمالات.
كما أن الأخطار التي لحقت بدول الخليج بدأت مع عقد الاتفاقيات الدفاعية التي أقبلت عليها الأقطار العربية في الخليج منذ تحرير الكويت، والتي جاء ضمن مُقتضياتها حق استخدام القوات الأمريكية للقواعد العسكرية في منطقة الخليج، وعززت هذه الاتفاقيات وكرست من فاعليتها الاتفاقية الموقعة بين وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد مع دولة قطر ممثلة في وزير خارجيتها الشيخ حمد بن جاسم آل ثاني بشأن (قاعدة العيديد العسكرية) (والسيلية الجوية) في ديسمبر 2002، وذلك في محاولة أمريكية لترتيب البدائل اللوجستية على خلفية الأزمة المحتدمة في علاقتها بالمملكة العربية السعودية بعد أن سئمت الرياض من الضغوط التي تمارسها واشنطن بمقتضى سياستها الإقليمية الجديدة والتي كانت تضعها في حرج بالغ بسبب الإصرار الأمريكي على الاستخدام المطلق (لقاعدة الأمير سلطان العسكرية)، لكن أخطر ما في الاتفاق القطري – الأمريكي هو اعتبار هذه القواعد منشأة أمريكية مستقلة تتيح للحكومة الأمريكية مباشرة أعمالها فيها بكل حرية. ففي ظل العولمة السياسية وتآكل الحدود بين الداخل والخارج في إطار الترويج لحق التدخل الأمريكي لفرض الديمقراطية من الخارج، فإن أزمة العلاقة بين السلطة والشعب وعلاقتهما معاً بالولايات المتحدة مرشحة لأن تأخذ أدواراً تصاعدية برغم كل المحاولات المبذولة لتوخي الحيطة والحذر وعدم الانزلاق إلى مواجهة من هذا النوع.
مجمل القول إنه ليس من السهل الآن التنبؤ بمدركات الاستراتيجية الخاصة بصيغ الأمن المحتملة في منطقة الخليج، لكن يمكن القول- وبالإشارة إلى ما سبق – إن الولايات المتحدة سوف تُحدِث تغيراً جذرياً في الهيكلة والأطر الاجتماعية والاقتصادية، وإن لعبة السياسة في منطقة الخليج قد أصبحت شأناً أمريكياً خالصاً، وإن التغيير المُنتظر في العراق سوف يكون بمثابة اللبِنَة التي سيتداعى بفعلها البنيان الخليجي الذي استقرت دعائمه لعقود طويلة، بَيد أن ما لم تدركه الإدارة الأمريكية حقاً هو أنها تَبذُر بذور الفناء الحقيقي لحضارتها.
المملكة العربية السعودية في خضم صراعات الخليج
في خضم هذه الأحداث برزت المملكة العربية السعودية كعامل ارتكاز للمعادلة الصراعية في إقليم الخليج العربي، وبرزت وكأنها الدولة الوحيدة التي لا يعنيها شيء، والمعنية بكُل شيء في آن واحد، بعد أن رفضت التطرف السياسي في كل من العراق وإيران، وانتهجت نهجاً تصالحياً مَرِناً إزاء القوتين، وأعلنت أنها تلتزم خطاً سلفياً إسلامياً صحيحاً في الدين والسياسة، وليست بحاجة لتقبل أي أفكار اشتراكية أو راديكالية، وأنها لن تتهاون مع من يستهدف تهديد استقرارها وأمنها. كما عملت المملكة وفق سياسة الحياد الإيجابي وهي الرؤية التي أتاحت لها ردود أفعال موفقة على المستوى التكتيكي، والتي برزت في أسلوب تعاملها مع الأزمات الرئيسية التي مرت بدول الخليج.
إلا أن السياسة الأمريكية الآن تسعى لتنفيذ مشروع ضد الإسلام ومقدساته وبلدانه وفي طليعتها السعودية، مركز الجاذبية والتأثير الديني في المنطقة العربية، وأن استهدافاً كهذا لا بُد أن تهيئ له الولايات المتحدة الأجواء الملائمة له. وهنا تبدو أبعاد الاستراتيجية الأمريكية التي تستهدف عزل السعودية وكسر هيبتها وإنهاء دورها الخليجي، والتعويل على بدائل أخرى، وإفراغ الصيغة الأمنية الجماعية الموسومة بـ (مجلس التعاون الخليجي) من مضمونها، وإيجاد قناعات تفضي حتماً إلى انهياره في عملية انتحار جماعي للعمل السياسي الخليجي، والدفع بمفاهيم السياسة والاقتصاد والمجتمع (التعليم – والقوانين الديمقراطية الجديدة) لتتواءم وتُهيئ لقبول الزمن الأمريكي الجديد.
مشروع الشرق الأوسط الكبير
من كل ذلك يمكن القول إن الليبرالية المعولمة الممتعضة في الخليج العربي تُعد بمثابة النظرية الناسفة في كيمياء التفكيك المناطقي الإقليمي ووفقاً للدور الاستراتيجي الأمريكي الناخر في المنطقة العربية منذ نصف قرن من الزمان، وإن العقيدة الدفاعية الأمريكية الباحثة (في نَهم) عن مركز القيادة الإقليمية للشرق الأوسط (للعرب ومنطقة الحزام الشمالي) هي ما عبَّرت عنها استراتيجيتها الجديدة في (مشروع الشرق الأوسط الكبير)، بالإضافة إلى سعي الإدارة الأمريكية لتعظيم النفوذ الإسرائيلي في منطقة الشرق الأوسط والخليج على حساب القوى التقليدية (مصر وتركيا والهند) وتنكرها لجميع مبادئ السلام العادل والشامل وإعطاء كل الاهتمام والأولويات للمشروعات اللوجستية التي تمنح إسرائيل المزيد من التفوق مثل مشروع الشرق الأوسط الكبير. ورفع شعارات الإصلاح السياسي ونشر الديمقراطية ومكافحة الإرهاب ليصبح الهم الأول للإدارة الأمريكية الآن هو حماية المصالح الإسرائيلية في منطقة الشرق الأوسط والحرص على تفوقها، ثم يأتي بعد ذلك ضرب أمريكا للإسلام، وسحق إسرائيل لفلسطين، ثم الهيمنة على النفط العربي، وإضعاف الأمتين العربية والإسلامية بعد أن أصبح النفط مدخلاً للحروب واللعب بالعقائد الدينية، وأصبح العرب لا يستطيعون اللعب بسيكولوجيا النفط السياسية مع الإدارة الأمريكية، ليتضح من كل ذلك أن الهدف من الدعوة إلى مشروع الشرق الأوسط الجديد هو منع ظهور قوة محلية تسيطر على مصادر الطاقة، وتتحكم بفوائض النفط المالية ومعالجة (الخلل) الاستراتيجي المتمثل في التهديد الذي تتعرض له دول عربية صغيرة وقليلة السكان وشديدة الغنى عن دول كثيفة بالسكان وشديدة الفقر.
إن أخطر ما يهدف إليه مشروع الشرق الأوسط الجديد هو ضمان مستقبل وسيطرة إسرائيل، ويقضي المشروع بتقسيم الشرق الأوسط إلى عدة أنساق، فيفصلون دول الخليج عن مصر والشام، ويَبعدون مصر والشام عن دول المغرب العربي التي يلحقونها بجنوب أوروبا.
وتدخل ضمن مشروع الشرق الأوسط أيضاً قبرص وأفغانستان وتركيا وإيران وباكستان والجمهوريات الإسلامية في آسيا، ويخرج منه المغرب والجزائر وتونس وليبيا والسودان.
وبالتالي لا تصبح العروبة هي الصفة الغالبة على المنطقة وإنما تضم قوميات أخرى إلى الشرق الأوسط الجديد.
وهُنا يجدر بنا أن نتذكر قول الرئيس الفرنسي السابق شارل ديغول: (إذا أردت الحديث عن السياسة فلابد أن تمسك بالخريطة وتنظر فيها بإمعان) فالمنطقة العربية حافلة بالتاريخ والتناقضات الإنسانية، وتعتبر ممراً تجارياً دولياً رئيسياً وملتقى للثقافات والحضارات، علاوة على احتوائها على 70 في المائة من نفط العالم. إذاً فهي قلب العالم عند الأمريكيين وتُمثل منطقة الثقل في الاستراتيجية العالمية، فمنذ سقوط الاتحاد السوفييتي صار الخليج هو هدف الحكومات الأمريكية لكونه مركز الحكومات العربية، التي عليها أن تعيد حساباتها مع الإدارة الأمريكية وحلفائها في أوروبا وإسرائيل لوضع استراتيجية عربية جديدة تضطلع بمواجهة جميع التحديات التي تواجهها دول المنطقة، وعلى امتداد سنوات طويلة من أجل الخروج من التداعيات الخطيرة التي تعيشها الشعوب العربية الآن وفي المستقبل القريب والبعيد، وبناء على ذلك مثلت حرب الخليج الأولى واقعة تاريخية سجلتها الذاكرة الأمريكية، وصار من الممكن استدعاؤها فيما بعد ضمن وقائع أخرى.
الخطاب (الرسالي) الأمريكي وضرورات التحرك العربي
إن االجديد في سياسة جورج بوش (الابن) يتمثل في إكساب الإمبراطورية الأمريكية بعض السمات التي اتسمت بها الإمبراطوريات التقليدية ومن أهمها الاحتلال المباشر لأراضي دول أخرى فضلاً عن استخدام الخطاب (الرسالي) المعروف تاريخياً والمتمثل في جلب الحضارة والتقدم إلى البلدان المستهدفة. ولذلك ظل الخطاب الرسالي في عهد بوش (الابن) ظل يأتي في إطار الليبرالية الدولية التي رفضها ثم استبدلها بالخطاب الديني الخالص، واستخدامه لوصف الوحش الغامض (الإرهاب) ثم إعلان الحرب عليه، الأمر الذي جعل من هذه الحرب حرباً ممتدة بلا نهاية لأنه لا يوجد في الأصل عدو واضح ومحدد يمكن قياس مدى الإنجاز الذي تحقق في محاربته أو إعلان إنهاء الحرب عليه بعد الإجهاز عليه. ومن هذا المنطلق انطلق بوش من استهداف جماعة ابن لادن ونظام طالبان إلى استهداف (دول محور الشر) باعتبار أن العامل المشترك بينهما هو (الشر).
وبذلك فإن الحديث حول محاربة الشر لا يتطلب الحديث عن أدوات هذه الحرب ووسائلها أو عوامل نجاحها، وبعدها يصبح من السهل استخدام الحرب الاستبقائية وتجاهل القانون الدولي وباعتبار أنها حرب ضد (الشر) وإن كل شيء فيها بالضرورة مباح.
وفي ظل سياسات الهيمنة الأمريكية في الشرق الأوسط ودول الخليج وما سببته من تداعيات على الأوضاع السياسية والأمنية والاقتصادية فإن الضرورة تقتضي التحرك العربي الجماعي لمواجهة جميع الضغوط والتحديات التي تواجهها الأمتان العربية والإسلامية، ومن خلال جامعة الدول العربية، ومجلس التعاون الخليجي وذلك لإيجاد مخرج لجميع المشكلات والأزمات التي تتعرض لها دول المنطقة، وعدم إعطاء الفرصة لأمريكا لتدويل هذه الأزمات. لذا فإن الضرورة تقتضي أيضاً طرح مبادرة عربية لتعزيز التعاون بين جميع الدول العربية والتنسيق فيما بينها في جميع المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والأمنية، ولا مانع بعد ذلك من التعاون مع الدول الصديقة مثل الصين وروسيا وبعض دول الاتحاد الأوروبي لإيقاف مساعي الإدارة الأمريكية للتسلل إلى دول المنطقة. وهنا تجدر الإشارة إلى ضرورة استخدام الموارد الطبيعية للدول العربية ودول الخليج داخل الاستراتيجية العربية الجديدة التي ترفض سياسة الهيمنة الأمريكية وتدخلها السافر في شؤون أية دولة عربية.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::3281::/cck::
::introtext::

يقول التاريخ إن تطلعات الحكومات الأمريكية في منطقة الخليج بدأت منذ انتهاء مباحثات البنتاغون عام 1947 والتي تسلمت بموجبها الولايات المتحدة الأمريكية مفاتيح التحكم والسيطرة ثم القيادة من حليفتها وقتئذ بريطانيا التي كانت تُعرف ببريطانيا العظمى.. وبعدها حرصت الولايات المتحدة على أن تكون للإقليم الخليجي استراتيجيته السياسية والاقتصادية الخاصة بعيداً عن منطقة الشرق الأوسط ومنطقة الحزام الشمالي (إيران – تركيا – باكستان) والتي لها حدود مشتركة مع القوة العظمى الثانية. (الاتحاد السوفييتي السابق). وتقوم هذه الاستراتيجية على حماية الأنظمة والتأكيد على سلامة الإمدادات النفطية دون إبطاء، وأيضاً ضمان تفوق إسرائيل العسكري باطراد. وبعدها مضت الولايات المتحدة في ممارسة مهامها الدفاعية بأشكال مختلفة وفقاً لضغوط ومتطلبات كل مرحلة وتحدياتها القائمة والمحتملة ولكنها فوجئت بالانهيار المفاجئ والسريع لكافة القيم السياسية والاقتصادية التي حكمت بموجبها المنطقة لما يزيد على نصف قرن من الزمان. وكانت تفجيرات 11 سبتمبر 2001 هي نقطة التحول الجذري الكبرى للسياسة الأمريكية القديمة، والتي لا تزال تتخبط فيها حتى الآن ولا تعرف نهاية أبعادها وطموحاتها. فضلاً عن انهيار جسور الثقة بين الدول الخليجية والولايات المتحدة التي راحت تكيل اتهاماتها لكافة الشعوب الإسلامية أينما كانت، وكانت المملكة العربية السعودية في منتصف دائرة هذه الاتهامات باعتبارها قبلة المسلمين في جميع أنحاء العالم.

::/introtext::
::fulltext::

يقول التاريخ إن تطلعات الحكومات الأمريكية في منطقة الخليج بدأت منذ انتهاء مباحثات البنتاغون عام 1947 والتي تسلمت بموجبها الولايات المتحدة الأمريكية مفاتيح التحكم والسيطرة ثم القيادة من حليفتها وقتئذ بريطانيا التي كانت تُعرف ببريطانيا العظمى.. وبعدها حرصت الولايات المتحدة على أن تكون للإقليم الخليجي استراتيجيته السياسية والاقتصادية الخاصة بعيداً عن منطقة الشرق الأوسط ومنطقة الحزام الشمالي (إيران – تركيا – باكستان) والتي لها حدود مشتركة مع القوة العظمى الثانية. (الاتحاد السوفييتي السابق). وتقوم هذه الاستراتيجية على حماية الأنظمة والتأكيد على سلامة الإمدادات النفطية دون إبطاء، وأيضاً ضمان تفوق إسرائيل العسكري باطراد. وبعدها مضت الولايات المتحدة في ممارسة مهامها الدفاعية بأشكال مختلفة وفقاً لضغوط ومتطلبات كل مرحلة وتحدياتها القائمة والمحتملة ولكنها فوجئت بالانهيار المفاجئ والسريع لكافة القيم السياسية والاقتصادية التي حكمت بموجبها المنطقة لما يزيد على نصف قرن من الزمان. وكانت تفجيرات 11 سبتمبر 2001 هي نقطة التحول الجذري الكبرى للسياسة الأمريكية القديمة، والتي لا تزال تتخبط فيها حتى الآن ولا تعرف نهاية أبعادها وطموحاتها. فضلاً عن انهيار جسور الثقة بين الدول الخليجية والولايات المتحدة التي راحت تكيل اتهاماتها لكافة الشعوب الإسلامية أينما كانت، وكانت المملكة العربية السعودية في منتصف دائرة هذه الاتهامات باعتبارها قبلة المسلمين في جميع أنحاء العالم.
الإقليمية الخليجية من وجهة النظر الأمريكية
تقوم هذه التعقيدات المطردة لأنماط العلاقات والتفاعلات بين الأهداف الاستراتيجية الأمريكية والمفردات الإقليمية لمنطقة الخليج في محاولاتها هي الأخرى لتحقيق أعلى قدر من الاستقلال والسيادة في القرارات والمقدرات ووفق الإرادة الذاتية وحدودها الممكنة. وهي من وجهة النظر الأمريكية أيضاً وسيلة أو سبيل (الإقليمية Regionalism) إلى (العالمية Universalism) بينما هي بالنسبة للأطراف الخليجية ضرورة استراتيجية لمقاومة أو ردع أنماط وأطراف صراعية ضد الإرادة الجماعية. ومن ثم تباينت إشكالية قبول الإقليمية الخليجية الأمريكية بحيث بدت نزاعية أكثر من كونها نظاماً غايته الأمن ووسيلته الجماعية. وبعد أحداث 11 سبتمبر 2001 ظهرت الاستراتيجية الغربية للولايات المتحدة ودبلوماسية تغيير الأنظمة قسراً وقهراً وعُنوة تحت مزاعم محاربة الإرهاب، وكانت الهجمات المسعورة للوسائل الإعلام الأمريكية على المملكة العربية السعودية – أرض المقدسات – لقتل وتدمير وإرهاب وترويع الآمنين بعد اتهام المملكة بمسؤوليتها المباشرة عن أحداث سبتمبر وفقاً لما جاء في تقرير الكونجرس الأمريكي وذلك عقب تعليق وزارة الدفاع الأمريكية لوجودها العسكري في المملكة العربية السعودية، والعمل على إيجاد تحالفات استراتيجية بديلة لتفريغ الزخم السعودي من حيويته وفاعليته وجعله عرضة للانكشاف الأمني ليصبح السؤال كيف تطلق الولايات المتحدة صيحات العدالة والحرية والديمقراطية لتبطش بعد ذلك وتُرهب الشعوب الآمنة وبأساليب بغيضة بل وتستنكر للأصدقاء ولا تقيم وزناً إلا لمصالحها؟
ومع الغزو الأمريكي للعراق واحتلال أراضيه بدأ مسلسل الهيمنة الأمريكية على منطقة الشرق الأوسط ولصالح إسرائيل، وظهرت ملامح الاستراتيجية الأمريكية الجديدة للمضي في مسيرة الهيمنة كقوة عظمى وحيدة ترفع شعار الرفض المطلق للآخر، بل صار هذا الشعار نمطاً سلوكياً عنيفاً ومروعاً في سياستها الخارجية وإلى حد التجرؤ على القيم الدينية والأخلاقية، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع الصيحات في العديد من دول العالم لنبذ هذه النزعة العدائية والسلطوية في سياسات الولايات المتحدة، والتي لا تكترث سوى لتحقيق مصالحها وتأكيد سيطرتها الاقتصادية والفكرية على دول العالم وخاصة في منطقة الشرق الأوسط (فلسطين والعراق وأيضا إيران) تحت مزاعم دعمها للإرهاب – لحزب الله وحركات المقاومة الفلسطينية (حماس) و(الجهاد) و(كتائب الأقصى) – ثم إثارة المخاوف حول نشاطاتها النووية السلمية وزعم تخصيبها لليورانيوم لإنتاج الأسلحة النووية وإدخال ملفها النووي إلى مجلس الأمن الدولي تمهيداً لفرض عقوبات عليها لصالح إسرائيل أيضاً التي تمتلك بالفعل ترسانة أسلحة نووية منذ سنوات طويلة ولا تخضع للتفتيش من قبل الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
ودخلت سوريا بسبب مواقفها الرافضة للحرب الأمريكية على العراق وتعاطفها ومساندتها للمقاومة الفلسطينية أيضاً (محور الشر) من وجهة نظر الإدارة الأمريكية التي سعت لدى مجلس الأمن لاستصدار القرار 1559 الذي فرض على سوريا سحب قواتها وأجهزة استخباراتها من لبنان فضلاً عن محاولة إلصاق تهمة اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري بها وإشعال فتيل الخلافات بين سوريا ولبنان لنزع سلاح حزب الله، ولصالح إسرائيل أيضاً وإشعال الفتنة بين الحكومة والمعارضة في لبنان لاندلاع الحرب الأهلية من جديد.
الاستراتيجية الأمنية الجديدة في منطقة الخليج
لقد أصبح للعنصر الغربي الأجنبي اليد الطولى في سباق الانتفاع بالثروات الاقتصادية لدول الخليج، التي بدورها حاولت منذ إنشاء مجلس التعاون الخليجي في عام 1981 أن تتدارك هذه الأخطاء والأخطار التي تَعتمل في الاقتصاد الخليجي، ولكن محاولاتها كانت ضئيلة ومحدودة للغاية، فضلاً عن المعوقات الاقتصادية التي نَجمت أساساً نتيجة للتشابه بين النُظم الاقتصادية والموارد المتاحة والأنشطة السائدة التي تؤدي إلى تنافس هذه الاقتصادات فيما بينها بدلاً من الاعتماد على التبادل والتكامل.
لقد اكتشفت واشنطن بعد أحداث سبتمبر مدى خطورة الوفرة المالية في أيدي العناصر الراغبة في تصفية الحسابات العديدة مع الإدارة الأمريكية وممارستها في الشرق الأوسط، ومنطقة الخليج تبدو موضوع إلحاح للأمريكيين في المرحلة المقبلة وذلك لوجود الإسلاميين السياسيين فيها بكثافة.
أضف إلى ذلك مشكلة حماية النفط وعزل المنطقة عن محيطها العربي في إطار المواجهة التاريخية مع إسرائيل، لذا عزمت الولايات المتحدة ضمن وسائلها لمعالجة الآثار الاقتصادية الناجمة عن تفجيرات سبتمبر 2001 والحروب التي ستقودها ضد الإسلاميين وما يسمى (الدول المارقة) أن تمارس أنواعاً متعددة من الضغوط على الأطر والهياكل الاقتصادية وإلى الحد الذي تفقد معه هذه الهياكل الاقتصادية استقلاليتها في القرار، ومن ثم تؤدي بمنظمة بثقل (الأوبك) تنشط فيها دول الخليج إلى الفشل في التكيُّف مع هذه المتغيرات. وهكذا فإن القراءة الاستراتيجية لهذه التجربة تشير إلى أنه لم يعد مسموحاً للأوبك أو غيرها تقرير شيء ما بعيداً عن الإدارة الأمريكية، ناهيك عن استحالة تنفيذه في حال التجرؤ على فعل ذلك. لذا فإن العديد من أقطار الخليج بعد الحرب الأمريكية على العراق فقدت الميزة الاستراتيجية التي كانت تمنحها بعض المرونة المحدودة في المجال الاقتصادي، فضلاً عن تحمُّل هذه الدول فاتورة تكاليف هذه الحرب بما في ذلك تكاليف القواعد العسكرية والعتاد الحربي والجنود، إضافة إلى أن هذه الأوضاع سوف يطول أمدها بحثاً عن الإرهابيين واستعداداً للمواجهة العسكرية مع إيران مما يجعلنا نرى أن ما يحدث يبدو كأنه عملية اختطاف كبرى وفي وضح النهار للمقدرات والموارد في منطقة الخليج.
البعد السياسي في الاستراتيجية الأمنية الجديدة
يقول الدكتور فتحي العفيفي في كتابة (أمريكا والخليج): إن طبيعة العلاقات الاستعمارية الجديدة بين الولايات المتحدة والأقطار العربية في منطقة الخليج تقوم على أساس استخدام القوة والهيمنة أو التهديد بها، وأيضاً استخدام القوى الاقتصادية للسيطرة الاقتصادية وسلب الموارد الطبيعية وفتح الأسواق العربية أمام البضائع الغربية وتعطيل العوامل التكاملية بين الدول العربية بعضها البعض، والتضييق على الحضارة العربية، التي استندت إلى التعاليم الإسلامية، والتظاهر والإيحاء بوجود أزمات تهدد السلام الإقليمي والعالمي معاً مما يستوجب تدخلاً أمريكياً فعالاً.
إن أغرب ما في منظومة هذه القيم الجديدة ما أعلنته الإدارة الأمريكية عن الانقلاب ضد الأنظمة الحليفة والصديقة لها منذ عقود طويلة، بل واعتزامها تصدير (الديمقراطية) – بما يعني التدخل المباشر في الشؤون الداخلية للدول العربية والخليجية – وأن البعد السياسي الأمني أصبح مفتوحاً على كافة الاحتمالات.
كما أن الأخطار التي لحقت بدول الخليج بدأت مع عقد الاتفاقيات الدفاعية التي أقبلت عليها الأقطار العربية في الخليج منذ تحرير الكويت، والتي جاء ضمن مُقتضياتها حق استخدام القوات الأمريكية للقواعد العسكرية في منطقة الخليج، وعززت هذه الاتفاقيات وكرست من فاعليتها الاتفاقية الموقعة بين وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد مع دولة قطر ممثلة في وزير خارجيتها الشيخ حمد بن جاسم آل ثاني بشأن (قاعدة العيديد العسكرية) (والسيلية الجوية) في ديسمبر 2002، وذلك في محاولة أمريكية لترتيب البدائل اللوجستية على خلفية الأزمة المحتدمة في علاقتها بالمملكة العربية السعودية بعد أن سئمت الرياض من الضغوط التي تمارسها واشنطن بمقتضى سياستها الإقليمية الجديدة والتي كانت تضعها في حرج بالغ بسبب الإصرار الأمريكي على الاستخدام المطلق (لقاعدة الأمير سلطان العسكرية)، لكن أخطر ما في الاتفاق القطري – الأمريكي هو اعتبار هذه القواعد منشأة أمريكية مستقلة تتيح للحكومة الأمريكية مباشرة أعمالها فيها بكل حرية. ففي ظل العولمة السياسية وتآكل الحدود بين الداخل والخارج في إطار الترويج لحق التدخل الأمريكي لفرض الديمقراطية من الخارج، فإن أزمة العلاقة بين السلطة والشعب وعلاقتهما معاً بالولايات المتحدة مرشحة لأن تأخذ أدواراً تصاعدية برغم كل المحاولات المبذولة لتوخي الحيطة والحذر وعدم الانزلاق إلى مواجهة من هذا النوع.
مجمل القول إنه ليس من السهل الآن التنبؤ بمدركات الاستراتيجية الخاصة بصيغ الأمن المحتملة في منطقة الخليج، لكن يمكن القول- وبالإشارة إلى ما سبق – إن الولايات المتحدة سوف تُحدِث تغيراً جذرياً في الهيكلة والأطر الاجتماعية والاقتصادية، وإن لعبة السياسة في منطقة الخليج قد أصبحت شأناً أمريكياً خالصاً، وإن التغيير المُنتظر في العراق سوف يكون بمثابة اللبِنَة التي سيتداعى بفعلها البنيان الخليجي الذي استقرت دعائمه لعقود طويلة، بَيد أن ما لم تدركه الإدارة الأمريكية حقاً هو أنها تَبذُر بذور الفناء الحقيقي لحضارتها.
المملكة العربية السعودية في خضم صراعات الخليج
في خضم هذه الأحداث برزت المملكة العربية السعودية كعامل ارتكاز للمعادلة الصراعية في إقليم الخليج العربي، وبرزت وكأنها الدولة الوحيدة التي لا يعنيها شيء، والمعنية بكُل شيء في آن واحد، بعد أن رفضت التطرف السياسي في كل من العراق وإيران، وانتهجت نهجاً تصالحياً مَرِناً إزاء القوتين، وأعلنت أنها تلتزم خطاً سلفياً إسلامياً صحيحاً في الدين والسياسة، وليست بحاجة لتقبل أي أفكار اشتراكية أو راديكالية، وأنها لن تتهاون مع من يستهدف تهديد استقرارها وأمنها. كما عملت المملكة وفق سياسة الحياد الإيجابي وهي الرؤية التي أتاحت لها ردود أفعال موفقة على المستوى التكتيكي، والتي برزت في أسلوب تعاملها مع الأزمات الرئيسية التي مرت بدول الخليج.
إلا أن السياسة الأمريكية الآن تسعى لتنفيذ مشروع ضد الإسلام ومقدساته وبلدانه وفي طليعتها السعودية، مركز الجاذبية والتأثير الديني في المنطقة العربية، وأن استهدافاً كهذا لا بُد أن تهيئ له الولايات المتحدة الأجواء الملائمة له. وهنا تبدو أبعاد الاستراتيجية الأمريكية التي تستهدف عزل السعودية وكسر هيبتها وإنهاء دورها الخليجي، والتعويل على بدائل أخرى، وإفراغ الصيغة الأمنية الجماعية الموسومة بـ (مجلس التعاون الخليجي) من مضمونها، وإيجاد قناعات تفضي حتماً إلى انهياره في عملية انتحار جماعي للعمل السياسي الخليجي، والدفع بمفاهيم السياسة والاقتصاد والمجتمع (التعليم – والقوانين الديمقراطية الجديدة) لتتواءم وتُهيئ لقبول الزمن الأمريكي الجديد.
مشروع الشرق الأوسط الكبير
من كل ذلك يمكن القول إن الليبرالية المعولمة الممتعضة في الخليج العربي تُعد بمثابة النظرية الناسفة في كيمياء التفكيك المناطقي الإقليمي ووفقاً للدور الاستراتيجي الأمريكي الناخر في المنطقة العربية منذ نصف قرن من الزمان، وإن العقيدة الدفاعية الأمريكية الباحثة (في نَهم) عن مركز القيادة الإقليمية للشرق الأوسط (للعرب ومنطقة الحزام الشمالي) هي ما عبَّرت عنها استراتيجيتها الجديدة في (مشروع الشرق الأوسط الكبير)، بالإضافة إلى سعي الإدارة الأمريكية لتعظيم النفوذ الإسرائيلي في منطقة الشرق الأوسط والخليج على حساب القوى التقليدية (مصر وتركيا والهند) وتنكرها لجميع مبادئ السلام العادل والشامل وإعطاء كل الاهتمام والأولويات للمشروعات اللوجستية التي تمنح إسرائيل المزيد من التفوق مثل مشروع الشرق الأوسط الكبير. ورفع شعارات الإصلاح السياسي ونشر الديمقراطية ومكافحة الإرهاب ليصبح الهم الأول للإدارة الأمريكية الآن هو حماية المصالح الإسرائيلية في منطقة الشرق الأوسط والحرص على تفوقها، ثم يأتي بعد ذلك ضرب أمريكا للإسلام، وسحق إسرائيل لفلسطين، ثم الهيمنة على النفط العربي، وإضعاف الأمتين العربية والإسلامية بعد أن أصبح النفط مدخلاً للحروب واللعب بالعقائد الدينية، وأصبح العرب لا يستطيعون اللعب بسيكولوجيا النفط السياسية مع الإدارة الأمريكية، ليتضح من كل ذلك أن الهدف من الدعوة إلى مشروع الشرق الأوسط الجديد هو منع ظهور قوة محلية تسيطر على مصادر الطاقة، وتتحكم بفوائض النفط المالية ومعالجة (الخلل) الاستراتيجي المتمثل في التهديد الذي تتعرض له دول عربية صغيرة وقليلة السكان وشديدة الغنى عن دول كثيفة بالسكان وشديدة الفقر.
إن أخطر ما يهدف إليه مشروع الشرق الأوسط الجديد هو ضمان مستقبل وسيطرة إسرائيل، ويقضي المشروع بتقسيم الشرق الأوسط إلى عدة أنساق، فيفصلون دول الخليج عن مصر والشام، ويَبعدون مصر والشام عن دول المغرب العربي التي يلحقونها بجنوب أوروبا.
وتدخل ضمن مشروع الشرق الأوسط أيضاً قبرص وأفغانستان وتركيا وإيران وباكستان والجمهوريات الإسلامية في آسيا، ويخرج منه المغرب والجزائر وتونس وليبيا والسودان.
وبالتالي لا تصبح العروبة هي الصفة الغالبة على المنطقة وإنما تضم قوميات أخرى إلى الشرق الأوسط الجديد.
وهُنا يجدر بنا أن نتذكر قول الرئيس الفرنسي السابق شارل ديغول: (إذا أردت الحديث عن السياسة فلابد أن تمسك بالخريطة وتنظر فيها بإمعان) فالمنطقة العربية حافلة بالتاريخ والتناقضات الإنسانية، وتعتبر ممراً تجارياً دولياً رئيسياً وملتقى للثقافات والحضارات، علاوة على احتوائها على 70 في المائة من نفط العالم. إذاً فهي قلب العالم عند الأمريكيين وتُمثل منطقة الثقل في الاستراتيجية العالمية، فمنذ سقوط الاتحاد السوفييتي صار الخليج هو هدف الحكومات الأمريكية لكونه مركز الحكومات العربية، التي عليها أن تعيد حساباتها مع الإدارة الأمريكية وحلفائها في أوروبا وإسرائيل لوضع استراتيجية عربية جديدة تضطلع بمواجهة جميع التحديات التي تواجهها دول المنطقة، وعلى امتداد سنوات طويلة من أجل الخروج من التداعيات الخطيرة التي تعيشها الشعوب العربية الآن وفي المستقبل القريب والبعيد، وبناء على ذلك مثلت حرب الخليج الأولى واقعة تاريخية سجلتها الذاكرة الأمريكية، وصار من الممكن استدعاؤها فيما بعد ضمن وقائع أخرى.
الخطاب (الرسالي) الأمريكي وضرورات التحرك العربي
إن االجديد في سياسة جورج بوش (الابن) يتمثل في إكساب الإمبراطورية الأمريكية بعض السمات التي اتسمت بها الإمبراطوريات التقليدية ومن أهمها الاحتلال المباشر لأراضي دول أخرى فضلاً عن استخدام الخطاب (الرسالي) المعروف تاريخياً والمتمثل في جلب الحضارة والتقدم إلى البلدان المستهدفة. ولذلك ظل الخطاب الرسالي في عهد بوش (الابن) ظل يأتي في إطار الليبرالية الدولية التي رفضها ثم استبدلها بالخطاب الديني الخالص، واستخدامه لوصف الوحش الغامض (الإرهاب) ثم إعلان الحرب عليه، الأمر الذي جعل من هذه الحرب حرباً ممتدة بلا نهاية لأنه لا يوجد في الأصل عدو واضح ومحدد يمكن قياس مدى الإنجاز الذي تحقق في محاربته أو إعلان إنهاء الحرب عليه بعد الإجهاز عليه. ومن هذا المنطلق انطلق بوش من استهداف جماعة ابن لادن ونظام طالبان إلى استهداف (دول محور الشر) باعتبار أن العامل المشترك بينهما هو (الشر).
وبذلك فإن الحديث حول محاربة الشر لا يتطلب الحديث عن أدوات هذه الحرب ووسائلها أو عوامل نجاحها، وبعدها يصبح من السهل استخدام الحرب الاستبقائية وتجاهل القانون الدولي وباعتبار أنها حرب ضد (الشر) وإن كل شيء فيها بالضرورة مباح.
وفي ظل سياسات الهيمنة الأمريكية في الشرق الأوسط ودول الخليج وما سببته من تداعيات على الأوضاع السياسية والأمنية والاقتصادية فإن الضرورة تقتضي التحرك العربي الجماعي لمواجهة جميع الضغوط والتحديات التي تواجهها الأمتان العربية والإسلامية، ومن خلال جامعة الدول العربية، ومجلس التعاون الخليجي وذلك لإيجاد مخرج لجميع المشكلات والأزمات التي تتعرض لها دول المنطقة، وعدم إعطاء الفرصة لأمريكا لتدويل هذه الأزمات. لذا فإن الضرورة تقتضي أيضاً طرح مبادرة عربية لتعزيز التعاون بين جميع الدول العربية والتنسيق فيما بينها في جميع المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والأمنية، ولا مانع بعد ذلك من التعاون مع الدول الصديقة مثل الصين وروسيا وبعض دول الاتحاد الأوروبي لإيقاف مساعي الإدارة الأمريكية للتسلل إلى دول المنطقة. وهنا تجدر الإشارة إلى ضرورة استخدام الموارد الطبيعية للدول العربية ودول الخليج داخل الاستراتيجية العربية الجديدة التي ترفض سياسة الهيمنة الأمريكية وتدخلها السافر في شؤون أية دولة عربية.

::/fulltext::
::cck::3281::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *