السودان من حيث الجغرافيا والنطاق الجيوسياسي وطن لهويات عرقية وإثنية وطائفية وليس هوية واحدة

Libya,Souk,,Camel,Bazaar,In,Sudan,15,Km,From,Khartoum.

Libya souk, camel bazaar in Sudan 15 km from Khartoum. The winner of the camel race receives congratulations. 18.02.2009 Sudan

Getting your Trinity Audio player ready...

أ.د. وائل أحمد خليل الكردي

بروفيسور بجامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا ـ السودان


إن قياس مفهوم (الأقلية) لا يتاح بطبيعة الحال على نحو دقيق إلا من خلال محيط جغرافي ونطاق إداري محدد سواء كان هذا النطاق سياسياً أو ثقافياً وفق المحدد الجغرافي (جيوسياسياً وجيوثقافياً). فإن الحد الجغرافي هو الذي يعين على الحقيقة الكمية والإحصائية لمفهوم القلة والكثرة. فأما على النطاق الجيوسياسي فيمكن القول، بصدد وصف الأقليات السياسية، أنه ما يشار به -على الأغلب- إلى الجماعات الإثنية أو العرقية التي تشغل حيزاً أقل نسبياً عن غيرها من المكان المحدد لدولة ما وأيضاً من الاهتمام السياسي والاقتصادي، إذ من الممكن أن يتجه الاهتمام بها اتجاهاً سلبياً وليس إيجابيًا بما يطلق عليه (تهميش الأقليات). وهذا يبرز الحاجة إلى النظر لحال الأقليات هذه بكونها مشكلة اجتماعية مؤثرة، وحين لا يكون الاتجاه نحو هذه الأقليات سلبياً ينتفي وجود هذه المشكلة. وعادة ما يكون وجود الأقليات الجيوسياسية الإثنية فاعلاً ومؤثراً إذا ما برز دورها الثقافي بنحو مؤثر في حركة المجتمع عموماً، فهنا يتم تصنيف هذه الأقليات الثقافية بأنها أقليات طائفية بما يشمل جماعات اعتقادية أو مذهبية أو جاليات وافدة أو مهاجرة في أصولها، وحيث يمكن أن يكون جزءاً من طائفة ما في مكونها الإثني أقلية في حدود دولة معينة ويكون باقيها في داخل حدود دولة أخرى فيفاعل هذا كثيراً من دورها الثقافي كأقلية مؤثرة في محيطها الجغرافي، وهذا ما كان من شأن الأقليات الجيوثقافية الطائفية في السودان منذ ما قبل التحرير وحتى الآن لاسيما مع الطائفة القبطية المسيحية المتصلة بجذورها المصرية، والطائفة اليونانية والأرمنية، والطائفة اليهودية.

يعتبر السودان من حيث المحدد الجغرافي والنطاق الجيوسياسي وطناً لعدد من الهويات العرقية أو الإثنية والطائفية (فهي الهويات السودان وليس الهوية السودانية) وكان العامل الجغرافي عاملاً حاسماً في تكوين وتوطين هذه الهويات، وحيث لا يمكن الجمع بين هذه الهويات في دولة واحدة إلا على أساس مبدأ (المواطنة) أي الحق في مشاركة الوطن بحكم الانتماء له في حال الواقع الراهن لقيام هذه الدولة.

فبالنسبة لأقباط السودان الذين ينتمون إلى الكنيسة الأرثوذكسية المصرية. ليس هناك إحصاء دقيق لهم ولكن قدر عددهم تقريباً بما يزيد قليلاً على نسبة 1% (حوالي مليون نسمة) من مجموع سكان السودان منتشرين في مناطق مختلفة به لاسيما العاصمة ومناطق الثقل التجاري. وبجانب دورهم الأساسي في التجارة كان لهم دور بارز في الحياة الثقافية بالسودان على مستوى التعليم بإنشائهم مدرسة (الاتحاد) الثانوية في العام 1902م، في قلب العاصمة الخرطوم كأهم مدرسة في ذاك الوقت تقدم خدمة التعليم الأجنبي للسودانيين إضافة إلى مدارس أخرى مثل المدرسة الإنجيلية والكلية القبطية. كما قد أسهم غلبة التعليم المتقدم للأقباط إلى توليهم مناصب مهمة في الدولة ومؤسساتها الرسمية والخاصة. فإذا كانت قوة اقتصاد الجماعات الصغيرة تملأ الفاقد في كثرة العدد وتهب لهم الاعتبار الوطني الفاعل، فإن أقباط السودان وإن كانوا قليلاً في العدد إلا أنهم صاروا كثيرًا بما ملكوه وأسهموا به من مكانة كبيرة في الاقتصاد السوداني بمؤسساتهم التجارية والاستثمارية في كافة مناحي البلاد وفي مختلف مجالات العمل والتجارة، وبرغم ذلك ظلوا على ما هم عليه بين أهل السودان من حياء وحسن جوار وحسن خلق هو فيهم طبع وسجية فقد قدروا السودان وأهله وتمثلوا بقيمه وعاداته واحترموا دين الأغلبية فيه. وهذا ما جعل أقباط السودان يزيدون على ذلك الأثر الاقتصادي ومن خلال جودة تعليمهم اتساعاً في أثرهم الثقافي، بإنشائهم وإدارتهم -على سبيل المثال- لمرافق ثقافية مهمة مثل المكتبات التي مثلت مراكز إشعاع ثقافي له الأثر الأكبر على الرواج الثقافي في عموم السودان مثل مكتبة (مروي بوكشوب) و(سودان بوكشوب) و(خرطوم بوكشوب) وغيرها من معارض الكتاب والفعاليات المصاحبة لها التي تقيمها الكنائس، إضافة إلى اهتمامهم بنشر الثقافة الرياضية والعمل المجتمعي التطوعي بين الشباب على اختلاف دياناتهم ومن الجنسين، فكان هناك النشاط الكشفي البارز في المدارس القبطية.

لقد تميز أهل السودان بأخلاق عليا بين الأمم في زماننا العسير، وتميز فيه قبط السودان بين غيرهم من الأقباط بانتمائهم إلى سودانيتهم بصورة قوية فخلقوا طريقة حياة متوازنة وتميزوا نوعاً ما بلكنة في نطق اللهجة السودانية كونت لهم هوية شخصية معتبرة من ضمن هويات السودان المتعددة كما ميزتهم عن الجذور الممتدة لهم في مصر، ودوننا منطقة (المسالمة) بمدينة أم درمان العريقة التي بلغت درجة الانصهار والتعايش السلمي بها حداً نكاد نفقد معه التمييز بين مسلم ومسيحي إلا ببيانات جواز السفر. فهكذا عاشوا بيننا وعشنا بينهم.

ثم هناك طائفة اليونانيين والأرمن. أما الأرمن فلا توجد إحصائية فعلية دقيقة حتى الآن لنسبة عددهم في السودان ولكن الشاهد أنهم كانوا أقلية قليلة، فقد وفدوا إلى السودان منذ العهد العثماني فراراً من حملات الإبادة التي كانت تتم في بلادهم ثم بشكل أكبر فرارهم من سيادة الحكم الشيوعي هناك حيث كانت تسمى آنذاك (جمهورية أرمينيا السوفيتية الاشتراكية). وكانوا في البدء عددًا محدودًا من الأسر العاملة في التجارة، ولكن مع حلول حقبة الثلاثينات تحولت شبكة التجار الأرمن إلى مجتمع من العائلات المنتشرة في الخرطوم ومن مدينة عطبرة في عمق الشمال وحتى مدينة ملكال في قلب الغرب ومن مدينة كسلا في أقاصي الشرق إلى الفاشر حاضرة دارفور. ويعود الأثر الثقافي البارز لطائفة الأرمن بدءًا من إنشائهم فرعاً سودانياً (للجمعية الخيرية العامة الأرمنية AGBU) في نشرهم لكثير من مبادئ الثقافة الإنجليزية التي اكتسبوها من قربهم للحكومة البريطانية في السودان والأسر البريطانية التي كان لها دور كبير في الحياة العامة هناك، وكان للأرمن تحت يد الانجليز دور مهم جدًا في التوثيق للعمران الحضاري المدني في السودان والحياة اليومية للعمال تبعاً لذلك، لم تكن صورهم مجرد صور بل ربما في أحيان كانت شاهداً وحيداً على العصر. وقد تمثلت مراكز إشعاعهم الثقافي المؤثر في مجتمع العاصمة الخرطوم أكثر الشيء في الكنيسة الأرمنية والنادي الأرمني الذي حاز شهرة كبيرة حتى حقبة الثمانينات من القرن العشرين. وهناك وفي محافل أخرى كان الفلكلور الأرمني ذو الطابع شبه الشرقي له حضور بارز في الاحتفالات العامة والمناسبات القومية مثل ذكرى الاستقلال وغيرها. والشاهد في هذا، أن الأرمن قد انفتحوا بعمق على الثقافة وطريقة الحياة واللهجة العربية السودانية، فأتقنوها إتقاناً مع احتفاظهم بهويتهم ولغتهم وطريقة حياتهم مما خلق مزيجاً ثقافياً عمليًا أكثر الشيء –وليس فقط نظرياً- جراء هذا التلاقح والتداخل الثقافي، وحتى بعد عودة أغلب الأرمن السودانيين إلى بلادهم عقب انهيار الاتحاد السوفيتي وهجرة القلة الباقية إلى أوروبا الغربية وأمريكا إلا أن أثرهم ظل باقياً في الإرث الثقافي السوداني. ولكن الطائفة الأكبر من طائفة الأرمن والأكثر عدداً وأبرز أثراً كانت هي طائفة اليونانيين الذين اشتهروا في السودان بمطاعمهم ونواديهم الاجتماعية ومؤسساتهم التجارية التي غطت الحياة العامة في السودان منذ عهد الحكم البريطاني للسودان. ومن يزور اليوم الخرطوم وبورتسودان يجد أن أغلب الأماكن والبيوت في وسطها كانت تملكها الجالية اليونانية. وأيضاً لا توجد سوى أرقام تقديرية لعدد أفراد الجالية اليونانية في السودان حيث تفيد المصادر أن العدد الكلي لهم حتى العام 1929م، بلغ حوالي 4000 نسمة، ثم نمى هذا العدد ليبلغ في حقبة الخمسينات والستينات إلى 7000 نسمة تقريباً، ولكن هذا العدد قد انخفض في السنوات اللاحقة برغم بقاء ممتلكاتهم وأصولهم قائمة. ولقد كانت عائدات الأصول اليونانية تذهب لدعم ورعاية الجنوبيين (التي صارت اليوم دولة جنوب السودان) الأبناء من أم يونانية أو أب يوناني مما يدل على كثرة حالات التزاوج بين اليونانيين والسودانيين، وتلك إشارة إلى حالة اجتماعية فريدة ومهمة ولدت تفاعلاً حضارياً ثقافياً أثر كثيراً في عموم واقع الحياة الاجتماعية السودانية. وصحيح أن اليونانيين كانوا هم أمراء الاقتصاد السوداني في وقت ما ومعلوم أن من يدير عجلة الاقتصاد غالبًا ما يدير معها حركة الثقافة، ومما دل على ذلك الارتباط للأثر الثقافي بالمحرك الاقتصادي ما عرف عن رجل الاقتصاد اليوناني الأول في السودان (كونتا ميخالوس) وإسهامه في تأسيس ما عرفت اليوم بجامعة الأحفاد حيث مازالت ملامحه معلقة هناك على جدرانها الأثرية كما اسمه المنحوت على واجهة مبنى الجالية اليونانية في وسط الخرطوم. اشترك اليونانيون السودانيون مع غيرهم من الجاليات في نشر الأثر الحضاري العمراني للمؤسسات والدور الحكومية وأشهرها الطراز العمراني اليوناني التقليدي لجامعة الخرطوم (كلية غردون سابقاً) وأيضاً إسهامهم في مدارس (كمبوني) والتي أنشأها المبشر الإيطالي (دانيال كمبوني) في الخرطوم وعدد من مدن السودان، وكان لها أكبر الأثر الاجتماعي والثقافي في فترات الستينات وحتى الثمانينات حيث تعلم فيها معظم أبناء الجالية اليونانية بجانب مدرسة الجالية نفسها، ومنها انطلقوا في دروب الحياة هناك. هذا إضافة إلى إسهامهم الثقافي المجتمعي من خلال تأسيسهم مع الانجليز والأقباط لمكتبات السودان الكبرى، هذا بخلاف الأثر الثقافي الاجتماعي البالغ لدور السينما التي يرجع إليهم فضل إنشائها وعلى رأسها سينما (كوليزيوم) التي تأسست في العام 1935م، في أهم شارع في الخرطوم آنذاك وهو (شارع فيكتوريا) والذي صار (شارع القصر) الآن، فكان اليونانيون هم رواد العمل السينمائي في السودان منذ ذلك العهد ومن خلال السينما خاطبوا كافة عقول طبقة الأعيان وأثروا فيها.

لقد عشق كثير من هؤلاء اليونانيين وغيرهم السودان وضرب الحنين قلوبهم إليه، فكان منهم من لايزالون يحضرون من أثينا إلى الخرطوم لإحياء احتفالاتهم برأس السنة الميلادية ومناسبات أخرى بنواديهم فيها.

ولعل أقل الأقليات الطائفية الجيوثقافية في السودان كانت طائفة اليهود التي أشارت الإحصائيات التقريبية إلى بلوغها نحو 250 إلى 300 أسرة حتى سنوات الستينات. ولهذا كانت الجالية اليهودية قليلة نسبياً مقارنة بباقي الطوائف والجاليات برغم وجودهم القديم في السودان فيما قبل ظهور المهدية. ومنذ ذلك الحين والأسر اليهودية (سفارديم واشكيناز) تتوافد إلى السودان الذي كان في مطلع القرن العشرين معبراً ومركزاً اقتصادياً مهماً. وهناك أنشأوا في قلب الخرطوم (المعبد أو الكنيس اليهودي) و(نادي المكآبي) وكثير من الدور السكنية والمتاجر كما استعملتهم الحكومة البريطانية في أعمالها بالسودان بشكل كبير. فكانت الجالية رغم صغرها مؤثراً ثقافيًا نفذ أيضاً إلى قلب المجتمع السوداني من بوابة الاقتصاد الذي برعوا فيه وتولوا أكبر مناصبه منذ أيام الحكم البريطاني. وربما الأثر اليهودي الثقافي لا يتضح للعيان بنحو ملموس بنحو ما كان لغيرهم نسبة لأنهم بطبيعة حياتهم ومعتقداتهم طائفة منغلقة على ذاتها إلا في مجال الاقتصاد والمعاملات العامة، وخاصة أن أعمالهم الثقافية والمجتمعة كانت تتم عبر المحافل الماسونية التي انتشرت في الخرطوم وعطبرة حتى أخريات الستينات والتي كان الأستاذ الأكبر فيها العلامة البارز والمفكر والسياسي السوداني الموريتاني الأصل (محمد صالح الشنقيطي). وهنا يمكن أن أحيل الباحثين في هذا الشأن إلى أهم ما كتب في يهود السودان وعائلاتهم ونشاطاتهم وهو الكتاب الذي ألفه بالإنجليزية (إلياهو ملكا) آخر حاخامات اليهود في السودان ورئيس جاليتهم بعنوان (أطفال يعقوب في بقعة المهدي – اليهود في السودان) الذي ترجمه وقدم قراءة مهمة عليه الصحفي والكاتب (مكي أبوقرجة) بإصدارة عن (مركز عبد الكريم ميرغني) بأم درمان.

يمكن القول أخيراً، إذا كانت الأقليات الجيوسياسية يعظم أثرها اقتصادياً وسياسياً كلما برزت، فإن الأقليات الجيوثقافية يعظم أثرها كلما تسربت صمتاً وخفية بنحو يشبه تنظيم الجماعات السرية. ولعل السودان في تاريخه المعاصر باحتوائه عدداً مقدراً من الأقليات الطائفية نجحت الطبيعة المجتمعية وطريقة الحياة فيه أن توازن بين متطلبات الأكثريات والأقليات الطائفية بما أحدث أثراً مشهوداً لأدوار هذه الأقليات الطائفية في المجتمع. وهذا الأمر هو ما شكل بذاته نوعاً من الرقابة المجتمعية المحلية -غير السياسية- على أنشطة الجاليات والطوائف بالسماح لها أن تمارس طرق حياتها وثقافاتها في العلن وبحرية في فضاء الوطن السوداني.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *