السودان يواجه 3 سيناريوهات أفضلها انتصار الجيش وأسوؤها تفكك وتقسيم البلاد

Double,Exposure,Of,Sudan,Flag.,Symbols,Depicting,The,Civil,War.

Double exposure of Sudan flag. Symbols depicting the Civil War. The civil war between Sudanese government forces and the paramilitary "Rapid Support Forces". Suitable for base map or report descriptio

Getting your Trinity Audio player ready...

عارف عادل مرشد

باحث وأكاديمي أردني


يظل الصراع المسلح في السودان أحد مشاهد النزاعات المسلحة التي اشتعلت وتيرتها خلال عام 2023م، واستمرت حدتها دون أن تحقق جهود الوساطة ومسارات ومبادرات التسوية الإقليمية والدولية نجاحًا في وقف آلة الحرب وإسكات صوت البنادق. فعلى مدى شهور طويلة قاربت على العامين، لا تزال المواجهات المسلحة بين طرفي الصراع، وهما الجيش السوداني بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان (1960م)، وعناصر قوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو المعروف بــ «حمديتي» (1975م)، مع تمسك وإصرار كل طرف بحسم الصراع عسكرياً، حتى لو على حساب المواطن السوداني نفسه.

بدأت المواجهات المسلحة بالسودان منتصف أبريل 2023م، وهي لم تكن إلا مشهدًا أخيرًا من سلسلة في مشاهد صراع سياسي محتدم على مدى أربع سنوات منذ الإطاحة بنظام الرئيس عمر البشير في أبريل 2019م. فمع حالة الانسداد السياسي ومستنقع الانقسامات والخلافات بين النخبة السياسية، لم تجد القوى المتصارعة سبيلًا سوى استخدام القوة العسكرية لفرض كلمتها بقوة السلاح. ومع طول أمد هذا الصراع المسلح وتشابك أبعاده وتعقيداته، بات المشهد أشبه بالمباراة الصفرية التي يخسر فيها الجميع، خصوصًا مع تضاعف فاتورة خسائرها على السودان وشعبه.

وفي الواقع، فإن جوهر الأزمة في السودان أبعد من أن يكون صراعاً على السلطة بين جنرالين، وإن بدا في حد تجلياته كذلك خاصة إذا ما علمنا أن ما بين سني السودان المستقل التسعة والستون، هناك ست وخمسين سنة هيمنت فيها الأنظمة العسكرية على السلطة، الأمر الذي يؤكد الدور المتعاظم للحكم العسكري في تاريخ السودان المعاصر. إنها في حقيقتها ومبناها تعكس أزمة الدولة المستعصية التي ورثها السودانيون منذ عام 1956م، بعد إعلان الاستقلال عن الاستعمار البريطاني.

 فرغم التبدل أو التقلب في نظام الحكم في السودان، الذي يُعد عدم الاستقرار السياسي السمة الرئيسية له فيما بعد الاستقلال، حيث ظل يتقلب ما بين الحكومات الديمقراطية البرلمانية على نمط وستمنستر- أي نموذج الأغلبية البرلمانية، ويُستخدم هذا المصطلح بشكل أكثر تحديداً للإشارة إلى الخصائص الرئيسة للمؤسسات البرلمانية والحكومة البريطانية، حيث يجتمع برلمان المملكة المتحدة في قصر وستمنستر في لندن-  وأنظمة الحكم العسكرية التي تأتي عقب قيام عصبة من الضباط في الجيش السوداني بانقلاب عسكري يُقوّضون بموجبه نظام الحكم الديمقراطي القائم ويؤسسون نظامًا عسكريًا، فإن المحتوى الاجتماعي للسلطة ظلت تهيمن عليه نخبة الوسط أو ما يُعرف أيضًا بـ «النخبة النهرية»، وبقيت الأطراف مُبعدة، وهو ما أدى في النهاية إلى أن يأخذ الصراع حول السيطرة على مؤسسات الدولة في البلاد طابعًا إثنياً، لا سيما أن التطور التاريخي للدولة السودانية كان من ضمن ما قاد إليه هو انقسام القوى السياسية إلى قسمين كبيرين قوى سياسية مركزية ذات أبعاد عرقيّة وجهويّة متشابهة تسيطر على مقاليد السلطة وقوى سياسية «طرفيّة» أو «مُهمّشة» ذات أبعاد عرقيّة وجهويّة متشابهة أيضًا تسعى لاستعادة التوازن لمركز السلطة ولتحقيق التوازن التنموي المفقود بين أقاليم البلاد. وهذا في الوقت نفسه الذي تزامن هذا الانقسام مع إخفاق أنظمة الحكم المتعاقبة في التوسيع الجغرافي لدائرة التنمية ومراعاة العدالة في توزيع عوائدها، وبحيث تنعكس على حياة جميع السودانيين، فأدى ذلك في مجمله، في خاتمة المطاف إلى تفاقم الصراع بين المركز والهامش، حيث سيطر المركز على عملية اتخاذ القرار، أي صار وحده من يُقرّر في: مَن يحصل على ماذا، ومتى، وكيف؟ وأخذ يستخدم المُحدّدات الثقافية كأدوات أيديولوجية لتبرير هذه السيطرة.

في المقابل أدى هذا التمركز إلى تمركز المهمشين بصورة إثنية أيضًا، وتمردوا على هذه السيطرة، وسعوا إلى المشاركة في جهاز الدولة بصورة عادلة تتناسب مع أوزانهم وأعدادهم وثقافاتهم وتمثيل مناطقهم، ومن دون أن يستفرد به أحد، وهي المشاركة التي تعني لهم إنهاء حالة التهميش التي تعرضوا لها، ولا يزالون.

هكذا، تحوّل الصراع ليكون صراعًا شاملاً حول الهوية والسلطة، فعقد من أزمة الدولة في السودان وبخاصة بعدما تحول من صراع سياسي إلى نزاعات مسلحة ظلت مستعرة منذ ما قبل الاستقلال وحتى اليوم، إذ شهد السودان أطول هذا النوع من النزاعات في إفريقيا وهو النزاع الذي كان دائرًا في جنوبه، والذي انتهى بتوقيع اتفاقية السلام الشامل التي في ضوئها انفصل الإقليم الجنوبي في عام 2011م، وأصبح دولة. ولكن انفصال الإقليم لم يكن يعني انتهاء النزاعات المسلحة في السودان، فقد ظلت مستمرة في منطقتي جنوب كردفان / جبال النوبا وجنوب النيل الأزرق وإقليم دارفور، ليختم كل ذلك بحرب جديدة بدأت في 15 أبريل من عام 2023م، بين الجيش وقوات الدعم السريع، تنذر بتفكك الدولة السودانية.

السيناريوهات المُحتملة للصراع في السودان:

يدرك المتأمل لمجريات الأمور في السودان في الوقت الحالي أن مستقبل الأوضاع في هذه الدولة يدور في فلك ثلاث سيناريوهات رئيسية يمكن عرضها على نحو التالي:

السيناريو الأول: سيناريو التوافق، يتمكن قادة الجيش بعد طول القتال وتكبد قوات الدعم السريع خسائر فادحة من إقناع الوسطاء الخارجيين بالضغط على قيادة الدعم السريع للتوافق على الإلحاق بالجيش أو بالتسريح بشروط مواتية كما حدث في الاتفاق مع بقية الفصائل السودانية المسلحة.

وهذا السيناريو يدعمه عاملان:

أ- استمرار المساعي الخارجية لتسوية الصراع: حيث تتضح تلك المساعي خاصة على المستوى الإقليمي سواء عبر منظمة الإيجاد أو عبر الدول المجاورة للسودان من أجل حث طرفي الصراع ومحاولة إقناعهما بوقف إطلاق النار لتسهيل دخول المساعدات الإنسانية والبدء في مفاوضات لترتيب الأوضاع السياسية والعسكرية والاقتصادية في البلاد. وما يعزز فرص هذا السيناريو، أنه من المتوقع أن تعطي الإدارة الأمريكية الجديدة برئاسة دونالد ترامب أهمية لأزمة السودان، والضغط باتجاه تسوية شاملة تدعم السلام والاستقرار. وقد لايكون هذا الاهتمام الأمريكي بالأزمة السودانية من خلال دعم مبادرات إقليمية أو التوسط بشكل مباشر، وأنما من خلال اعتمادها على أدواتها التقليدية مثل فرض العقوبات أو التهديد بها، خاصة على الأطراف المعرقلة للسلام الذي يؤسس على معطيات الواقع؛ مع تعزيز المساعدات الإنسانية والتنموية حيث من المتوقع أن تزيد الإدارة الجديدة التمويل للمساعدات والإغاثة الإنسانية، مع الضغط لإزالة الحواجز أمام وصولها إلى المناطق المتضررة.

ب- الجهود التي تبذلها القوى السياسية المدنية: تسعى هذه القوى لوقف الحرب ووضع خارطة طريق للمستقبل السياسي للسودان يسمح بمشاركة كافة طوائف الشعب السوداني، مع تسوية الملف الإنساني، خاصة مع تحمل المواطن السوداني، تكلفة باهظة من جراء هذا الصراع سواء في الداخل أو الذين هربوا من الصراع ويعانون من أزمات خطيرة في مخيمات اللجوء في الدول المجاورة للسودان وخاصة جنوب السودان وتشاد.

يُعد هذا السيناريو، في تقديري، أبعد السيناريوهات خلال المرحلة الراهنة، بالرغم من أنه أفضل السيناريوهات لإنهاء أزمة الشعب السوداني الراهنة، والبدء في مرحلة جديدة يسودها السلام والاستقرار. ويعود استبعاد هذا السيناريو إلى إصرار جنرالي الحرب على أن يكون الحل عسكرياً لا سياسياً، لما سوف يترتب عليه من استمرار المكون العسكري في السلطة، وضمان عدم انتقالها للمكون المدني

السيناريو الثاني: تمكن الجيش السوداني من هزيمة قوات الدعم السريع، ربما يعد هذا السيناريو من أفضل السيناريوهات التي قد تصل إليها الأوضاع في السودان، لما قد يترتب على انتصار الجيش من إمكانية فتح المجال أمام تطبيق بنود الاتفاق الإطاري، بما في ذلك إصلاح القطاع الأمني و دمج قوات الدعم السريع داخل صفوف الجيش.

وما شهدته الساحة السودانية من تطورات كبيرة منذ منتصف يناير الماضي على المستوى العسكري يدعم من فرص تحقق هذا السيناريو، إذ حققت قوات الجيش انتصارات كبيرة على قوات الدعم السريع في ولايتي الجزيرة والخرطوم، تغيرت بسببها موازين القوى العسكرية. وقد يرتكز الجيش السوداني على المواقع المُستردة للضغط على قوات الدعم السريع في مواقع تواجده المجاورة لاستعادتها تمهيداً للواقعة الكبرى في إقليم دارفور.

ومع هذه الانتصارات العسكرية لقوات الجيش السوداني على قوات الدعم السريع لإنهاء الحرب، بخاصة مع وصول دونالد ترامب لرئاسة الولايات المتحدة الأمريكية، وإعلانه أنه سيعمل لوقف كل الحروب، بدأ بحرب غزة، تتوقع كل الأطراف ضغوطاً أميركية كبيرة خلال المرحلة القادمة لإنهاء الحرب، تشمل أطراف الحرب والدول الداعمة والممولة للحرب. خاصة أن ترامب ليس مهتماً بالجوانب الأيديولوجية للصراعات، وهي الجوانب التي يستند إليها حميدتي والقوى السياسية الملتفة حوله.

 ثم إن فريقه قد يسعى إلى الحد من نفوذ القوى الدولية المنافسة للولايات المتحدة بإفريقيا، مثل روسيا والصين، وهذا يضعف قوات حميدتي التي تستعين بقوات فاغنر المنضوية حالياً في الفيلق الإفريقي المسيطر على الأوضاع بإفريقيا الوسطى وتمارس سيطرة كبيرة على قطاع النفط في ليبيا بالتعاون مع قوات حفتر. وقد يسعى كذلك لضمان الاستقرار في البحر الأحمر، فيتعاون مع حكومة البرهان التي تسيطر على المناطق السودانية المطلة على البحر الأحمر.

الا أن الجيش السوداني، في حال تحقق هذا السيناريو،  سيواجه تحديدات عديدة: فقد تتحول قطاعات من الدعم السريع إلى الجريمة المنظمة، فتبث الرعب في مناطق السودان؛ كما أن القوى السياسية الملتفة حالياً حول الجيش السوداني للتصدي لخطر قوات الدعم السريع، قد تطفوا الخلافات بينها، وتعجز عن التوافق على إقامة نظام سياسي يستلم الحكم من الجيش، مع زوال خطر الدعم السريع.

ناهيك عما يعاني منه الجيش السوداني من تشظي للظهير السياسي الداخلي، وهو ما يؤكده اعلان تنسيقية القوى الديمقراطية والمدنية السودانية (تقدم) عن حل نفسها وانقسامها إلى مجموعتين بعد خلافات بين مكوناتها على تشكيل حكومة موازية في مناطق سيطرة قوات الدعم السريع مما يعني انتزاع الشرعية عن الحكومة السودانية التي تتخذ من بورتسودان مقراً لها.

السيناريو الثالث والأخير: تفكك وتقسيم السودان واندلاع حرب أهلية، يمثل هذا السيناريو الوجه المتشائم لما قد يسفر عنه الصراع الدائر وما يشهده من تطورات متلاحقة وتصعيد للأحداث على أرض الواقع. في ظل المشهد المضطرب والصراع المحتدم حالياً، يمكن القول أن هذا السيناريو ليس مستبعداً لا سيما في ظل اقتراب الإعلان عن تشكيل حكومة مدعومة من قوات الدعم السريع و(موازية) للحكومة التي يترأسها قائد الجيش عبدالفتاح البرهان في بورتسودان. فهناك مخاوف على نطاق واسع من أن يؤدي تشكيل حكومة- بالضرورة في مناطق سيطرة الدعم السريع- إلى تمزيق البلاد وتنازعها بين حكومتين إن لم تكن ستصير إلى دولتين على أسس جهوية وأثنية، وفي تطور الحرب من حرب بين الجيش وقوات الدعم السريع إلى حرب أهلية تعزز الانقسام الاثني والجهوي والسياسي، وقد تستمر عقود من الزمان.

 وهنا يبرز شبح تقسيم السودان لأكثر من دولة، خاصة مع الدعوات بتسليح المواطنين، واستخدام هذا التسليح في تصفية الحسابات على أسس قبلية وجهوية. ومن استمرار الانتهاكات والجرائم الإنسانية سيكون من السهل على قبائل أو أقاليم أن تطالب بحق تقرير المصير بعيداً عن الحكومة الاتحادية في الخرطوم، وأن تطالب بحكم ذاتي لأقاليمها أو مناطقها، وسوف يسهل تطبيق هذا السيناريو في ظل الحكم الفيدرالي الذي تخضع له أقاليم السودان. وربما تنظر بعض القوى الخارجية ومنها الولايات المتحدة الأمريكية إلى هذا السيناريو باعتباره السيناريو الأمثل لمصالحها في ظل انتشار العنف وتفشي الفوضى حيث تظل الحكومة الاتحادية في الخرطوم غير قادرة، وتفتقد الكثير من المقومات التي تؤهلها للسيطرة على كامل إقليم الدولة.

الا أن هذا السيناريو يُعد الأسوأ، بالنظر إلى ما سيترتب عليه من وجود حالة من عدم الاستقرار تمتد لتصل آثارها السلبية إلى دول الجوار السوداني في منطقة القرن الإفريقي، خاصة الدول التي تواجه أزمات داخلية وهشاشة أمنية بالفعل، مثل جنوب السودان وتشاد.

الخلاصة:

1- من الواضح أن أنظمة الحكم التي طُبقت في السودان في حقبة ما بعد الاستقلال، سواء العسكرية التسلطية غير الديمقراطية، أو الديمقراطية البرلمانية على نمط وستمنستر، فشلت في تحقيق الاستقرار السياسي، وفي تحقيق التنمية، وفي حل مشكلة التفاوت التنموي بين الأقاليم والجماعات السودانية المتعددة، الأمر الذي أدى إلى تدخل الأبعاد الإثنية، والقبلية، والإقليمية في الصراع حول السلطة في الدولة. فعملية التحديث في الدول في المراحل الانتقالية- كالدولة السودانية، حيث لم تكتمل عملية التحديث- تهدم في صيرورتها مؤسسات المجتمع القديمة، وتحدث تعبئة اجتماعية، وتحريك لفئات واسعة في المجتمع، من دون بناء المؤسسات الحديثة التي من المُفترض أن تحل محل المؤسسات القديمة لتستوعب عملية التعبئة الاجتماعية والواسعة التي حدثت، ويؤدي ذلك إلى أن ترتد فئات اجتماعية واسعة إلى التمركز والتمسك بمؤسساتها الأولية ويتحول الصراع السياسي ليكون عبر الإثنيات والقبائل والجهات. وهذا ما حدث في سودان ما بعد الاستقلال، الذي يعاني من أزمة هوية طويلة الأمد تاريخياً، غذت حركات التمرد العديدة؛ كما أن عدم رغبة الحكومات المتعاقبة في السودان أو ربما عجزها عن إدارة التنوع في البلاد والتعبير عن رؤية مشتركة أدى إلى توزيع غير عادل للثروات والموارد.

2- يمكن القول إن استمرار المواجهات العسكرية بين كل من قوات الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في هذه المباراة الصفرية لن يحقق مصلحة أي طرف منهما مقابل الآخر ، بل على العكس ، فمن المنتظر أن يضيف إلى رصيد الخسائر البشرية والمادية في الأرواح والممتلكات والمنشآت، كما سيزيد من تأزم الأوضاع السياسية والاقتصادية التي يشهدها السودان في الوقت الحالي. فقد تسببت الحرب في مقتل مابين 30 ألف على أقل تقدير، إلى نحو150 ألف شخص ، وتشريد نحو 11 مليون آخرين، أي حوالي ربع عدد السكان البالغ 49 مليون نسمة، كما انهارت المنظومة الزراعية في البلد الذي كان يُنظر إليه باعتباره “سلة غذاء العالم” ليعاني أكثر من 20 مليون شخص انعداماً حاداً في الأمن الغذائي، وفقاً للأمم المتحدة.

3- صحيح أن الجيش السوداني لم ينه تاريخياً الحروب الداخلية بنصر عسكري حاسم بل بتسويات سياسية، كالتي عقدها مع فصائل الجبهة الثورية السودانية وهي تحالف بين فصائل مسلحة من دارفور وكردفان والنيل الأزرق ، التي كانت تقاتل الجيش السوداني ثم وقعت معه معاهدة سلام في جوبا، عاصمة جنوب السودان، في أكتوبر 2020م. كما أن هذه التحركات والانتصارات العسكرية لقوات الجيش السوداني على قوات الدعم السريع تبدو مهمة لتعديل موازين القوى وتحسين المواقف التفاوضية،بحيث أن” ما بدأته الحرب ستكمله السياسة” وفقاً لقول وزير الإعلام السوداني السابق فيصل محمد صالح، إلا أن نهاية الحرب الجارية قد تختلف عن هذا النمط العام،لأنها تتصف بمميزات خاصة:

أولاً: يعتمد الدعم السريع على قيادة حميدتي وأقاربه، وهذا يجعله تنظيماً هشاً؛ يعاني من التفكك المتزايد في هيكليته، مما يعقد من قدرة عائلة دقلو على فرض وقف إطلاق النار؛ كما قد يتلاشى هذا التنظيم إذا نجح الجيش السوداني في الإطاحة بالقيادة، فلا يتبقى مشروع سياسي يجمع مكونات الدعم السريع.

ثانياً: أدى طول الحرب إلى إعادة عدة دول مناصرة للدعم السريع تقييم مواقفها؛ لأنها قد تكون حسبت أنه قادر على الفوز، ويكافئهم بمنافع مادية وسياسية، لكن طول الحرب وتزايد الفظائع واستعادة الجيش للمبادرة عسكرياً والالتفاف الشعبي الواسع حوله ودبلوماسياً، خفض الرهانات على قوات الدعم السريع، وقد يدفع أنصارها الخارجيين إلى الانفضاض من حولها.

ثالثاً: لا يحظى الدعم السريع بحاضنة كبيرة في السودان، بل تنحصر حاضنته في بعض المناطق المحدودة بدارفور، ففقد بذلك أهم ركيزة تمكن الفصائل المسلحة التي تعتمد على حرب العصابات من الفوز في المعارك. قد يستغل الجيش السوداني هذه الثغرات ويتمكن من القضاء على قوات الدعم السريع.

الا أنه من الصعب القفز إلى هذه النتيجة الآن، وسط الأوضاع المتشابكة في السودان، وتوسيع نطاق تحالفات الجيش مع عدد من الحركات والميليشيات، ولكل منها مطالب سوف تسعى إلى تحقيقها في اللحظة التي تشعر فيها بتحقيق مكاسب ميدانية كبيرة، واستمرار سيطرة عناصر الدعم السريع على مناطق واسعة، في مقدمتها أربع ولايات من خمس في إقليم دارفور، ما جعل التراجع أمام الجيش أخيراً يفسر على أنه تكتيكي، لإحكام السيطرة تماماً على كل إقليم دارفور وحسم معركة الفاشر عاصمة ولاية شمال دارفور، التي تُعد المعقل الأخير للجيش السوداني وحلفائه من الحركات المسلحة في إقليم دارفور، وتحاول قوات الدعم السريع السيطرة عليها لإحكام نفوذها على الإقليم، فمدينة الفاشر فضلاً عن موقعها الجغرافي الذي يجعل منها ذات أهمية لخطوط الاتصال مع تشاد ومصر وليبيا، فإن استيلاء قوات الدعم عليها يُمكنها من مهاجمة ولايات كردفان، وتقوية دفاعاتها في ولاية الجزيرة (وسط السودان) لتهديد ولايات الشرق حتى الحدود الإثيوبية.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *