متطلبات تعزيز قدرة دول مجلس التعاون على مواجهة التهديدات المحتملة

::cck::3405::/cck::
::introtext::

يتوجب على الباحث في مستقبل منطقة الخليج العربي استطلاع الماضي من اتجاهات ومقاربات مختلفة للوصول إلى قناعات تحدد الرؤية المستقبلية للمنطقة بناء على المستجدات الهائلة التي حدثت وسوف تحدث في السنوات المقبلة.

::/introtext::
::fulltext::

يتوجب على الباحث في مستقبل منطقة الخليج العربي استطلاع الماضي من اتجاهات ومقاربات مختلفة للوصول إلى قناعات تحدد الرؤية المستقبلية للمنطقة بناء على المستجدات الهائلة التي حدثت وسوف تحدث في السنوات المقبلة.
لم تكن هناك أي أهمية لمنطقة الخليج العربي قبل القرن التاسع عشر لأسباب عديدة، أبرزها وعورة وعدم وجود طرق للمواصلات تربط شماله بجنوبه وشرقه بغربه، وصعوبة الطقس الصحراوي القاسي وانعدام الموارد أو المصادر المكونة للثروات الطبيعية في دوله المختلفة.
برزت أهمية منطقة الخليج العربي اعتباراً من منتصف القرن التاسع عشر نتيجة للتوسع الأوروبي الاستعماري واكتشاف أهمية موقعه الاستراتيجي بين ثلاث قارات تمثل نقطة التقاء للتجارة المختلفة خاصة بالنسبة لبريطانيا التي كانت تعتبر طرق المواصلات من وإلى الهند التي تمثل جوهرة التاج البريطاني، وهو ما مثل عبئاً استراتيجياً على شعوب الخليج نظراً لاستقطاب ذلك للقوى العظمى للسيطرة عليه، بل إن بعض الدول الأوروبية اعتبرته جزءاً من منظومتها الأمنية.
ويطلعنا التاريخ على أن منطقة الخليج العربي مرت بمراحل تدرج وأهمية تتوازى مع تطور النفوذ البريطاني الذي قضى على النفوذ البرتغالي ودخل في نزاع مع النفوذ الهولندي وواجه النفوذ الفرنسي وتصدى للنفوذ الألماني وأوقف النفوذ الروسي.
وتاريخياً كان اكتشاف المخزون النفطي الهائل الذي تحتويه الدول الخليجية أحد الأسباب في الصراع على المنطقة بين المعسكرين الشرقي والغربي أثناء الحرب الباردة وارتفاع شأن وأهمية منطقة الخليج دولياً (تحتوي دول المجلس الست على 43 في المائة من احتياطي النفط العالمي مما يجعلها بالغة الأهمية الاستراتيجية)، كما أن منطقة الخليج العربي تعتبر إحدى أهم المناطق الاستراتيجية في العالم، وتتزايد أهميتها مع زيادة أهمية النفط كسلعة استراتيجية بالإضافة إلى الأهمية الجيوبوليتكية للمنطقة مما جعلها موضعاً لتهديدات أمنية عديدة، وهو ما حدا بالرئيس الأمريكي آنذاك ترومان بعد الحرب العالمية الثانية عام 1947 إلى إشهار (مبدأ ترومان) الذي صنّف الشيوعية كخطر على الخليج وثرواته، وأدى فيما بعد إلى التقاء المصالح الأمريكية والبريطانية في خمسينات القرن الماضي بإعلان (مبدأ أيزنهاور) عام 1956 لصد أي تغلغل سوفييتي في الخليج بعد أزمة حرب السويس عام 1956.
وعلى امتداد ثلاثة عقود في الفترة الممتدة من عام 1960 وحتى عام 1990 بدأت بالبروز تداعيات خطيرة على أمن وسلامة المنطقة، فحينما بدأت بوادر انهيار الإمبراطورية البريطانية التي لا تغيب الشمس عنها، وتنامي الحركات الاستقلالية في ظل التداعيات الأمنية الاستراتيجية للقرار البريطاني بالانسحاب من الخليج العربي عام 1967 ومحاولة شاه إيران السابق ملء الفراغ، وطرح العراق نفسه كدولة مدافعة عن عروبة الخليج في وجه التهديد الفارسي، بدأت المنطقة تعاني من فراغ أمني وسياسي لم تستطع سياسة الأحلاف الإقليمية شغر مساحة الفراغ الناتج عن ذلك في ظل استمرار الصراع بين المعسكرين الغربي والشرقي أثناء الحرب الباردة وصعود تيار القومية العربية وحركات مكافحة الاستعمار.
لقد مثلت إيران في ثمانينات القرن الماضي المصدر الحقيقي للتهديد القومي على أمن الخليج، ولعبت المؤثرات الإقليمية والعالمية دوراً كبيراً في التوتر الخليجي – العربي – الإيراني، ولم يكن نظام الخميني النظام المثالي الذي تصوره البعض، ولم يفرط ذاك النظام الثوري في مصالح إيران الحيوية، بل وضع العواطف جانباً وتبنى موقف الشاه نفسه في قضايا جزر الخليج الثلاث الإماراتية وموضوع البحرين، بل إن سياسة تصدير الثورة الخمينية ساهمت في ازدياد السخط الشعبي والرسمي في الدول الخليجية.
إن أحد أهم أسباب تشكيل اتحاد دول مجلس التعاون في بداية الثمانينات من القرن المنصرم هو التهديد الإيراني في تلك الفترة والذي أكد الحاجة إلى خلق منظور جديد للأمن الإقليمي رغم الاختلافات السياسية والمشكلات الحدودية بين دول المجلس، ولعل وجود التجانس والروابط بين تلك الدول ساهم في دفع ذلك المنظور للأمام رغم البدايات المتعثرة لمنظومات مشابهة.
وهناك عدة عوامل تثير القلق لدول المجلس وهي محصلة أحداث ومبادرات وصراع وتحديات جديدة، فليس سراً ازدياد القلق العربي من زيادة النفوذ الإيراني في الخليج، كما أن الصراع الطائفي في العراق وتداعياته في المنطقة يثيران الارتباك ويصعبان من قراءة الأحداث في المنطقة.
وتوصم منطقة دول الخليج منذ سنوات عديدة بأنها بيئة توتر عالية لأسباب تتمحور بين العوامل الخارجية والتحديات الداخلية، هذه البيئة المتوترة أثرت سياسياً واقتصادياً وعسكرياً وأمنياً في البلدان الخليجية كل حسب ظروفه. لقد واجهت كل دولة خليجية تهديدات جدية في العقود الماضية بسبب المشكلات الحدودية أو فرض بعض القوى الإقليمية أجندتها الخاصة، إضافة إلى وقوع تلك الدول في منتصف دائرة صراعات إقليمية أدت إلى دخولها في حروب ونزاعات رغماً عنها بسبب التهور السياسي لبعض الأنظمة الإقليمية في المنطقة حيث دخلت المنطقة في محور الصراعات اعتباراً من منتصف القرن الماضي نتيجة لمجموعة من المتغيرات الدولية والإقليمية.
وهناك عدة عوامل ستؤثر في الاستقرار الأمني في الخليج لسنوات عديدة على المديين القصير والمتوسط والطويل، وقد تعيد رسم خريطة المنطقة المستقبلية لتفرض مفاهيم جديدة لتبعات النظام العالمي الجديد إضافة إلى سبل ووسائل معالجة الملف النووي الإيراني.
وواجهت دول مجلس التعاون الخليجي ولا تزال تحديات عديدة في مجالات مختلفة رغم الإجراءات المختلفة التي تمت منذ إنشاء المجلس قبل ستة وعشرين عاماً، فهناك تحديات سياسية واقتصادية واجتماعية وبيئية، واختلال في التنمية البشرية، إضافة إلى التحدي الأمني والعسكري نتيجة للمتغيرات السريعة التي شهدها القرن الماضي وبداية هذا القرن.
وسنحاول التطرق في هذه الدراسة إلى الجانب الأمني والعسكري فقط كأبرز التحديات التي تواجه دول المجلس في ظل ارتفاع وتيرة التهديدات الإرهابية، وانطلاقاً من أن كافة دول المجلس تدرك أن النمو والازدهار الاقتصادي اللذين تنعم بهما لا يمكن أن يتحققا ويتطورا إلا في ظل بيئة أمنية مستقرة، كما أن كافة الإجراءات التي تمت بين دول المجلس خلال فترة الحرب العراقية – الإيرانية لم تصمد عندما اجتاح العراق الكويت في أغسطس 1990، وأدت إلى الاعتراف ضمناً بهشاشة الموقف العسكري والأمني.
التحديات العسكرية
يعتبر البرنامج النووي الإيراني العسكري ضمن أخطر التحديات لدول المجلس، فإصرار إيران على امتلاك السلاح النووي من شأنه أن يعوق إمكان التوصل إلى صيغة أمنية مستقبلية لأمن الخليج، وسيؤدي إلى قيام سباق نووي ليس في منطقة الخليج فحسب، وإنما في المنطقة العربية كلها. يضاف إلى ذلك، صعوبة التوصل إلى صيغة مشتركة لأمن الخليج، حيث تعد تلك القضية من القضايا الخلافية في العلاقات الإيرانية – الخليجية. فإيران طالبت بشكل مستمر بأن يكون لها دور في الترتيبات الأمنية الخاصة بالمنطقة انطلاقاً من أن أمن الخليج هو مسؤولية دوله، الأمر الذي يتعارض مع رؤية دول المجلس الست التي ترى في الوجود الأجنبي عاملاً مهماً لضمان أمنها واستقرارها في ظل إصرار إيران على امتلاك السلاح النووي الذي حقق أحد أهدافها الاستراتيجية وهو تقيد النفوذ الغربي بالمنطقة.
ولعل أبرز التحديات لدول المجلس تتمثل في كون معظم المنشآت الحيوية كمحطات التقطير وتوليد الكهرباء والمصافي البترولية تقع على شاطئ الخليج العربي أو بالقرب من الساحل وهي عرضة للهجوم من البحر وتمثل تحدياً عسكرياً وهاجساً للمخططين للدفاع عنها خاصة إذا تم تنفيذ السيناريو العسكري ضد إيران.
ورغم أن التعاون العسكري حظي بالاهتمام مبكراً في مسيرة المجلس انطلاقاً من وحدة الهدف والمصير وحقائق الجغرافيا والتاريخ المشترك، ولكونه الخيار الاستراتيجي الوحيد في ظل ارتفاع التهديدات الإيرانية وما يحدث في العراق إلا أن تنمية وتعزيز القدرات الدفاعية الخليجية لم يواكبا هذه التصورات، فقوة درع الجزيرة لم تستطع الدفاع عن الكويت في أغسطس 1990، وكان الانتشار الناجح لقوة (درع الجزيرة) في الكويت أثناء حرب تحرير العراق مثالاً جيداً على الاستفادة من أخطاء الماضي، ولم توقع اتفاقية الدفاع المشترك إلا بعد تسعة عشر عاماً من إنشاء المجلس في عام 2000، ورغم ذلك إلا أن الاستخدام الجيد لنظام القيادة والسيطرة والنظم الآلية المواكبة لها في النظام المركزي للدفاع الجوي الخليجي أثبت فاعليته في حرب تحرير العراق عام 2003 عندما استطاع السيطرة على مسرح العمليات ونقل صورة متكاملة عن الأحداث المحيطة بالعراق، وساهم في تقليل الجهد العسكري، وأعطى أفضلية لعمليات الإنذار المبكر.
التحديات الأمنية
رغم توقيع الاتفاقية الأمنية بين دول مجلس التعاون عام 1994 باستثناء الكويت لأسباب تشريعية تتعلق بالدستور الكويتي (تم لاحقاً الوصول إلى صيغة توافقية لا تتعارض مع الدستور الكويتي للاتفاقية الأمنية) والتي تعالج قضايا التعاون الأمني من نواح قانونية بين دول المجلس، وتوقيع الاستراتيجية الأمنية الشاملة في فبراير 1987، وهي عبارة عن إطار عام للتعاون الأمني بين الدول الأعضاء بمفهومه الشامل، وإصدار إعلان مسقط بشأن مكافحة الإرهاب عام 2002 والتوصل إلى اتفاقية لدول المجلس لمكافحة الإرهاب عام 2004، وتشكيل لجنة أمنية دائمة مختصة بمكافحة الإرهاب والتعاون المثمر في مجال مكافحة المخدرات والذي أثمر عن توقيع التشريع النموذجي الموحد لمكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية عام 1998 وقرار الاستمرار به لمدة خمسة أعوام أخرى عام 2005، إلا أن التحديات الأمنية تظل إحدى نقاط الضعف لدول المجلس وخاصة في مجال تهريب المخدرات والقضاء على الحركات الإرهابية التي تجد لها مأوى في بعض دول المجلس، إضافة إلى اتساع عمليات غسل الأموال وعدم وجود ضوابط لمكافحة الجرائم الإلكترونية والجريمة المنظمة ومشكلة التركيبة السكانية، ووقف عمليات التسلل (تمتاز السعودية وسلطنة عمان بمساحة أراض شاسعة مقارنة بالدول الأربع الأخرى مقابل قلة المصادر البشرية رغم احتوائها على مصادر اقتصادية مهمة وهو ما يحد من وقف عمليات التسلل الأجنبي والعناصر الإرهابية عبر مساحات حدودية كبيرة للغاية تصعب تغطية كافة منافذها)،
وتواجه دول المجلس كذلك تحدياً أمنياً من نوع جديد ناتج عن حالة عدم الاستقرار في العراق الذي أصبح بيئة جاذبة للإرهاب والإرهابيين في ظل ظروف أمنية بالغة الخطورة تجعل من تسرب الإرهابيين وعمليات تهريب المخدرات ومشكلة النازحين إلى دول المجلس كابوساً أمنياً له محاذير بالغة الخطورة.
كيف يمكن مواجهة التهديدات القائمة والمحتملة:
أولاً: المجال العسكري
في غياب جواب مؤكد لحل قضية الملف النووي الإيراني غير السلمي ولخطورة هذا الملف، فالدعوة إلى تحريك حل سياسي لهذه القضية قد تكون هو الحل الأمثل لإضعاف الموقف المتشدد الإيراني واحتمال الوصول إلى رؤية جديدة لحل هذه المعضلة من دون الدخول إلى احتمالات خطرة يصعب التعامل مع نتائجها فيما لو اندلعت العمليات الحربية.
ففي ظل التهديدات الحالية الإيرانية يجب تطوير قدرات دول الخليج الصاروخية ضد إمكانية استخدام إيران أسلحة الدمار الشامل ضد دول المجلس في حال إقرار الخيار العسكري للتحالف ضد إيران خاصة في مجال التصدي للصواريخ البالستية. ويجب أيضاً إحياء فكرة التعاون الدفاعي بين دول الخليج والولايات المتحدة الأمريكية والتي تم طرحها في تسعينات القرن الماضي كخيار أمثل لمواجهة التهديدات المحتملة من الجانب الآخر من الخليج، وهو ما يعني التركيز على القوات الجوية والبحرية لدول المجلس دون القوات البرية استناداً إلى أن الهجمات البرية والبحرية الإيرانية هي الأكثر احتمالاً والأكثر خطورة.
ونظراً لخطورة أسلحة الدمار الشامل فإن دول المجلس مطالبة بتفعيل التعاون العسكري، وإعداد استراتيجيات جديدة لصد الأخطار المحتملة لهذه الأسلحة وحماية المواطنين والمنشآت الحيوية وتطوير أنظمة الإنذار المبكر ونظام القيادة والسيطرة والاتصالات والاستخبارات، مع زيادة التنسيق المشترك وتبادل المعلومات على كافة الصعد.
ورغم التطوير الملموس على قوة (درع الجزيرة) إلا أن دول المجلس مطالبة بتحديد الاستخدام الأمثل لهذه القوة وعدم الوقوع في سبات الارتخاء العسكري بحجة انتهاء التهديد العراقي لها.
ثانياً: المجال الأمني
على الرغم من خطوات دول مجلس التعاون الإيجابية في المجال الأمني إلا أننا نعتقد بإمكانية توفر عدة فرص لتطوير الأوضاع الحالية خاصة أن الأوضاع على الساحتين الإقليمية والدولية تتطلب تكثيف الجهود الأمنية المشتركة مما يعني زيادة الاستثمار في البيئة الأمنية لكافة دول المجلس. كما يقترح الاستفادة من الدروس التي اكتسبتها بعض الدول مثل مصر في مجال مكافحة والقضاء على الإرهاب، وزيادة التنسيق الحالي القائم بين دول المجلس ودراسة وتقييم خطر الجنسية المزدوجة بين الدول الخليجية التي تساعد على التنقل بين دولها من دون اكتشاف خطر استخدام وثائق سفر ثنائية أو أكثر.
وتتطلب قضية المخدرات التي أصبحت أحد المخاطر الكبيرة لأمن دول المجلس حلاً جذرياً نابعاً من تتبع طرق تهريبها إلى المنطقة، واتخاذ إجراءات رادعة تصل إلى الإعدام العلني لجالبيها والمتاجرين بها. كما يجب تطوير الإجراءات المختصة بعمليات غسل الأموال والجريمة الإلكترونية التي تهدد اقتصاد دول المجلس بإصدار تشريعات جديدة مواكبة للتقدم الكبير على مستوى التقنيات المتوفرة لرصد وإيقاف مثل هذه الاختراقات.
وعلى الرغم من كون التركيبة السكانية إجراء سيادياً لكل دولة، إلا أن الخلل الخطير في إعداد العمالة الأجنبية والتجنيس العشوائي لغير المواطنين بحجج سياسية واقتصادية سيربكان الوضع الأمني، ويتطلبان إعطاء أهمية كبيرة لهذه القضية التي تؤثر في الأمن القومي لدول الخليج، وهو ما يتطلب اتخاذ إجراءات عاجلة لوقف التدهور في العلاقات الاجتماعية بسبب ذلك والذي يترك آثاراً سلبية على الأوضاع الأمنية في دول المجلس.
كما يتطلب التعاطي مع مشكلة تدهور الأوضاع الأمنية في العراق وإمكانية انتقالها إلى دول المجلس بجدية أكبر عبر التنسيق مع الحكومة المركزية العراقية (رغم ضعفها) ومع دول التحالف الموجودة في العراق مع تحسين الإجراءات الحدودية رغم التكلفة العالية بواسطة زيادة نقاط المراقبة وتركيب كاميرات الرصد وبناء السواتر الترابية والأسوار الالكترونية.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::3405::/cck::
::introtext::

يتوجب على الباحث في مستقبل منطقة الخليج العربي استطلاع الماضي من اتجاهات ومقاربات مختلفة للوصول إلى قناعات تحدد الرؤية المستقبلية للمنطقة بناء على المستجدات الهائلة التي حدثت وسوف تحدث في السنوات المقبلة.

::/introtext::
::fulltext::

يتوجب على الباحث في مستقبل منطقة الخليج العربي استطلاع الماضي من اتجاهات ومقاربات مختلفة للوصول إلى قناعات تحدد الرؤية المستقبلية للمنطقة بناء على المستجدات الهائلة التي حدثت وسوف تحدث في السنوات المقبلة.
لم تكن هناك أي أهمية لمنطقة الخليج العربي قبل القرن التاسع عشر لأسباب عديدة، أبرزها وعورة وعدم وجود طرق للمواصلات تربط شماله بجنوبه وشرقه بغربه، وصعوبة الطقس الصحراوي القاسي وانعدام الموارد أو المصادر المكونة للثروات الطبيعية في دوله المختلفة.
برزت أهمية منطقة الخليج العربي اعتباراً من منتصف القرن التاسع عشر نتيجة للتوسع الأوروبي الاستعماري واكتشاف أهمية موقعه الاستراتيجي بين ثلاث قارات تمثل نقطة التقاء للتجارة المختلفة خاصة بالنسبة لبريطانيا التي كانت تعتبر طرق المواصلات من وإلى الهند التي تمثل جوهرة التاج البريطاني، وهو ما مثل عبئاً استراتيجياً على شعوب الخليج نظراً لاستقطاب ذلك للقوى العظمى للسيطرة عليه، بل إن بعض الدول الأوروبية اعتبرته جزءاً من منظومتها الأمنية.
ويطلعنا التاريخ على أن منطقة الخليج العربي مرت بمراحل تدرج وأهمية تتوازى مع تطور النفوذ البريطاني الذي قضى على النفوذ البرتغالي ودخل في نزاع مع النفوذ الهولندي وواجه النفوذ الفرنسي وتصدى للنفوذ الألماني وأوقف النفوذ الروسي.
وتاريخياً كان اكتشاف المخزون النفطي الهائل الذي تحتويه الدول الخليجية أحد الأسباب في الصراع على المنطقة بين المعسكرين الشرقي والغربي أثناء الحرب الباردة وارتفاع شأن وأهمية منطقة الخليج دولياً (تحتوي دول المجلس الست على 43 في المائة من احتياطي النفط العالمي مما يجعلها بالغة الأهمية الاستراتيجية)، كما أن منطقة الخليج العربي تعتبر إحدى أهم المناطق الاستراتيجية في العالم، وتتزايد أهميتها مع زيادة أهمية النفط كسلعة استراتيجية بالإضافة إلى الأهمية الجيوبوليتكية للمنطقة مما جعلها موضعاً لتهديدات أمنية عديدة، وهو ما حدا بالرئيس الأمريكي آنذاك ترومان بعد الحرب العالمية الثانية عام 1947 إلى إشهار (مبدأ ترومان) الذي صنّف الشيوعية كخطر على الخليج وثرواته، وأدى فيما بعد إلى التقاء المصالح الأمريكية والبريطانية في خمسينات القرن الماضي بإعلان (مبدأ أيزنهاور) عام 1956 لصد أي تغلغل سوفييتي في الخليج بعد أزمة حرب السويس عام 1956.
وعلى امتداد ثلاثة عقود في الفترة الممتدة من عام 1960 وحتى عام 1990 بدأت بالبروز تداعيات خطيرة على أمن وسلامة المنطقة، فحينما بدأت بوادر انهيار الإمبراطورية البريطانية التي لا تغيب الشمس عنها، وتنامي الحركات الاستقلالية في ظل التداعيات الأمنية الاستراتيجية للقرار البريطاني بالانسحاب من الخليج العربي عام 1967 ومحاولة شاه إيران السابق ملء الفراغ، وطرح العراق نفسه كدولة مدافعة عن عروبة الخليج في وجه التهديد الفارسي، بدأت المنطقة تعاني من فراغ أمني وسياسي لم تستطع سياسة الأحلاف الإقليمية شغر مساحة الفراغ الناتج عن ذلك في ظل استمرار الصراع بين المعسكرين الغربي والشرقي أثناء الحرب الباردة وصعود تيار القومية العربية وحركات مكافحة الاستعمار.
لقد مثلت إيران في ثمانينات القرن الماضي المصدر الحقيقي للتهديد القومي على أمن الخليج، ولعبت المؤثرات الإقليمية والعالمية دوراً كبيراً في التوتر الخليجي – العربي – الإيراني، ولم يكن نظام الخميني النظام المثالي الذي تصوره البعض، ولم يفرط ذاك النظام الثوري في مصالح إيران الحيوية، بل وضع العواطف جانباً وتبنى موقف الشاه نفسه في قضايا جزر الخليج الثلاث الإماراتية وموضوع البحرين، بل إن سياسة تصدير الثورة الخمينية ساهمت في ازدياد السخط الشعبي والرسمي في الدول الخليجية.
إن أحد أهم أسباب تشكيل اتحاد دول مجلس التعاون في بداية الثمانينات من القرن المنصرم هو التهديد الإيراني في تلك الفترة والذي أكد الحاجة إلى خلق منظور جديد للأمن الإقليمي رغم الاختلافات السياسية والمشكلات الحدودية بين دول المجلس، ولعل وجود التجانس والروابط بين تلك الدول ساهم في دفع ذلك المنظور للأمام رغم البدايات المتعثرة لمنظومات مشابهة.
وهناك عدة عوامل تثير القلق لدول المجلس وهي محصلة أحداث ومبادرات وصراع وتحديات جديدة، فليس سراً ازدياد القلق العربي من زيادة النفوذ الإيراني في الخليج، كما أن الصراع الطائفي في العراق وتداعياته في المنطقة يثيران الارتباك ويصعبان من قراءة الأحداث في المنطقة.
وتوصم منطقة دول الخليج منذ سنوات عديدة بأنها بيئة توتر عالية لأسباب تتمحور بين العوامل الخارجية والتحديات الداخلية، هذه البيئة المتوترة أثرت سياسياً واقتصادياً وعسكرياً وأمنياً في البلدان الخليجية كل حسب ظروفه. لقد واجهت كل دولة خليجية تهديدات جدية في العقود الماضية بسبب المشكلات الحدودية أو فرض بعض القوى الإقليمية أجندتها الخاصة، إضافة إلى وقوع تلك الدول في منتصف دائرة صراعات إقليمية أدت إلى دخولها في حروب ونزاعات رغماً عنها بسبب التهور السياسي لبعض الأنظمة الإقليمية في المنطقة حيث دخلت المنطقة في محور الصراعات اعتباراً من منتصف القرن الماضي نتيجة لمجموعة من المتغيرات الدولية والإقليمية.
وهناك عدة عوامل ستؤثر في الاستقرار الأمني في الخليج لسنوات عديدة على المديين القصير والمتوسط والطويل، وقد تعيد رسم خريطة المنطقة المستقبلية لتفرض مفاهيم جديدة لتبعات النظام العالمي الجديد إضافة إلى سبل ووسائل معالجة الملف النووي الإيراني.
وواجهت دول مجلس التعاون الخليجي ولا تزال تحديات عديدة في مجالات مختلفة رغم الإجراءات المختلفة التي تمت منذ إنشاء المجلس قبل ستة وعشرين عاماً، فهناك تحديات سياسية واقتصادية واجتماعية وبيئية، واختلال في التنمية البشرية، إضافة إلى التحدي الأمني والعسكري نتيجة للمتغيرات السريعة التي شهدها القرن الماضي وبداية هذا القرن.
وسنحاول التطرق في هذه الدراسة إلى الجانب الأمني والعسكري فقط كأبرز التحديات التي تواجه دول المجلس في ظل ارتفاع وتيرة التهديدات الإرهابية، وانطلاقاً من أن كافة دول المجلس تدرك أن النمو والازدهار الاقتصادي اللذين تنعم بهما لا يمكن أن يتحققا ويتطورا إلا في ظل بيئة أمنية مستقرة، كما أن كافة الإجراءات التي تمت بين دول المجلس خلال فترة الحرب العراقية – الإيرانية لم تصمد عندما اجتاح العراق الكويت في أغسطس 1990، وأدت إلى الاعتراف ضمناً بهشاشة الموقف العسكري والأمني.
التحديات العسكرية
يعتبر البرنامج النووي الإيراني العسكري ضمن أخطر التحديات لدول المجلس، فإصرار إيران على امتلاك السلاح النووي من شأنه أن يعوق إمكان التوصل إلى صيغة أمنية مستقبلية لأمن الخليج، وسيؤدي إلى قيام سباق نووي ليس في منطقة الخليج فحسب، وإنما في المنطقة العربية كلها. يضاف إلى ذلك، صعوبة التوصل إلى صيغة مشتركة لأمن الخليج، حيث تعد تلك القضية من القضايا الخلافية في العلاقات الإيرانية – الخليجية. فإيران طالبت بشكل مستمر بأن يكون لها دور في الترتيبات الأمنية الخاصة بالمنطقة انطلاقاً من أن أمن الخليج هو مسؤولية دوله، الأمر الذي يتعارض مع رؤية دول المجلس الست التي ترى في الوجود الأجنبي عاملاً مهماً لضمان أمنها واستقرارها في ظل إصرار إيران على امتلاك السلاح النووي الذي حقق أحد أهدافها الاستراتيجية وهو تقيد النفوذ الغربي بالمنطقة.
ولعل أبرز التحديات لدول المجلس تتمثل في كون معظم المنشآت الحيوية كمحطات التقطير وتوليد الكهرباء والمصافي البترولية تقع على شاطئ الخليج العربي أو بالقرب من الساحل وهي عرضة للهجوم من البحر وتمثل تحدياً عسكرياً وهاجساً للمخططين للدفاع عنها خاصة إذا تم تنفيذ السيناريو العسكري ضد إيران.
ورغم أن التعاون العسكري حظي بالاهتمام مبكراً في مسيرة المجلس انطلاقاً من وحدة الهدف والمصير وحقائق الجغرافيا والتاريخ المشترك، ولكونه الخيار الاستراتيجي الوحيد في ظل ارتفاع التهديدات الإيرانية وما يحدث في العراق إلا أن تنمية وتعزيز القدرات الدفاعية الخليجية لم يواكبا هذه التصورات، فقوة درع الجزيرة لم تستطع الدفاع عن الكويت في أغسطس 1990، وكان الانتشار الناجح لقوة (درع الجزيرة) في الكويت أثناء حرب تحرير العراق مثالاً جيداً على الاستفادة من أخطاء الماضي، ولم توقع اتفاقية الدفاع المشترك إلا بعد تسعة عشر عاماً من إنشاء المجلس في عام 2000، ورغم ذلك إلا أن الاستخدام الجيد لنظام القيادة والسيطرة والنظم الآلية المواكبة لها في النظام المركزي للدفاع الجوي الخليجي أثبت فاعليته في حرب تحرير العراق عام 2003 عندما استطاع السيطرة على مسرح العمليات ونقل صورة متكاملة عن الأحداث المحيطة بالعراق، وساهم في تقليل الجهد العسكري، وأعطى أفضلية لعمليات الإنذار المبكر.
التحديات الأمنية
رغم توقيع الاتفاقية الأمنية بين دول مجلس التعاون عام 1994 باستثناء الكويت لأسباب تشريعية تتعلق بالدستور الكويتي (تم لاحقاً الوصول إلى صيغة توافقية لا تتعارض مع الدستور الكويتي للاتفاقية الأمنية) والتي تعالج قضايا التعاون الأمني من نواح قانونية بين دول المجلس، وتوقيع الاستراتيجية الأمنية الشاملة في فبراير 1987، وهي عبارة عن إطار عام للتعاون الأمني بين الدول الأعضاء بمفهومه الشامل، وإصدار إعلان مسقط بشأن مكافحة الإرهاب عام 2002 والتوصل إلى اتفاقية لدول المجلس لمكافحة الإرهاب عام 2004، وتشكيل لجنة أمنية دائمة مختصة بمكافحة الإرهاب والتعاون المثمر في مجال مكافحة المخدرات والذي أثمر عن توقيع التشريع النموذجي الموحد لمكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية عام 1998 وقرار الاستمرار به لمدة خمسة أعوام أخرى عام 2005، إلا أن التحديات الأمنية تظل إحدى نقاط الضعف لدول المجلس وخاصة في مجال تهريب المخدرات والقضاء على الحركات الإرهابية التي تجد لها مأوى في بعض دول المجلس، إضافة إلى اتساع عمليات غسل الأموال وعدم وجود ضوابط لمكافحة الجرائم الإلكترونية والجريمة المنظمة ومشكلة التركيبة السكانية، ووقف عمليات التسلل (تمتاز السعودية وسلطنة عمان بمساحة أراض شاسعة مقارنة بالدول الأربع الأخرى مقابل قلة المصادر البشرية رغم احتوائها على مصادر اقتصادية مهمة وهو ما يحد من وقف عمليات التسلل الأجنبي والعناصر الإرهابية عبر مساحات حدودية كبيرة للغاية تصعب تغطية كافة منافذها)،
وتواجه دول المجلس كذلك تحدياً أمنياً من نوع جديد ناتج عن حالة عدم الاستقرار في العراق الذي أصبح بيئة جاذبة للإرهاب والإرهابيين في ظل ظروف أمنية بالغة الخطورة تجعل من تسرب الإرهابيين وعمليات تهريب المخدرات ومشكلة النازحين إلى دول المجلس كابوساً أمنياً له محاذير بالغة الخطورة.
كيف يمكن مواجهة التهديدات القائمة والمحتملة:
أولاً: المجال العسكري
في غياب جواب مؤكد لحل قضية الملف النووي الإيراني غير السلمي ولخطورة هذا الملف، فالدعوة إلى تحريك حل سياسي لهذه القضية قد تكون هو الحل الأمثل لإضعاف الموقف المتشدد الإيراني واحتمال الوصول إلى رؤية جديدة لحل هذه المعضلة من دون الدخول إلى احتمالات خطرة يصعب التعامل مع نتائجها فيما لو اندلعت العمليات الحربية.
ففي ظل التهديدات الحالية الإيرانية يجب تطوير قدرات دول الخليج الصاروخية ضد إمكانية استخدام إيران أسلحة الدمار الشامل ضد دول المجلس في حال إقرار الخيار العسكري للتحالف ضد إيران خاصة في مجال التصدي للصواريخ البالستية. ويجب أيضاً إحياء فكرة التعاون الدفاعي بين دول الخليج والولايات المتحدة الأمريكية والتي تم طرحها في تسعينات القرن الماضي كخيار أمثل لمواجهة التهديدات المحتملة من الجانب الآخر من الخليج، وهو ما يعني التركيز على القوات الجوية والبحرية لدول المجلس دون القوات البرية استناداً إلى أن الهجمات البرية والبحرية الإيرانية هي الأكثر احتمالاً والأكثر خطورة.
ونظراً لخطورة أسلحة الدمار الشامل فإن دول المجلس مطالبة بتفعيل التعاون العسكري، وإعداد استراتيجيات جديدة لصد الأخطار المحتملة لهذه الأسلحة وحماية المواطنين والمنشآت الحيوية وتطوير أنظمة الإنذار المبكر ونظام القيادة والسيطرة والاتصالات والاستخبارات، مع زيادة التنسيق المشترك وتبادل المعلومات على كافة الصعد.
ورغم التطوير الملموس على قوة (درع الجزيرة) إلا أن دول المجلس مطالبة بتحديد الاستخدام الأمثل لهذه القوة وعدم الوقوع في سبات الارتخاء العسكري بحجة انتهاء التهديد العراقي لها.
ثانياً: المجال الأمني
على الرغم من خطوات دول مجلس التعاون الإيجابية في المجال الأمني إلا أننا نعتقد بإمكانية توفر عدة فرص لتطوير الأوضاع الحالية خاصة أن الأوضاع على الساحتين الإقليمية والدولية تتطلب تكثيف الجهود الأمنية المشتركة مما يعني زيادة الاستثمار في البيئة الأمنية لكافة دول المجلس. كما يقترح الاستفادة من الدروس التي اكتسبتها بعض الدول مثل مصر في مجال مكافحة والقضاء على الإرهاب، وزيادة التنسيق الحالي القائم بين دول المجلس ودراسة وتقييم خطر الجنسية المزدوجة بين الدول الخليجية التي تساعد على التنقل بين دولها من دون اكتشاف خطر استخدام وثائق سفر ثنائية أو أكثر.
وتتطلب قضية المخدرات التي أصبحت أحد المخاطر الكبيرة لأمن دول المجلس حلاً جذرياً نابعاً من تتبع طرق تهريبها إلى المنطقة، واتخاذ إجراءات رادعة تصل إلى الإعدام العلني لجالبيها والمتاجرين بها. كما يجب تطوير الإجراءات المختصة بعمليات غسل الأموال والجريمة الإلكترونية التي تهدد اقتصاد دول المجلس بإصدار تشريعات جديدة مواكبة للتقدم الكبير على مستوى التقنيات المتوفرة لرصد وإيقاف مثل هذه الاختراقات.
وعلى الرغم من كون التركيبة السكانية إجراء سيادياً لكل دولة، إلا أن الخلل الخطير في إعداد العمالة الأجنبية والتجنيس العشوائي لغير المواطنين بحجج سياسية واقتصادية سيربكان الوضع الأمني، ويتطلبان إعطاء أهمية كبيرة لهذه القضية التي تؤثر في الأمن القومي لدول الخليج، وهو ما يتطلب اتخاذ إجراءات عاجلة لوقف التدهور في العلاقات الاجتماعية بسبب ذلك والذي يترك آثاراً سلبية على الأوضاع الأمنية في دول المجلس.
كما يتطلب التعاطي مع مشكلة تدهور الأوضاع الأمنية في العراق وإمكانية انتقالها إلى دول المجلس بجدية أكبر عبر التنسيق مع الحكومة المركزية العراقية (رغم ضعفها) ومع دول التحالف الموجودة في العراق مع تحسين الإجراءات الحدودية رغم التكلفة العالية بواسطة زيادة نقاط المراقبة وتركيب كاميرات الرصد وبناء السواتر الترابية والأسوار الالكترونية.

::/fulltext::
::cck::3405::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *