قوات درع الجزيرة بين التطوير وإعادة الهيكلة

::cck::3467::/cck::
::introtext::

في الوقت الذي حازت فيه قوات درع الجزيرة على درجة عالية من الاهتمام والرعاية من قبل أصحاب القرار السياسي في مجلس التعاون لدول الخليج العربية، منذ إنشائها في الثمانينات من القرن الماضي وحتى اليوم، تحقيقاً لرفع جاهزيتها القتالية عبر السنوات الماضية من عمرها الذي تجاوز العقدين من الزمان تقريباً، وذلك عن طريق زيادة القوى البشرية العاملة فيها، وتحسين مستويات التسليح والتدريب المتعلقة بها، تم إخضاع قوات درع الجزيرة مؤخراً لعملية إعادة هيكلة – أشبه ما تكون بعملية جراحية جذرية – من أجل أن تتناسب هذه القوات من حيث المفهوم والتنظيم والواجبات مع آخر المستجدات الإقليمية والدولية التي ألقت بظلالها على منطقة الخليج مع مطلع القرن الحادي والعشرين، في ظل تهديدات جديدة مختلفة جذرياً عما ساد المنطقة نوعاً وكماً. ولكن إذا ما تجمدت عملية إعادة الهيكلة هذه لأي سبب من الأسباب، فإن قوات درع الجزيرة ستجد نفسها أمام مخاطرة صعبة للغاية، قد تطيح بها وبنظرية إنشائها الأساسية من الأساس، وفي أيـة لحظة.

::/introtext::
::fulltext::

في الوقت الذي حازت فيه قوات درع الجزيرة على درجة عالية من الاهتمام والرعاية من قبل أصحاب القرار السياسي في مجلس التعاون لدول الخليج العربية، منذ إنشائها في الثمانينات من القرن الماضي وحتى اليوم، تحقيقاً لرفع جاهزيتها القتالية عبر السنوات الماضية من عمرها الذي تجاوز العقدين من الزمان تقريباً، وذلك عن طريق زيادة القوى البشرية العاملة فيها، وتحسين مستويات التسليح والتدريب المتعلقة بها، تم إخضاع قوات درع الجزيرة مؤخراً لعملية إعادة هيكلة – أشبه ما تكون بعملية جراحية جذرية – من أجل أن تتناسب هذه القوات من حيث المفهوم والتنظيم والواجبات مع آخر المستجدات الإقليمية والدولية التي ألقت بظلالها على منطقة الخليج مع مطلع القرن الحادي والعشرين، في ظل تهديدات جديدة مختلفة جذرياً عما ساد المنطقة نوعاً وكماً. ولكن إذا ما تجمدت عملية إعادة الهيكلة هذه لأي سبب من الأسباب، فإن قوات درع الجزيرة ستجد نفسها أمام مخاطرة صعبة للغاية، قد تطيح بها وبنظرية إنشائها الأساسية من الأساس، وفي أيـة لحظة.
إن ثمة حقيقة لم تقبل النقاش في يوم من الأيام، وهي أن قوات درع الجزيرة لم تمثل منذ إنشائها في عام 1986 وحتى اليوم، سوى قوة عسكرية رمزية داخل كيان الأمانة العامة لمجلس التعاون، ولم تكن في أي يوم من الأيام قوة عسكرية ضاربة في مواجهة أي من التهديدات الإقليمية المحيطة، ومع أن قوات درع الجزيرة لم تتسن لها الفرصة لغاية الآن بحيث قد تصل مستقبلاً إلى مستوى جيش خليجي موحد في مواجهة الأحداث الخطيرة التي مرت بها المنطقة في ظل ثلاث حروب مدمرة، إلا أن قيمتها المعنوية لاتزال كبيرة المغزى وكثيرة الدلالات، فقد علقت عليها جهات خليجية محلية متعددة، آمالاً عريضة كون تلك القوات بمقدورها أن تمثل النواة الأساسية والخطوة الأولى من رحلة الألف ميل، وصولاً إلى تحقيق الهدف الأسمى ألا وهو تشكيل جيش خليجي موحد في المستقبل.
وعلى الرغم من الظروف الدولية الشائكة والصعوبات المحلية التي واجهت عملية تطوير وتوسيع هذه القوات على مدى السنوات الماضية، وبشكل خاص خلال الفترة الحرجة الواقعة ما بين حرب الخليج الثانية عام 1991، (حرب تحرير الكويت من الاحتلال العسكري العراقي) وحرب الخليج الثالثة على العراق عام 2003 واحتلاله وسقوط نظامه السياسي بالقوة العسكرية الأمريكية، على الرغم من كل ذلك، فقد وصل تعداد قوات درع الجزيرة، الموجودة قيادتها وتشكيلاتها البرية في منطقة حفر الباطن بالمملكة العربية السعودية إلى نحو 10 آلاف جندي، وكان من المقرر زيادة عدد تلك القوات ليصبح 20 ألف جندي في المستقبل القريب، رافق ذلك كله وجود تطلعات جادة من قبل الأمانة العامة لدول المجلس لتطوير تلك القوات ورفع جاهزيتها القتالية بشتى الطرق والوسائل الممكنة.
والجدير بالذكر أن هذا الحجم من القوات يعادل نحو أكثر من فرقة مدرعة مدعومة بمختلف أسلحة الإسناد البرية من مدفعية وهندسة واتصالات وتموين، في حين تستمد قوات درع الجزيرة الدعم والإسناد الناري الجوي والبحري في مقرها القيادي بمنطقة حفر الباطن السعودية، مما يُخصص لها بموجب خطط العمليات والتدريب، من معدات وأسلحة القوات الجوية والدفاع الجوي والبحرية التابعة للقوات السعودية المسلحة.
ولكن في حال وجودها أو انفتاح جزء منها داخل أية دولة من دول مجلس التعاون لأسباب عملياتية أو تدريبية، فإن الدولة المضيفة ستقوم بتقديم كافة أوجه الدعم والإسناد الناري اللازم بما في ذلك الدعـم الجوي والبحري وبالتنسيق مع دول المجلس الأخرى ذات الإمكانيات المتوفرة في هذا المجـال.
وحظي موضوع التعاون العسكري المشترك لدول مجلس التعاون وبضمنه قوات درع الجزيرة بطبيعة الحال، باهتمام كبير وجدير بالملاحظة خلال اجتماع قادة دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية في قمتهم السادسة والعشرين ( قمة المغفور له بإذن الله الملك فهد)، التي عُقدت في العاصمة الإماراتية أبو ظبي من 18 – 19 ديسمبر 2005، حيث جاء في البيان الختامي للقمة حول قوات درع الجزيرة حسب ما أعلنته وكالة أنباء الإمارات وام يوم 20 ديسمبر 2005، بأن المجلس الأعلى بارك المقترحات التي تضمنتها رسالة خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز آل سعود بشأن تطوير قوات درع الجزيرة وأحالها إلى مجلس الدفاع المشترك لدراستها ورفع التوصيات للدورة المقبلة للمجلس الأعلى.
وحول هذه المقترحات الذي تقدمت بها المملكة العربية السعودية لقمة مجلس التعاون المشار إليها، فقد صرح صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن عبد العزيز ولي العهد نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع والطيران والمفتش العام بالمملكة العربية السعودية، لوكالة الأنباء السعودية (واس) يوم 25 ديسمبر 2005 بأن هذه القوات ستعود إلى الدول التي تتبع لها تلك القوات، وسيتم تشكيل قيادة لها في الأمانة العامة للمجلس، وإذا ما تطلب الموقف تجميعها من جديد في أية دولة لأي ظرف، فسيتم ذلك في حينه وتسمية قائد لها.
لقد كتب كثيرون حول حقيقة الطروحات السعودية الجديدة المتعلقة بقوات درع الجزيرة في وسائل الإعلام العالمية المختلفة، وتراوحت تلك الآراء ما بين اعتبار تلك الطروحات بمثابة الخطوة الأولى في سبيل تفكيك وحل وإلغاء قوات درع الجزيرة كتنظيم عسكري متكامل بصورة نهائية، وبين أن تلك الطروحات ما هي إلا عملية إعادة هيكلة حقيقية لتلك القوات، وأنها عبارة عن مشروع شامل ومتكامل، بحيث تكون قوات درع الجزيرة ذات قيادة مركزية وهيكل تنظيمي واضح المعالم في إطار الأمانة العامة للمجلس، ولكنها ذات منطقة انتشار لا مركزية داخل الدولة الأم نفسها لإشعار آخر، وحسب الظروف والمستجدات المستقبلية.ويستند أصحاب الرأي الأول إلى أن قوات درع الجزيرة ما هي إلا مولود غير مكتمل النمو أصلاً، ولن يتمكن من النضوج أكثر من ذلك بعد عشرين عاماً من عمره مهما بذلت جهود في سبيل هذا الأمر، وأن تلك القوات لم ولن تنجح في الصمود أمام أي تهديدات عسكرية مجاورة مهما صغرت، وأنها لن تكون أكثر من فرقة عسكرية مجمعة ضمن الجيوش النظامية لدول المجلس. كل ذلك على الرغم من مشاركتها الشكلية خلال عمليات تحرير الكويت عام 1991، ووجودها الفعلي على الأراضي الكويتية للدفاع عن الكويت في عام 2003. ولهذه الأسباب وغيرها فإن حلها أو إلغاءها سيكون المحطة النهائية التي ستستقر بها مهما طال الزمن أو قصر.
بينما يستند أصحاب الرأي الثاني إلى أن هذه القوات قد تجاوزت حقيقةً قيمتها المعنوية التي وجدت أصلاً من أجلها، وأن شكل وطبيعة التهديدات العسكرية المحيطة بدول المجلس قد تغيرت أيضاً بصورة جذرية، ولهذا لا بد من التفكير في إعادة هيكلتها وتنظيمها من جديد وعلى أسس مبتكرة وغير تقليدية. ويستطرد أصحاب هذا الرأي وبالقول إن التهديدات العسكرية التقليدية البرية المضادة لدول مجلس التعاون قد ولّت إلى غير رجعة مع الأوضاع الجديدة في العراق، ومع تطور التهديدات الإيرانية البرية السابقة إلى تهديدات بحرية بإسناد جوي على مستوى الحرب التقليدية، وانتفاء أي احتمال هجومي بقوات برية إيرانية في ظل وجود نحو 38 ألف جندي أمريكي وبريطاني داخل أراضي ومياه دول مجلس التعاون الإقليمية، يضاف إلى ذلك نحو 150 ألف جندي أمريكي وبريطاني داخل العراق وعلى الحدود الإيرانية – العراقية، ما عدا القطع البحرية الأمريكية المنتشرة في مياه الخليج وبحر العرب والمحيط الهندي حول إيران. ولكن مع هبوط حدة التهديدات الإيرانية التقليدية المحتملة، وصعود حدة التهديدات النووية الإيرانية – مع أنها تهديدات غير آنية – بسبب الضغوط الدولية عليها على كافة المستويات من جهة، وعدم اكتمال مشروعها النووي من جهة أخرى، إلا أنه في نهاية المطاف، وفي ظل تطور أشكال التهديدات الإيرانية المحتملة لدول مجلس التعاون، يمكن القول – حسب وجهة النظر هذه – إن قوات درع الجزيرة بتنظيمها الحالي، ستبقى كياناً ضعيفاً لا مبرر لبقائه على هذه الصورة أمام تهديدات إيرانية تقليدية وغير تقليدية لا دور لقوات درع الجزيرة فيه. وعليه فلا بد من إعادة هيكلتها من جديد – إن عاجلاً أم آجلاً -، ولماذا لا؟ مادامت الظروف السائدة ملائمة والوقت الحالي يسمح بهذا التوجه الجديد.
ويبدو بصورة لا تقبل الشك أن المقترحات السعودية الجديدة حول قوات درع الجزيرة عبرت عن توجه غاية في الوضوح والصراحة، بإعادة القوات التابعة لدول مجلس التعاون والمشاركة في قوات درع الجزيرة، كل قوة إلى بلدها الأصلي، لتنضم إلى قيادة قواتها المسلحة الأم، ولتقوم مع بقية التشكيلات العسكرية الوطنية بإجراء كافة التدريبات العسكرية المعتادة، وتنفيذ الواجبات الدفاعية الأساسية المطلوبة منها على ترابها الوطني، مع تشكيل قيادة عسكرية مركزية لها في إطار الأمانة العامة لمجلس التعاون، وربما من خلال الأمين العام المساعد للشؤون العسكرية، بحيث تتم تسمية قائد وهيئة أركان وقيادات فرعية لتلك القوات فيما بعد. وحينما تتطلب الظروف الدفاعية نشر جزء من أو كل تلك القوات في أية دولة من الدول الأعضاء في مجلس التعاون، حينذاك تقوم هذه القيادة المركزية بممارسة وظائفها وواجباتها القيادية على تلك القوات في منطقة العمليات الجديدة التي ستحشد فيها في زمن الحرب، وكذلك الأمر بالنسبة للنواحي التدريبية المشتركة في زمن السلم. أما في ما يتعلق بالتنظيم والتسليح والمعدات فإن الدولة الأم هي التي ستقوم بتوفير كافة المتطلبات الدفاعية ما دامت قواتها متمركزة على أراضيها، ومن خلال موازناتها من القوى البشرية وميزانياتها المالية المخصصة لقواتها المسلحة، ولكن في حال نشرها خارج الدولة، فإنه من المتوقع أن يتم تنسيق عمليات الإمداد اللوجستي اللازمة لها في موقع الانتشار الجديد، من خلال الأمانة العامة لدول المجلس وقيادتها العسكرية الموحدة.
وفي الختام وبناءً على المقترحات الجديدة للمملكة العربية السعودية حول إعادة صياغة وهيكلة قوات درع الجزيرة، فإنه من المتوقع أن يشهد الربع الأول من العام الحالي استكمال الدراسات وأعمال اللجان والاجتماعات لجميع المعنيين والمختصين بالشؤون الدفاعية والعسكرية في الأمانة العامة والدول الأعضاء في المجلس، وذلك من أجل بلورة الأفكار الجديدة المطروحة، وتحويلها من مشروع مقترح إلى واقع تنظيمي مختلف عما كان عليه قبل إطلاق المبادرة السعودية، ومن المتوقع أن يظهر هذا الكيان إلى حيز الوجود بصورة واقعية تتوافق مع معطيات المرحلة الجديدة في منطقة الخليج، عما قريب.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::3467::/cck::
::introtext::

في الوقت الذي حازت فيه قوات درع الجزيرة على درجة عالية من الاهتمام والرعاية من قبل أصحاب القرار السياسي في مجلس التعاون لدول الخليج العربية، منذ إنشائها في الثمانينات من القرن الماضي وحتى اليوم، تحقيقاً لرفع جاهزيتها القتالية عبر السنوات الماضية من عمرها الذي تجاوز العقدين من الزمان تقريباً، وذلك عن طريق زيادة القوى البشرية العاملة فيها، وتحسين مستويات التسليح والتدريب المتعلقة بها، تم إخضاع قوات درع الجزيرة مؤخراً لعملية إعادة هيكلة – أشبه ما تكون بعملية جراحية جذرية – من أجل أن تتناسب هذه القوات من حيث المفهوم والتنظيم والواجبات مع آخر المستجدات الإقليمية والدولية التي ألقت بظلالها على منطقة الخليج مع مطلع القرن الحادي والعشرين، في ظل تهديدات جديدة مختلفة جذرياً عما ساد المنطقة نوعاً وكماً. ولكن إذا ما تجمدت عملية إعادة الهيكلة هذه لأي سبب من الأسباب، فإن قوات درع الجزيرة ستجد نفسها أمام مخاطرة صعبة للغاية، قد تطيح بها وبنظرية إنشائها الأساسية من الأساس، وفي أيـة لحظة.

::/introtext::
::fulltext::

في الوقت الذي حازت فيه قوات درع الجزيرة على درجة عالية من الاهتمام والرعاية من قبل أصحاب القرار السياسي في مجلس التعاون لدول الخليج العربية، منذ إنشائها في الثمانينات من القرن الماضي وحتى اليوم، تحقيقاً لرفع جاهزيتها القتالية عبر السنوات الماضية من عمرها الذي تجاوز العقدين من الزمان تقريباً، وذلك عن طريق زيادة القوى البشرية العاملة فيها، وتحسين مستويات التسليح والتدريب المتعلقة بها، تم إخضاع قوات درع الجزيرة مؤخراً لعملية إعادة هيكلة – أشبه ما تكون بعملية جراحية جذرية – من أجل أن تتناسب هذه القوات من حيث المفهوم والتنظيم والواجبات مع آخر المستجدات الإقليمية والدولية التي ألقت بظلالها على منطقة الخليج مع مطلع القرن الحادي والعشرين، في ظل تهديدات جديدة مختلفة جذرياً عما ساد المنطقة نوعاً وكماً. ولكن إذا ما تجمدت عملية إعادة الهيكلة هذه لأي سبب من الأسباب، فإن قوات درع الجزيرة ستجد نفسها أمام مخاطرة صعبة للغاية، قد تطيح بها وبنظرية إنشائها الأساسية من الأساس، وفي أيـة لحظة.
إن ثمة حقيقة لم تقبل النقاش في يوم من الأيام، وهي أن قوات درع الجزيرة لم تمثل منذ إنشائها في عام 1986 وحتى اليوم، سوى قوة عسكرية رمزية داخل كيان الأمانة العامة لمجلس التعاون، ولم تكن في أي يوم من الأيام قوة عسكرية ضاربة في مواجهة أي من التهديدات الإقليمية المحيطة، ومع أن قوات درع الجزيرة لم تتسن لها الفرصة لغاية الآن بحيث قد تصل مستقبلاً إلى مستوى جيش خليجي موحد في مواجهة الأحداث الخطيرة التي مرت بها المنطقة في ظل ثلاث حروب مدمرة، إلا أن قيمتها المعنوية لاتزال كبيرة المغزى وكثيرة الدلالات، فقد علقت عليها جهات خليجية محلية متعددة، آمالاً عريضة كون تلك القوات بمقدورها أن تمثل النواة الأساسية والخطوة الأولى من رحلة الألف ميل، وصولاً إلى تحقيق الهدف الأسمى ألا وهو تشكيل جيش خليجي موحد في المستقبل.
وعلى الرغم من الظروف الدولية الشائكة والصعوبات المحلية التي واجهت عملية تطوير وتوسيع هذه القوات على مدى السنوات الماضية، وبشكل خاص خلال الفترة الحرجة الواقعة ما بين حرب الخليج الثانية عام 1991، (حرب تحرير الكويت من الاحتلال العسكري العراقي) وحرب الخليج الثالثة على العراق عام 2003 واحتلاله وسقوط نظامه السياسي بالقوة العسكرية الأمريكية، على الرغم من كل ذلك، فقد وصل تعداد قوات درع الجزيرة، الموجودة قيادتها وتشكيلاتها البرية في منطقة حفر الباطن بالمملكة العربية السعودية إلى نحو 10 آلاف جندي، وكان من المقرر زيادة عدد تلك القوات ليصبح 20 ألف جندي في المستقبل القريب، رافق ذلك كله وجود تطلعات جادة من قبل الأمانة العامة لدول المجلس لتطوير تلك القوات ورفع جاهزيتها القتالية بشتى الطرق والوسائل الممكنة.
والجدير بالذكر أن هذا الحجم من القوات يعادل نحو أكثر من فرقة مدرعة مدعومة بمختلف أسلحة الإسناد البرية من مدفعية وهندسة واتصالات وتموين، في حين تستمد قوات درع الجزيرة الدعم والإسناد الناري الجوي والبحري في مقرها القيادي بمنطقة حفر الباطن السعودية، مما يُخصص لها بموجب خطط العمليات والتدريب، من معدات وأسلحة القوات الجوية والدفاع الجوي والبحرية التابعة للقوات السعودية المسلحة.
ولكن في حال وجودها أو انفتاح جزء منها داخل أية دولة من دول مجلس التعاون لأسباب عملياتية أو تدريبية، فإن الدولة المضيفة ستقوم بتقديم كافة أوجه الدعم والإسناد الناري اللازم بما في ذلك الدعـم الجوي والبحري وبالتنسيق مع دول المجلس الأخرى ذات الإمكانيات المتوفرة في هذا المجـال.
وحظي موضوع التعاون العسكري المشترك لدول مجلس التعاون وبضمنه قوات درع الجزيرة بطبيعة الحال، باهتمام كبير وجدير بالملاحظة خلال اجتماع قادة دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية في قمتهم السادسة والعشرين ( قمة المغفور له بإذن الله الملك فهد)، التي عُقدت في العاصمة الإماراتية أبو ظبي من 18 – 19 ديسمبر 2005، حيث جاء في البيان الختامي للقمة حول قوات درع الجزيرة حسب ما أعلنته وكالة أنباء الإمارات وام يوم 20 ديسمبر 2005، بأن المجلس الأعلى بارك المقترحات التي تضمنتها رسالة خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز آل سعود بشأن تطوير قوات درع الجزيرة وأحالها إلى مجلس الدفاع المشترك لدراستها ورفع التوصيات للدورة المقبلة للمجلس الأعلى.
وحول هذه المقترحات الذي تقدمت بها المملكة العربية السعودية لقمة مجلس التعاون المشار إليها، فقد صرح صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن عبد العزيز ولي العهد نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع والطيران والمفتش العام بالمملكة العربية السعودية، لوكالة الأنباء السعودية (واس) يوم 25 ديسمبر 2005 بأن هذه القوات ستعود إلى الدول التي تتبع لها تلك القوات، وسيتم تشكيل قيادة لها في الأمانة العامة للمجلس، وإذا ما تطلب الموقف تجميعها من جديد في أية دولة لأي ظرف، فسيتم ذلك في حينه وتسمية قائد لها.
لقد كتب كثيرون حول حقيقة الطروحات السعودية الجديدة المتعلقة بقوات درع الجزيرة في وسائل الإعلام العالمية المختلفة، وتراوحت تلك الآراء ما بين اعتبار تلك الطروحات بمثابة الخطوة الأولى في سبيل تفكيك وحل وإلغاء قوات درع الجزيرة كتنظيم عسكري متكامل بصورة نهائية، وبين أن تلك الطروحات ما هي إلا عملية إعادة هيكلة حقيقية لتلك القوات، وأنها عبارة عن مشروع شامل ومتكامل، بحيث تكون قوات درع الجزيرة ذات قيادة مركزية وهيكل تنظيمي واضح المعالم في إطار الأمانة العامة للمجلس، ولكنها ذات منطقة انتشار لا مركزية داخل الدولة الأم نفسها لإشعار آخر، وحسب الظروف والمستجدات المستقبلية.ويستند أصحاب الرأي الأول إلى أن قوات درع الجزيرة ما هي إلا مولود غير مكتمل النمو أصلاً، ولن يتمكن من النضوج أكثر من ذلك بعد عشرين عاماً من عمره مهما بذلت جهود في سبيل هذا الأمر، وأن تلك القوات لم ولن تنجح في الصمود أمام أي تهديدات عسكرية مجاورة مهما صغرت، وأنها لن تكون أكثر من فرقة عسكرية مجمعة ضمن الجيوش النظامية لدول المجلس. كل ذلك على الرغم من مشاركتها الشكلية خلال عمليات تحرير الكويت عام 1991، ووجودها الفعلي على الأراضي الكويتية للدفاع عن الكويت في عام 2003. ولهذه الأسباب وغيرها فإن حلها أو إلغاءها سيكون المحطة النهائية التي ستستقر بها مهما طال الزمن أو قصر.
بينما يستند أصحاب الرأي الثاني إلى أن هذه القوات قد تجاوزت حقيقةً قيمتها المعنوية التي وجدت أصلاً من أجلها، وأن شكل وطبيعة التهديدات العسكرية المحيطة بدول المجلس قد تغيرت أيضاً بصورة جذرية، ولهذا لا بد من التفكير في إعادة هيكلتها وتنظيمها من جديد وعلى أسس مبتكرة وغير تقليدية. ويستطرد أصحاب هذا الرأي وبالقول إن التهديدات العسكرية التقليدية البرية المضادة لدول مجلس التعاون قد ولّت إلى غير رجعة مع الأوضاع الجديدة في العراق، ومع تطور التهديدات الإيرانية البرية السابقة إلى تهديدات بحرية بإسناد جوي على مستوى الحرب التقليدية، وانتفاء أي احتمال هجومي بقوات برية إيرانية في ظل وجود نحو 38 ألف جندي أمريكي وبريطاني داخل أراضي ومياه دول مجلس التعاون الإقليمية، يضاف إلى ذلك نحو 150 ألف جندي أمريكي وبريطاني داخل العراق وعلى الحدود الإيرانية – العراقية، ما عدا القطع البحرية الأمريكية المنتشرة في مياه الخليج وبحر العرب والمحيط الهندي حول إيران. ولكن مع هبوط حدة التهديدات الإيرانية التقليدية المحتملة، وصعود حدة التهديدات النووية الإيرانية – مع أنها تهديدات غير آنية – بسبب الضغوط الدولية عليها على كافة المستويات من جهة، وعدم اكتمال مشروعها النووي من جهة أخرى، إلا أنه في نهاية المطاف، وفي ظل تطور أشكال التهديدات الإيرانية المحتملة لدول مجلس التعاون، يمكن القول – حسب وجهة النظر هذه – إن قوات درع الجزيرة بتنظيمها الحالي، ستبقى كياناً ضعيفاً لا مبرر لبقائه على هذه الصورة أمام تهديدات إيرانية تقليدية وغير تقليدية لا دور لقوات درع الجزيرة فيه. وعليه فلا بد من إعادة هيكلتها من جديد – إن عاجلاً أم آجلاً -، ولماذا لا؟ مادامت الظروف السائدة ملائمة والوقت الحالي يسمح بهذا التوجه الجديد.
ويبدو بصورة لا تقبل الشك أن المقترحات السعودية الجديدة حول قوات درع الجزيرة عبرت عن توجه غاية في الوضوح والصراحة، بإعادة القوات التابعة لدول مجلس التعاون والمشاركة في قوات درع الجزيرة، كل قوة إلى بلدها الأصلي، لتنضم إلى قيادة قواتها المسلحة الأم، ولتقوم مع بقية التشكيلات العسكرية الوطنية بإجراء كافة التدريبات العسكرية المعتادة، وتنفيذ الواجبات الدفاعية الأساسية المطلوبة منها على ترابها الوطني، مع تشكيل قيادة عسكرية مركزية لها في إطار الأمانة العامة لمجلس التعاون، وربما من خلال الأمين العام المساعد للشؤون العسكرية، بحيث تتم تسمية قائد وهيئة أركان وقيادات فرعية لتلك القوات فيما بعد. وحينما تتطلب الظروف الدفاعية نشر جزء من أو كل تلك القوات في أية دولة من الدول الأعضاء في مجلس التعاون، حينذاك تقوم هذه القيادة المركزية بممارسة وظائفها وواجباتها القيادية على تلك القوات في منطقة العمليات الجديدة التي ستحشد فيها في زمن الحرب، وكذلك الأمر بالنسبة للنواحي التدريبية المشتركة في زمن السلم. أما في ما يتعلق بالتنظيم والتسليح والمعدات فإن الدولة الأم هي التي ستقوم بتوفير كافة المتطلبات الدفاعية ما دامت قواتها متمركزة على أراضيها، ومن خلال موازناتها من القوى البشرية وميزانياتها المالية المخصصة لقواتها المسلحة، ولكن في حال نشرها خارج الدولة، فإنه من المتوقع أن يتم تنسيق عمليات الإمداد اللوجستي اللازمة لها في موقع الانتشار الجديد، من خلال الأمانة العامة لدول المجلس وقيادتها العسكرية الموحدة.
وفي الختام وبناءً على المقترحات الجديدة للمملكة العربية السعودية حول إعادة صياغة وهيكلة قوات درع الجزيرة، فإنه من المتوقع أن يشهد الربع الأول من العام الحالي استكمال الدراسات وأعمال اللجان والاجتماعات لجميع المعنيين والمختصين بالشؤون الدفاعية والعسكرية في الأمانة العامة والدول الأعضاء في المجلس، وذلك من أجل بلورة الأفكار الجديدة المطروحة، وتحويلها من مشروع مقترح إلى واقع تنظيمي مختلف عما كان عليه قبل إطلاق المبادرة السعودية، ومن المتوقع أن يظهر هذا الكيان إلى حيز الوجود بصورة واقعية تتوافق مع معطيات المرحلة الجديدة في منطقة الخليج، عما قريب.

::/fulltext::
::cck::3467::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *