العلاقات الروسية – الإيرانية وأمن الخليج

::cck::3386::/cck::
::introtext::

أصبح الوجود الروسي في الأمن الخليجي حقيقة واضحة لا يمكن إغفالها أو تجاهلها، بل من الخطأ عدم التعامل معها بجدية وفاعلية أكبر خاصة من قبل دول الخليج العربية، وذلك بحكم العلاقات المتنامية والمتطورة بشكل كبير بين روسيا وإيران، هذه العلاقات التي لا تنحصر في البرنامج النووي الإيراني فقط، الذي تشرف على تنفيذه روسيا منذ البداية وحتى الآن، ولكن أيضاً وربما الأكثر أهمية التعاون العسكري الواضح والمتسارع في النمو بين موسكو وطهران.

::/introtext::
::fulltext::

أصبح الوجود الروسي في الأمن الخليجي حقيقة واضحة لا يمكن إغفالها أو تجاهلها، بل من الخطأ عدم التعامل معها بجدية وفاعلية أكبر خاصة من قبل دول الخليج العربية، وذلك بحكم العلاقات المتنامية والمتطورة بشكل كبير بين روسيا وإيران، هذه العلاقات التي لا تنحصر في البرنامج النووي الإيراني فقط، الذي تشرف على تنفيذه روسيا منذ البداية وحتى الآن، ولكن أيضاً وربما الأكثر أهمية التعاون العسكري الواضح والمتسارع في النمو بين موسكو وطهران.
ربما لاحظ الجميع مدى الجهود التي بذلتها روسيا خلال العامين الماضيين من أجل عدم تصاعد الحملة الأمريكية على إيران إلى حد الصدام، وأدت موسكو دورها في هذه العملية ببراعة وكفاءة شهد لها الكثيرون، فقد بدا للكثيرين أن موسكو لم تخل بالتزاماتها تجاه المجتمع الدولي، وأنها مستعدة للتخلي عن طهران، وانضمت في كثير من الأحيان للحملة الهجومية الانتقادية لإيران، كما استنكرت موسكو تماماً تصريحات محمود أحمدي نجاد ضد إسرائيل، وأكثر من ذلك ذهبت هي والصين لتأييد قرار مجلس الأمن رقم 1737 الصادر في ديسمبر عام 2006 بتوقيع عقوبات على إيران، وظن البعض آنذاك أن العلاقات الروسية – الإيرانية تراجعت، وأن طهران ستفقد حليفها الرئيسي وربما الوحيد، خاصة وأنه بعد صدور القرار صرح الرئيس الإيراني أحمدي نجاد بأن كل الذين دعموا وأيدوا قرار مجلس الأمن الذي أعدته بريطانيا وفرنسا وألمانيا سوف يندمون قريباً، وتصور الكثيرون بأن هذا التصريح يقصد بالتحديد روسيا والصين، خاصة أنه بعد صدور القرار بيومين أعلنت شركة النفط الحكومية الإيرانية دعوتها للشركات العالمية لتقديم عروض في قطاعات مهمة وحيوية لم يكن الإيرانيون يثقون بمنح العمل فيها لغير الروس، وخاصة في استثمار حقول النفط في شمال (أزادكان) جنوب إيران، وهي الحقول التي كان متفقاً عليها مع شركة (لوك أويل) الروسية، وزاد من شكوك الكثيرين أيضاً الأزمة التي ظهرت في مارس من العام الماضي بعد إعلان الروس وقف عملهم في محطة بوشهر (الكهروذرية) بحجة عدم وفاء الجانب الإيراني بالتزاماته المالية.
ورغم كل هذه الشواهد بتراجع العلاقات بين روسيا وإيران إلا أنه عندما زادت حملة التهديد الأمريكي بتوجيه الضربة العسكرية لإيران، وأصبح العالم كله يتوقع الحرب لم تجد روسيا بداً من كشف القناع والتصدي لهذه التهديدات وبقوة وعلنية وصلت إلى حد تصميم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على التوجه إلى طهران في أكتوبر الماضي في أول زيارة لرئيس روسي إليها في تاريخ البلدين، وذلك رغم التهديدات الجدية باحتمال تعرضه للاغتيال هناك، وكانت هذه الزيارة وانعقاد قمة دول بحر قزوين في طهران بتوقيت متزامن، وإعلان القمة في بيانها الختامي برفض أي اعتداء أجنبي على أية دولة من دول هذه القمة، بمثابة الصدمة بالنسبة لواشنطن، الأمر الذي ذهب بالبعض إلى ربط الذي حدث في (قمة قزوين) بظهور تقرير الاستخبارات الأمريكية في الرابع من ديسمبر، والذي يقول إن إيران جمّدت برنامجها للسلاح النووي عام 2003، هذا التقرير الذي لا يزال حتى الآن محل جدل وتساؤلات كثيرة حول سبب الإعلان عنه في هذا التوقيت بالتحديد، بينما الحملة الهجومية الأمريكية على إيران على أشدها.
وما إن صدر الإعلان عن تقرير الاستخبارات الأمريكية وهدأت الأجواء على الساحتين الإقليمية والدولية باستبعاد احتمال توجيه ضربة عسكرية أمريكية لإيران، حتى انهالت الأخبار متسارعة حول انتهاء كافة المشكلات بين موسكو وطهران حول محطة بوشهر الكهروذرية، وتأكيد الروس على التزامهم بالانتهاء من بناء المحطة وتسليمها للإيرانيين في أقرب وقت ممكن، وكأنه لم تكن هناك أية مشكلات بين البلدين، كما قامت موسكو في السادس عشر من ديسمبر الماضي بعد التقرير الأمريكي بأيام قليلة بتسليم الإيرانيين الدفعة الأولى من الوقود النووي، وبعدها بعشرة أيام استلمت الدفعة الثانية. والغريب في الأمر أن واشنطن لا تعترض على شيء، بل على العكس صرح الرئيس جورج بوش بأنه يؤيد ما تقوم به روسيا مطالباً طهران بالعدول نهائياً عن فكرة التخصيب طالما سيأتيها الوقود من روسيا تحت إشراف الوكالة الدولية، واعتقد الكثيرون أن الأزمة انتهت، وأن شبح التهديد بالحرب رحل وعاد الأمن إلى منطقة الخليج.
لكن عام 2007 لم يشأ أن يرحل في ظل هذه الأخبار السعيدة والمطمئنة، بل جاءت أيامه الأخيرة بأخبار أخرى لا تدعو إلى الاطمئنان بل تثير القلق والعديد من الشكوك والتساؤلات وخاصة لدى الغرب وواشنطن، حيث أعلنت موسكو أنها ستستأنف من جديد تعاونها العسكري مع إيران، وستساعدها على تعزيز منظومة دفاعها الجوي، وكانت موسكو قد أعلنت في ربيع العام الماضي أنها أوقفت تعاونها العسكري مع إيران، وكانت آخر صفقات السلاح الروسي عدد 29 منظومة من صواريخ الدفاع الجوى قصيرة المدى من طراز (تور إم1) استلمتها إيران في يناير من العام الماضي، ولم تعترض واشنطن على هذه الصفقة لأن هذا النوع من الصواريخ قصير المدى ومحدود الفاعلية، ولكن الصدمة الأمريكية جاءت في الأسبوع الأخير من ديسمبر الماضي عندما صرح وزير الدفاع الإيراني مصطفى محمد نجار بأن روسيا ستجهز إيران بأنظمة صاروخية من طراز (300-S)، وهي الأنظمة التي كانت واشنطن قد اتفقت مع موسكو على عدم بيعها لأية جهة أجنبية ولا حتى للصين والهند أكبر مستوردي السلاح من روسيا، وتعد هذه الأنظمة من الصواريخ المضادة للطائرات والصواريخ المجنحة من أقوى الأنظمة الدفاعية في العالم إن لم تكن أقواها، حيث تبلغ قدرتها على إصابة كل أنواع الطائرات على ارتفاع يصل إلى 27 كيلومتراً ومدى أرضي يصل إلى 300 كيلومتر، كما بإمكانها التصدي للصواريخ المجنحة والبالستية، وبشهادة معهد ستوكهولم الدولي للأبحاث الاستراتيجية فإن هذه الأنظمة الصاروخية الروسية تتفوق على الأنظمة الأمريكية (باتريوت) في دقة إصابة الهدف ومقاومة التشويش.
كما نشرت الصحف الروسية أخباراً تشير إلى تعاقدات بتزويد إيران بمقاتلات روسية حديثة من طراز (ميغ – 29 وسوخوي- 30)، وتزويد مقاتلات إيرانية قديمة بمحركات روسية حديثة أسرع من الصوت من طراز (33RD-)، كما أعلنت وزارة الدفاع الروسية أن الخبراء الروس يتولون الآن تدريب العسكريين الإيرانيين في أكاديمية الدفاع الجوي الروسية في مدينة سمولينسك.
ولكن الهيئة الفيدرالية الروسية للتعاون العسكري نفت ما ورد على لسان وزير الدفاع الإيراني، وأنكرت وجود اتفاق على تزويد إيران بمنظومة الدفاع الصاروخية (300 –S)، بينما أشارت صحف روسية إلى وجود اتفاق مؤجل بين الطرفين على بيع هذه المنظومة لإيران، ولكن الجانب الإيراني تسرع في الإعلان عنها مما دفع موسكو إلى نفيها. واشنطن من جانبها لا تثق بتصريحات الروس، وتعتقد أن تسليح روسيا لإيران سيأخذ أبعاداً أكثر من المتوقع، ولواشنطن تجربة سابقة مع صفقات السلاح الروسية السرية لسوريا في عام 2006، حيث كشفت تقارير استخباراتية عن اتفاق غير معلن بتزويد سوريا بأنظمة صواريخ روسية من طراز (إسكندر) والممنوع تصديرها بموجب اتفاقيات بين موسكو وواشنطن، وتبين بالفعل أن الاتفاق على الصفقة كان موجوداً، وعدلت عنه موسكو بعد كشفه.
والسؤال الذي يطرح نفسه الآن هو (لماذا تصر روسيا على تسليح إيران بالأسلحة الحديثة إذا كانت قضية البرنامج النووي قد هدأت من جانب واشنطن، وما مدى تداعيات ذلك على الأمن الإقليمي في منطقة الخليج؟).
الواقع أن موسكو تحتاج إلى إيران كحليف استراتيجي إقليمي مهم في الوقت الذي تواجه فيه روسيا مخططات توسعات حلف شمال الأطلسي شرقاً تجاه حدودها، وتواجه أيضاً مخططات واشنطن في جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق والتي بدأت بالثورات الملونة في جورجيا وأوكرانيا ومولدافيا، وتعلم موسكو علم اليقين أن بحر قزوين الذي يفصلها عن إيران يدخل ضمن أولويات الاستراتيجيات الأمريكية في الهيمنة على المناطق الحيوية في العالم، وهو ما ورد في تقرير مجلس الأمن القومي الأمريكي عام 2000 في ظل حكم الديمقراطيين في عهد الرئيس بيل كلينتون، ويشكل هذا البحر لواشنطن أهمية اقتصادية لثرواته النفطية وأيضاً أهمية استراتيجية للتوغل في وسط آسيا ومحاصرة روسيا من الجنوب ومحاصرة إيران من الشمال إلى جانب محاصرتها من الجنوب في الخليج العربي. والغريب في الأمر أن هذه المخططات تحظى في واشنطن باهتمام كبير من جانب الديمقراطيين أكثر من الجمهوريين الذين يركزون اهتمامهم أكثر على منطقة الخليج العربي بالتحديد، ولا يعيرون اهتماماً لتوسعات حلف الناتو واستراتيجيات الهيمنة العالمية، ولهذا لا يستبعد الروس في حال وصول الديمقراطيين إلى البيت الأبيض أن يبقوا على الوجود العسكري لهم في الخليج العربي، وأن يعودوا لتنشيط وتفعيل مخططاتهم في منطقة بحر قزوين، ثم يبحثوا بعد ذلك عن ذرائع للتحرش بإيران من جديد بهدف تغيير النظام فيها، ولهذا يرى خبراء الاستراتيجية الروسية أن تكثيف التعاون العسكري مع طهران سيشكل رادعاً قوياً يحول دون مغامرة أمريكية للتحرش بإيران.
إن تكثيف التعاون العسكري بين موسكو وطهران يفرض نفسه على سؤال الأمن في منطقة الخليج العربي، إذ إنه من المتوقع، وربما من المؤكد، أن يخل هذا الأمر بتوازن القوى في المنطقة، وقد تتخذ واشنطن هذا الأمر كذريعة لزيادة التسليح والعسكرة في المنطقة. ولا نستطيع أن نجزم بأن العلاقات الطيبة والمتطورة بين روسيا وبعض دول الخليج العربية ستشكل ضمانة قوية للحيلولة دون عودة تصاعد الأمور والأزمات في المنطقة، خاصة أن المغامرات الأمريكية في المنطقة لم تنته بعد ولا يعلم أحد متى ستنتهي، الأمر الذي يفرض على دول الخليج العربية ضرورة التعامل بجدية مع هذه التطورات والسعي الجاد لاحتواء الدور الروسي في المنطقة عن طريق المزيد من السعي لتحسين وتطوير العلاقات الخليجية – الروسية. ومن المتوقع أن تتولى المملكة العربية السعودية الدور الرئيسي في هذه المسألة بحكم الاستقلالية الملحوظة في توجهات سياساتها الخارجية في السنوات الأخيرة وبحكم علاقاتها المتطورة والقوية مع روسيا.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::3386::/cck::
::introtext::

أصبح الوجود الروسي في الأمن الخليجي حقيقة واضحة لا يمكن إغفالها أو تجاهلها، بل من الخطأ عدم التعامل معها بجدية وفاعلية أكبر خاصة من قبل دول الخليج العربية، وذلك بحكم العلاقات المتنامية والمتطورة بشكل كبير بين روسيا وإيران، هذه العلاقات التي لا تنحصر في البرنامج النووي الإيراني فقط، الذي تشرف على تنفيذه روسيا منذ البداية وحتى الآن، ولكن أيضاً وربما الأكثر أهمية التعاون العسكري الواضح والمتسارع في النمو بين موسكو وطهران.

::/introtext::
::fulltext::

أصبح الوجود الروسي في الأمن الخليجي حقيقة واضحة لا يمكن إغفالها أو تجاهلها، بل من الخطأ عدم التعامل معها بجدية وفاعلية أكبر خاصة من قبل دول الخليج العربية، وذلك بحكم العلاقات المتنامية والمتطورة بشكل كبير بين روسيا وإيران، هذه العلاقات التي لا تنحصر في البرنامج النووي الإيراني فقط، الذي تشرف على تنفيذه روسيا منذ البداية وحتى الآن، ولكن أيضاً وربما الأكثر أهمية التعاون العسكري الواضح والمتسارع في النمو بين موسكو وطهران.
ربما لاحظ الجميع مدى الجهود التي بذلتها روسيا خلال العامين الماضيين من أجل عدم تصاعد الحملة الأمريكية على إيران إلى حد الصدام، وأدت موسكو دورها في هذه العملية ببراعة وكفاءة شهد لها الكثيرون، فقد بدا للكثيرين أن موسكو لم تخل بالتزاماتها تجاه المجتمع الدولي، وأنها مستعدة للتخلي عن طهران، وانضمت في كثير من الأحيان للحملة الهجومية الانتقادية لإيران، كما استنكرت موسكو تماماً تصريحات محمود أحمدي نجاد ضد إسرائيل، وأكثر من ذلك ذهبت هي والصين لتأييد قرار مجلس الأمن رقم 1737 الصادر في ديسمبر عام 2006 بتوقيع عقوبات على إيران، وظن البعض آنذاك أن العلاقات الروسية – الإيرانية تراجعت، وأن طهران ستفقد حليفها الرئيسي وربما الوحيد، خاصة وأنه بعد صدور القرار صرح الرئيس الإيراني أحمدي نجاد بأن كل الذين دعموا وأيدوا قرار مجلس الأمن الذي أعدته بريطانيا وفرنسا وألمانيا سوف يندمون قريباً، وتصور الكثيرون بأن هذا التصريح يقصد بالتحديد روسيا والصين، خاصة أنه بعد صدور القرار بيومين أعلنت شركة النفط الحكومية الإيرانية دعوتها للشركات العالمية لتقديم عروض في قطاعات مهمة وحيوية لم يكن الإيرانيون يثقون بمنح العمل فيها لغير الروس، وخاصة في استثمار حقول النفط في شمال (أزادكان) جنوب إيران، وهي الحقول التي كان متفقاً عليها مع شركة (لوك أويل) الروسية، وزاد من شكوك الكثيرين أيضاً الأزمة التي ظهرت في مارس من العام الماضي بعد إعلان الروس وقف عملهم في محطة بوشهر (الكهروذرية) بحجة عدم وفاء الجانب الإيراني بالتزاماته المالية.
ورغم كل هذه الشواهد بتراجع العلاقات بين روسيا وإيران إلا أنه عندما زادت حملة التهديد الأمريكي بتوجيه الضربة العسكرية لإيران، وأصبح العالم كله يتوقع الحرب لم تجد روسيا بداً من كشف القناع والتصدي لهذه التهديدات وبقوة وعلنية وصلت إلى حد تصميم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على التوجه إلى طهران في أكتوبر الماضي في أول زيارة لرئيس روسي إليها في تاريخ البلدين، وذلك رغم التهديدات الجدية باحتمال تعرضه للاغتيال هناك، وكانت هذه الزيارة وانعقاد قمة دول بحر قزوين في طهران بتوقيت متزامن، وإعلان القمة في بيانها الختامي برفض أي اعتداء أجنبي على أية دولة من دول هذه القمة، بمثابة الصدمة بالنسبة لواشنطن، الأمر الذي ذهب بالبعض إلى ربط الذي حدث في (قمة قزوين) بظهور تقرير الاستخبارات الأمريكية في الرابع من ديسمبر، والذي يقول إن إيران جمّدت برنامجها للسلاح النووي عام 2003، هذا التقرير الذي لا يزال حتى الآن محل جدل وتساؤلات كثيرة حول سبب الإعلان عنه في هذا التوقيت بالتحديد، بينما الحملة الهجومية الأمريكية على إيران على أشدها.
وما إن صدر الإعلان عن تقرير الاستخبارات الأمريكية وهدأت الأجواء على الساحتين الإقليمية والدولية باستبعاد احتمال توجيه ضربة عسكرية أمريكية لإيران، حتى انهالت الأخبار متسارعة حول انتهاء كافة المشكلات بين موسكو وطهران حول محطة بوشهر الكهروذرية، وتأكيد الروس على التزامهم بالانتهاء من بناء المحطة وتسليمها للإيرانيين في أقرب وقت ممكن، وكأنه لم تكن هناك أية مشكلات بين البلدين، كما قامت موسكو في السادس عشر من ديسمبر الماضي بعد التقرير الأمريكي بأيام قليلة بتسليم الإيرانيين الدفعة الأولى من الوقود النووي، وبعدها بعشرة أيام استلمت الدفعة الثانية. والغريب في الأمر أن واشنطن لا تعترض على شيء، بل على العكس صرح الرئيس جورج بوش بأنه يؤيد ما تقوم به روسيا مطالباً طهران بالعدول نهائياً عن فكرة التخصيب طالما سيأتيها الوقود من روسيا تحت إشراف الوكالة الدولية، واعتقد الكثيرون أن الأزمة انتهت، وأن شبح التهديد بالحرب رحل وعاد الأمن إلى منطقة الخليج.
لكن عام 2007 لم يشأ أن يرحل في ظل هذه الأخبار السعيدة والمطمئنة، بل جاءت أيامه الأخيرة بأخبار أخرى لا تدعو إلى الاطمئنان بل تثير القلق والعديد من الشكوك والتساؤلات وخاصة لدى الغرب وواشنطن، حيث أعلنت موسكو أنها ستستأنف من جديد تعاونها العسكري مع إيران، وستساعدها على تعزيز منظومة دفاعها الجوي، وكانت موسكو قد أعلنت في ربيع العام الماضي أنها أوقفت تعاونها العسكري مع إيران، وكانت آخر صفقات السلاح الروسي عدد 29 منظومة من صواريخ الدفاع الجوى قصيرة المدى من طراز (تور إم1) استلمتها إيران في يناير من العام الماضي، ولم تعترض واشنطن على هذه الصفقة لأن هذا النوع من الصواريخ قصير المدى ومحدود الفاعلية، ولكن الصدمة الأمريكية جاءت في الأسبوع الأخير من ديسمبر الماضي عندما صرح وزير الدفاع الإيراني مصطفى محمد نجار بأن روسيا ستجهز إيران بأنظمة صاروخية من طراز (300-S)، وهي الأنظمة التي كانت واشنطن قد اتفقت مع موسكو على عدم بيعها لأية جهة أجنبية ولا حتى للصين والهند أكبر مستوردي السلاح من روسيا، وتعد هذه الأنظمة من الصواريخ المضادة للطائرات والصواريخ المجنحة من أقوى الأنظمة الدفاعية في العالم إن لم تكن أقواها، حيث تبلغ قدرتها على إصابة كل أنواع الطائرات على ارتفاع يصل إلى 27 كيلومتراً ومدى أرضي يصل إلى 300 كيلومتر، كما بإمكانها التصدي للصواريخ المجنحة والبالستية، وبشهادة معهد ستوكهولم الدولي للأبحاث الاستراتيجية فإن هذه الأنظمة الصاروخية الروسية تتفوق على الأنظمة الأمريكية (باتريوت) في دقة إصابة الهدف ومقاومة التشويش.
كما نشرت الصحف الروسية أخباراً تشير إلى تعاقدات بتزويد إيران بمقاتلات روسية حديثة من طراز (ميغ – 29 وسوخوي- 30)، وتزويد مقاتلات إيرانية قديمة بمحركات روسية حديثة أسرع من الصوت من طراز (33RD-)، كما أعلنت وزارة الدفاع الروسية أن الخبراء الروس يتولون الآن تدريب العسكريين الإيرانيين في أكاديمية الدفاع الجوي الروسية في مدينة سمولينسك.
ولكن الهيئة الفيدرالية الروسية للتعاون العسكري نفت ما ورد على لسان وزير الدفاع الإيراني، وأنكرت وجود اتفاق على تزويد إيران بمنظومة الدفاع الصاروخية (300 –S)، بينما أشارت صحف روسية إلى وجود اتفاق مؤجل بين الطرفين على بيع هذه المنظومة لإيران، ولكن الجانب الإيراني تسرع في الإعلان عنها مما دفع موسكو إلى نفيها. واشنطن من جانبها لا تثق بتصريحات الروس، وتعتقد أن تسليح روسيا لإيران سيأخذ أبعاداً أكثر من المتوقع، ولواشنطن تجربة سابقة مع صفقات السلاح الروسية السرية لسوريا في عام 2006، حيث كشفت تقارير استخباراتية عن اتفاق غير معلن بتزويد سوريا بأنظمة صواريخ روسية من طراز (إسكندر) والممنوع تصديرها بموجب اتفاقيات بين موسكو وواشنطن، وتبين بالفعل أن الاتفاق على الصفقة كان موجوداً، وعدلت عنه موسكو بعد كشفه.
والسؤال الذي يطرح نفسه الآن هو (لماذا تصر روسيا على تسليح إيران بالأسلحة الحديثة إذا كانت قضية البرنامج النووي قد هدأت من جانب واشنطن، وما مدى تداعيات ذلك على الأمن الإقليمي في منطقة الخليج؟).
الواقع أن موسكو تحتاج إلى إيران كحليف استراتيجي إقليمي مهم في الوقت الذي تواجه فيه روسيا مخططات توسعات حلف شمال الأطلسي شرقاً تجاه حدودها، وتواجه أيضاً مخططات واشنطن في جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق والتي بدأت بالثورات الملونة في جورجيا وأوكرانيا ومولدافيا، وتعلم موسكو علم اليقين أن بحر قزوين الذي يفصلها عن إيران يدخل ضمن أولويات الاستراتيجيات الأمريكية في الهيمنة على المناطق الحيوية في العالم، وهو ما ورد في تقرير مجلس الأمن القومي الأمريكي عام 2000 في ظل حكم الديمقراطيين في عهد الرئيس بيل كلينتون، ويشكل هذا البحر لواشنطن أهمية اقتصادية لثرواته النفطية وأيضاً أهمية استراتيجية للتوغل في وسط آسيا ومحاصرة روسيا من الجنوب ومحاصرة إيران من الشمال إلى جانب محاصرتها من الجنوب في الخليج العربي. والغريب في الأمر أن هذه المخططات تحظى في واشنطن باهتمام كبير من جانب الديمقراطيين أكثر من الجمهوريين الذين يركزون اهتمامهم أكثر على منطقة الخليج العربي بالتحديد، ولا يعيرون اهتماماً لتوسعات حلف الناتو واستراتيجيات الهيمنة العالمية، ولهذا لا يستبعد الروس في حال وصول الديمقراطيين إلى البيت الأبيض أن يبقوا على الوجود العسكري لهم في الخليج العربي، وأن يعودوا لتنشيط وتفعيل مخططاتهم في منطقة بحر قزوين، ثم يبحثوا بعد ذلك عن ذرائع للتحرش بإيران من جديد بهدف تغيير النظام فيها، ولهذا يرى خبراء الاستراتيجية الروسية أن تكثيف التعاون العسكري مع طهران سيشكل رادعاً قوياً يحول دون مغامرة أمريكية للتحرش بإيران.
إن تكثيف التعاون العسكري بين موسكو وطهران يفرض نفسه على سؤال الأمن في منطقة الخليج العربي، إذ إنه من المتوقع، وربما من المؤكد، أن يخل هذا الأمر بتوازن القوى في المنطقة، وقد تتخذ واشنطن هذا الأمر كذريعة لزيادة التسليح والعسكرة في المنطقة. ولا نستطيع أن نجزم بأن العلاقات الطيبة والمتطورة بين روسيا وبعض دول الخليج العربية ستشكل ضمانة قوية للحيلولة دون عودة تصاعد الأمور والأزمات في المنطقة، خاصة أن المغامرات الأمريكية في المنطقة لم تنته بعد ولا يعلم أحد متى ستنتهي، الأمر الذي يفرض على دول الخليج العربية ضرورة التعامل بجدية مع هذه التطورات والسعي الجاد لاحتواء الدور الروسي في المنطقة عن طريق المزيد من السعي لتحسين وتطوير العلاقات الخليجية – الروسية. ومن المتوقع أن تتولى المملكة العربية السعودية الدور الرئيسي في هذه المسألة بحكم الاستقلالية الملحوظة في توجهات سياساتها الخارجية في السنوات الأخيرة وبحكم علاقاتها المتطورة والقوية مع روسيا.

::/fulltext::
::cck::3386::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *