هل تنتهج موسكو سياسة خارجية شبيهة بسياسة الاتحاد السوفييتي في منطقة الخليج والشرق الأوسط؟
::cck::3283::/cck::
::introtext::
في مقالة نُشرت مؤخراً بعنوان: (ينبغي للولايات المتحدة أن تحذر روسيا بشأن سياستها السوفييتية تجاه الشرق الأوسط)، وجه الدكتور آرئيل كوهين، من مؤسسة هيريتيدج (Heritage Foundation) الأمريكية، انتقادات حادة لمبادرات السياسة الخارجية التي انتهجتها موسكو مؤخراً نحو منطقة الشرق الأوسط. وعلى وجه الخصوص ركز الدكتور كوهين على أن الاتفاقيات التي وقعتها موسكو مع طهران لتزويد الجمهورية الإسلامية بالطاقة النووية ومنظومات الأسلحة الحديثة، إلى جانب الدعوة التي وجهها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لقياديي حركة المقاومة الإسلامية (حماس) لإجراء مباحثات في موسكو عقب فوزهم في العملية الانتخابية التي جرت في فلسطين، هي جوانب تعكس ابتعاد روسيا عن مقاربة السياسة الخارجية الرئيسية تجاه المنطقة التي تنتهجها الولايات المتحدة والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي. ويضيف الدكتور كوهين قائلاً: (إن موسكو تلعب لعبة خطرة في الشرق الأوسط لأنها تبدو وكأنها تعمل على استرضاء المتطرفين الإسلاميين (أي حماس)، وتسعى لتمكين طهران من التحول إلى قوة إقليمية مهيمنة، حيث من الممكن أن تستطيع إيران المسلحة بالأسلحة النووية والمتحالفة بصورة وثيقة مع روسيا والصين أن تتحدى الولايات المتحدة ومصالحها وحلفاءها في المنطقة، وتعمل على منع الولايات المتحدة من الوصول إلى منطقة الخليج).
::/introtext::
::fulltext::
في مقالة نُشرت مؤخراً بعنوان: (ينبغي للولايات المتحدة أن تحذر روسيا بشأن سياستها السوفييتية تجاه الشرق الأوسط)، وجه الدكتور آرئيل كوهين، من مؤسسة هيريتيدج (Heritage Foundation) الأمريكية، انتقادات حادة لمبادرات السياسة الخارجية التي انتهجتها موسكو مؤخراً نحو منطقة الشرق الأوسط. وعلى وجه الخصوص ركز الدكتور كوهين على أن الاتفاقيات التي وقعتها موسكو مع طهران لتزويد الجمهورية الإسلامية بالطاقة النووية ومنظومات الأسلحة الحديثة، إلى جانب الدعوة التي وجهها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لقياديي حركة المقاومة الإسلامية (حماس) لإجراء مباحثات في موسكو عقب فوزهم في العملية الانتخابية التي جرت في فلسطين، هي جوانب تعكس ابتعاد روسيا عن مقاربة السياسة الخارجية الرئيسية تجاه المنطقة التي تنتهجها الولايات المتحدة والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي. ويضيف الدكتور كوهين قائلاً: (إن موسكو تلعب لعبة خطرة في الشرق الأوسط لأنها تبدو وكأنها تعمل على استرضاء المتطرفين الإسلاميين (أي حماس)، وتسعى لتمكين طهران من التحول إلى قوة إقليمية مهيمنة، حيث من الممكن أن تستطيع إيران المسلحة بالأسلحة النووية والمتحالفة بصورة وثيقة مع روسيا والصين أن تتحدى الولايات المتحدة ومصالحها وحلفاءها في المنطقة، وتعمل على منع الولايات المتحدة من الوصول إلى منطقة الخليج).
إن قراءة الدكتور كوهين للظروف الجيوسياسية المعاصرة التي تسود منطقة الشرق الأوسط، بميلها نحو إضفاء قدر محدود من التفسير المستند إلى فكرة (العودة إلى أيام الاتحاد السوفييتي)، تعبر عن بعض قصر النظر، وتفشل في فهم الوقائع الحالية التي توجه العلاقات الدولية المعاصرة. فأولاً، ينبغي أن نلاحظ أن مبادرات السياسة الخارجية الحالية التي تصدر عن روسيا يتم توجيهها في إطار تعريف الكرملين للمصالح القومية لموسكو، وهي مصالح قد تكون براغماتية في معظم الحالات وترتبط ارتباطاً وثيقاً مع أهداف السياسة الاقتصادية ذات الأهمية الوطنية. وفي الأغلب ترتبط هذه المبادرات نفسها مع تعزيز قدرات قطاع الطاقة الروسي (الذي ينقسم إلى قطاعات فرعية تتضمن النفط والغاز والكهرباء والوقود النووي وغيره)، وهو القطاع الذي ساعد روسيا كثيراً، خلال فترة حكم الرئيس فلاديمير بوتين، على استعادة مكانتها واحترامها في الساحة الدولية.
وبينما نجد أن قطاعي النفط والغاز في روسيا يحققان نتائج جيدة منذ نهاية تسعينات القرن الماضي، فإن الطاقة الكهربائية تجذب حصة معقولة من اهتمام المستثمرين. أما الصناعة النووية الروسية ظلت في معظمها أكثر تباطؤاً في التعافي وتحقيق الانتعاش منذ فترة الكساد التي شهدتها في مطلع فترة ما بعد سقوط الاتحاد السوفييتي.
وهكذا، فإن الاتفاقية المبدئية التي وقعتها موسكو لبناء وتجهيز المفاعل النووي في مدينة بوشهر التي تقع في جنوب غربي إيران مقابل 800 مليون دولار قد وُصـِـفـت ضمن هذا الفهم من قبل بعض المعلقين بأنها المنقذ لصناعة الطاقة الذرية الروسية. ووقعت طهران أيضاً اتفاقية فنية مع موسكو تقوم بموجبها روسيا ببناء وتجهيز مفاعلين نوويين آخرين، وربما يصل العدد إلى خمسة مفاعلات نووية، من ضمنها مفاعل آخر في (بوشهر). ولذلك، ليس من المدهش أن نرى وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف يسعى إلى تشكيل لوبي للضغط ضد المبادرات التي تقودها الولايات المتحدة من أجل إحالة ملف برنامج التخصيب النووي الإيراني إلى مجلس الأمن الدولي لدراسة إمكانية فرض عقوبات رادعة بحق طهران، ويتزامن هذا مع إعلان روسيا عن تضامنها مع الأسرة الدولية لعدم السماح لإيران بامتلاك أسلحة نووية. وعلاوة على ذلك، فإنه بينما نجد أن تعاون موسكو مع طهران قد حظي باهتمام كبير ونال ما يستحقه من الانتقادات الدولية، ينبغي عدم التسليم بأن مثل هذا التعاون لا يخلو من فترات توتر. وعلى سبيل المثال، فقد تم في وسائل الإعلام العالمية إعلان أن موسكو وطهران توصلتا إلى اتفاق مهم جديد قامت بموجبه إيران بنقل بعض أنشطة برنامج التخصيب النووي الخاص بها إلى الأراضي الروسية في فبراير 2006. وعلى النسق نفسه، قال سيرغي كيريينكوف رئيس وكالة الطاقة الذرية الاتحادية الروسية (ورئيس الوزراء السابق) إنه (لا يزال على إيران أن تتخذ خطوات جادة قبل أن يتم استكمال الاتفاق).
وجاء في العديد من التقارير الصادرة خلال عام 2005 أبدت إيران عدم رضاها عن الأسلوب الذي انتهجه الروس في الإيفاء بالتزاماتهم التعاقدية بشأن مفاعل بوشهر، الأمر الذي عطل الجدول الزمني الذي وضعته طهران لتوصيل المفاعل إلى مرحلة الاستعداد للتشغيل. وينبغي أن نشير هنا إلى أن مشروع المفاعل النووي في بوشهر قد سبق اندلاع الثورة الإسلامية في إيران، وأنه قد تم تطويره في الأصل عن طريق مقاولين من ألمانيا ومن دول أوروبية أخرى خلال فترة حكم الشاه، أي عندما كانت طهران حليفاً رئيسياً للولايات المتحدة في المنطقة. وعلى الرغم من مواقف السياسة الخارجية المشاكسة بصورة متزايدة، والتي انتهجها الرئيس الإيراني الجديد محمود أحمدي نجاد، فإن من المرجح أن تفضل إيران الحصول على المساعدة الفنية الغربية بدلاً من المساعدات الروسية في تنفيذ مشروع مفاعل بوشهر، وذلك لولا الجهود التي قادتها الولايات المتحدة لعزل إيران. وبناءً عليه، ينبغي أن ننظر إلى برنامج إيران الحالي للتعاون مع روسيا في مجال الطاقة الذرية على أساس كونه الخيار الوحيد المتاح أمام طهران للحصول على التقنيات اللازمة لتحقيق أهدافها في تخصيب اليورانيوم، وذلك بدلاً من اعتباره تحالفاً استراتيجياً بين الدولتين ليس له أي وجه تشابه مع التحالفات التي عقدتها موسكو مع زبائنها في العالم النامي خلال فترة الحرب الباردة.
وهنالك سيناريو مشابه يمكن أن يقف دليلاً في ما يتعلق بقيام روسيا مؤخراً بإرسال معدات عسكرية إلى الجمهورية الإسلامية الإيرانية. فخلال فترة الحرب الباردة قامت موسكو بإرسال أسلحة إلى حلفائها في حلف وارسو وللأنظمة المتحالفة معها في العالم النامي، وذلك لتحقيق أهدافها الأيديولوجية والسياسية في معظم الحالات، وخصوصاً هدفها الرامي إلى صد قوة ونفوذ حلف شمالي الأطلسي (الناتو) وحلفائه في أنحاء العالم. ولم تكن هناك دوافع تجارية كبيرة لقيام الاتحاد السوفييتي بإرسال الأسلحة إلى حلفائه، وكانت موسكو في معظم الحالات تزود حلفاءها بالأسلحة مجاناً أو بشروط ميسرة للغاية، بشرط أن تحافظ على تحقيق أهدافها السياسية. وخلال فترة تسعينات القرن العشرين، وعقب انهيار الاتحاد السوفييتي، دخلت صناعة الأسلحة الروسية في فترة كساد حاد، وفي سياق تحقيق الانتعاش الاقتصادي الشامل في روسيا، أصبح إحياء صناعة الأسلحة الروسية التي كانت من القطاعات الضخمة في روسيا أولوية بالنسبة إلى الكرملين. ولكن بما أن المؤسسة العسكرية الروسية لا تزال تفتقر إلى القوة المالية اللازمة لاستيعاب إنتاج مؤسسات صناعة الأسلحة الروسية، فإن عقود الصادرات –التي يتفاوض عليها معظم الحالات وسطاء تجاريون يعملون خارج نطاق سيطرة صانعي السياسات – المربحة أصبحت تمثل الجائزة الرئيسية التي يسعى منتجو الأسلحة الروسية إلى الفوز بها.
وأعلنت موسكو عن توقيع اتفاقية مع طهران لبيع أسلحة بقيمة مليار دولار لإيران خلال شهر يناير الماضي، كما أعلنت عن اتفاقية شبيهة مع الجزائر بالقيمة نفسها، وكلتاهما تمثلان عقوداً مربحة بالنسبة لصناعة الأسلحة الروسية. ولم تُقابـَـلْ الاتفاقيتان الموقعتان مع الجزائر وإيران بانتقادات تـُـذكـَـر من المتخوفين من الإسلام في الغرب، والذين لم يبدوا سوى اهتمام محدود باستمرار روسيا في عقد اتفاقيات تجارة الأسلحة الضخمة مع الزبائن القدماء مثل الصين والهند. وعلاوة على ذلك، ينبغي الإشارة إلى أن روسيا قد دأبت على محاولة اختراق سوق الأسلحة في دول مجلس التعاون الخليجي خلال معظم فترة الاتحاد السوفييتي السابق، حيث كانت عقود مبيعات الأسلحة تـُـعـَـد من أكثر المصادر فائدة في أوساط هذه الصناعة. وفي معظم الحالات كان منتجو الأسلحة الروس يدعمون جهود اللوبي، التي كان يقوم بها كبار المسؤولين العسكريين الروس، كما كانت مؤسسات التصنيع الحربية الروسية تشارك بصورة منتظمة في المعارض السنوية للأسلحة في دول مجلس التعاون الخليجي. غير أن روسيا لم تتمكن سوى من تحقيق درجة محدودة من النفاذ إلى سوق الأسلحة في دول مجلس التعاون الخليجي. وعلى الرغم من ذلك لا يزال معظم سوق الأسلحة في دول مجلس التعاون تحت هيمنة المؤسسات الغربية (ولاسيما البريطانية والأمريكية)، الأمر الذي يجعل الخيارات المتاحة لروسيا محدودة، وليس أمامها سوى أن تعمل على تطوير صناعة صادرات الأسلحة التابعة لها على أمل توقيع عقود مع أصدقائها القدامى مثل سوريا والصين والهند، إلى جانب تلبية طلبات الزبائن الجدد مثل إيران.
وليس هناك دليل يُذكـَـر على وجود أي محتوى شبيه بالأثر السوفييتي في مبادرات السياسات الخارجية الحالية لروسيا تجاه منطقة الخليج والشرق الأوسط ككل، بالقدر الذي يمكن أن يُقارَن على نحو جاد بسياسة موسكو تجاه المنطقة نفسها خلال فترة الحرب الباردة، حيث ظهر واقع جديد في الساحة الدولية حالياً. وكما هي الحال مع حكومات القوى الكبرى المنخرطة في العلاقات الدولية المعاصرة، فإن تعزيز المصالح التجارية الوطنية ذات الأهمية الاستراتيجية يُعتبـَـر من الدوافع الرئيسية التي تقف خلف مبادرات السياسة الخارجية الروسية الحالية في منطقة الشرق الأوسط وغيرها من مناطق العالم الأخرى. وفي هذا السياق ينبغي لنا أن ننظر إلى تعاون روسيا الحالي مع إيران في مجالات الطاقة الذرية وتجارة الأسلحة بوصفه يمثل قضية ذات أهمية استراتيجية للدولتين، إلا أن الاتفاقيات الموقعة بينهما ينبغي أن يُنظـَـر إليها في ضوء أهداف سياسات الطاقة الشاملة التي تنتهجها روسيا في التعامل مع الاقتصاد العالمي. وتُعتبـَـر صادرات النفط والغاز هي البطاقة الرئيسية الرابحة لدى موسكو، سواء من حيث الإيرادات العائدة للاقتصاد الوطني أو بوصفها إحدى الأدوات والوسائل التي تخدم السياسة الخارجية الروسية. وفي السنوات الأخيرة تمكنت موسكو من تطوير علاقة استراتيجية مع أوروبا ومع اقتصادات دول شرق آسيا المزدهرة مستندة في ذلك إلى تزايد صادرات النفط والغاز. وفي الوقت نفسه دخلت موسكو في حوار جاد بشأن الطاقة مع واشنطن، وكل هذه الجوانب تشكل أولويات كبرى بالنسبة لروسيا، وهي توليها أهمية أكبر بالمقارنة مع علاقتها الاستراتيجية الراهنة مع إيران
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::3283::/cck::
::introtext::
في مقالة نُشرت مؤخراً بعنوان: (ينبغي للولايات المتحدة أن تحذر روسيا بشأن سياستها السوفييتية تجاه الشرق الأوسط)، وجه الدكتور آرئيل كوهين، من مؤسسة هيريتيدج (Heritage Foundation) الأمريكية، انتقادات حادة لمبادرات السياسة الخارجية التي انتهجتها موسكو مؤخراً نحو منطقة الشرق الأوسط. وعلى وجه الخصوص ركز الدكتور كوهين على أن الاتفاقيات التي وقعتها موسكو مع طهران لتزويد الجمهورية الإسلامية بالطاقة النووية ومنظومات الأسلحة الحديثة، إلى جانب الدعوة التي وجهها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لقياديي حركة المقاومة الإسلامية (حماس) لإجراء مباحثات في موسكو عقب فوزهم في العملية الانتخابية التي جرت في فلسطين، هي جوانب تعكس ابتعاد روسيا عن مقاربة السياسة الخارجية الرئيسية تجاه المنطقة التي تنتهجها الولايات المتحدة والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي. ويضيف الدكتور كوهين قائلاً: (إن موسكو تلعب لعبة خطرة في الشرق الأوسط لأنها تبدو وكأنها تعمل على استرضاء المتطرفين الإسلاميين (أي حماس)، وتسعى لتمكين طهران من التحول إلى قوة إقليمية مهيمنة، حيث من الممكن أن تستطيع إيران المسلحة بالأسلحة النووية والمتحالفة بصورة وثيقة مع روسيا والصين أن تتحدى الولايات المتحدة ومصالحها وحلفاءها في المنطقة، وتعمل على منع الولايات المتحدة من الوصول إلى منطقة الخليج).
::/introtext::
::fulltext::
في مقالة نُشرت مؤخراً بعنوان: (ينبغي للولايات المتحدة أن تحذر روسيا بشأن سياستها السوفييتية تجاه الشرق الأوسط)، وجه الدكتور آرئيل كوهين، من مؤسسة هيريتيدج (Heritage Foundation) الأمريكية، انتقادات حادة لمبادرات السياسة الخارجية التي انتهجتها موسكو مؤخراً نحو منطقة الشرق الأوسط. وعلى وجه الخصوص ركز الدكتور كوهين على أن الاتفاقيات التي وقعتها موسكو مع طهران لتزويد الجمهورية الإسلامية بالطاقة النووية ومنظومات الأسلحة الحديثة، إلى جانب الدعوة التي وجهها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لقياديي حركة المقاومة الإسلامية (حماس) لإجراء مباحثات في موسكو عقب فوزهم في العملية الانتخابية التي جرت في فلسطين، هي جوانب تعكس ابتعاد روسيا عن مقاربة السياسة الخارجية الرئيسية تجاه المنطقة التي تنتهجها الولايات المتحدة والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي. ويضيف الدكتور كوهين قائلاً: (إن موسكو تلعب لعبة خطرة في الشرق الأوسط لأنها تبدو وكأنها تعمل على استرضاء المتطرفين الإسلاميين (أي حماس)، وتسعى لتمكين طهران من التحول إلى قوة إقليمية مهيمنة، حيث من الممكن أن تستطيع إيران المسلحة بالأسلحة النووية والمتحالفة بصورة وثيقة مع روسيا والصين أن تتحدى الولايات المتحدة ومصالحها وحلفاءها في المنطقة، وتعمل على منع الولايات المتحدة من الوصول إلى منطقة الخليج).
إن قراءة الدكتور كوهين للظروف الجيوسياسية المعاصرة التي تسود منطقة الشرق الأوسط، بميلها نحو إضفاء قدر محدود من التفسير المستند إلى فكرة (العودة إلى أيام الاتحاد السوفييتي)، تعبر عن بعض قصر النظر، وتفشل في فهم الوقائع الحالية التي توجه العلاقات الدولية المعاصرة. فأولاً، ينبغي أن نلاحظ أن مبادرات السياسة الخارجية الحالية التي تصدر عن روسيا يتم توجيهها في إطار تعريف الكرملين للمصالح القومية لموسكو، وهي مصالح قد تكون براغماتية في معظم الحالات وترتبط ارتباطاً وثيقاً مع أهداف السياسة الاقتصادية ذات الأهمية الوطنية. وفي الأغلب ترتبط هذه المبادرات نفسها مع تعزيز قدرات قطاع الطاقة الروسي (الذي ينقسم إلى قطاعات فرعية تتضمن النفط والغاز والكهرباء والوقود النووي وغيره)، وهو القطاع الذي ساعد روسيا كثيراً، خلال فترة حكم الرئيس فلاديمير بوتين، على استعادة مكانتها واحترامها في الساحة الدولية.
وبينما نجد أن قطاعي النفط والغاز في روسيا يحققان نتائج جيدة منذ نهاية تسعينات القرن الماضي، فإن الطاقة الكهربائية تجذب حصة معقولة من اهتمام المستثمرين. أما الصناعة النووية الروسية ظلت في معظمها أكثر تباطؤاً في التعافي وتحقيق الانتعاش منذ فترة الكساد التي شهدتها في مطلع فترة ما بعد سقوط الاتحاد السوفييتي.
وهكذا، فإن الاتفاقية المبدئية التي وقعتها موسكو لبناء وتجهيز المفاعل النووي في مدينة بوشهر التي تقع في جنوب غربي إيران مقابل 800 مليون دولار قد وُصـِـفـت ضمن هذا الفهم من قبل بعض المعلقين بأنها المنقذ لصناعة الطاقة الذرية الروسية. ووقعت طهران أيضاً اتفاقية فنية مع موسكو تقوم بموجبها روسيا ببناء وتجهيز مفاعلين نوويين آخرين، وربما يصل العدد إلى خمسة مفاعلات نووية، من ضمنها مفاعل آخر في (بوشهر). ولذلك، ليس من المدهش أن نرى وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف يسعى إلى تشكيل لوبي للضغط ضد المبادرات التي تقودها الولايات المتحدة من أجل إحالة ملف برنامج التخصيب النووي الإيراني إلى مجلس الأمن الدولي لدراسة إمكانية فرض عقوبات رادعة بحق طهران، ويتزامن هذا مع إعلان روسيا عن تضامنها مع الأسرة الدولية لعدم السماح لإيران بامتلاك أسلحة نووية. وعلاوة على ذلك، فإنه بينما نجد أن تعاون موسكو مع طهران قد حظي باهتمام كبير ونال ما يستحقه من الانتقادات الدولية، ينبغي عدم التسليم بأن مثل هذا التعاون لا يخلو من فترات توتر. وعلى سبيل المثال، فقد تم في وسائل الإعلام العالمية إعلان أن موسكو وطهران توصلتا إلى اتفاق مهم جديد قامت بموجبه إيران بنقل بعض أنشطة برنامج التخصيب النووي الخاص بها إلى الأراضي الروسية في فبراير 2006. وعلى النسق نفسه، قال سيرغي كيريينكوف رئيس وكالة الطاقة الذرية الاتحادية الروسية (ورئيس الوزراء السابق) إنه (لا يزال على إيران أن تتخذ خطوات جادة قبل أن يتم استكمال الاتفاق).
وجاء في العديد من التقارير الصادرة خلال عام 2005 أبدت إيران عدم رضاها عن الأسلوب الذي انتهجه الروس في الإيفاء بالتزاماتهم التعاقدية بشأن مفاعل بوشهر، الأمر الذي عطل الجدول الزمني الذي وضعته طهران لتوصيل المفاعل إلى مرحلة الاستعداد للتشغيل. وينبغي أن نشير هنا إلى أن مشروع المفاعل النووي في بوشهر قد سبق اندلاع الثورة الإسلامية في إيران، وأنه قد تم تطويره في الأصل عن طريق مقاولين من ألمانيا ومن دول أوروبية أخرى خلال فترة حكم الشاه، أي عندما كانت طهران حليفاً رئيسياً للولايات المتحدة في المنطقة. وعلى الرغم من مواقف السياسة الخارجية المشاكسة بصورة متزايدة، والتي انتهجها الرئيس الإيراني الجديد محمود أحمدي نجاد، فإن من المرجح أن تفضل إيران الحصول على المساعدة الفنية الغربية بدلاً من المساعدات الروسية في تنفيذ مشروع مفاعل بوشهر، وذلك لولا الجهود التي قادتها الولايات المتحدة لعزل إيران. وبناءً عليه، ينبغي أن ننظر إلى برنامج إيران الحالي للتعاون مع روسيا في مجال الطاقة الذرية على أساس كونه الخيار الوحيد المتاح أمام طهران للحصول على التقنيات اللازمة لتحقيق أهدافها في تخصيب اليورانيوم، وذلك بدلاً من اعتباره تحالفاً استراتيجياً بين الدولتين ليس له أي وجه تشابه مع التحالفات التي عقدتها موسكو مع زبائنها في العالم النامي خلال فترة الحرب الباردة.
وهنالك سيناريو مشابه يمكن أن يقف دليلاً في ما يتعلق بقيام روسيا مؤخراً بإرسال معدات عسكرية إلى الجمهورية الإسلامية الإيرانية. فخلال فترة الحرب الباردة قامت موسكو بإرسال أسلحة إلى حلفائها في حلف وارسو وللأنظمة المتحالفة معها في العالم النامي، وذلك لتحقيق أهدافها الأيديولوجية والسياسية في معظم الحالات، وخصوصاً هدفها الرامي إلى صد قوة ونفوذ حلف شمالي الأطلسي (الناتو) وحلفائه في أنحاء العالم. ولم تكن هناك دوافع تجارية كبيرة لقيام الاتحاد السوفييتي بإرسال الأسلحة إلى حلفائه، وكانت موسكو في معظم الحالات تزود حلفاءها بالأسلحة مجاناً أو بشروط ميسرة للغاية، بشرط أن تحافظ على تحقيق أهدافها السياسية. وخلال فترة تسعينات القرن العشرين، وعقب انهيار الاتحاد السوفييتي، دخلت صناعة الأسلحة الروسية في فترة كساد حاد، وفي سياق تحقيق الانتعاش الاقتصادي الشامل في روسيا، أصبح إحياء صناعة الأسلحة الروسية التي كانت من القطاعات الضخمة في روسيا أولوية بالنسبة إلى الكرملين. ولكن بما أن المؤسسة العسكرية الروسية لا تزال تفتقر إلى القوة المالية اللازمة لاستيعاب إنتاج مؤسسات صناعة الأسلحة الروسية، فإن عقود الصادرات –التي يتفاوض عليها معظم الحالات وسطاء تجاريون يعملون خارج نطاق سيطرة صانعي السياسات – المربحة أصبحت تمثل الجائزة الرئيسية التي يسعى منتجو الأسلحة الروسية إلى الفوز بها.
وأعلنت موسكو عن توقيع اتفاقية مع طهران لبيع أسلحة بقيمة مليار دولار لإيران خلال شهر يناير الماضي، كما أعلنت عن اتفاقية شبيهة مع الجزائر بالقيمة نفسها، وكلتاهما تمثلان عقوداً مربحة بالنسبة لصناعة الأسلحة الروسية. ولم تُقابـَـلْ الاتفاقيتان الموقعتان مع الجزائر وإيران بانتقادات تـُـذكـَـر من المتخوفين من الإسلام في الغرب، والذين لم يبدوا سوى اهتمام محدود باستمرار روسيا في عقد اتفاقيات تجارة الأسلحة الضخمة مع الزبائن القدماء مثل الصين والهند. وعلاوة على ذلك، ينبغي الإشارة إلى أن روسيا قد دأبت على محاولة اختراق سوق الأسلحة في دول مجلس التعاون الخليجي خلال معظم فترة الاتحاد السوفييتي السابق، حيث كانت عقود مبيعات الأسلحة تـُـعـَـد من أكثر المصادر فائدة في أوساط هذه الصناعة. وفي معظم الحالات كان منتجو الأسلحة الروس يدعمون جهود اللوبي، التي كان يقوم بها كبار المسؤولين العسكريين الروس، كما كانت مؤسسات التصنيع الحربية الروسية تشارك بصورة منتظمة في المعارض السنوية للأسلحة في دول مجلس التعاون الخليجي. غير أن روسيا لم تتمكن سوى من تحقيق درجة محدودة من النفاذ إلى سوق الأسلحة في دول مجلس التعاون الخليجي. وعلى الرغم من ذلك لا يزال معظم سوق الأسلحة في دول مجلس التعاون تحت هيمنة المؤسسات الغربية (ولاسيما البريطانية والأمريكية)، الأمر الذي يجعل الخيارات المتاحة لروسيا محدودة، وليس أمامها سوى أن تعمل على تطوير صناعة صادرات الأسلحة التابعة لها على أمل توقيع عقود مع أصدقائها القدامى مثل سوريا والصين والهند، إلى جانب تلبية طلبات الزبائن الجدد مثل إيران.
وليس هناك دليل يُذكـَـر على وجود أي محتوى شبيه بالأثر السوفييتي في مبادرات السياسات الخارجية الحالية لروسيا تجاه منطقة الخليج والشرق الأوسط ككل، بالقدر الذي يمكن أن يُقارَن على نحو جاد بسياسة موسكو تجاه المنطقة نفسها خلال فترة الحرب الباردة، حيث ظهر واقع جديد في الساحة الدولية حالياً. وكما هي الحال مع حكومات القوى الكبرى المنخرطة في العلاقات الدولية المعاصرة، فإن تعزيز المصالح التجارية الوطنية ذات الأهمية الاستراتيجية يُعتبـَـر من الدوافع الرئيسية التي تقف خلف مبادرات السياسة الخارجية الروسية الحالية في منطقة الشرق الأوسط وغيرها من مناطق العالم الأخرى. وفي هذا السياق ينبغي لنا أن ننظر إلى تعاون روسيا الحالي مع إيران في مجالات الطاقة الذرية وتجارة الأسلحة بوصفه يمثل قضية ذات أهمية استراتيجية للدولتين، إلا أن الاتفاقيات الموقعة بينهما ينبغي أن يُنظـَـر إليها في ضوء أهداف سياسات الطاقة الشاملة التي تنتهجها روسيا في التعامل مع الاقتصاد العالمي. وتُعتبـَـر صادرات النفط والغاز هي البطاقة الرئيسية الرابحة لدى موسكو، سواء من حيث الإيرادات العائدة للاقتصاد الوطني أو بوصفها إحدى الأدوات والوسائل التي تخدم السياسة الخارجية الروسية. وفي السنوات الأخيرة تمكنت موسكو من تطوير علاقة استراتيجية مع أوروبا ومع اقتصادات دول شرق آسيا المزدهرة مستندة في ذلك إلى تزايد صادرات النفط والغاز. وفي الوقت نفسه دخلت موسكو في حوار جاد بشأن الطاقة مع واشنطن، وكل هذه الجوانب تشكل أولويات كبرى بالنسبة لروسيا، وهي توليها أهمية أكبر بالمقارنة مع علاقتها الاستراتيجية الراهنة مع إيران
::/fulltext::
::cck::3283::/cck::
