علاقات دول مجلس التعاون مع روسيا بين مد وجذر
::cck::3457::/cck::
::introtext::
تمر العلاقات بين دول مجلس التعاون الخليجي وروسيا الاتحادية بعد انهيار الاتحاد السوفييتي بفترة تحول جذرية، وقد شهدت هذه العلاقات تطوراً ملحوظاً خلال السنوات الخمس الماضية، وإن كان البعض يتصور أن التطور في هذه العلاقات جاء بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر وما تلاها من بعض التوتر في العلاقات بين الولايات المتحدة من جهة و بعض دول المجلس من جهة أخرى، ولكن في الواقع أن هذا غير صحيح، وتطور علاقات بعض دول المجلس مع روسيا لا يؤثر سلباً في علاقات هذه الدول مع واشنطن، بل على العكس ربما يضع علاقات دول مجلس التعاون مع الولايات المتحدة وغيرها من دول الغرب في إطار أفضل بكثير عما كانت عليه من قبل، ويدفعها للأمام في الطريق الصحيح الذي كان من المفروض أن تسير عليه منذ البداية، خاصة أن روسيا الآن تغيرت كثيرا عما كانت عليه منذ عشر سنوات مضت، وأصبحت قوة اقتصادية مؤثرة في الساحة الدولية بما تملكه من إمكانيات كبيرة في مجال الطاقة، فروسيا الآن هي أكبر منتج للنفط بعد المملكة العربية السعودية، كما أنها تحتكر وحدها ما يزيد على 30 في المائة من الإنتاج العالمي من الغاز الطبيعي، الأمر الذي جعل الكثير من دول العالم تتقرب من روسيا، وعلى رأسها الدول الصناعية الكبيرة بما فيها الولايات المتحدة الأمريكية. ويكفينا أن نشير هنا إلى أنه في عام 2010 سوف يصبح 70 في المائة من استهلاك أوروبا من الغاز الطبيعي يأتي من روسيا بعد تشغيل خط أنابيب الشمال، وهذه الأمور في حد ذاتها تعطي مبررات قوية ومنطقية لضرورة نمو العلاقات بين دول مجلس التعاون الخليجي صاحبة النصيب الأكبر من إنتاج واحتياطي الطاقة العالمي وبين روسيا، والعلاقات بين الطرفين بالفعل في نمو مستمر وملحوظ، وإن كان متبايناً في مستواه بين دول مجلس التعاون، ونقدم هنا بعض مؤشرات هذه العلاقات بداية بالمملكة العربية السعودية الأكثر تطوراً في علاقاتها مع روسيا .
::/introtext::
::fulltext::
تمر العلاقات بين دول مجلس التعاون الخليجي وروسيا الاتحادية بعد انهيار الاتحاد السوفييتي بفترة تحول جذرية، وقد شهدت هذه العلاقات تطوراً ملحوظاً خلال السنوات الخمس الماضية، وإن كان البعض يتصور أن التطور في هذه العلاقات جاء بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر وما تلاها من بعض التوتر في العلاقات بين الولايات المتحدة من جهة و بعض دول المجلس من جهة أخرى، ولكن في الواقع أن هذا غير صحيح، وتطور علاقات بعض دول المجلس مع روسيا لا يؤثر سلباً في علاقات هذه الدول مع واشنطن، بل على العكس ربما يضع علاقات دول مجلس التعاون مع الولايات المتحدة وغيرها من دول الغرب في إطار أفضل بكثير عما كانت عليه من قبل، ويدفعها للأمام في الطريق الصحيح الذي كان من المفروض أن تسير عليه منذ البداية، خاصة أن روسيا الآن تغيرت كثيرا عما كانت عليه منذ عشر سنوات مضت، وأصبحت قوة اقتصادية مؤثرة في الساحة الدولية بما تملكه من إمكانيات كبيرة في مجال الطاقة، فروسيا الآن هي أكبر منتج للنفط بعد المملكة العربية السعودية، كما أنها تحتكر وحدها ما يزيد على 30 في المائة من الإنتاج العالمي من الغاز الطبيعي، الأمر الذي جعل الكثير من دول العالم تتقرب من روسيا، وعلى رأسها الدول الصناعية الكبيرة بما فيها الولايات المتحدة الأمريكية. ويكفينا أن نشير هنا إلى أنه في عام 2010 سوف يصبح 70 في المائة من استهلاك أوروبا من الغاز الطبيعي يأتي من روسيا بعد تشغيل خط أنابيب الشمال، وهذه الأمور في حد ذاتها تعطي مبررات قوية ومنطقية لضرورة نمو العلاقات بين دول مجلس التعاون الخليجي صاحبة النصيب الأكبر من إنتاج واحتياطي الطاقة العالمي وبين روسيا، والعلاقات بين الطرفين بالفعل في نمو مستمر وملحوظ، وإن كان متبايناً في مستواه بين دول مجلس التعاون، ونقدم هنا بعض مؤشرات هذه العلاقات بداية بالمملكة العربية السعودية الأكثر تطوراً في علاقاتها مع روسيا .
السعودية وروسيا
علاقات المملكة العربية السعودية مع الاتحاد السوفييتي السابق لم تكن جامدة أو سلبية كما يعتقد البعض، وربما يتذكر البعض أن موسكو السوفييتية هي أول من اعترف بحكم آل سعود عام 1926، والجميع يتذكر الزيارة التاريخية التي قام بها المغفور له الملك فيصل بن عبد العزيز آل سعود إلى روسيا عام 1932 في عهد والده مؤسس الدولة المغفور له الملك عبد العزيز آل سعود، هذه الزيارة التي احتفل بالذكرى السبعين لها في موسكو عام 2003 ضمن ندوة العلاقات السعودية – الروسية، والتي نظمها في موسكو مركز الملك فيصل للدراسات الإسلامية مع المركز الدولي الروسي للدراسات الاستراتيجية، وحضرها صاحب السمو الملكي الأمير تركي الفيصل، وعرض في الندوة فيلماً وثائقياً لهذه الزيارة التاريخية التي تؤرخ بداية العلاقات بين البلدين.
ونمت العلاقات بين موسكو والرياض بشكل ملحوظ في التسعينات من القرن الماضي، وتكللت هذه العلاقات بالزيارة التاريخية والمهمة التي قام بها خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز إلى روسيا في سبتمبر عام 2003 (عندما كان ولياً للعهد)، وهي الزيارة التي نتج عنها العديد من الاتفاقيات التي وضعت أسس التعاون المشترك بين البلدين، وأعطت هذه الزيارة دفعة قوية للتعاون بين البلدين في مختلف المجالات، وخاصة في مجال الطاقة حيث انطلقت بعدها شركات النفط الروسية تعمل في المملكة، ومنها شركة (لوك أويل) التي تعمل مع أرامكو في منطقة شمال الربع الخالي، ودعت المملكة الشركات الروسية في قطاع الطرق والمواصلات إلى بناء خطوط سكك حديد تربط مدن الدمام والرياض ومكة وجدة، وفي مجال الفضاء تم إطلاق سبعة أقمار صناعية سعودية بصواريخ (دنيبر) الروسية من قاعدة (بيكانور)، ويتوقع إطلاق ستة أقمار أخرى قريبا، وتأسس مجلس الأعمال السعودي – الروسي الذي يضم رجال الأعمال والمستثمرين من الجانبين، ويعقد جلساته سنوياً، وكان آخرها في موسكو في أغسطس الماضي لبحث سبل وفرص التعاون المشترك بين البلدين على المستويين العام والخاص.
مكافحة الإرهاب
تتميز العلاقات السعودية – الروسية الآن بتقارب واضح وملموس في السياسة الخارجية وتوافق وجهات نظر البلدين حول القضايا الدولية، وعلى رأسها قضية مكافحة الإرهاب، حيث تم توقيع اتفاق تعاون مشترك في هذا المجال بين البلدين، وأعلنت موسكو صراحة عن دعمها لجهود المملكة المثمرة والصائبة في مكافحة الإرهاب ووصف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين دعوة الملك عبد الله بن عبد العزيز في عام 2004 (عندما كان ولياً للعهد) إلى عقد مؤتمر دولي لمكافحة الإرهاب في الرياض بأنها فكرة صائبة تأتي في الوقت المناسب، وأكد بوتين على دعم روسيا الكامل لجهود المملكة في هذا المجال، وشاركت روسيا في مؤتمر الرياض لمكافحة الإرهاب الذي عقد في فبراير من العام الماضي، ودعمت روسيا بقوة اقتراح الملك عبد الله بن عبد العزيز بتأسيس مركز دولي لمكافحة الإرهاب، كما نظم البلدان في موسكو في مايو الماضي مؤتمراً لمكافحة الإرهاب تحت عنوان (الإسلام دين السلام)، ويقول وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف: (إن السعودية وروسيا متفقتان تماماً على ضرورة العمل الدولي الجماعي في مجال مكافحة الإرهاب، وعدم انفراد دولة أو مجموعة دول معينة بهذه المهمة)، كما دعمت المملكة العربية السعودية طلب الرئيس الروسي بوتين انضمام روسيا لمنظمة المؤتمر الإسلامي، باعتبار وجود أكثر من عشرين مليون مسلم روسي يشعرون بانتمائهم للعالم الإسلامي، وبفضل الدعم السعودي حصلت روسيا على وصف مراقب دائم في المنظمة وفي طريقها للحصول على العضوية الكاملة. وتنمو العلاقات بين روسيا والسعودية بشكل كبير وملحوظ في كافة المجالات، ومنها المجالات التي كان محظوراً التعاون بينهما فيها في زمن الشيوعية مثل مجالات الثقافة والتعليم والتوعية الدينية، حيث تحصل المملكة لأبنائها الآن على منح دراسية عليا لدراسة الماجستير والدكتوراه في الجامعات الروسية، وكان أول باحث سعودي يحصل على درجة الدكتوراه في العلوم السياسية من روسيا الدكتور عبد العزيز بن مجيد التركي في نوفمبر 2004، كما شاركت المملكة في معرض موسكو الدولي للكتاب في عامي 2004 و2005، و توجد في موسكو أكاديمية سعودية أنشئت في منتصف التسعينات، وتعمل في مجال التعليم والتوعية الدينية والثقافية العربية، ويدرس فيها طلاب من مختلف الجنسيات، وقد زار الملك عبد الله بن عبد العزيز الأكاديمية عام 2003 وقدم لها تبرعاً بمليون دولار.
روسيا والإمارات
تأتي العلاقات بين دولة الإمارات وروسيا في الترتيب الثاني بعد المملكة العربية السعودية، حيث تأسست هذه العلاقات عام 1971، ونمت بشكل ملحوظ في سنوات التسعينات مع نمو السياحة وتدفق الملايين من السياح الروس إلى دولة الإمارات، وأيضاً تدفق رجال الأعمال الروس على الإمارات وتأسيسهم للعديد من الشركات التجارية والسياحية، وأصبحت روسيا مشاركاً دائماً في المعارض الدولية في الإمارات مثل معرض السلاح (آيدكس) في أبو ظبي ومعرض الطيران الدولي (إير شو) في دبي، كما تطورت العلاقات الثقافية والفنية بين البلدين من خلال مشاركات المئات من الفنانين الروس في مهرجانات دبي، وزادت الاستثمارات الروسية في قطاع العقارات في دبي حتى أصبح الروس يشكلون نسبة 8 في المائة من ملاك العقار الأجانب في دبي، وتنمو العلاقات بين البلدين في مجالات أخرى مثل البيئة وتحلية مياه البحر وتنقية المياه من بقع النفط، والتي تتولاها شركة (بروم إيكو) الروسية، وافتتحت العديد من أقاليم روسيا الاتحادية مكاتب تجارية لها في دبي، كما يوجد تعاون دبلوماسي بين المعهد الدبلوماسي التابع لوزارة الخارجية الإماراتية و معهد العلاقات الدولية التابع للخارجية الروسية.
روسيا وعُمان
تأسست العلاقات بين روسيا وسلطنة عمان عام 1985، ويوجد تعاون مشترك بين البلدين في مجال الطاقة حيث تعمل شركة (ريتيك) الروسية في قطاع النفط العماني منذ عام 2000، إلا أن العلاقات بين البلدين لم تشهد بعد التطور المتوقع لها، وإن كانت قد شهدت في السنوات الثلاث الماضية لقاءات على المستوى الرسمي تنبئ بنمو منتظر للعلاقات في المستقبل القريب، حيث زار يفجيني بريماكوف رئيس غرفة التجارة والصناعة الروسية مسقط عام 2003، وزار رئيس مجلس الدولة العماني يحيى المنذري موسكو عام 2005، كما التقى وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف نظيره العماني يوسف بن علوي في سبتمبر الماضي لبحث سبل تطوير العلاقات بين البلدين، وتأسس مجلس الأعمال الروسي العماني في العام الماضي لتطوير العلاقات بين البلدين، وعقد أول اجتماعاته في فبراير من العام الجاري، وهنالك زيادة ملحوظة للسياحة الروسية في عمان، وأيضا زيادة في عدد الطلاب العمانيين الدارسين في روسيا.
الكويت وقطر والبحرين
لم تظهر ملامح واضحة للعلاقات بين روسيا وكل من الكويت وقطر والبحرين، وذلك رغم وجود علاقات دبلوماسية بينهما منذ الثمانينات، وربما تأثرت العلاقات الروسية الكويتية سلبا بعض الشيء بسبب علاقات روسيا بالنظام العراقي السابق، إلا أن العلاقات عادت لتشهد تطورا ملحوظا بعد سقوط النظام العراقي، حيث توالت زيارات الوفود من البلدين، ومنها الزيارة التي قام بها وفد كويتي برئاسة وزير الأوقاف الدكتور عبد الله المعتوق في أغسطس عام 2004 وتوقيع بروتوكول للتعاون بين البلدين في مجالات التعليم والنشر والمعلومات، وتم تشكيل لجنة حكومية مشتركة بين البلدين لشؤون التعاون الاقتصادي والتجاري، كما تم تزويد الجيش الكويتي مؤخرا بأسلحة روسية حديثة مثل قذائف الصواريخ الحديثة (سميرتش).
أما العلاقات الروسية – البحرينية فلا تزال في طور التكوين وإن كانت قد شهدت تطوراً مؤخراً بمشاركة الشركات الروسية في معرض ميتال الدولي في البحرين في ديسمبر الماضي، والذي فتح آفاقاً جديدة لصناعة المعادن الروسية في البحرين ودول الخليج.
وكانت العلاقات بين قطر وروسيا تتراوح بين التوتر والاستقرار، وخاصة بعد حادث اغتيال الزعيم الشيشاني ياندرييف في الدوحة في فبراير 2004، والذي اتهمت فيه قطر مواطنين من روسيا، ويسبب وجود أعداد من الانفصاليين الشيشان في قطر ازعاجاً كبيراً لموسكو، وإن كان هذا لم يمنع من مشاركة روسيا في معرض ميليبول للأسلحة الخفيفة في قطر عام 2004.
آفاق العلاقات
الواقع يقول إن علاقات روسيا مع دول مجلس التعاون الخليجي تحتاج لدفعة قوية وتطويرا أكبر وأسرع تفرضه متطلبات وتطورات الأحداث في المنطقة، وخاصة في المجالات السياسية والاقتصادية، وربما تكون المملكة العربية السعودية قد استوعبت تماماً هذه المتطلبات، ودفعت بهذه العلاقات للأمام في السنوات الثلاث الماضية، إلا أنه مطلوب من بقية دول المجلس العمل في الاتجاه نفسه، وهذا إن لم يكن من أجل خلق توازن في القوى الدولية في المنطقة، فبالأحرى من أجل التعاون الاقتصادي والتجاري بين الطرفين باعتبار أن روسيا أكبر منتج للنفط والغاز من خارج المنطقة، ولها تأثير كبير في السوق العالمي للطاقة، وربما هذا ما دفع وفد منظمة أوبك برئاسة الشيخ أحمد فهد الصباح للتوجه إلى موسكو في ديسمبر الماضي لإجراء مباحثات مع الروس حول التنسيق بينهما في أسواق النفط العالمية، وكانت أوبك قد نجحت في إقناع روسيا بتخفيض إنتاجها عام 2001 للحفاظ على الأسعار.
كما أنه مطلوب العمل المشترك مع روسيا من خلال مجلس التعاون الخليجي في مجالات عديدة، وهذا ما أكدته اللقاءات التي جرت بين وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف ووفد مجلس التعاون في نيويورك على هامش الدورة الستين للجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر الماضي لبحث القضايا المشتركة التي تهم الطرفين، وعلى رأسها قضايا مكافحة الإرهاب والوضع في الخليج والعراق. وهذه اللقاءات يجب أن تنمو وتتطور إلى مستوى العمل المشترك بين مجلس التعاون وروسيا، والآن أمام دول مجلس التعاون قضية النووي الإيراني التي تؤكد قطعاً ضرورة العمل المشترك مع روسيا التي تتولى الإشراف على البرنامج النووي الإيراني.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::3457::/cck::
::introtext::
تمر العلاقات بين دول مجلس التعاون الخليجي وروسيا الاتحادية بعد انهيار الاتحاد السوفييتي بفترة تحول جذرية، وقد شهدت هذه العلاقات تطوراً ملحوظاً خلال السنوات الخمس الماضية، وإن كان البعض يتصور أن التطور في هذه العلاقات جاء بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر وما تلاها من بعض التوتر في العلاقات بين الولايات المتحدة من جهة و بعض دول المجلس من جهة أخرى، ولكن في الواقع أن هذا غير صحيح، وتطور علاقات بعض دول المجلس مع روسيا لا يؤثر سلباً في علاقات هذه الدول مع واشنطن، بل على العكس ربما يضع علاقات دول مجلس التعاون مع الولايات المتحدة وغيرها من دول الغرب في إطار أفضل بكثير عما كانت عليه من قبل، ويدفعها للأمام في الطريق الصحيح الذي كان من المفروض أن تسير عليه منذ البداية، خاصة أن روسيا الآن تغيرت كثيرا عما كانت عليه منذ عشر سنوات مضت، وأصبحت قوة اقتصادية مؤثرة في الساحة الدولية بما تملكه من إمكانيات كبيرة في مجال الطاقة، فروسيا الآن هي أكبر منتج للنفط بعد المملكة العربية السعودية، كما أنها تحتكر وحدها ما يزيد على 30 في المائة من الإنتاج العالمي من الغاز الطبيعي، الأمر الذي جعل الكثير من دول العالم تتقرب من روسيا، وعلى رأسها الدول الصناعية الكبيرة بما فيها الولايات المتحدة الأمريكية. ويكفينا أن نشير هنا إلى أنه في عام 2010 سوف يصبح 70 في المائة من استهلاك أوروبا من الغاز الطبيعي يأتي من روسيا بعد تشغيل خط أنابيب الشمال، وهذه الأمور في حد ذاتها تعطي مبررات قوية ومنطقية لضرورة نمو العلاقات بين دول مجلس التعاون الخليجي صاحبة النصيب الأكبر من إنتاج واحتياطي الطاقة العالمي وبين روسيا، والعلاقات بين الطرفين بالفعل في نمو مستمر وملحوظ، وإن كان متبايناً في مستواه بين دول مجلس التعاون، ونقدم هنا بعض مؤشرات هذه العلاقات بداية بالمملكة العربية السعودية الأكثر تطوراً في علاقاتها مع روسيا .
::/introtext::
::fulltext::
تمر العلاقات بين دول مجلس التعاون الخليجي وروسيا الاتحادية بعد انهيار الاتحاد السوفييتي بفترة تحول جذرية، وقد شهدت هذه العلاقات تطوراً ملحوظاً خلال السنوات الخمس الماضية، وإن كان البعض يتصور أن التطور في هذه العلاقات جاء بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر وما تلاها من بعض التوتر في العلاقات بين الولايات المتحدة من جهة و بعض دول المجلس من جهة أخرى، ولكن في الواقع أن هذا غير صحيح، وتطور علاقات بعض دول المجلس مع روسيا لا يؤثر سلباً في علاقات هذه الدول مع واشنطن، بل على العكس ربما يضع علاقات دول مجلس التعاون مع الولايات المتحدة وغيرها من دول الغرب في إطار أفضل بكثير عما كانت عليه من قبل، ويدفعها للأمام في الطريق الصحيح الذي كان من المفروض أن تسير عليه منذ البداية، خاصة أن روسيا الآن تغيرت كثيرا عما كانت عليه منذ عشر سنوات مضت، وأصبحت قوة اقتصادية مؤثرة في الساحة الدولية بما تملكه من إمكانيات كبيرة في مجال الطاقة، فروسيا الآن هي أكبر منتج للنفط بعد المملكة العربية السعودية، كما أنها تحتكر وحدها ما يزيد على 30 في المائة من الإنتاج العالمي من الغاز الطبيعي، الأمر الذي جعل الكثير من دول العالم تتقرب من روسيا، وعلى رأسها الدول الصناعية الكبيرة بما فيها الولايات المتحدة الأمريكية. ويكفينا أن نشير هنا إلى أنه في عام 2010 سوف يصبح 70 في المائة من استهلاك أوروبا من الغاز الطبيعي يأتي من روسيا بعد تشغيل خط أنابيب الشمال، وهذه الأمور في حد ذاتها تعطي مبررات قوية ومنطقية لضرورة نمو العلاقات بين دول مجلس التعاون الخليجي صاحبة النصيب الأكبر من إنتاج واحتياطي الطاقة العالمي وبين روسيا، والعلاقات بين الطرفين بالفعل في نمو مستمر وملحوظ، وإن كان متبايناً في مستواه بين دول مجلس التعاون، ونقدم هنا بعض مؤشرات هذه العلاقات بداية بالمملكة العربية السعودية الأكثر تطوراً في علاقاتها مع روسيا .
السعودية وروسيا
علاقات المملكة العربية السعودية مع الاتحاد السوفييتي السابق لم تكن جامدة أو سلبية كما يعتقد البعض، وربما يتذكر البعض أن موسكو السوفييتية هي أول من اعترف بحكم آل سعود عام 1926، والجميع يتذكر الزيارة التاريخية التي قام بها المغفور له الملك فيصل بن عبد العزيز آل سعود إلى روسيا عام 1932 في عهد والده مؤسس الدولة المغفور له الملك عبد العزيز آل سعود، هذه الزيارة التي احتفل بالذكرى السبعين لها في موسكو عام 2003 ضمن ندوة العلاقات السعودية – الروسية، والتي نظمها في موسكو مركز الملك فيصل للدراسات الإسلامية مع المركز الدولي الروسي للدراسات الاستراتيجية، وحضرها صاحب السمو الملكي الأمير تركي الفيصل، وعرض في الندوة فيلماً وثائقياً لهذه الزيارة التاريخية التي تؤرخ بداية العلاقات بين البلدين.
ونمت العلاقات بين موسكو والرياض بشكل ملحوظ في التسعينات من القرن الماضي، وتكللت هذه العلاقات بالزيارة التاريخية والمهمة التي قام بها خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز إلى روسيا في سبتمبر عام 2003 (عندما كان ولياً للعهد)، وهي الزيارة التي نتج عنها العديد من الاتفاقيات التي وضعت أسس التعاون المشترك بين البلدين، وأعطت هذه الزيارة دفعة قوية للتعاون بين البلدين في مختلف المجالات، وخاصة في مجال الطاقة حيث انطلقت بعدها شركات النفط الروسية تعمل في المملكة، ومنها شركة (لوك أويل) التي تعمل مع أرامكو في منطقة شمال الربع الخالي، ودعت المملكة الشركات الروسية في قطاع الطرق والمواصلات إلى بناء خطوط سكك حديد تربط مدن الدمام والرياض ومكة وجدة، وفي مجال الفضاء تم إطلاق سبعة أقمار صناعية سعودية بصواريخ (دنيبر) الروسية من قاعدة (بيكانور)، ويتوقع إطلاق ستة أقمار أخرى قريبا، وتأسس مجلس الأعمال السعودي – الروسي الذي يضم رجال الأعمال والمستثمرين من الجانبين، ويعقد جلساته سنوياً، وكان آخرها في موسكو في أغسطس الماضي لبحث سبل وفرص التعاون المشترك بين البلدين على المستويين العام والخاص.
مكافحة الإرهاب
تتميز العلاقات السعودية – الروسية الآن بتقارب واضح وملموس في السياسة الخارجية وتوافق وجهات نظر البلدين حول القضايا الدولية، وعلى رأسها قضية مكافحة الإرهاب، حيث تم توقيع اتفاق تعاون مشترك في هذا المجال بين البلدين، وأعلنت موسكو صراحة عن دعمها لجهود المملكة المثمرة والصائبة في مكافحة الإرهاب ووصف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين دعوة الملك عبد الله بن عبد العزيز في عام 2004 (عندما كان ولياً للعهد) إلى عقد مؤتمر دولي لمكافحة الإرهاب في الرياض بأنها فكرة صائبة تأتي في الوقت المناسب، وأكد بوتين على دعم روسيا الكامل لجهود المملكة في هذا المجال، وشاركت روسيا في مؤتمر الرياض لمكافحة الإرهاب الذي عقد في فبراير من العام الماضي، ودعمت روسيا بقوة اقتراح الملك عبد الله بن عبد العزيز بتأسيس مركز دولي لمكافحة الإرهاب، كما نظم البلدان في موسكو في مايو الماضي مؤتمراً لمكافحة الإرهاب تحت عنوان (الإسلام دين السلام)، ويقول وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف: (إن السعودية وروسيا متفقتان تماماً على ضرورة العمل الدولي الجماعي في مجال مكافحة الإرهاب، وعدم انفراد دولة أو مجموعة دول معينة بهذه المهمة)، كما دعمت المملكة العربية السعودية طلب الرئيس الروسي بوتين انضمام روسيا لمنظمة المؤتمر الإسلامي، باعتبار وجود أكثر من عشرين مليون مسلم روسي يشعرون بانتمائهم للعالم الإسلامي، وبفضل الدعم السعودي حصلت روسيا على وصف مراقب دائم في المنظمة وفي طريقها للحصول على العضوية الكاملة. وتنمو العلاقات بين روسيا والسعودية بشكل كبير وملحوظ في كافة المجالات، ومنها المجالات التي كان محظوراً التعاون بينهما فيها في زمن الشيوعية مثل مجالات الثقافة والتعليم والتوعية الدينية، حيث تحصل المملكة لأبنائها الآن على منح دراسية عليا لدراسة الماجستير والدكتوراه في الجامعات الروسية، وكان أول باحث سعودي يحصل على درجة الدكتوراه في العلوم السياسية من روسيا الدكتور عبد العزيز بن مجيد التركي في نوفمبر 2004، كما شاركت المملكة في معرض موسكو الدولي للكتاب في عامي 2004 و2005، و توجد في موسكو أكاديمية سعودية أنشئت في منتصف التسعينات، وتعمل في مجال التعليم والتوعية الدينية والثقافية العربية، ويدرس فيها طلاب من مختلف الجنسيات، وقد زار الملك عبد الله بن عبد العزيز الأكاديمية عام 2003 وقدم لها تبرعاً بمليون دولار.
روسيا والإمارات
تأتي العلاقات بين دولة الإمارات وروسيا في الترتيب الثاني بعد المملكة العربية السعودية، حيث تأسست هذه العلاقات عام 1971، ونمت بشكل ملحوظ في سنوات التسعينات مع نمو السياحة وتدفق الملايين من السياح الروس إلى دولة الإمارات، وأيضاً تدفق رجال الأعمال الروس على الإمارات وتأسيسهم للعديد من الشركات التجارية والسياحية، وأصبحت روسيا مشاركاً دائماً في المعارض الدولية في الإمارات مثل معرض السلاح (آيدكس) في أبو ظبي ومعرض الطيران الدولي (إير شو) في دبي، كما تطورت العلاقات الثقافية والفنية بين البلدين من خلال مشاركات المئات من الفنانين الروس في مهرجانات دبي، وزادت الاستثمارات الروسية في قطاع العقارات في دبي حتى أصبح الروس يشكلون نسبة 8 في المائة من ملاك العقار الأجانب في دبي، وتنمو العلاقات بين البلدين في مجالات أخرى مثل البيئة وتحلية مياه البحر وتنقية المياه من بقع النفط، والتي تتولاها شركة (بروم إيكو) الروسية، وافتتحت العديد من أقاليم روسيا الاتحادية مكاتب تجارية لها في دبي، كما يوجد تعاون دبلوماسي بين المعهد الدبلوماسي التابع لوزارة الخارجية الإماراتية و معهد العلاقات الدولية التابع للخارجية الروسية.
روسيا وعُمان
تأسست العلاقات بين روسيا وسلطنة عمان عام 1985، ويوجد تعاون مشترك بين البلدين في مجال الطاقة حيث تعمل شركة (ريتيك) الروسية في قطاع النفط العماني منذ عام 2000، إلا أن العلاقات بين البلدين لم تشهد بعد التطور المتوقع لها، وإن كانت قد شهدت في السنوات الثلاث الماضية لقاءات على المستوى الرسمي تنبئ بنمو منتظر للعلاقات في المستقبل القريب، حيث زار يفجيني بريماكوف رئيس غرفة التجارة والصناعة الروسية مسقط عام 2003، وزار رئيس مجلس الدولة العماني يحيى المنذري موسكو عام 2005، كما التقى وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف نظيره العماني يوسف بن علوي في سبتمبر الماضي لبحث سبل تطوير العلاقات بين البلدين، وتأسس مجلس الأعمال الروسي العماني في العام الماضي لتطوير العلاقات بين البلدين، وعقد أول اجتماعاته في فبراير من العام الجاري، وهنالك زيادة ملحوظة للسياحة الروسية في عمان، وأيضا زيادة في عدد الطلاب العمانيين الدارسين في روسيا.
الكويت وقطر والبحرين
لم تظهر ملامح واضحة للعلاقات بين روسيا وكل من الكويت وقطر والبحرين، وذلك رغم وجود علاقات دبلوماسية بينهما منذ الثمانينات، وربما تأثرت العلاقات الروسية الكويتية سلبا بعض الشيء بسبب علاقات روسيا بالنظام العراقي السابق، إلا أن العلاقات عادت لتشهد تطورا ملحوظا بعد سقوط النظام العراقي، حيث توالت زيارات الوفود من البلدين، ومنها الزيارة التي قام بها وفد كويتي برئاسة وزير الأوقاف الدكتور عبد الله المعتوق في أغسطس عام 2004 وتوقيع بروتوكول للتعاون بين البلدين في مجالات التعليم والنشر والمعلومات، وتم تشكيل لجنة حكومية مشتركة بين البلدين لشؤون التعاون الاقتصادي والتجاري، كما تم تزويد الجيش الكويتي مؤخرا بأسلحة روسية حديثة مثل قذائف الصواريخ الحديثة (سميرتش).
أما العلاقات الروسية – البحرينية فلا تزال في طور التكوين وإن كانت قد شهدت تطوراً مؤخراً بمشاركة الشركات الروسية في معرض ميتال الدولي في البحرين في ديسمبر الماضي، والذي فتح آفاقاً جديدة لصناعة المعادن الروسية في البحرين ودول الخليج.
وكانت العلاقات بين قطر وروسيا تتراوح بين التوتر والاستقرار، وخاصة بعد حادث اغتيال الزعيم الشيشاني ياندرييف في الدوحة في فبراير 2004، والذي اتهمت فيه قطر مواطنين من روسيا، ويسبب وجود أعداد من الانفصاليين الشيشان في قطر ازعاجاً كبيراً لموسكو، وإن كان هذا لم يمنع من مشاركة روسيا في معرض ميليبول للأسلحة الخفيفة في قطر عام 2004.
آفاق العلاقات
الواقع يقول إن علاقات روسيا مع دول مجلس التعاون الخليجي تحتاج لدفعة قوية وتطويرا أكبر وأسرع تفرضه متطلبات وتطورات الأحداث في المنطقة، وخاصة في المجالات السياسية والاقتصادية، وربما تكون المملكة العربية السعودية قد استوعبت تماماً هذه المتطلبات، ودفعت بهذه العلاقات للأمام في السنوات الثلاث الماضية، إلا أنه مطلوب من بقية دول المجلس العمل في الاتجاه نفسه، وهذا إن لم يكن من أجل خلق توازن في القوى الدولية في المنطقة، فبالأحرى من أجل التعاون الاقتصادي والتجاري بين الطرفين باعتبار أن روسيا أكبر منتج للنفط والغاز من خارج المنطقة، ولها تأثير كبير في السوق العالمي للطاقة، وربما هذا ما دفع وفد منظمة أوبك برئاسة الشيخ أحمد فهد الصباح للتوجه إلى موسكو في ديسمبر الماضي لإجراء مباحثات مع الروس حول التنسيق بينهما في أسواق النفط العالمية، وكانت أوبك قد نجحت في إقناع روسيا بتخفيض إنتاجها عام 2001 للحفاظ على الأسعار.
كما أنه مطلوب العمل المشترك مع روسيا من خلال مجلس التعاون الخليجي في مجالات عديدة، وهذا ما أكدته اللقاءات التي جرت بين وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف ووفد مجلس التعاون في نيويورك على هامش الدورة الستين للجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر الماضي لبحث القضايا المشتركة التي تهم الطرفين، وعلى رأسها قضايا مكافحة الإرهاب والوضع في الخليج والعراق. وهذه اللقاءات يجب أن تنمو وتتطور إلى مستوى العمل المشترك بين مجلس التعاون وروسيا، والآن أمام دول مجلس التعاون قضية النووي الإيراني التي تؤكد قطعاً ضرورة العمل المشترك مع روسيا التي تتولى الإشراف على البرنامج النووي الإيراني.
::/fulltext::
::cck::3457::/cck::
