نحو دور فعال لأوروبا في الشؤون الأمنية الخليجية
::cck::3441::/cck::
::introtext::
دعت وزيرة الدفاع الفرنسية ميشيل أليوت ماري، خلال اللقاء الحواري الذي عقد في البحرين أوائل شهر ديسمبر، إلى استكمال الحوار القائم بين الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي من خلال (جانب أمني). وهي دعوة لها مبرراتها القوية بالطبع، غير أن السؤال الذي يظل مطروحاً، يدور حول الشكل الذي يجب أن يأخذه التعاون الاستراتيجي بين الجانبين، وحول الأسس الراسخة التي يمكن أن يقوم عليها.
::/introtext::
::fulltext::
دعت وزيرة الدفاع الفرنسية ميشيل أليوت ماري، خلال اللقاء الحواري الذي عقد في البحرين أوائل شهر ديسمبر، إلى استكمال الحوار القائم بين الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي من خلال (جانب أمني). وهي دعوة لها مبرراتها القوية بالطبع، غير أن السؤال الذي يظل مطروحاً، يدور حول الشكل الذي يجب أن يأخذه التعاون الاستراتيجي بين الجانبين، وحول الأسس الراسخة التي يمكن أن يقوم عليها.
ليست بيئة الأمن الخليجي في الوقت الحاضر أكثر استقراراً مما كانت قبل أكثر من أربعين عاماً، عندما برزت الولايات المتحدة للمرة الأولى بصفتها القوة الخارجية الأكثر سيطرة في المنطقة، بعد إعلان بريطانيا قرارها الانسحاب من منطقة شرق السويس، وقد فشلت كل استراتيجية اتبعتها الولايات المتحدة منذ السبعينات من القرن الماضي في التأسيس لقدرات إقليمية أكبر على التعامل مع الصراعات، وذلك منذ أن اتبعت واشنطن سياسة العمودين المزدوجين، والتي اعتمدت فيها على إيران والمملكة العربية السعودية في حفظ الاستقرار الإقليمي في المنطقة، ومروراً بدعم العراق، ثم تطبيق سياسة الاحتواء المزدوج المتناظر لكل من إيران والعراق، ووصولاً في الختام، إلى قرار الولايات المتحدة أخذ زمام الشؤون الأمنية في المنطقة بيديها بقرارها غزو العراق سنة 2003. وبدلاً من الاستقرار فقد راحت منطقة الخليج تنتقل من أزمة إلى أخرى.
وتم تبديد حتى الفرصة التي سنحت بالتخلص من حكم صدام حسين في العراق بسبب الفشل الذريع في استباق وتقدير التطورات، ثم إدارة مرحلة إعادة البناء، بعد الغزو وكانت نتيجة هذا الفشل مزدوجة: فقد استمر أولاً عدم استقرار العراق، وتفاقمت مشاعر انعدام الأمن في المنطقة بدلاً من أن تتقلص. والنتيجة الثانية هي أن فشل الولايات المتحدة في تحقيق الاستقرار في العراق شجع إيران على التحرك نحو الفراغ الاستراتيجي القائم، والبدء في تحدي الهيمنة الأمريكية في المنطقة، واضطلعت إيران بدور صانع الزعماء داخل العراق، وبدت بسياستها النووية وكأنها تتحدى الولايات المتحدة أن تفعل شيئاً حيال استفزازاتها. وبدلاً من توفر نافذة من أجل قيام سلام إقليمي أقوى فإن السيناريو الأكثر ترجيحاً هو إمكان قيام سباق تسلح نووي في الخليج.
وفي ضوء مثل هذه التطورات فإن دول مجلس التعاون الخليجي ستكون أمام خيار غير مأمون، إذا قررت الاستمرار في وضع جميع رهاناتها الاستراتيجية على البطاقة الأمريكية، والأمل في استمرار النوايا الأمريكية الطيبة والحفاظ عليها بصورة جوهرية، لكن هناك تطوراً مهماً وهو أن أوروبا اتخذت بالفعل قراراً مماثلاً بعد الصدع العميق والإخفاق الناجم عن قرار فرنسا وألمانيا معارضة غزو العراق. وبعيداً عن البيانات المتعلقة بالوحدة الأوروبية، فإن أوروبا لم تعد اليوم راغبة في الاستمرار في سياسة الطاعة العمياء للولايات المتحدة، ربما لأنها تشعر ببساطة بالتطابق مع الولايات المتحدة، الناتج عن الالتزام الأمريكي تجاه المسألة الديمقراطية في أوروبا في مرحلة ما بعد العام 1945 (نهاية الحرب العالمية الثانية). ففي أوروبا الآن إدراك مطرد بأن سياسة الولايات المتحدة الأمريكية لا تتفق بالضرورة مع المصالح الأمنية الأوروبية في المديين المتوسط والبعيد. والواقع أن أوروبا ومنطقة الخليج تواجهان المأزق ذاته، فكل منهما تريد اتباع قيادة الولايات المتحدة، لكن السياسات الأمريكية الراهنة في المنطقة تجعل ذلك صعباً، إن لم يكن مستحيلاً.
ويتطلب الخروج من هذه الدائرة أن تدرس منطقة الخليج الخيارات التي يمكن أن تبدأ كحد أدنى بمناقشات لتوسيع وتعزيز الأمن الإقليمي، والنظر في تطبيق مفاهيم بديلة. وهذا هو الموقع الذي يمكن أن تلعب أوروبا دوراً فيه، ليس كبديل، بل متمم للترتيبات الموجودة بالفعل.
وسوف يسارع الكثير من نقاد وخبراء الوقائع الاستراتيجية الإقليمية إلى المجادلة والقول إن أوروبا ليست قادرة أو راغبة في الاضطلاع بمسؤوليات أمنية في الخليج. لكن من الممكن الرد بالقول إن هذا هو ما حدث تاريخياً، وظل الأوروبيون يحصدون لفترة طويلة الفوائد على ظهور الأمريكيين. والواقع أيضاً، هو أن أوروبا بدأت على مدى العقد الماضي، وخاصة أثناء غزو العراق، في لعب دور أمني متزايد في الشؤون الأمنية الخليجية. وقد وقعت كل من فرنسا والمملكة المتحدة اتفاقيات دفاعية ثنائية مع عدد من أقطار مجلس التعاون الخليجي، وهما تشاركان بانتظام في مناورات عسكرية واسعة النطاق، ووقعتا صفقات عدة لتزويد دول الخليج بالأسلحة والمعدات. وعززت ألمانيا دورها الأمني من خلال إبرام عدد من المعاهدات الأمنية، وتدريب أفراد من الأمن العراقي مثلاً، بتعاون ودعم من دولة الإمارات العربية المتحدة.
وتقدمت أوروبا وأقطار مجلس التعاون الخليجي أكثر في القضايا الأمنية الداخلية، ووقعت فرنسا وقطر في الثامن عشر من سبتمبر معاهدة للتعاون في المجالات القضائية، وإدارة الأزمات، وتهريب المخدرات، وغسيل الأموال، ومكافحة الإرهاب.
وفاوض الاتحاد الأوروبي إيران بشكل جماعي بشأن برنامجها النووي، وأبدى موقفاً صلباً يؤكد على ضرورة تخلي طهران عن طموحاتها العسكرية، لكن الاتحاد الأوروبي أكد في الوقت ذاته، أن لإيران دوراً مهماً في ضمان الأمن الإقليمي فترك بذلك الباب مفتوحاً أمام إيران للمساهمة البناءة في الاستقرار الإقليمي بأسلوب ومنطق يقومان على التضمين وليس الإقصاء. وإذا تمسكت إيران بدورها السلبي الحالي فإن من الواضح أن البديل مستقبلاً سيكون قيام صيغة تعتبر أكثر توجهاً نحو احتواء إيران بدلاً من إشراكها.
وتشمل المواقف الجماعية الأخرى (مبادرة اسطنبول للتعاون)، التي اقترحها حلف شمال الأطلسي، ووقعتها بالفعل أربعة من أقطار مجلس التعاون الخليجي الستة. وإذا أخذنا في الاعتبار الدور البنّاء الذي لعبه حلف شمال الأطلسي في أفغانستان، وخبرته الطويلة في التعاون الأمني متعدد الدول، فإن بإمكان هذا الحلف أن يلعب دوراً مهماً في الترتيبات الأمنية المستقبلية تحديداً، مستفيداً من فهمه للتغيرات التي تشهدها البيئة الأمنية.
وعدا عن هذه الخطوات الأولية، فإن لدى أوروبا شيئاً مهماً يمكنها أن تقدمه لمنطقة الخليج في ما يتعلق بالخبرة والتاريخ، فعلينا أن نتذكر أن أوروبا كانت حتى وقت غير بعيد جداً قارة تعصف بها النزاعات والضغائن القومية. ونحن نرى أوروبا اليوم كقارة تزداد تقارباً، وتضم الآن 25 دولة أعضاء تحت راية الاتحاد الأوروبي، وإن كانت عمليات التكامل والتعاون لا تزال غير مكتملة تماماً. ووافق الاتحاد الأوروبي حديثاً على البدء في مفاوضات مع تركيا بشأن انضمامها إليه، كما وافقت القمة الأوروبية لدى اجتماعها في بروكسل أخيراً على ترقية وضع مقدونيا لتصبح دولة مرشحة للانضمام إلى الاتحاد.
إن أوروبا حافلة اليوم بالمؤسسات المتداخلة والمتشابكة لضمان تناول النزاعات والخلافات بأساليب بناءة تحقق المصلحة الشاملة المشتركة. وإحدى هذه المؤسسات هي (منظمة الأمن والتعاون الأوروبي) التي أنشئت بداية عام 1975، وتضم الآن 55 دولة، وتعتبر أكبر منظمة أمنية في العالم، وتتمتع هذه المنظمة بطابع فريد في تبنيها مفهوم الأمن الشامل، حيث ُتلحق بالقضايا السياسية – العسكرية مسائل الترويج لحقوق الإنسان والتنمية الاقتصادية وحماية البيئة، وتجعلها دعائم أساسية لتعزيز الأمن والاستقرار. وتركز هذه المنظمة أيضاً على النظر إلى الأمن كمحتوى لا يتجزأ، بحيث لا يمكن اعتبار أمن أي دولة منفصلاً عن أمن الدول الأخرى. وهي تركز بذلك على تشجيع خطوات بناء الثقة، بالإضافة إلى منع وإدارة الصراعات.
وتعتبر مسألة بناء الثقة أحد المجالات الغائبة عن المحادثات الجارية في الوقت الحاضر، حول العلاقات (الإقليمية)، لكن من الصعب جداً أن تبدأ مثل هذه العملية في ظل تاريخ المنطقة مع الخصومات الإقليمية، والتباين المشترك القائم في الوقت الحاضر بين دول الخليج بشأن مفاهيمها للأولويات الأمنية. فلن يتم في السياق الحالي تطبيق نظام أمني يستند إلى دور دول المنطقة وحدها ويرفض أي مشاركة للقوى الخارجية. وحتى إذا كانت المشاركة الخارجية ضرورية، فإن من الأفضل التعامل مع شبكة من الدول، بدلاً من الاكتفاء بقوة خارجية واحدة لها مصالح محددة.
أين يمكن أن تكون البداية؟
على أوروبا أن تستمر من جهتها في عرض خدماتها، ودعم المشاركات التي تؤدي إلى تفاعلات إقليمية أكبر، وعليها أن تقترح آليات يمكن من خلالها معالجة النزاعات التي قد تحدث بأساليب بناءة وسلمية. وعلى أوروبا أيضاً أن تشجع توسيع العلاقات المؤسسية بين الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي ومنظمة الأمن والتعاون الأوروبي من جانب، وبين مجلس التعاون الخليجي من جانب آخر. ويحتاج حلف شمال الأطلسي إلى لعب دور مركزي في عودة الاستقرار إلى العراق. ويمكن لمنظمة الأمن والتعاون الأوروبي أن تبدأ حواراً مع أقطار مجلس التعاون الخليجي، خاصة أنها عقدت بالفعل لقاءات مع دول في حوض البحر الأبيض المتوسط، وأقامت علاقات خاصة مع دول آسيوية. ويجب على أوروبا أيضاً أن تدعم مبادرات إقليمية محددة مثل فكرة إعلان منطقة الخليج خالية من أسلحة الدمار الشامل كمدخل سوف يقود في المحصلة إلى منطقة أوسع في الشرق الأوسط خالية من هذه الأسلحة، ويجب أن يبقى الباب مفتوحاً أمام إيران في جميع الأوقات.
وعندما ينظر المرء إلى ما يمكن لأوروبا أن تقدمه، فلن يملك سوى تأييد حديث وزيرة الدفاع الفرنسية عن استكمال الحوار القائم بالفعل بين الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي بتوجه استراتيجي. وهذا ليس الوقت الملائم لكي تيأس أقطار مجلس التعاون الخليجي وتقبل ثانية بالتطورات الراهنة، وتعتبرها أمراً واقعاً ومسلّماً، فالمسارات البديلة متوافرة، وتحتاج فقط إلى الإرادة السياسية والمصلحة الاستراتيجية للتمسك بهذه المسارات.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::3441::/cck::
::introtext::
دعت وزيرة الدفاع الفرنسية ميشيل أليوت ماري، خلال اللقاء الحواري الذي عقد في البحرين أوائل شهر ديسمبر، إلى استكمال الحوار القائم بين الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي من خلال (جانب أمني). وهي دعوة لها مبرراتها القوية بالطبع، غير أن السؤال الذي يظل مطروحاً، يدور حول الشكل الذي يجب أن يأخذه التعاون الاستراتيجي بين الجانبين، وحول الأسس الراسخة التي يمكن أن يقوم عليها.
::/introtext::
::fulltext::
دعت وزيرة الدفاع الفرنسية ميشيل أليوت ماري، خلال اللقاء الحواري الذي عقد في البحرين أوائل شهر ديسمبر، إلى استكمال الحوار القائم بين الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي من خلال (جانب أمني). وهي دعوة لها مبرراتها القوية بالطبع، غير أن السؤال الذي يظل مطروحاً، يدور حول الشكل الذي يجب أن يأخذه التعاون الاستراتيجي بين الجانبين، وحول الأسس الراسخة التي يمكن أن يقوم عليها.
ليست بيئة الأمن الخليجي في الوقت الحاضر أكثر استقراراً مما كانت قبل أكثر من أربعين عاماً، عندما برزت الولايات المتحدة للمرة الأولى بصفتها القوة الخارجية الأكثر سيطرة في المنطقة، بعد إعلان بريطانيا قرارها الانسحاب من منطقة شرق السويس، وقد فشلت كل استراتيجية اتبعتها الولايات المتحدة منذ السبعينات من القرن الماضي في التأسيس لقدرات إقليمية أكبر على التعامل مع الصراعات، وذلك منذ أن اتبعت واشنطن سياسة العمودين المزدوجين، والتي اعتمدت فيها على إيران والمملكة العربية السعودية في حفظ الاستقرار الإقليمي في المنطقة، ومروراً بدعم العراق، ثم تطبيق سياسة الاحتواء المزدوج المتناظر لكل من إيران والعراق، ووصولاً في الختام، إلى قرار الولايات المتحدة أخذ زمام الشؤون الأمنية في المنطقة بيديها بقرارها غزو العراق سنة 2003. وبدلاً من الاستقرار فقد راحت منطقة الخليج تنتقل من أزمة إلى أخرى.
وتم تبديد حتى الفرصة التي سنحت بالتخلص من حكم صدام حسين في العراق بسبب الفشل الذريع في استباق وتقدير التطورات، ثم إدارة مرحلة إعادة البناء، بعد الغزو وكانت نتيجة هذا الفشل مزدوجة: فقد استمر أولاً عدم استقرار العراق، وتفاقمت مشاعر انعدام الأمن في المنطقة بدلاً من أن تتقلص. والنتيجة الثانية هي أن فشل الولايات المتحدة في تحقيق الاستقرار في العراق شجع إيران على التحرك نحو الفراغ الاستراتيجي القائم، والبدء في تحدي الهيمنة الأمريكية في المنطقة، واضطلعت إيران بدور صانع الزعماء داخل العراق، وبدت بسياستها النووية وكأنها تتحدى الولايات المتحدة أن تفعل شيئاً حيال استفزازاتها. وبدلاً من توفر نافذة من أجل قيام سلام إقليمي أقوى فإن السيناريو الأكثر ترجيحاً هو إمكان قيام سباق تسلح نووي في الخليج.
وفي ضوء مثل هذه التطورات فإن دول مجلس التعاون الخليجي ستكون أمام خيار غير مأمون، إذا قررت الاستمرار في وضع جميع رهاناتها الاستراتيجية على البطاقة الأمريكية، والأمل في استمرار النوايا الأمريكية الطيبة والحفاظ عليها بصورة جوهرية، لكن هناك تطوراً مهماً وهو أن أوروبا اتخذت بالفعل قراراً مماثلاً بعد الصدع العميق والإخفاق الناجم عن قرار فرنسا وألمانيا معارضة غزو العراق. وبعيداً عن البيانات المتعلقة بالوحدة الأوروبية، فإن أوروبا لم تعد اليوم راغبة في الاستمرار في سياسة الطاعة العمياء للولايات المتحدة، ربما لأنها تشعر ببساطة بالتطابق مع الولايات المتحدة، الناتج عن الالتزام الأمريكي تجاه المسألة الديمقراطية في أوروبا في مرحلة ما بعد العام 1945 (نهاية الحرب العالمية الثانية). ففي أوروبا الآن إدراك مطرد بأن سياسة الولايات المتحدة الأمريكية لا تتفق بالضرورة مع المصالح الأمنية الأوروبية في المديين المتوسط والبعيد. والواقع أن أوروبا ومنطقة الخليج تواجهان المأزق ذاته، فكل منهما تريد اتباع قيادة الولايات المتحدة، لكن السياسات الأمريكية الراهنة في المنطقة تجعل ذلك صعباً، إن لم يكن مستحيلاً.
ويتطلب الخروج من هذه الدائرة أن تدرس منطقة الخليج الخيارات التي يمكن أن تبدأ كحد أدنى بمناقشات لتوسيع وتعزيز الأمن الإقليمي، والنظر في تطبيق مفاهيم بديلة. وهذا هو الموقع الذي يمكن أن تلعب أوروبا دوراً فيه، ليس كبديل، بل متمم للترتيبات الموجودة بالفعل.
وسوف يسارع الكثير من نقاد وخبراء الوقائع الاستراتيجية الإقليمية إلى المجادلة والقول إن أوروبا ليست قادرة أو راغبة في الاضطلاع بمسؤوليات أمنية في الخليج. لكن من الممكن الرد بالقول إن هذا هو ما حدث تاريخياً، وظل الأوروبيون يحصدون لفترة طويلة الفوائد على ظهور الأمريكيين. والواقع أيضاً، هو أن أوروبا بدأت على مدى العقد الماضي، وخاصة أثناء غزو العراق، في لعب دور أمني متزايد في الشؤون الأمنية الخليجية. وقد وقعت كل من فرنسا والمملكة المتحدة اتفاقيات دفاعية ثنائية مع عدد من أقطار مجلس التعاون الخليجي، وهما تشاركان بانتظام في مناورات عسكرية واسعة النطاق، ووقعتا صفقات عدة لتزويد دول الخليج بالأسلحة والمعدات. وعززت ألمانيا دورها الأمني من خلال إبرام عدد من المعاهدات الأمنية، وتدريب أفراد من الأمن العراقي مثلاً، بتعاون ودعم من دولة الإمارات العربية المتحدة.
وتقدمت أوروبا وأقطار مجلس التعاون الخليجي أكثر في القضايا الأمنية الداخلية، ووقعت فرنسا وقطر في الثامن عشر من سبتمبر معاهدة للتعاون في المجالات القضائية، وإدارة الأزمات، وتهريب المخدرات، وغسيل الأموال، ومكافحة الإرهاب.
وفاوض الاتحاد الأوروبي إيران بشكل جماعي بشأن برنامجها النووي، وأبدى موقفاً صلباً يؤكد على ضرورة تخلي طهران عن طموحاتها العسكرية، لكن الاتحاد الأوروبي أكد في الوقت ذاته، أن لإيران دوراً مهماً في ضمان الأمن الإقليمي فترك بذلك الباب مفتوحاً أمام إيران للمساهمة البناءة في الاستقرار الإقليمي بأسلوب ومنطق يقومان على التضمين وليس الإقصاء. وإذا تمسكت إيران بدورها السلبي الحالي فإن من الواضح أن البديل مستقبلاً سيكون قيام صيغة تعتبر أكثر توجهاً نحو احتواء إيران بدلاً من إشراكها.
وتشمل المواقف الجماعية الأخرى (مبادرة اسطنبول للتعاون)، التي اقترحها حلف شمال الأطلسي، ووقعتها بالفعل أربعة من أقطار مجلس التعاون الخليجي الستة. وإذا أخذنا في الاعتبار الدور البنّاء الذي لعبه حلف شمال الأطلسي في أفغانستان، وخبرته الطويلة في التعاون الأمني متعدد الدول، فإن بإمكان هذا الحلف أن يلعب دوراً مهماً في الترتيبات الأمنية المستقبلية تحديداً، مستفيداً من فهمه للتغيرات التي تشهدها البيئة الأمنية.
وعدا عن هذه الخطوات الأولية، فإن لدى أوروبا شيئاً مهماً يمكنها أن تقدمه لمنطقة الخليج في ما يتعلق بالخبرة والتاريخ، فعلينا أن نتذكر أن أوروبا كانت حتى وقت غير بعيد جداً قارة تعصف بها النزاعات والضغائن القومية. ونحن نرى أوروبا اليوم كقارة تزداد تقارباً، وتضم الآن 25 دولة أعضاء تحت راية الاتحاد الأوروبي، وإن كانت عمليات التكامل والتعاون لا تزال غير مكتملة تماماً. ووافق الاتحاد الأوروبي حديثاً على البدء في مفاوضات مع تركيا بشأن انضمامها إليه، كما وافقت القمة الأوروبية لدى اجتماعها في بروكسل أخيراً على ترقية وضع مقدونيا لتصبح دولة مرشحة للانضمام إلى الاتحاد.
إن أوروبا حافلة اليوم بالمؤسسات المتداخلة والمتشابكة لضمان تناول النزاعات والخلافات بأساليب بناءة تحقق المصلحة الشاملة المشتركة. وإحدى هذه المؤسسات هي (منظمة الأمن والتعاون الأوروبي) التي أنشئت بداية عام 1975، وتضم الآن 55 دولة، وتعتبر أكبر منظمة أمنية في العالم، وتتمتع هذه المنظمة بطابع فريد في تبنيها مفهوم الأمن الشامل، حيث ُتلحق بالقضايا السياسية – العسكرية مسائل الترويج لحقوق الإنسان والتنمية الاقتصادية وحماية البيئة، وتجعلها دعائم أساسية لتعزيز الأمن والاستقرار. وتركز هذه المنظمة أيضاً على النظر إلى الأمن كمحتوى لا يتجزأ، بحيث لا يمكن اعتبار أمن أي دولة منفصلاً عن أمن الدول الأخرى. وهي تركز بذلك على تشجيع خطوات بناء الثقة، بالإضافة إلى منع وإدارة الصراعات.
وتعتبر مسألة بناء الثقة أحد المجالات الغائبة عن المحادثات الجارية في الوقت الحاضر، حول العلاقات (الإقليمية)، لكن من الصعب جداً أن تبدأ مثل هذه العملية في ظل تاريخ المنطقة مع الخصومات الإقليمية، والتباين المشترك القائم في الوقت الحاضر بين دول الخليج بشأن مفاهيمها للأولويات الأمنية. فلن يتم في السياق الحالي تطبيق نظام أمني يستند إلى دور دول المنطقة وحدها ويرفض أي مشاركة للقوى الخارجية. وحتى إذا كانت المشاركة الخارجية ضرورية، فإن من الأفضل التعامل مع شبكة من الدول، بدلاً من الاكتفاء بقوة خارجية واحدة لها مصالح محددة.
أين يمكن أن تكون البداية؟
على أوروبا أن تستمر من جهتها في عرض خدماتها، ودعم المشاركات التي تؤدي إلى تفاعلات إقليمية أكبر، وعليها أن تقترح آليات يمكن من خلالها معالجة النزاعات التي قد تحدث بأساليب بناءة وسلمية. وعلى أوروبا أيضاً أن تشجع توسيع العلاقات المؤسسية بين الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي ومنظمة الأمن والتعاون الأوروبي من جانب، وبين مجلس التعاون الخليجي من جانب آخر. ويحتاج حلف شمال الأطلسي إلى لعب دور مركزي في عودة الاستقرار إلى العراق. ويمكن لمنظمة الأمن والتعاون الأوروبي أن تبدأ حواراً مع أقطار مجلس التعاون الخليجي، خاصة أنها عقدت بالفعل لقاءات مع دول في حوض البحر الأبيض المتوسط، وأقامت علاقات خاصة مع دول آسيوية. ويجب على أوروبا أيضاً أن تدعم مبادرات إقليمية محددة مثل فكرة إعلان منطقة الخليج خالية من أسلحة الدمار الشامل كمدخل سوف يقود في المحصلة إلى منطقة أوسع في الشرق الأوسط خالية من هذه الأسلحة، ويجب أن يبقى الباب مفتوحاً أمام إيران في جميع الأوقات.
وعندما ينظر المرء إلى ما يمكن لأوروبا أن تقدمه، فلن يملك سوى تأييد حديث وزيرة الدفاع الفرنسية عن استكمال الحوار القائم بالفعل بين الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي بتوجه استراتيجي. وهذا ليس الوقت الملائم لكي تيأس أقطار مجلس التعاون الخليجي وتقبل ثانية بالتطورات الراهنة، وتعتبرها أمراً واقعاً ومسلّماً، فالمسارات البديلة متوافرة، وتحتاج فقط إلى الإرادة السياسية والمصلحة الاستراتيجية للتمسك بهذه المسارات.
::/fulltext::
::cck::3441::/cck::
