مجالات التنسيق بين دول مجلس التعاون الخليجي في مجال السياسة الخارجية
::cck::3430::/cck::
::introtext::
بالرغم من مرور أكثر من ربع قرن على تأسيس مجلس التعاون الخليجي، وانتظام انعقاد قممه السنوية، إضافة إلى الاجتماعات الوزارية المنتظمة، لكن دول المجلس لم تتوصل إلى سياسة خارجية مشتركة على غرار الاتحاد الأوروبي، وكانت مواقفها مستقلة عن بعضها البعض في العلاقات مع كافة دول العالم، إلا أن المجلس حرص على مناقشة العلاقات مع الجيران (إيران والعراق) ومع السياسة الأمريكية التي أوصلت واشنطن إلى قصر الرئاسة في بغداد في التاسع من إبريل 2003.
::/introtext::
::fulltext::
بالرغم من مرور أكثر من ربع قرن على تأسيس مجلس التعاون الخليجي، وانتظام انعقاد قممه السنوية، إضافة إلى الاجتماعات الوزارية المنتظمة، لكن دول المجلس لم تتوصل إلى سياسة خارجية مشتركة على غرار الاتحاد الأوروبي، وكانت مواقفها مستقلة عن بعضها البعض في العلاقات مع كافة دول العالم، إلا أن المجلس حرص على مناقشة العلاقات مع الجيران (إيران والعراق) ومع السياسة الأمريكية التي أوصلت واشنطن إلى قصر الرئاسة في بغداد في التاسع من إبريل 2003.
ويعود السبب الأساسي في الافتراق وعدم التنسيق في السياسة الخارجية إلى النزعة القطرية الحادة لدى الدول الصغرى في المنظومة الخليجية، وحرصها على الاستقلالية عن بعضها البعض في مواجهة ما تعتبره هيمنة أو رغبة الدولة الكبرى في السيطرة، وبالتالي تتصرف هذه الدول بناء على رؤيتها لمصالحها الوطنية الضيقة الخاصة، وتدفع بأوضاعها الشعبية الداخلية إلى التوجه القطري ذاته، ولا تردد هذه الدول في الافتراق عن السرب الخليجي في قضايا مفصلية في بعض الأحيان.
الا أن تجربة العقدين ونصف العقد من حياة المجلس برهنت أن بالإمكان التوصل باستمرار إلى قرارات وتوصيات حيال القضايا الكبرى الخارجية، سواء المتعلقة بالقضية الفلسطينية والصراع العربي – الصهيوني أو تلك المتعلقة بالتوترات الإقليمية كما كان الأمر في الحروب التي تعرضت لها المنطقة من الحرب العراقية – الإيرانية إلى حرب تحرير الكويت، إلى الموقف من إيران.
وأمكن لدول المجلس عبر المجلس الوزاري أو عبر القمم الخليجية السنوية معرفة التقاطعات بينها، وبالتالي تفهم الدوافع للسياسات المستقلة عن بعضها البعض، وقد يكون الاندفاع بعيداً عن الخط العام مصدر إرباك وتوتر بينها، خاصة عندما تتداخل القضايا الخارجية مع القضايا الداخلية كما هي الحال بين قطر وبقية دول المنطقة.
إلا أن الاستقلالية في اتخاذ القرار السياسي والابتعاد عن الموقف المشترك قد تطوراً في السنوات الأخيرة، نظراً لدخول الولايات المتحدة الأمريكية بقوة إلى المنطقة وتزايد حضورها العسكري منذ الحرب العراقية – الإيرانية، ثم مع حرب تحرير الكويت، وأخيراً مع الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003، مما جعل الولايات المتحدة الأمريكية طرفاً خليجياً أساسياً فاعلاً في المنطقة، أقوى بكثير من الدولة الاستعمارية البريطانية في المرحلة التي سميت (British pritaneca)، حيث تسعى واشنطن لإبعاد هذه الدول عن بعضها ، وأبرز تجليات هذا الموقف هو رفضها الحوار الجماعي مع دول المجلس على غرار الاتحاد الأوروبي، والعمل على توقيع اتفاقيات مشتركة للتجارة الحرة تثير الشقاق بين هذه الدول كما جرى بين المملكة السعودية ومملكة البحرين، وفرض مواقفها السياسية على دول المجلس، وتقديم رؤاها السياسية والأمنية قبيل القمة الخليجية. وعلى ضوء هذا الحضور العسكري الكبير الذي لا سابق له بالنسبة لكافة الدول الاستعمارية التي عرفتها المنطقة، فقد وجدت الدول الصغرى فرصتها للتأكيد على استقلاليتها والابتعاد عن التعاون مع بعضها البعض، والاستقواء بالموقف الأمريكي في علاقاتها الإقليمية، وباتت تقترب من مواقف بعضها بمقدار اقتراب الجميع من السياسات الأمريكية حيال القضايا الكبرى كالموقف من العراق المحتل أو الموقف من الإرهاب أو العلاقات الإيرانية – الأمريكية أو مسألة العلاقة مع إسرائيل.
ولمعرفة تموجات العلاقات الخليجية خلال السنوات القليلة الماضية سنتوقف عند الملف الأساسي الذي شغل مجلس التعاون منذ تأسيسه عام 1981، وبشكل خاص في السنوات الأخيرة، وهو الملف العراقي، حيث تشابك الموقف الأمريكي بقوة مع الأطراف الخليجية، أما بقية الملفات وخاصة الموقف من فلسطين أو إيران، فإن المنظومة الخليجية حاولت أن تتمسك بالثوابت مع الشعب الفلسطيني مع الاقتراب الأكثر فأكثر من الموقف الأمريكي، رغم سعي البعض كقطر وسلطنة عمان لاتخاذ مواقف تصالحية مع إسرائيل متمثلة في العلاقات الاقتصادية. وأكدت بيانات القمم الخليجية الوقوف إلى جانب الشعب الفلسطيني وضد سياسة التدمير والقتل الشارونية، ومع خارطة الطريق التي هي أقرب إلى الموقف الأمريكي.
أما بالنسبة لإيران، فقد سعت دول المجلس إلى الابتعاد عن السياسات التي قد تؤزم العلاقات مع الجمهورية الإيرانية خاصة في مرحلة الرئيس محمد خاتمي، حيث تم تصحيح الكثير من المسارات الإيرانية الخليجية المتوترة، سواء مع المملكة العربية السعودية أو البحرين، دون أن تتقدم خطوة إلى الأمام في موضوع احتلالها للجزر الثلاث التابعة للإمارات.
ويمكن القول إن قرارات القمم الخليجية حرصت على التأكيد على موقف ثابت مع دولة الإمارات في ما يتعلق بالجزر الثلاث، وهو موقف يمكن ملاحظته من المؤتمر الأول حتى الأخير مع تباينات طفيفة في الصياغات، حسب تطور العلاقات الثنائية مع طهران. ويزداد تفاهمها مع الولايات المتحدة بمقدار ما يزداد التوتر الأمريكي – الإيراني، ويمكن قراءة ذلك في السنة الأخيرة بعد مجيء الرئيس أحمدي نجاد والإصرار الإيراني على الاستمرار في البرنامج النووي، مما جعل دولة الإمارات العربية المتحدة تعتبر المفاعل النووي في بوشهر يهدد أمنها وسلامتها، وتقف في كافة المؤتمرات، رسمياً وشعبياً، تطالب بالحد من هذا الطموح الإيراني، مؤيدة كل المواقف الأمريكية والأوروبية الهادفة إلى إيقاف هذا البرنامج. وحرصت دول المجلس في القمم الأخيرة على ربط ما تراه خطراً نووياً إيرانياً بما يمثله البرنامج النووي الإسرائيلي من خطر على دول المنطقة، والتزمت بالإشارة إلى ضرورة (جعل منطقة الشرق الأوسط خالية من كافة أسلحة الدمار الشامل، بما فيها منطقة الخليج، والضغط على إسرائيل للانضمام إلى معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، وإخضاع كافة منشآتها النووية لنظام التفتيش الدولي). وبالرغم من التصريحات السابقة للقمة الأخيرة حول إدراج الملف النووي الإيراني على جدول الأعمال، والذي دفعت أمريكا والإمارات المتحدة بقوة فيه، إلا أن مواقف بقية الدول لم تكن بذات الحماس الإماراتي.
الموقف من الاحتلال الأمريكي للعراق
تباينت مواقف الدول الخليجية في السنوات الأخيرة حيال المسألة العراقية، سواء إبان الحصار الاقتصادي على العراق أو قبيل الحرب أو بعدها، وكان الأكثر قرباً، إن لم يكن تطابقاً، من الموقف الأمريكي هو الموقف الكويتي الذي اعتبر النظام العراقي مصدر الخطر الأول والأساسي عليه، وبالتالي لم تكن هناك أية ممانعة رسمية كويتية من أية خطوات أمريكية للتخلص من ذلك النظام، ولم تتردد في الالتحام مع الموقف الأمريكي خلال مرحلة الحصار الاقتصادي، وكانت الدولة العربية الأساسية التي اعتبرت الحرب على نظام صدام مهمة مشتركة (أمريكية كويتية) وقدمت كل أشكال الدعم والمساندة للقوات الأمريكية، وهي مسألة واجهت الرفض من قبل السعوديين، حيث كان الموقف السعودي منسجماً مع الموقف العربي العام الرافض للغزو، والمؤيد للشرعية الدولية بالدرجة الأساسية في ضرورة استنفاد كل أساليب الضغط على النظام العراقي، وبعد الغزو والاحتلال تزايدت مخاوف السعوديين، خاصة وأن الحرب على العراق قد تزامنت مع الحرب الإعلامية الأمريكية المكثفة على المملكة العربية السعودية واعتبارها مصدر الإرهاب السلفي، وتخوفت المملكة من أن تكون الخطوة الأمريكية في العراق مقدمة للتدخل العسكري لفرض النظام السياسي في أي من الدول العربية، وبدأ الحديث عن سيناريوهات تفكيكية للعربية السعودية، مما جعلها تتجه لدول الجوار العراقي لعقد سلسلة من المؤتمرات بعيداً عن مجلس التعاون ودوله القريبة من الأمريكيين أو المرتبكة في الموقف السياسي.
وتقف قطر من هذه الصراعات على ضوء رؤيتها الاستراتيجية بأنها دولة صغيرة ولديها مخزون كبير من الغاز ، ولم يتم التوصل إلى حل لمشكلة الحدود مع المملكة العربية السعودية، وبالتالي فإن توثيق العلاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية، وتقديم كل التسهيلات العسكرية والاقتصادية، هما الضمان لاستقلالها وسلامتها، ويشكل التناغم مع الموقف الأمريكي البوصلة التي تسترشد بها الإدارة القطرية، مع هامش من المناورة مع الإيرانيين، وتقديم قاعدة المسيلة لتكون مركز قيادة العمليات في الحرب على العراق.
أما الموقف الإماراتي فقد كان يرى العراق كقوة موازية لإيران المحتلة لجزره، ولم يكن الموقف العماني بعيداً عن سياسة التوازن التي اشتهرت بها السلطنة، وكان الموقف البحريني متأرجحاً في الظاهر، مع تقديم كل الدعم المطلوب أمريكياً.
وترددت السعودية في الاعتراف بمجلس الحكم الانتقالي، بينما اعترفت كل من الكويت والإمارات وقطر، مما أشار إلى وجود تيارين في المجلس، الأول يعترف بالاحتلال وتداعياته والثاني يتمهل، لكن المملكة تراجعت واستقبلت وفداً من مجلس الحكم وكذلك البحرين.
وبالرغم من التباينات في العلاقة مع النظام العراقي القابع تحت الاحتلال، فقد عبرت القمم الخليجية عن المشترك في الموقف من العراق، حيث لم يستنكر بيان قمة 2003 الغزو والاحتلال الأمريكي للعراق، بل تضمن ما هو مشترك حيث نص على ما يلي: (في ما يتعلق بتطورات الأوضاع في العراق، أكد المجلس الأعلى مجدداً على ثوابت مواقفه المعروفة والمعلنة المتمثلة في تعاطفه وتضامنه التام مع الشعب العراقي الشقيق في محنته التي يعاني منها بسبب الأوضاع الأمنية الراهنة، ورفض كل ما من شأنه أن يؤدي إلى تجزئة العراق، وضرورة الحفاظ على سيادته واستقلاله ووحدة أراضيه والالتزام بمبدأ عدم التدخل في شؤونه الداخلية، ودعوة الأطراف الأخرى إلى اتباع النهج ذاته.
وأعرب المجلس الأعلى عن ارتياحه للتوجهات الجديدة في سياسة الولايات المتحدة الأمريكية بشأن التعجيل في نقل الحكم والسلطة للعراقيين، ورحب بما صدر عن مجلس الحكم الانتقالي في العراق حيال ما تم التوصل إليه من اتفاق مع سلطات التحالف بوضع جدول زمني لنقل الحكم والسلطة للعراقيين بالطريقة التي يرتضيها الشعب العراقي. ويرى المجلس الأعلى في ذلك خطوة إيجابية على الطريق الصحيح، ودان عمليات القتل الجماعي والتفجيرات الإرهابية التي استهدفت المدنيين والمؤسسات الإنسانية والدينية والمنظمات الدولية والبعثات الدبلوماسية العاملة في العراق).
ويمكننا أن نرى نصوصاً شبيهة في كافة بيانات المجلس التالية سواء في قمة البحرين أو القمة الأخيرة في أبوظبي، حيث أعرب المجلس عن ترحيبه بالانتخابات البرلمانية العراقية، والتي شارك فيها الشعب العراقي الشقيق بمختلف أطيافه وانتماءاته العرقية، ويتطلع المجلس الأعلى إلى أن تؤدي هذه الانتخابات إلى فتح صفحة جديدة في تاريخ العراق الحديث وبما يؤدي إلى ضمان وحدة العراق واستقراره وإدارة شؤونه بنفسه وعودته عضواً فاعلاً في محيطه العربي والدولي والعيش بسلام مع جيرانه. ودان المجلس التفجيرات والأعمال الإرهابية التي تستهدف المدنيين والمؤسسات الانسانية والدينية والبنى التحتية العراقية من اعتداءات وتدمير وتهديد.
بالتالي فإن حدود التعاون والتنسيق في المواقف الخارجية المشتركة، تمليها المصالح الخاصة لكل دولة، في ظل التمسك بالاستقلالية والابتعاد عما يطمح إليه أبناء المنطقة من اتحاد سياسي واقتصادي وتعاون في مختلف المجالات. ومن هنا تكمن أهمية العمل على بناء المزيد من مؤسسات المجتمع المدني في دول المجلس وتعاون وترابط هذه المؤسسات مع بعضها البعض لتشكل المزيد من الضغوط على أنظمة الحكم القائمة.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::3430::/cck::
::introtext::
بالرغم من مرور أكثر من ربع قرن على تأسيس مجلس التعاون الخليجي، وانتظام انعقاد قممه السنوية، إضافة إلى الاجتماعات الوزارية المنتظمة، لكن دول المجلس لم تتوصل إلى سياسة خارجية مشتركة على غرار الاتحاد الأوروبي، وكانت مواقفها مستقلة عن بعضها البعض في العلاقات مع كافة دول العالم، إلا أن المجلس حرص على مناقشة العلاقات مع الجيران (إيران والعراق) ومع السياسة الأمريكية التي أوصلت واشنطن إلى قصر الرئاسة في بغداد في التاسع من إبريل 2003.
::/introtext::
::fulltext::
بالرغم من مرور أكثر من ربع قرن على تأسيس مجلس التعاون الخليجي، وانتظام انعقاد قممه السنوية، إضافة إلى الاجتماعات الوزارية المنتظمة، لكن دول المجلس لم تتوصل إلى سياسة خارجية مشتركة على غرار الاتحاد الأوروبي، وكانت مواقفها مستقلة عن بعضها البعض في العلاقات مع كافة دول العالم، إلا أن المجلس حرص على مناقشة العلاقات مع الجيران (إيران والعراق) ومع السياسة الأمريكية التي أوصلت واشنطن إلى قصر الرئاسة في بغداد في التاسع من إبريل 2003.
ويعود السبب الأساسي في الافتراق وعدم التنسيق في السياسة الخارجية إلى النزعة القطرية الحادة لدى الدول الصغرى في المنظومة الخليجية، وحرصها على الاستقلالية عن بعضها البعض في مواجهة ما تعتبره هيمنة أو رغبة الدولة الكبرى في السيطرة، وبالتالي تتصرف هذه الدول بناء على رؤيتها لمصالحها الوطنية الضيقة الخاصة، وتدفع بأوضاعها الشعبية الداخلية إلى التوجه القطري ذاته، ولا تردد هذه الدول في الافتراق عن السرب الخليجي في قضايا مفصلية في بعض الأحيان.
الا أن تجربة العقدين ونصف العقد من حياة المجلس برهنت أن بالإمكان التوصل باستمرار إلى قرارات وتوصيات حيال القضايا الكبرى الخارجية، سواء المتعلقة بالقضية الفلسطينية والصراع العربي – الصهيوني أو تلك المتعلقة بالتوترات الإقليمية كما كان الأمر في الحروب التي تعرضت لها المنطقة من الحرب العراقية – الإيرانية إلى حرب تحرير الكويت، إلى الموقف من إيران.
وأمكن لدول المجلس عبر المجلس الوزاري أو عبر القمم الخليجية السنوية معرفة التقاطعات بينها، وبالتالي تفهم الدوافع للسياسات المستقلة عن بعضها البعض، وقد يكون الاندفاع بعيداً عن الخط العام مصدر إرباك وتوتر بينها، خاصة عندما تتداخل القضايا الخارجية مع القضايا الداخلية كما هي الحال بين قطر وبقية دول المنطقة.
إلا أن الاستقلالية في اتخاذ القرار السياسي والابتعاد عن الموقف المشترك قد تطوراً في السنوات الأخيرة، نظراً لدخول الولايات المتحدة الأمريكية بقوة إلى المنطقة وتزايد حضورها العسكري منذ الحرب العراقية – الإيرانية، ثم مع حرب تحرير الكويت، وأخيراً مع الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003، مما جعل الولايات المتحدة الأمريكية طرفاً خليجياً أساسياً فاعلاً في المنطقة، أقوى بكثير من الدولة الاستعمارية البريطانية في المرحلة التي سميت (British pritaneca)، حيث تسعى واشنطن لإبعاد هذه الدول عن بعضها ، وأبرز تجليات هذا الموقف هو رفضها الحوار الجماعي مع دول المجلس على غرار الاتحاد الأوروبي، والعمل على توقيع اتفاقيات مشتركة للتجارة الحرة تثير الشقاق بين هذه الدول كما جرى بين المملكة السعودية ومملكة البحرين، وفرض مواقفها السياسية على دول المجلس، وتقديم رؤاها السياسية والأمنية قبيل القمة الخليجية. وعلى ضوء هذا الحضور العسكري الكبير الذي لا سابق له بالنسبة لكافة الدول الاستعمارية التي عرفتها المنطقة، فقد وجدت الدول الصغرى فرصتها للتأكيد على استقلاليتها والابتعاد عن التعاون مع بعضها البعض، والاستقواء بالموقف الأمريكي في علاقاتها الإقليمية، وباتت تقترب من مواقف بعضها بمقدار اقتراب الجميع من السياسات الأمريكية حيال القضايا الكبرى كالموقف من العراق المحتل أو الموقف من الإرهاب أو العلاقات الإيرانية – الأمريكية أو مسألة العلاقة مع إسرائيل.
ولمعرفة تموجات العلاقات الخليجية خلال السنوات القليلة الماضية سنتوقف عند الملف الأساسي الذي شغل مجلس التعاون منذ تأسيسه عام 1981، وبشكل خاص في السنوات الأخيرة، وهو الملف العراقي، حيث تشابك الموقف الأمريكي بقوة مع الأطراف الخليجية، أما بقية الملفات وخاصة الموقف من فلسطين أو إيران، فإن المنظومة الخليجية حاولت أن تتمسك بالثوابت مع الشعب الفلسطيني مع الاقتراب الأكثر فأكثر من الموقف الأمريكي، رغم سعي البعض كقطر وسلطنة عمان لاتخاذ مواقف تصالحية مع إسرائيل متمثلة في العلاقات الاقتصادية. وأكدت بيانات القمم الخليجية الوقوف إلى جانب الشعب الفلسطيني وضد سياسة التدمير والقتل الشارونية، ومع خارطة الطريق التي هي أقرب إلى الموقف الأمريكي.
أما بالنسبة لإيران، فقد سعت دول المجلس إلى الابتعاد عن السياسات التي قد تؤزم العلاقات مع الجمهورية الإيرانية خاصة في مرحلة الرئيس محمد خاتمي، حيث تم تصحيح الكثير من المسارات الإيرانية الخليجية المتوترة، سواء مع المملكة العربية السعودية أو البحرين، دون أن تتقدم خطوة إلى الأمام في موضوع احتلالها للجزر الثلاث التابعة للإمارات.
ويمكن القول إن قرارات القمم الخليجية حرصت على التأكيد على موقف ثابت مع دولة الإمارات في ما يتعلق بالجزر الثلاث، وهو موقف يمكن ملاحظته من المؤتمر الأول حتى الأخير مع تباينات طفيفة في الصياغات، حسب تطور العلاقات الثنائية مع طهران. ويزداد تفاهمها مع الولايات المتحدة بمقدار ما يزداد التوتر الأمريكي – الإيراني، ويمكن قراءة ذلك في السنة الأخيرة بعد مجيء الرئيس أحمدي نجاد والإصرار الإيراني على الاستمرار في البرنامج النووي، مما جعل دولة الإمارات العربية المتحدة تعتبر المفاعل النووي في بوشهر يهدد أمنها وسلامتها، وتقف في كافة المؤتمرات، رسمياً وشعبياً، تطالب بالحد من هذا الطموح الإيراني، مؤيدة كل المواقف الأمريكية والأوروبية الهادفة إلى إيقاف هذا البرنامج. وحرصت دول المجلس في القمم الأخيرة على ربط ما تراه خطراً نووياً إيرانياً بما يمثله البرنامج النووي الإسرائيلي من خطر على دول المنطقة، والتزمت بالإشارة إلى ضرورة (جعل منطقة الشرق الأوسط خالية من كافة أسلحة الدمار الشامل، بما فيها منطقة الخليج، والضغط على إسرائيل للانضمام إلى معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، وإخضاع كافة منشآتها النووية لنظام التفتيش الدولي). وبالرغم من التصريحات السابقة للقمة الأخيرة حول إدراج الملف النووي الإيراني على جدول الأعمال، والذي دفعت أمريكا والإمارات المتحدة بقوة فيه، إلا أن مواقف بقية الدول لم تكن بذات الحماس الإماراتي.
الموقف من الاحتلال الأمريكي للعراق
تباينت مواقف الدول الخليجية في السنوات الأخيرة حيال المسألة العراقية، سواء إبان الحصار الاقتصادي على العراق أو قبيل الحرب أو بعدها، وكان الأكثر قرباً، إن لم يكن تطابقاً، من الموقف الأمريكي هو الموقف الكويتي الذي اعتبر النظام العراقي مصدر الخطر الأول والأساسي عليه، وبالتالي لم تكن هناك أية ممانعة رسمية كويتية من أية خطوات أمريكية للتخلص من ذلك النظام، ولم تتردد في الالتحام مع الموقف الأمريكي خلال مرحلة الحصار الاقتصادي، وكانت الدولة العربية الأساسية التي اعتبرت الحرب على نظام صدام مهمة مشتركة (أمريكية كويتية) وقدمت كل أشكال الدعم والمساندة للقوات الأمريكية، وهي مسألة واجهت الرفض من قبل السعوديين، حيث كان الموقف السعودي منسجماً مع الموقف العربي العام الرافض للغزو، والمؤيد للشرعية الدولية بالدرجة الأساسية في ضرورة استنفاد كل أساليب الضغط على النظام العراقي، وبعد الغزو والاحتلال تزايدت مخاوف السعوديين، خاصة وأن الحرب على العراق قد تزامنت مع الحرب الإعلامية الأمريكية المكثفة على المملكة العربية السعودية واعتبارها مصدر الإرهاب السلفي، وتخوفت المملكة من أن تكون الخطوة الأمريكية في العراق مقدمة للتدخل العسكري لفرض النظام السياسي في أي من الدول العربية، وبدأ الحديث عن سيناريوهات تفكيكية للعربية السعودية، مما جعلها تتجه لدول الجوار العراقي لعقد سلسلة من المؤتمرات بعيداً عن مجلس التعاون ودوله القريبة من الأمريكيين أو المرتبكة في الموقف السياسي.
وتقف قطر من هذه الصراعات على ضوء رؤيتها الاستراتيجية بأنها دولة صغيرة ولديها مخزون كبير من الغاز ، ولم يتم التوصل إلى حل لمشكلة الحدود مع المملكة العربية السعودية، وبالتالي فإن توثيق العلاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية، وتقديم كل التسهيلات العسكرية والاقتصادية، هما الضمان لاستقلالها وسلامتها، ويشكل التناغم مع الموقف الأمريكي البوصلة التي تسترشد بها الإدارة القطرية، مع هامش من المناورة مع الإيرانيين، وتقديم قاعدة المسيلة لتكون مركز قيادة العمليات في الحرب على العراق.
أما الموقف الإماراتي فقد كان يرى العراق كقوة موازية لإيران المحتلة لجزره، ولم يكن الموقف العماني بعيداً عن سياسة التوازن التي اشتهرت بها السلطنة، وكان الموقف البحريني متأرجحاً في الظاهر، مع تقديم كل الدعم المطلوب أمريكياً.
وترددت السعودية في الاعتراف بمجلس الحكم الانتقالي، بينما اعترفت كل من الكويت والإمارات وقطر، مما أشار إلى وجود تيارين في المجلس، الأول يعترف بالاحتلال وتداعياته والثاني يتمهل، لكن المملكة تراجعت واستقبلت وفداً من مجلس الحكم وكذلك البحرين.
وبالرغم من التباينات في العلاقة مع النظام العراقي القابع تحت الاحتلال، فقد عبرت القمم الخليجية عن المشترك في الموقف من العراق، حيث لم يستنكر بيان قمة 2003 الغزو والاحتلال الأمريكي للعراق، بل تضمن ما هو مشترك حيث نص على ما يلي: (في ما يتعلق بتطورات الأوضاع في العراق، أكد المجلس الأعلى مجدداً على ثوابت مواقفه المعروفة والمعلنة المتمثلة في تعاطفه وتضامنه التام مع الشعب العراقي الشقيق في محنته التي يعاني منها بسبب الأوضاع الأمنية الراهنة، ورفض كل ما من شأنه أن يؤدي إلى تجزئة العراق، وضرورة الحفاظ على سيادته واستقلاله ووحدة أراضيه والالتزام بمبدأ عدم التدخل في شؤونه الداخلية، ودعوة الأطراف الأخرى إلى اتباع النهج ذاته.
وأعرب المجلس الأعلى عن ارتياحه للتوجهات الجديدة في سياسة الولايات المتحدة الأمريكية بشأن التعجيل في نقل الحكم والسلطة للعراقيين، ورحب بما صدر عن مجلس الحكم الانتقالي في العراق حيال ما تم التوصل إليه من اتفاق مع سلطات التحالف بوضع جدول زمني لنقل الحكم والسلطة للعراقيين بالطريقة التي يرتضيها الشعب العراقي. ويرى المجلس الأعلى في ذلك خطوة إيجابية على الطريق الصحيح، ودان عمليات القتل الجماعي والتفجيرات الإرهابية التي استهدفت المدنيين والمؤسسات الإنسانية والدينية والمنظمات الدولية والبعثات الدبلوماسية العاملة في العراق).
ويمكننا أن نرى نصوصاً شبيهة في كافة بيانات المجلس التالية سواء في قمة البحرين أو القمة الأخيرة في أبوظبي، حيث أعرب المجلس عن ترحيبه بالانتخابات البرلمانية العراقية، والتي شارك فيها الشعب العراقي الشقيق بمختلف أطيافه وانتماءاته العرقية، ويتطلع المجلس الأعلى إلى أن تؤدي هذه الانتخابات إلى فتح صفحة جديدة في تاريخ العراق الحديث وبما يؤدي إلى ضمان وحدة العراق واستقراره وإدارة شؤونه بنفسه وعودته عضواً فاعلاً في محيطه العربي والدولي والعيش بسلام مع جيرانه. ودان المجلس التفجيرات والأعمال الإرهابية التي تستهدف المدنيين والمؤسسات الانسانية والدينية والبنى التحتية العراقية من اعتداءات وتدمير وتهديد.
بالتالي فإن حدود التعاون والتنسيق في المواقف الخارجية المشتركة، تمليها المصالح الخاصة لكل دولة، في ظل التمسك بالاستقلالية والابتعاد عما يطمح إليه أبناء المنطقة من اتحاد سياسي واقتصادي وتعاون في مختلف المجالات. ومن هنا تكمن أهمية العمل على بناء المزيد من مؤسسات المجتمع المدني في دول المجلس وتعاون وترابط هذه المؤسسات مع بعضها البعض لتشكل المزيد من الضغوط على أنظمة الحكم القائمة.
::/fulltext::
::cck::3430::/cck::
