أمريكا لن تنهى الأزمة الليبية لارتكازها على متناقضات تطيل أمدها والإبقاء على اللا حرب واللا حل
::cck::5420::/cck::
::introtext::
شهد الموقف الأمريكي من الأزمة الليبية تحولات عديدة ما بين الضبابية والانخراط المباشر وحمل رسائل متناقضة من أطراف الأزمة ومن التدخلات الخارجية الأخرى خاصة الأوروبية والروسية والتركية، وأثار التساؤلات حول حقيقة وأبعاد الدور الأمريكي خاصة علاقته بتركيا وميليشيات الإخوان في طرابلس وكذلك مستقبل الدور الأمريكي في ليبيا.
::/introtext::
::fulltext::
شهد الموقف الأمريكي من الأزمة الليبية تحولات عديدة ما بين الضبابية والانخراط المباشر وحمل رسائل متناقضة من أطراف الأزمة ومن التدخلات الخارجية الأخرى خاصة الأوروبية والروسية والتركية، وأثار التساؤلات حول حقيقة وأبعاد الدور الأمريكي خاصة علاقته بتركيا وميليشيات الإخوان في طرابلس وكذلك مستقبل الدور الأمريكي في ليبيا.
البعد الأمني والحياد السلبي:
منذ اندلاع الأزمة الليبية في عام 2011م، وسقوط نظام القذافي، ومقتل السفير الأمريكي كريستوفر ستيفنز في 11 سبتمبر 2011م، ببنغازي تركز الاهتمام والدور الأمريكي في ليبيا على البعد الأمني بشكل كبير دون الاهتمام بالأبعاد الأخرى حيث غابت واشنطن عن الساحة الليبية وتفاعلاتها السياسية وتركزت فقط على المشاركة العسكرية بمحاربة الإرهاب والتنظيمات الإرهابية المتشددة في شمال إفريقيا وجنوب الصحراء حيث شاركت أمريكا في حملة عسكرية لضرب مواقع تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في سرت عام 2016م، لكنها لم تكن طرفًا فاعلاً ومحوريًا في الأزمة وتفاعلاتها الداخلية وتشابكاتها الخارجية ولم تختلف استراتيجية الرئيس ترامب عن الرئيس أوباما في عدم وضع ليبيا ضمن محور الأجندة الأمريكية في الشرق الأوسط وهو ما عكسه تصريح الرئيس ترامب الشهير خلال لقائه مع رئيس الوزراء الإيطالي السابق باولو جينتلوني، في أبريل 2017م، حيث كان باولو يعوّل على دور أمريكي حاسم لتحقيق الاستقرار في ليبيا، فرد ترامب عليه بأنه لا يرى دورًا لأمريكا في ليبيا، مضيفًا: أعتقد أن الولايات المتحدة تقوم حاليًا بالعديد من الأدوار، بما فيه الكفاية، في أماكن مختلفة من العالم.
ويعود عدم الاهتمام الأمريكي بليبيا خلال السنوات السابقة إلى اعتبارات عديدة منها سعى الإدارات الأمريكية سواء إدارة أوباما او إدارة ترامب إلى تقليل التواجد الأمريكي في الشرق الأوسط مقابل إعادة التموضع في مناطق أخرى خاصة جنوب شرق أسيا والصراع مع الصين، كما أن ترامب واستراتيجيته في أمريكا أولاً ومبدأ العزلة سعى لعدم انخراط أمريكي عسكري في أية أزمة أو حروب أهلية.
وقد انتهجت الولايات المتحدة استراتيجية الحياد السلبى والقيادة من الوراء أي عدم التدخل أو الإنحياز المباشر لأحد طرفي الصراع وأوكلت مهمة ليبيا إلى الحلفاء الأوروبيين وحلف الناتو وفى ذات الوقت مراقبة الأوضاع عن بعد والتدخل المباشر عندما يحدث مساس مباشر بالمصالح الحيوية الأمريكية ولهذا انحسر الموقف الأمريكي حتى عام 2017م، في التأكيد على أهمية الحل السياسي وتنفيذ بنود اتفاق الصخيرات الذى تم توقيعه في المغرب في عام 2015م، ودعم جهود بعثة الأمم المتحدة في ليبيا بقيادة الدكتور غسان سلامة لكن دون اتخاذ خطوات واضحة على أرض الواقع سواء لدعم الحل السياسي أو وقف الصراع في ليبيا.
من الحياد إلى الانخراط:
شكل عام 2018م، تحولاً ملحوظًا في السياسة والدور الأمريكي في ليبيا نحو الانتقال من استراتيجية الحياد والقيادة من الوراء إلى الانخراط وزيادة حجم الدور الأمريكي في تفاعلات الأزمة وقد انعكس ذلك في عدد من المؤشرات، ففي نهاية مايو 2018م، وعقب يومين فقط من انعقاد مؤتمر باريس حول ليبيا، زار قائد قوات الأفريكوم الأمريكية، الجنرال توماس والدهاوسر، العاصمة طرابلس، والتقى رئيس حكومة الوفاق الوطني فايز السراج وتم التباحث حول إمكانية تقديم قوات الأفريكوم الدعم اللوجستي اللازم لتأمين إجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية التي كانت من المفترض إجراؤها. وفي الثاني من يوليو 2018م، أعلن الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيرش عن تعيين ستيفاني وليامز، التي كانت تشغل منصب القائم بأعمال السفارة الأمريكية في ليبيا، نائبة للمبعوث الأممي غسان سلامة. وكان تعيين وليامز تعبيرًا عن مقاربة أمريكية جديدة في الأزمة الليبية حيث تم التركيز على إعادة الاعتبار إلى اتفاق الصخيرات، والذي سعى غسان سلامة منذ بداية توليه مهامه في خريف 2017م إلى بذل عدة محاولات لإحيائه من خلال تعديله، إلا أن إخفاقه في هذه المهمة دفعه في ربيع 2018م، إلى تهميش الاتفاق تمامًا لصالح التركيز على جوانب المبادرة الأممية بينما حملت ستيفاني ويليامز وجهة نظر مغايرة، حيث رأت ضرورة إحياء الاتفاق خاصة تفعيل المادة 15 منه، الخاصة بضرورة الاتفاق على شاغلي المناصب القيادية للمؤسسات السيادية، توطئةً لتوحيد الحكومة، والقضاء على السلطات الموازية. لكن عمليًا على الأرض لم يتم ترجمة تلك الرؤية على أرض الواقع وهو ما دفع غسان سلامة في نهاية المطاف إلى الاستقالة وتولي وليامز رئاسة بعثة الأمم المتحدة بالإنابة في ليبيا، وسعي أمريكا لتبيتها هناك خاصة بعد رفض الولايات المتحدة في مجلس الأمن مقترحات تسمية أشخاص أخرين بدلا من سلامة.
ومع إطلاق الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر لمهمة تحرير العاصمة طرابلس ومدن الغرب الليبي من المليشيات المسلحة والإرهابية في أبريل 2019م، اتسم الموقف الأمريكي بالضبابية وإرسال الرسائل المتناقضة لأطراف الصراع فقد اتصل الرئيس ترامب بالمشير خليفة حفتر وهو ما شكل دعمًا أمريكًا واضحًا لعملية الجيش الليبي، وفى ذات الوقت صدرت إشارات أخرى من المؤسسات الأمريكية خاصة وزارة الخارجية تجري اتصالات مع حكومة الوفاق وتؤكد على الحل السياسي، وبدا وكأن الولايات المتحدة تتبع مبدأ الاحتواء المزدوج والإبقاء على الاتصالات والعلاقات مع طرفي الصراع لضمان المصالح والنفوذ الأمريكي.
وقد برز الانخراط الأمريكي بشكل أكثر وضوحًا في عام 2020م، عندما خرجت التصريحات الأمريكية المتعددة من دوائر صنع القرار الأمريكي ومن مؤسسات أمريكية عديدة سواء عسكرية أو سياسية تعبر عن قلقها من زيادة النفوذ الروسي في ليبيا، ففي السادس والعشرين من مايو 2020م، أعلن رئيس القيادة العسكرية الأمريكية في إفريقيا، ستيفن تونسيند، أن روسيا أرسلت مقاتلات إلى ليبيا لدعم قوات المشير خليفة حفتر، وأورد الإعلان أن المقاتلات غادرت روسيا إلى سوريا أولاً، وهناك أعيد طلاؤها لتمويه أصلها الروسي، ثم توجهت إلى ليبيا. وقالت وزارة الدفاع الأمريكية على لسان المتحدث باسمها جوناثان هوفمان: إن هذه القوات تمركزت في قاعدة الجفرة وسط البلاد، وعددها 14 مقاتلة، وهي مزيج من سوخوى 24 وميج 29. كما بدأت الولايات المتحدة تسلط الضوء أكثر على نشاط شركة فاجنر الروسية في ليبيا، والمتمركزة عناصرها خاصة في الجفرة (650 وفى مدينة سرت وأخذ الخطاب الأمريكي يركز على تزايد النفوذ الروسي وكيفية احتوائه.
تركيا وتناقضات الموقف الأمريكي:
اتسم الموقف الأمريكي من الأزمة الليبية بتناقضات عديدة وعلامات استفهام حول حقيقة وأبعاد ذلك الموقف خاصة تجاه النفوذ والتوسع التركي في ليبيا، ففي 27 نوفمبر العام 2019م، وقعت كل من تركيا وحكومة فائز السراج مذكرتي تفاهم، نصتا على أنّ لتركيا الحق في السيطرة على شريط ملاحي، في مياه البحر المتوسط، وغير مسموح لأحد التحرك فيه إلا بإذن من الحكومة التركية، كما أنّ لتركيا الحق بإمكانية التدخل العسكري في الأزمة الليبية إذا طالبت حكومة الوفاق أم لا.
لم تبد الولايات المتحدة أي اعتراض على تلك الاتفاقية بين تركيا والسراج رغم أنها تعد مخالفة للقانون الدولي وغير شرعية فمن ناحية إن حكومة الوفاق انتهت صلاحياتها وفقًا لاتفاق الصخيرات ذاته ولم تعد ممثلاً شرعيًا للشعب الليبي وبالتالي ليس من حقها إبرام مثل تلك المذكرات والاتفاقات الدولية المرتبطة بسيادة ليبيا وثروات الشعب الليبي ومن ناحية ثانية فإن مذكرة التفاهم الأمني ومساعدة تركيا لحكومة الوفاق عسكريًا في الصراع وتزويدها بالأسلحة والمقاتلين والمرتزقة السوريين والعناصر الجهادية الأخرى من تنظيم داعش للقتال في صفوف مليشيات طرابلس يمثل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي ولقرارات مجلس الأمن الدولي خاصة القرار 1970، الذى يحظر كافة الأسلحة وإمدادها لأطراف الأزمة الليبية. ومن ناحية ثالثة فإن الأهداف التركية في ليبيا تتضمن الاستيلاء على ثروات الشعب الليبي وإيجاد موطئ قدم في شرق المتوسط للبحث عن النفط والغاز، وكذلك تهديد الأمن القومي المصري ومحاولة التخلص من العناصر الإرهابية ونقلها من سوريا إلى ليبيا، إضافة إلى تمكين ودعم ميليشيات الإخوان المسلمين في العاصمة طرابلس واستخدام الإسلام السياسي كأحد أدوات تنفيذ الأجندة التركية تحت مظلة الخلافة الإسلامية وإحياء أوهام الدولة العثمانية. ومن ناحية رابعة شكل هذا التدخل عائقًا أساسيًا أمام انطلاق العملية السياسية في ليبيا خاصة أنه أدى لتغيير موازين القوى على الأرض مما زاد من تعنت حكومة الوفاق وميليشيات طرابلس ومصراته تجاه الحلول السياسية.
الموقف الأمريكي الذى بدا معارضًا لزيادة النفوذ الروسي في ليبيا، لم يواكبه معارضة لزيادة النفوذ والتوسع التركي في ليبيا، وهو ما فسره البعض بأن تركيا أخذت الضوء الأخضر من جانب الولايات المتحدة للتدخل العسكري في ليبيا لموازنة وتحجيم النفوذ والتوسع الروسي على الرغم أن الخطاب الأمريكي تركز على ضرورة وقف إطلاق النار وإخراج المرتزقة من ليبيا ووقف التدخلات الخارجية وقد حذرت الخارجية الأمريكية مما أسمته الحرب بالوكالة في ليبيا لكن دون بلورة استراتيجية أمريكية واضحة على الأرض تعكس رغبة وجدية أمريكية في التحرك لموازنة الدورين الروسي والتركي والذى شكل محاولة تركية روسية لاستنساخ السيناريو السوري وتقاسم النفوذ فيما بينهما رغم اختلاف أجندتيهما وهو ما يترتب عليه تداعيات سلبية تؤثر على المصالح الأمريكية وحلفائها الأوروبيين. فوجود روسيا سواء بشكل مباشر أو غير مباشر في ليبيا الواقعة جنوب المتوسط وقريبة من الحدود الأوروبية، يجعل هناك تهديدًا روسيًا مباشر لأمن أوروبا ولأمن حلف الناتو وبالتالي فقد استخدمت الولايات المتحدة تركيا كأداة لصد النفوذ الروسي مقابل التغاضي عن توسعها وأنشطتها وتدخلها العسكري في ليبيا، لكن هذا التوسع التركي ساهم في زيادة التوتر والإضرار بمصالح حلفاء أمريكا في منطقة الشرق الأوسط.
كما أنه في الوقت الذى تعلن فيه الولايات المتحدة استراتيجيها لمحاربة الإرهاب والتنظيمات الإرهابية نجدها تغض الطرف عن الدور التركي في دعم ورعاية الإرهاب عبر نقل آلاف العناصر الداعشية والجهادية من سوريا إلى ليبيا لدعم قوات حكومة الوفاق كما أن أمريكا غضت الطرف عن ميليشيات الإخوان في ليبيا التابعة لحكومة الوفاق وهو ما عكس السياسة الأمريكية البرجماتية التي تستخدم جماعات وتيارات الإسلام السياسي وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين كأحد أدواتها في تنفيذ أهداف سياستها الخارجية ومصالحها في منطقة الشرق الأوسط مقابل غض النظر عن تلك الجماعات وعن أنشطتها الإرهابية وهى الاستراتيجية التي طبقها الرئيس أوباما عندما استخدم ما عرف بالربيع العربي وتيارات الإسلام السياسي والإخوان المسلمين وتمكينها في العديد من الدول العربية لإقامة أنظمة حكم حليفة للولايات المتحدة ومتوافقة مع مصالحها وراهنت إدارة أوباما على تركيا لقيادة تلك الحركات وهوما استمرت عليه السياسة الأمريكية حتى في عهد الرئيس ترامب رغم أن الخطاب السياسي لإدارته يركز على محاربة الإرهاب ودعم الجيوش الوطنية ومنها الجيش الليبي لكن دون أن ينعكس ذلك على الأرض وقد أدى ذلك التغاضي الأمريكي عن الإخوان إلى تمكين وتعزيز تلك الميليشيات لوجودها العسكري في طرابلس وتفاقم مشكلة الإرهاب في ليبيا خاصة في ظل الحدود المفتوحة وانتقال عناصر داعش والقاعدة من دول جنوب الصحراء إلى ليبيا.
ارتفاع منسوب التوتر في شرق المتوسط:
التناقض الأمريكي أيضًا ظهر في غض الطرف عن الاستفزازات التركية في شرق الأوسط رغم أن السياسات والسلوك التركي أدى لرفع منسوب التوتر والسخونة في شرق المتوسط خاصة مع حلفاء الولايات المتحدة في الاتحاد الأوروبي مثل قبرص واليونان وكذلك فرنسا التي حذرت مرارًا على لسان رئيسها ماكرون من التداعيات الخطيرة للسلوك التركي في التنقيب عن النفط والغاز بشكل غير مشروع في شرق المتوسط وبما يفاقم من الصراع والتوتر وينذر بمواجهات عسكرية خاصة بين اليونان وتركيا.
وفى ظل هذا التوتر المتصاعد انتهجت أمريكا الحياد السلبي والرسائل المتناقضة فرغم مطالبة الخارجية الأمريكية والبيت الأبيض بوقف الاستفزازات والتوترات التركية في شرق المتوسط وقامت بإجراء مناورات عسكرية مع اليونان وقامت أيضًا برفع حظر الأسلحة المفروض على قبرص منذ 33 عامًا والذي قد يبدو وأنه انحياز أمريكي لصالح اليونان وقبرص ضد تركيا، إلا أنه في المقابل دعت أمريكا أكثر من مرة إلى الحوار بين تركيا واليونان العضوتان في حلف الناتو وعدم التصعيد وهو ما بدا ضوء أخضر لتركيا أردوغان على المضي قدمًا في سياساتها. فالموقف الأمريكي لم يشكل ضغطًا أو ردعًا لسياسات أردوغان أو يتوافق مع التوجه الأوروبي الذي تقوده فرنسا لفرض عقوبات على تركيا بسبب نشاطها في شرق المتوسط وتضامنا مع موقف اليونان وقبرص، وهذا الموقف الأمريكي قد يدفع إلى ارتفاع منسوب التوتر بين تركيا واليونان وقد يصل إلى حد المواجهة العسكرية، نظرًا لضبابية الدور الأمريكي والتباين داخل مواقف دول الاتحاد الأوروبي خاصة ألمانيا وإيطاليا من جهة وفرنسا من جهة أخرى حيث تقوم تركيا بابتزاز الاتحاد الأوروبي بورقة الإرهاب والمهاجرين واللاجئين.
لقد أظهرت أزمة ليبيا والتوتر في شرق المتوسط وقبلها الأزمة السورية أن تركيا باتت عبئًا ثقيلاً على الولايات المتحدة وحلف الناتو ومصدرًا أساسيًا للتوتر والصراع والصدام في أكثر من ملف وأكثر من منطقة، ورغم أن الواقعية السياسية تحكم الموقف الأمريكي تجاه تركيا أردوغان وتستخدمها لتحقيق أهدافها خاصة في احتواء وموازنة النفوذ الروسي سواء في سوريا أو ليبيا إلا أن الاستمرار في تلك السياسة سيزيد من التكلفة والتداعيات السلبية على الولايات المتحدة، فهذه السياسة الأمريكية تدفع أردوغان إلى التحدي والمضي في أجندته كما أن عدم ممارسة أمريكا لضغوط حقيقية على تركيا قد تهدد باندلاع حرب بين عضوين في حلف الناتو ولذلك يتجه الموقف الأمريكي إلى مزيد من التشدد تجاه تركيا في أزمة شرق المتوسط لكن ليس بالقدر الذى يدفعها لتغيير سلوكها.
الواقعية السياسية:
تسعى الولايات المتحدة إلى تحقيق أهدافها في ليبيا عبر مبدأ الواقعية السياسية والإمساك بخيوط اللعبة لكن دون الانخراط العسكري المباشر والإبقاء على علاقات مع جميع الأطراف فالأهداف الأمريكية في ليبيا تشمل أولا: محاصرة واحتواء النفوذ الروسي في ليبيا وعدم تكرار نموذج سوريا في ليبيا لأن وجود روسيا في ليبيا يمثل تهديدًا مباشرًا للمصالح الأمريكية وثانيًا: توظيف النفط الليبي في الحفاظ على إمدادات النفط العالمية بأسعار معقولة خاصة في ظل العقوبات الأمريكية على النفط الإيراني بعد الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي الإيراني حيث تمثل ليبيا 2% من صادرات النفط العالمية المنتجة حاليًا ويصل الاحتياطي الليبي من النفط 74 مليار برميل وبذلك تحتل المرتبة الخامسة عالميًا من احتياطيات النفط الصخري بعد روسيا وأمريكا والصين والأرجنتين، ويبلغ احتياطي الغاز الليبي 177 تريليون قدم مكعب، ويتميز النفط الليبي بالجودة العالية والخفة وسهولة الاستخراج وانخفاض تكلفة الانتاج. وثالثًا محاربة الإرهاب والتنظيمات الإرهابية خاصة القاعدة وداعش في شمال إفريقيا والمغرب العربي وجنوب الصحراء الكبرى. ورابعًا الأهمية الاستراتيجية لليبيا والتي تمتد حدودها على البحر المتوسط لأكثر من ألفى كيلو متر.
وتسعى الولايات المتحدة لتحقيق هذه الأهداف عبر توظيف الورقة التركية ومليشيات الإخوان التابعة لحكومة السراج، لكن دون الانخراط المباشر في ظل استراتيجية الرئيس ترامب بعدم إرسال قوات عسكرية أمريكية إلى مناطق صراع جديدة في العالم والتعهد بسحب القوات الأمريكية من المناطق الأخرى لكن تكلفة تلك السياسة تتمثل في زيادة النفوذ والتوسع التركي في ليبيا وفى شرق المتوسط وهو ما يدفع نحو مزيد من التوترات والصراعات، كذلك زيادة نفوذ جماعة الإخوان وإعاقتها الحل السياسي ومن ثم صعوبة تحقيق الأمن والاستقرار في ليبيا، حيث لا يمكن الحديث عن حل سياسي عملي دون نزع أسلحة المليشيات المسيطرة على غرب ليبيا سواء التابعة لحكومة الوفاق أو غير التابعة لها وبناء الدولة الوطنية الليبية القائمة على وجود مؤسسات شرعية مثل الجيش والشرطة قادرة على بسط القانون والنظام ومحاربة الإرهاب ووقف الهجرة غير المشروعة إلى أوروبا عبر البحر المتوسط.
وفى ذات الوقت تتجه الولايات المتحدة نحو الانخراط في الحل السياسي بشكل أكبر وتيرة فقد أيدت الإدارة الأمريكية إعلان القاهرة لوقف إطلاق النار في ليبيا وخريطة طريق سياسية جديدة تقوم على تشكيل مجلس رئاسي جديد يمثل كافة أطياف الشعب الليبي مع عدالة توزيع الثروات الليبية ووقف التدخلات الخارجية خاصة التركية وإخراج المرتزقة من البلاد كما أن إعلان مصر سرت الجفرة خط أحمر ساهم أيضًا في التوصل إلى اتفاق فايز السراج رئيس حكومة الوفاق وعقيلة صالح إلى إعلان وقف إطلاق النار وبدء حوار ليبي ــ ليبي في المغرب وهو ما أيدته أمريكا أيضًا وساهمت في التوصل إليه.
الدور الأمريكي .. سيناريوهات مستقبلية:
والواقع أن هناك عدة سيناريوهات للدور الأمريكي في الأزمة الليبية:
أولاً: مع تضرر الولايات المتحدة من السياسة التركية ومليشيات الإخوان فإنها قد تتجه نحو التشدد إزاء الاثنين لدفعهما نحو الحل السياسي وإرغام تركيا على وقف نقل الجماعات والعناصر الإرهابية والمرتزقة من سوريا إلى ليبيا، ولجوئها إلى استخدام سلاح العقوبات الاقتصادية والتضامن مع اليونان وقبرص في صراعها مع تركيا انطلاقًا من أن سياسة أقصى الضغوط هي التي تجدي مع أردوغان وتدفعه إلى التراجع.
ثانيًا: في ظل انشغال إدارة ترامب بالانتخابات الرئاسية، فإن السياسة الأمريكية تجاه ليبيا قد تتجه نحو الاستمرار في السياسة السابقة وهي الضبابية وعدم الانخراط المباشر والانفتاح على كافة الأطراف مع الإبقاء على الوضع الراهن، والاعتماد على الدول الأوروبية في التعامل مع الملف الليبي.
ثالثًا: دعم حل سياسي يكون للإخوان ومليشيات السراج دور فيه تحت الرعاية التركية لهما بما يحافظ على المصالح الأمريكية في مواجهة النفوذ الروسي وضمان تدفق النفط الليبي وفى ذات الوقت الحفاظ على علاقات قوية مع شرق ليبيا لكن هذه السياسة الأمريكية لن تساهم في التوصل إلى حل سياسي دائم ينهي الأزمة الليبية لأنه يرتكز على الجمع بين المتناقضات التي من شأنها أن تطيل من أمد الأزمة والبقاء في مربع اللا حرب واللا حل وما ينتج عنه من تداعيات خطيرة على ليبيا والمنطقة وعلى المصالح الأمريكية ذاتها.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::5420::/cck::
::introtext::
شهد الموقف الأمريكي من الأزمة الليبية تحولات عديدة ما بين الضبابية والانخراط المباشر وحمل رسائل متناقضة من أطراف الأزمة ومن التدخلات الخارجية الأخرى خاصة الأوروبية والروسية والتركية، وأثار التساؤلات حول حقيقة وأبعاد الدور الأمريكي خاصة علاقته بتركيا وميليشيات الإخوان في طرابلس وكذلك مستقبل الدور الأمريكي في ليبيا.
::/introtext::
::fulltext::
شهد الموقف الأمريكي من الأزمة الليبية تحولات عديدة ما بين الضبابية والانخراط المباشر وحمل رسائل متناقضة من أطراف الأزمة ومن التدخلات الخارجية الأخرى خاصة الأوروبية والروسية والتركية، وأثار التساؤلات حول حقيقة وأبعاد الدور الأمريكي خاصة علاقته بتركيا وميليشيات الإخوان في طرابلس وكذلك مستقبل الدور الأمريكي في ليبيا.
البعد الأمني والحياد السلبي:
منذ اندلاع الأزمة الليبية في عام 2011م، وسقوط نظام القذافي، ومقتل السفير الأمريكي كريستوفر ستيفنز في 11 سبتمبر 2011م، ببنغازي تركز الاهتمام والدور الأمريكي في ليبيا على البعد الأمني بشكل كبير دون الاهتمام بالأبعاد الأخرى حيث غابت واشنطن عن الساحة الليبية وتفاعلاتها السياسية وتركزت فقط على المشاركة العسكرية بمحاربة الإرهاب والتنظيمات الإرهابية المتشددة في شمال إفريقيا وجنوب الصحراء حيث شاركت أمريكا في حملة عسكرية لضرب مواقع تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في سرت عام 2016م، لكنها لم تكن طرفًا فاعلاً ومحوريًا في الأزمة وتفاعلاتها الداخلية وتشابكاتها الخارجية ولم تختلف استراتيجية الرئيس ترامب عن الرئيس أوباما في عدم وضع ليبيا ضمن محور الأجندة الأمريكية في الشرق الأوسط وهو ما عكسه تصريح الرئيس ترامب الشهير خلال لقائه مع رئيس الوزراء الإيطالي السابق باولو جينتلوني، في أبريل 2017م، حيث كان باولو يعوّل على دور أمريكي حاسم لتحقيق الاستقرار في ليبيا، فرد ترامب عليه بأنه لا يرى دورًا لأمريكا في ليبيا، مضيفًا: أعتقد أن الولايات المتحدة تقوم حاليًا بالعديد من الأدوار، بما فيه الكفاية، في أماكن مختلفة من العالم.
ويعود عدم الاهتمام الأمريكي بليبيا خلال السنوات السابقة إلى اعتبارات عديدة منها سعى الإدارات الأمريكية سواء إدارة أوباما او إدارة ترامب إلى تقليل التواجد الأمريكي في الشرق الأوسط مقابل إعادة التموضع في مناطق أخرى خاصة جنوب شرق أسيا والصراع مع الصين، كما أن ترامب واستراتيجيته في أمريكا أولاً ومبدأ العزلة سعى لعدم انخراط أمريكي عسكري في أية أزمة أو حروب أهلية.
وقد انتهجت الولايات المتحدة استراتيجية الحياد السلبى والقيادة من الوراء أي عدم التدخل أو الإنحياز المباشر لأحد طرفي الصراع وأوكلت مهمة ليبيا إلى الحلفاء الأوروبيين وحلف الناتو وفى ذات الوقت مراقبة الأوضاع عن بعد والتدخل المباشر عندما يحدث مساس مباشر بالمصالح الحيوية الأمريكية ولهذا انحسر الموقف الأمريكي حتى عام 2017م، في التأكيد على أهمية الحل السياسي وتنفيذ بنود اتفاق الصخيرات الذى تم توقيعه في المغرب في عام 2015م، ودعم جهود بعثة الأمم المتحدة في ليبيا بقيادة الدكتور غسان سلامة لكن دون اتخاذ خطوات واضحة على أرض الواقع سواء لدعم الحل السياسي أو وقف الصراع في ليبيا.
من الحياد إلى الانخراط:
شكل عام 2018م، تحولاً ملحوظًا في السياسة والدور الأمريكي في ليبيا نحو الانتقال من استراتيجية الحياد والقيادة من الوراء إلى الانخراط وزيادة حجم الدور الأمريكي في تفاعلات الأزمة وقد انعكس ذلك في عدد من المؤشرات، ففي نهاية مايو 2018م، وعقب يومين فقط من انعقاد مؤتمر باريس حول ليبيا، زار قائد قوات الأفريكوم الأمريكية، الجنرال توماس والدهاوسر، العاصمة طرابلس، والتقى رئيس حكومة الوفاق الوطني فايز السراج وتم التباحث حول إمكانية تقديم قوات الأفريكوم الدعم اللوجستي اللازم لتأمين إجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية التي كانت من المفترض إجراؤها. وفي الثاني من يوليو 2018م، أعلن الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيرش عن تعيين ستيفاني وليامز، التي كانت تشغل منصب القائم بأعمال السفارة الأمريكية في ليبيا، نائبة للمبعوث الأممي غسان سلامة. وكان تعيين وليامز تعبيرًا عن مقاربة أمريكية جديدة في الأزمة الليبية حيث تم التركيز على إعادة الاعتبار إلى اتفاق الصخيرات، والذي سعى غسان سلامة منذ بداية توليه مهامه في خريف 2017م إلى بذل عدة محاولات لإحيائه من خلال تعديله، إلا أن إخفاقه في هذه المهمة دفعه في ربيع 2018م، إلى تهميش الاتفاق تمامًا لصالح التركيز على جوانب المبادرة الأممية بينما حملت ستيفاني ويليامز وجهة نظر مغايرة، حيث رأت ضرورة إحياء الاتفاق خاصة تفعيل المادة 15 منه، الخاصة بضرورة الاتفاق على شاغلي المناصب القيادية للمؤسسات السيادية، توطئةً لتوحيد الحكومة، والقضاء على السلطات الموازية. لكن عمليًا على الأرض لم يتم ترجمة تلك الرؤية على أرض الواقع وهو ما دفع غسان سلامة في نهاية المطاف إلى الاستقالة وتولي وليامز رئاسة بعثة الأمم المتحدة بالإنابة في ليبيا، وسعي أمريكا لتبيتها هناك خاصة بعد رفض الولايات المتحدة في مجلس الأمن مقترحات تسمية أشخاص أخرين بدلا من سلامة.
ومع إطلاق الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر لمهمة تحرير العاصمة طرابلس ومدن الغرب الليبي من المليشيات المسلحة والإرهابية في أبريل 2019م، اتسم الموقف الأمريكي بالضبابية وإرسال الرسائل المتناقضة لأطراف الصراع فقد اتصل الرئيس ترامب بالمشير خليفة حفتر وهو ما شكل دعمًا أمريكًا واضحًا لعملية الجيش الليبي، وفى ذات الوقت صدرت إشارات أخرى من المؤسسات الأمريكية خاصة وزارة الخارجية تجري اتصالات مع حكومة الوفاق وتؤكد على الحل السياسي، وبدا وكأن الولايات المتحدة تتبع مبدأ الاحتواء المزدوج والإبقاء على الاتصالات والعلاقات مع طرفي الصراع لضمان المصالح والنفوذ الأمريكي.
وقد برز الانخراط الأمريكي بشكل أكثر وضوحًا في عام 2020م، عندما خرجت التصريحات الأمريكية المتعددة من دوائر صنع القرار الأمريكي ومن مؤسسات أمريكية عديدة سواء عسكرية أو سياسية تعبر عن قلقها من زيادة النفوذ الروسي في ليبيا، ففي السادس والعشرين من مايو 2020م، أعلن رئيس القيادة العسكرية الأمريكية في إفريقيا، ستيفن تونسيند، أن روسيا أرسلت مقاتلات إلى ليبيا لدعم قوات المشير خليفة حفتر، وأورد الإعلان أن المقاتلات غادرت روسيا إلى سوريا أولاً، وهناك أعيد طلاؤها لتمويه أصلها الروسي، ثم توجهت إلى ليبيا. وقالت وزارة الدفاع الأمريكية على لسان المتحدث باسمها جوناثان هوفمان: إن هذه القوات تمركزت في قاعدة الجفرة وسط البلاد، وعددها 14 مقاتلة، وهي مزيج من سوخوى 24 وميج 29. كما بدأت الولايات المتحدة تسلط الضوء أكثر على نشاط شركة فاجنر الروسية في ليبيا، والمتمركزة عناصرها خاصة في الجفرة (650 وفى مدينة سرت وأخذ الخطاب الأمريكي يركز على تزايد النفوذ الروسي وكيفية احتوائه.
تركيا وتناقضات الموقف الأمريكي:
اتسم الموقف الأمريكي من الأزمة الليبية بتناقضات عديدة وعلامات استفهام حول حقيقة وأبعاد ذلك الموقف خاصة تجاه النفوذ والتوسع التركي في ليبيا، ففي 27 نوفمبر العام 2019م، وقعت كل من تركيا وحكومة فائز السراج مذكرتي تفاهم، نصتا على أنّ لتركيا الحق في السيطرة على شريط ملاحي، في مياه البحر المتوسط، وغير مسموح لأحد التحرك فيه إلا بإذن من الحكومة التركية، كما أنّ لتركيا الحق بإمكانية التدخل العسكري في الأزمة الليبية إذا طالبت حكومة الوفاق أم لا.
لم تبد الولايات المتحدة أي اعتراض على تلك الاتفاقية بين تركيا والسراج رغم أنها تعد مخالفة للقانون الدولي وغير شرعية فمن ناحية إن حكومة الوفاق انتهت صلاحياتها وفقًا لاتفاق الصخيرات ذاته ولم تعد ممثلاً شرعيًا للشعب الليبي وبالتالي ليس من حقها إبرام مثل تلك المذكرات والاتفاقات الدولية المرتبطة بسيادة ليبيا وثروات الشعب الليبي ومن ناحية ثانية فإن مذكرة التفاهم الأمني ومساعدة تركيا لحكومة الوفاق عسكريًا في الصراع وتزويدها بالأسلحة والمقاتلين والمرتزقة السوريين والعناصر الجهادية الأخرى من تنظيم داعش للقتال في صفوف مليشيات طرابلس يمثل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي ولقرارات مجلس الأمن الدولي خاصة القرار 1970، الذى يحظر كافة الأسلحة وإمدادها لأطراف الأزمة الليبية. ومن ناحية ثالثة فإن الأهداف التركية في ليبيا تتضمن الاستيلاء على ثروات الشعب الليبي وإيجاد موطئ قدم في شرق المتوسط للبحث عن النفط والغاز، وكذلك تهديد الأمن القومي المصري ومحاولة التخلص من العناصر الإرهابية ونقلها من سوريا إلى ليبيا، إضافة إلى تمكين ودعم ميليشيات الإخوان المسلمين في العاصمة طرابلس واستخدام الإسلام السياسي كأحد أدوات تنفيذ الأجندة التركية تحت مظلة الخلافة الإسلامية وإحياء أوهام الدولة العثمانية. ومن ناحية رابعة شكل هذا التدخل عائقًا أساسيًا أمام انطلاق العملية السياسية في ليبيا خاصة أنه أدى لتغيير موازين القوى على الأرض مما زاد من تعنت حكومة الوفاق وميليشيات طرابلس ومصراته تجاه الحلول السياسية.
الموقف الأمريكي الذى بدا معارضًا لزيادة النفوذ الروسي في ليبيا، لم يواكبه معارضة لزيادة النفوذ والتوسع التركي في ليبيا، وهو ما فسره البعض بأن تركيا أخذت الضوء الأخضر من جانب الولايات المتحدة للتدخل العسكري في ليبيا لموازنة وتحجيم النفوذ والتوسع الروسي على الرغم أن الخطاب الأمريكي تركز على ضرورة وقف إطلاق النار وإخراج المرتزقة من ليبيا ووقف التدخلات الخارجية وقد حذرت الخارجية الأمريكية مما أسمته الحرب بالوكالة في ليبيا لكن دون بلورة استراتيجية أمريكية واضحة على الأرض تعكس رغبة وجدية أمريكية في التحرك لموازنة الدورين الروسي والتركي والذى شكل محاولة تركية روسية لاستنساخ السيناريو السوري وتقاسم النفوذ فيما بينهما رغم اختلاف أجندتيهما وهو ما يترتب عليه تداعيات سلبية تؤثر على المصالح الأمريكية وحلفائها الأوروبيين. فوجود روسيا سواء بشكل مباشر أو غير مباشر في ليبيا الواقعة جنوب المتوسط وقريبة من الحدود الأوروبية، يجعل هناك تهديدًا روسيًا مباشر لأمن أوروبا ولأمن حلف الناتو وبالتالي فقد استخدمت الولايات المتحدة تركيا كأداة لصد النفوذ الروسي مقابل التغاضي عن توسعها وأنشطتها وتدخلها العسكري في ليبيا، لكن هذا التوسع التركي ساهم في زيادة التوتر والإضرار بمصالح حلفاء أمريكا في منطقة الشرق الأوسط.
كما أنه في الوقت الذى تعلن فيه الولايات المتحدة استراتيجيها لمحاربة الإرهاب والتنظيمات الإرهابية نجدها تغض الطرف عن الدور التركي في دعم ورعاية الإرهاب عبر نقل آلاف العناصر الداعشية والجهادية من سوريا إلى ليبيا لدعم قوات حكومة الوفاق كما أن أمريكا غضت الطرف عن ميليشيات الإخوان في ليبيا التابعة لحكومة الوفاق وهو ما عكس السياسة الأمريكية البرجماتية التي تستخدم جماعات وتيارات الإسلام السياسي وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين كأحد أدواتها في تنفيذ أهداف سياستها الخارجية ومصالحها في منطقة الشرق الأوسط مقابل غض النظر عن تلك الجماعات وعن أنشطتها الإرهابية وهى الاستراتيجية التي طبقها الرئيس أوباما عندما استخدم ما عرف بالربيع العربي وتيارات الإسلام السياسي والإخوان المسلمين وتمكينها في العديد من الدول العربية لإقامة أنظمة حكم حليفة للولايات المتحدة ومتوافقة مع مصالحها وراهنت إدارة أوباما على تركيا لقيادة تلك الحركات وهوما استمرت عليه السياسة الأمريكية حتى في عهد الرئيس ترامب رغم أن الخطاب السياسي لإدارته يركز على محاربة الإرهاب ودعم الجيوش الوطنية ومنها الجيش الليبي لكن دون أن ينعكس ذلك على الأرض وقد أدى ذلك التغاضي الأمريكي عن الإخوان إلى تمكين وتعزيز تلك الميليشيات لوجودها العسكري في طرابلس وتفاقم مشكلة الإرهاب في ليبيا خاصة في ظل الحدود المفتوحة وانتقال عناصر داعش والقاعدة من دول جنوب الصحراء إلى ليبيا.
ارتفاع منسوب التوتر في شرق المتوسط:
التناقض الأمريكي أيضًا ظهر في غض الطرف عن الاستفزازات التركية في شرق الأوسط رغم أن السياسات والسلوك التركي أدى لرفع منسوب التوتر والسخونة في شرق المتوسط خاصة مع حلفاء الولايات المتحدة في الاتحاد الأوروبي مثل قبرص واليونان وكذلك فرنسا التي حذرت مرارًا على لسان رئيسها ماكرون من التداعيات الخطيرة للسلوك التركي في التنقيب عن النفط والغاز بشكل غير مشروع في شرق المتوسط وبما يفاقم من الصراع والتوتر وينذر بمواجهات عسكرية خاصة بين اليونان وتركيا.
وفى ظل هذا التوتر المتصاعد انتهجت أمريكا الحياد السلبي والرسائل المتناقضة فرغم مطالبة الخارجية الأمريكية والبيت الأبيض بوقف الاستفزازات والتوترات التركية في شرق المتوسط وقامت بإجراء مناورات عسكرية مع اليونان وقامت أيضًا برفع حظر الأسلحة المفروض على قبرص منذ 33 عامًا والذي قد يبدو وأنه انحياز أمريكي لصالح اليونان وقبرص ضد تركيا، إلا أنه في المقابل دعت أمريكا أكثر من مرة إلى الحوار بين تركيا واليونان العضوتان في حلف الناتو وعدم التصعيد وهو ما بدا ضوء أخضر لتركيا أردوغان على المضي قدمًا في سياساتها. فالموقف الأمريكي لم يشكل ضغطًا أو ردعًا لسياسات أردوغان أو يتوافق مع التوجه الأوروبي الذي تقوده فرنسا لفرض عقوبات على تركيا بسبب نشاطها في شرق المتوسط وتضامنا مع موقف اليونان وقبرص، وهذا الموقف الأمريكي قد يدفع إلى ارتفاع منسوب التوتر بين تركيا واليونان وقد يصل إلى حد المواجهة العسكرية، نظرًا لضبابية الدور الأمريكي والتباين داخل مواقف دول الاتحاد الأوروبي خاصة ألمانيا وإيطاليا من جهة وفرنسا من جهة أخرى حيث تقوم تركيا بابتزاز الاتحاد الأوروبي بورقة الإرهاب والمهاجرين واللاجئين.
لقد أظهرت أزمة ليبيا والتوتر في شرق المتوسط وقبلها الأزمة السورية أن تركيا باتت عبئًا ثقيلاً على الولايات المتحدة وحلف الناتو ومصدرًا أساسيًا للتوتر والصراع والصدام في أكثر من ملف وأكثر من منطقة، ورغم أن الواقعية السياسية تحكم الموقف الأمريكي تجاه تركيا أردوغان وتستخدمها لتحقيق أهدافها خاصة في احتواء وموازنة النفوذ الروسي سواء في سوريا أو ليبيا إلا أن الاستمرار في تلك السياسة سيزيد من التكلفة والتداعيات السلبية على الولايات المتحدة، فهذه السياسة الأمريكية تدفع أردوغان إلى التحدي والمضي في أجندته كما أن عدم ممارسة أمريكا لضغوط حقيقية على تركيا قد تهدد باندلاع حرب بين عضوين في حلف الناتو ولذلك يتجه الموقف الأمريكي إلى مزيد من التشدد تجاه تركيا في أزمة شرق المتوسط لكن ليس بالقدر الذى يدفعها لتغيير سلوكها.
الواقعية السياسية:
تسعى الولايات المتحدة إلى تحقيق أهدافها في ليبيا عبر مبدأ الواقعية السياسية والإمساك بخيوط اللعبة لكن دون الانخراط العسكري المباشر والإبقاء على علاقات مع جميع الأطراف فالأهداف الأمريكية في ليبيا تشمل أولا: محاصرة واحتواء النفوذ الروسي في ليبيا وعدم تكرار نموذج سوريا في ليبيا لأن وجود روسيا في ليبيا يمثل تهديدًا مباشرًا للمصالح الأمريكية وثانيًا: توظيف النفط الليبي في الحفاظ على إمدادات النفط العالمية بأسعار معقولة خاصة في ظل العقوبات الأمريكية على النفط الإيراني بعد الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي الإيراني حيث تمثل ليبيا 2% من صادرات النفط العالمية المنتجة حاليًا ويصل الاحتياطي الليبي من النفط 74 مليار برميل وبذلك تحتل المرتبة الخامسة عالميًا من احتياطيات النفط الصخري بعد روسيا وأمريكا والصين والأرجنتين، ويبلغ احتياطي الغاز الليبي 177 تريليون قدم مكعب، ويتميز النفط الليبي بالجودة العالية والخفة وسهولة الاستخراج وانخفاض تكلفة الانتاج. وثالثًا محاربة الإرهاب والتنظيمات الإرهابية خاصة القاعدة وداعش في شمال إفريقيا والمغرب العربي وجنوب الصحراء الكبرى. ورابعًا الأهمية الاستراتيجية لليبيا والتي تمتد حدودها على البحر المتوسط لأكثر من ألفى كيلو متر.
وتسعى الولايات المتحدة لتحقيق هذه الأهداف عبر توظيف الورقة التركية ومليشيات الإخوان التابعة لحكومة السراج، لكن دون الانخراط المباشر في ظل استراتيجية الرئيس ترامب بعدم إرسال قوات عسكرية أمريكية إلى مناطق صراع جديدة في العالم والتعهد بسحب القوات الأمريكية من المناطق الأخرى لكن تكلفة تلك السياسة تتمثل في زيادة النفوذ والتوسع التركي في ليبيا وفى شرق المتوسط وهو ما يدفع نحو مزيد من التوترات والصراعات، كذلك زيادة نفوذ جماعة الإخوان وإعاقتها الحل السياسي ومن ثم صعوبة تحقيق الأمن والاستقرار في ليبيا، حيث لا يمكن الحديث عن حل سياسي عملي دون نزع أسلحة المليشيات المسيطرة على غرب ليبيا سواء التابعة لحكومة الوفاق أو غير التابعة لها وبناء الدولة الوطنية الليبية القائمة على وجود مؤسسات شرعية مثل الجيش والشرطة قادرة على بسط القانون والنظام ومحاربة الإرهاب ووقف الهجرة غير المشروعة إلى أوروبا عبر البحر المتوسط.
وفى ذات الوقت تتجه الولايات المتحدة نحو الانخراط في الحل السياسي بشكل أكبر وتيرة فقد أيدت الإدارة الأمريكية إعلان القاهرة لوقف إطلاق النار في ليبيا وخريطة طريق سياسية جديدة تقوم على تشكيل مجلس رئاسي جديد يمثل كافة أطياف الشعب الليبي مع عدالة توزيع الثروات الليبية ووقف التدخلات الخارجية خاصة التركية وإخراج المرتزقة من البلاد كما أن إعلان مصر سرت الجفرة خط أحمر ساهم أيضًا في التوصل إلى اتفاق فايز السراج رئيس حكومة الوفاق وعقيلة صالح إلى إعلان وقف إطلاق النار وبدء حوار ليبي ــ ليبي في المغرب وهو ما أيدته أمريكا أيضًا وساهمت في التوصل إليه.
الدور الأمريكي .. سيناريوهات مستقبلية:
والواقع أن هناك عدة سيناريوهات للدور الأمريكي في الأزمة الليبية:
أولاً: مع تضرر الولايات المتحدة من السياسة التركية ومليشيات الإخوان فإنها قد تتجه نحو التشدد إزاء الاثنين لدفعهما نحو الحل السياسي وإرغام تركيا على وقف نقل الجماعات والعناصر الإرهابية والمرتزقة من سوريا إلى ليبيا، ولجوئها إلى استخدام سلاح العقوبات الاقتصادية والتضامن مع اليونان وقبرص في صراعها مع تركيا انطلاقًا من أن سياسة أقصى الضغوط هي التي تجدي مع أردوغان وتدفعه إلى التراجع.
ثانيًا: في ظل انشغال إدارة ترامب بالانتخابات الرئاسية، فإن السياسة الأمريكية تجاه ليبيا قد تتجه نحو الاستمرار في السياسة السابقة وهي الضبابية وعدم الانخراط المباشر والانفتاح على كافة الأطراف مع الإبقاء على الوضع الراهن، والاعتماد على الدول الأوروبية في التعامل مع الملف الليبي.
ثالثًا: دعم حل سياسي يكون للإخوان ومليشيات السراج دور فيه تحت الرعاية التركية لهما بما يحافظ على المصالح الأمريكية في مواجهة النفوذ الروسي وضمان تدفق النفط الليبي وفى ذات الوقت الحفاظ على علاقات قوية مع شرق ليبيا لكن هذه السياسة الأمريكية لن تساهم في التوصل إلى حل سياسي دائم ينهي الأزمة الليبية لأنه يرتكز على الجمع بين المتناقضات التي من شأنها أن تطيل من أمد الأزمة والبقاء في مربع اللا حرب واللا حل وما ينتج عنه من تداعيات خطيرة على ليبيا والمنطقة وعلى المصالح الأمريكية ذاتها.
::/fulltext::
::cck::5420::/cck::
