الأمن اليمني في مكافحة الإرهاب

::cck::1488::/cck::
::introtext::

بداية ليسمح لي القارئ قبل أن نستعرض طرح هذا الموضوع أن نذكر ملاحظة أو فرضية لعلها توضح خلفيات الأمن اليمني في مكافحة الإرهاب، وتكون ضرورية قبل البدء بأي كتابة تتناول موضوع الأمن اليمني وقضية مكافحته للإرهاب

::/introtext::
::fulltext::

( ويل لمن لا يعرف قلعة خصمه جيداً من الداخل)

(حكمة عربية)

 بداية ليسمح لي القارئ قبل أن نستعرض طرح هذا الموضوع أن نذكر ملاحظة أو فرضية لعلها توضح خلفيات الأمن اليمني في مكافحة الإرهاب، وتكون ضرورية قبل البدء بأي كتابة تتناول موضوع الأمن اليمني وقضية مكافحته للإرهاب..هذه الملاحظة أو الفرضية تنقسم إلى قسمين:

الأول: حول موقف الدولة من الإرهاب قبل الحرب الأهلية اليمنية (1994).

والثاني: حول بعض المعطيات الاجتماعية والسياسية التي قد تقدم إيضاحاً أو تفسيراً لبعض معطيات هذا الموضوع.

فدولة الوحدة التي أعلنت لأول مرة بين الشمال (سكانه حينها 13 مليون نسمة) والجنوب (سكانه حينها مليون ونصف المليون نسمة) يوم 22 مايو 1990 بدأت مرحلتها الانتقالية المحددة (ثلاثة أعوام) وخلال هذه المرحلة الانتقالية الاندماجية، كانت السلطة في صنعاء تنظر إلى ((الإرهاب)) من حيث كونه وعياً متطرفاً موجهاً ضد الحزب الاشتراكي اليمني (الشريك الجنوبي بالوحدة)، فهو القادر في ظل ظروف تلك المرحلة وبمعطيات محددة على لعب دور حاسم وإيجابي ومهم في القتال ضد الحزب الاشتراكي اليمني، حتى أصبحت الجماعات المتشددة جزءاً من المكون الأساسي للصراع السياسي اليمني، ومن ثم التحرك في عمليات الاغتيالات المخططة للقادة والنشطاء الجنوبيين (اشتراكيين وغير اشتراكيين).

فالعوامل التي أثرت في بروز الإرهاب في اليمن بعد الوحدة اليمنية تعود إلى الضربة التي وجهها النظام الاشتراكي في الجنوب للجيش الشمالي في القطاع الأوسط عام 1992، حيث قال الإعلام الإرهابي حينها (الشيوعية تدق أبواب صنعاء) وكانت طالبان حينئذ قد استولت عن السلطة في أفغانستان عام 1979، فشكل اليمن تربة ملائمة لنشاط (الأفغان العرب) هذا في ظل الدعم المباشر وغير المباشر الذي قدمه نظام صنعاء لتلك الجماعات المتشددة حتى يتسنى له تقوية نفوذه، واتبعت السلطة الحاكمة في شمال اليمن هذه السياسة مع الجماعات المتطرفة بالتحديد رغبة منها في خلق قيادة سياسية تتحدث باسم الإسلام ومنافسة للحزب الاشتراكي اليمني الذي تغلغل في محافظات الشمال، رغم ضعفه في محافظات الجنوب التي حكمها بالقوة، ولعبت المرحلة السياسية التي رافقت المرحلة الانتقالية للوحدة اليمنية (1990-1993) دوراً في نشاط الإرهابيين.بمعنى أن جماعات الحكم في صنعاء كانت بحاجة إلى تيار إرهابي يقوم بالدور المتخصص للقضاء على الحزب الاشتراكي، فبرز التيار الديني ممثلاً بالتجمع اليمني للإصلاح الذي حظي بدعم مباشر من السلطة والقبائل لتنظيم الجماعات الإسلامية المتشددة في اليمنومنفذاً لتلك السياسة، الأمر الذي أتاح لـ (الأفغان العرب) حرية الحركة والنشاط في ظل ضعف الأجهزة الأمنية أصلاً، وعدم اندماجها إضافة إلى تراث الجماعات المتطرفة في شمال اليمن، حيث إنها موجودة منذ سنة 1976، وقد زاد هذا في ظل وجود زعماء الجماعات المتشددة في مجلس شورى حزب الإصلاح من نشاط (الإرهابيين) وزيادة نفوذهم وتأثيرهم.

لم تنشأ الجماعات المتطرفة في اليمن خارج إطار السلطة وأجهزة الأمن، لذلكرأوا أن استخدام القوة والجهاد ضد (الشريك الجنوبي بالوحدة) هو الأساس لضم الجنوب وإلحاقه بالشمال كفرع. وبرز هذا الفهم بعد الوحدة بسلسلة العمليات الموجهة ضد قيادات الحزب الاشتراكي. وترافق ظهور حركة الجهاد في اليمن مع مرحلة الاستفتاء على الدستور، مما شكل دافعاً قوياً لبلورة نشاط الجهاد وساهم في تقوية السلطة المركزية في صنعاء إلى حد بعيد. ولأول مرة في التاريخ الإسلامي يتمكن(الإرهابيون) من إنشاء دولة خاصة بهم داخل دولة الوحدة لتطيح بنظام الجنوب ومن يمثله. 

 وتم تحييد الأمن تماماً في تلك المرحلة (1990-1994) لصالح السلطة المركزية المستفيدة منه، وأكد الشيخ عبد المجيد الزنداني أنه سيلعب دوراً عظيماً في التخلص من الملحدين، بل إن الأمر هنا تحول بحزبي الإصلاح والمؤتمر إلى إمكانية استخدامهما المتطرفين أداة للتعجيل بالقضاء على الشريك الجنوبي بالقوة بينما استخدمهم السياسيون في صنعاء أداة للضغط السياسي واستمراره. ومن هذه الزاوية ظلت العلاقة بين (الإرهابيين) والسلطة في صنعاء كمنظومة تصرفات سياسية تنتمي إلى الوعي الشطري.

ونلاحظ هنا أن تحييد الأمن من قبل السلطة المركزية في صنعاء قد تبعه نشاط جماعات الإسلام السياسي على مستوى المرجعية الدينية، وانحصر ذلك في مدى موقف هذا المسلم أو ذاك من هذا الطرف السياسي والطرف الآخر، أي أن الأمور كلها اتجهت اتجاهاً متطرفاً. هذا المأزق جعل الطرفين (المؤتمر الشعبي العام والتجمع اليمني للإصلاح من جهة والحزب الاشتراكي اليمني من جهة أخرى) في حالة استنفار دائم، وهما يواجهان مأزق البديل الأمثل في شكل نظام الحكم. وعلى الرغم من وقوف الجماعات الإرهابية إلى جانب الطرف الأول، إلا أن الميزان العسكري كان يميل لصالح الجنوب، بشكل يجعل أية مغامرة عسكرية مغامرة غير محمودة العواقب بالنسبة للسلطة المركزية، ولكن عندما تتصاعد المواجهة التي يقوم بها (الإرهابيون) وهم عبارة عن خلايا تنتشر على نطاق واسع في اليمن إما بالاغتيالات أو التفجيرات لتغطية ضعف السلطة المركزية، بحكم ما تمتلكه الجماعات الإرهابية من روابط قوية مع تنظيم القاعدة وحزب التجمع اليمني للإصلاح، لم تكن تهدف إلى إقامة دولة إسلامية تضم الشمال والجنوب، بل كان هدفها القضاء على أي فصيل يمثل الجنوب.
غير أنه تجدر الإشارة إلى أن التنظيمات المتشددة لا تقتصر على علاقاتها مع التجمع اليمني للإصلاح وبعض مشائخ القبائل فقط، حيث تضم عددا آخر من الأفراد المتشددين الذين تم تصنيفهم في القائمة الأمريكية للإرهابيين في العالم. ونشير هنا إلى أن الولايات المتحدة قد تعاملت مع قضية الإرهاب في اليمن بعد انتهاء حرب 1994من خلال مسارين رئيسيين:الأول إعادة الأفغان العرب إلى بلدانهم، والثاني هو العمل على تفعيل دور الأجهزة الأمنية في مكافحة الإرهاب في اليمن. إلا أن المسارين قد انطويا على درجة من الغموض والتعقيد في الوقت ذاته،خاصة حول قائمة الإرهابيين التي أصبح أفرادها يشغلون مواقع مهمة في الدولة والأحزاب، لكن واقع الحاليقول إن هناك مجموعة من الدوافع المشتركة بين اليمن والأمريكيين توصلا من خلالها إلى اتفاق ، بل وشراكة في مكافحة الإرهاب.

 غير أن الأمن سرعان ما شهد تحولاً نوعياً في مسألة مكافحة الإرهاب من مجرد كونه محايداً إلى مهاجم شرس للخلايا الإرهابية.

وأخذ هذا التحول في التصاعد بمكافحة الإرهاب بعد التسابق الذي حصل بعد الحرب بين حزبي التجمع اليمني للإصلاح والمؤتمر الشعبي العام في تقاسم أملاك دولة الجنوب السابقة الذي حكمها الحزب الاشتراكي اليمني المنهزم بالحرب، بالإضافة إلى سعي السلطة المركزية وفق تصريحات بعض المسؤولين إلى التركيز على الجماعات الإسلامية الإرهابية التي رفضت الانطواء تحت راية الحزبين الحاكمين حينها (المؤتمر والإصلاح) وفي هذا الإطار تبارت الأجهزة والقوات المسلحة حزب السلطة والجهات الأمنية في التأكيد على خطورة بعض المناطق،(موطن الجماعات الإرهابية) رغم صغر تلك الجماعات المتشددة وضعف قدراتها التنظيمية وارتباطاتها الخارجية بعد حرب صيف 1994 لكن السلطة المركزية لم تستطع مواجهة تلك الجماعات في ظل وجود حزب التجمع اليمني للإصلاح بالسلطة، خاصة أن قادة تلك الجماعات المتشددة كانت تربطهم علاقات قوية مع القاعدة من جهة والسلطة المركزية من جهة أخرى. وعلى الرغم من الأبعاد السياسية والدينية لمطالب التيارات المتشددة الباقية التي تمركزت في الجنوب (جبال المراقش ووادي حطاط) إلاَّ أن هذه التيارات اتخذت طابعاً مسالماً مع السلطة المركزية من خلال تبنيها الدعوة إلى استمرار نشاطها السابق، والاتفاق مع السلطة المركزية على الهدوء والاكتفاء بالبقاء. وفي الواقع كانت هناك مجموعة من الدوافع المشتركة بين حزبي (الإصلاح) و(المؤتمر) لعقد مثل ذلك الاتفاق لتفعيل الإطار الوحدوي في مواجهة بقايا (الانفصاليين). ولوحظ أن الاتفاق لم يرق إلى مستوى الاعتراف بالجماعات المتشددة، وتجنبت السلطة المركزية تحميل الاتفاق أي تعاون أمني أو سياسي مع بقايا تلك الجماعات المتطرفة إلاَّ أن الأهم من ذلك الاتفاق (الذي لايزال حتى اليوم) هو تفاوت حسابات حزبي الإصلاح والمؤتمر قبل الانتخابات البرلمانية عام 1997، فبينما يميل الإصلاح إلى التعامل مع الاتفاق (اتفاق بقايا بعض الجماعات المتشددة في الجبال الجنوبية) باعتباره فرصة لتحجيم بعض أحزاب المعارضة وكذلك المؤتمر الشعبي العام (يترأسه رئيس الجمهورية علي عبدالله صالح )، فإن موقف حزب المؤتمر قد احتفظ وفق تلك الظروف بسقف محدد لعملية مكافحة الإرهاب، وذلك بالنظر إلى سيطرته أميناً على تلك الجماعات.

في فبراير 1997 أعلن الرئيس علي عبد الله صالح عن عزمه إجراء الانتخابات التشريعية لاختيار أعضاء مجلس النواب اليمني البالغ عددهم 301 عضو (56 دائرة في الجنوب +247 دائرة في الشمال) مؤكداً على أهمية وجدية هذه الانتخابات،وقاطع الحزب الاشتراكي اليمني الانتخابات بأغلبية أعضاء لجنته المركزية، وشهدت تلك الانتخابات أعمال عنف وقتل وسرقة صناديق الاقتراع وتبادل التهم بين حزبي المؤتمروالإصلاح الذي فقد معظم دوائره في المحافظات الجنوبية والشرقية التي وصلت نسبة المشاركة فيها إلى أقل من 20 في المائة من إجمالي الناخبين المسجلين في قوائم الانتخابات.ويذكر أن السلطة كانت قد أرسلت آلاف الجنود بالإضافة إلى رجال الأمن لضمان إجراء الانتخابات في المحافظات الجنوبية.

ومن ثم فإنه ليس من المؤمل أن تقود الانتخابات التشريعية إلى استقرار في تلك المحافظات الجنوبية التي تعتبر أكثر محافظات اليمن تذمراً ويأساً، خاصة أنه ليست هناك ثقة أو مصداقية من جانب الغالبية من أبناء محافظات الجنوب بقيمة هذه الانتخابات التي تعتبرها السلطة المركزية نقطة انعطاف حاسمة في السعي إلى تثبيت نتائج حرب صيف 1994.

بعد الانتخابات البرلمانية وسقوط التجمع اليمني للإصلاح من الائتلاف مع المؤتمر الشعبي العام، سعت الدولة بعد القضاء على الحزب الاشتراكي إلى تفعيل دورها في مجال مكافحة الإرهاب قبل أن تحتل قضية مكافحة الإرهاب موقعاً رئيسياً على أجندتها بعد وقوع كارثة أحداث سبتمبر 2001.

وواقع الأمر فإن تزايد أهمية مكافحة الإرهاب في اليمن لم يتدخل فيها الأمن، بل كانت خاضعة لسياسة التوازنات، وعملية تكيف الترتيبات الداخلية مع كل مرحلة ومنعطف تمر فيه السلطة المركزية التي استبعدت تماماً إدخال الأمن في قضية مكافحة الإرهاب، وفي كل مرحلة كان الجهاز الأمني (فقط) يراجع الآليات الخاصة بمكافحة الإرهاب، والنظر في إمكانية دمج تلك الجماعات سياسياً وثقافياً مع آليات الدولة.

إذاً فالإرهاب كقوة حاسمة في اليمن (خمسون ألفاً منهم من الذين قاتلوا في أفغانستان) استخدم بالاتفاق مع الأمن السياسي في مرحلة ما قبل الحرب (1994) أداة للقتل (154 قتيلاً اشتراكياً خلال عام ونصف العام) من جهة، ووعي متشدد يحرف الأفكار السياسية والوطنية عن المعطيات الواقعية لهذا الصراع من جهة أخرى. ومن هنا كان رأي علماء الدين في مسجد الجند في تعز ( 1994) أن الإسلام الذي يدين به كل اليمنيين شيء والمطالبة بخضوعه لابتزاز الذين يستغلون الإسلام في معارك الصراع السياسي شيء آخر.

وأعتقد أن تحييد الأجهزة الأمنية وإطلاق يد المتطرفين الإسلاميين أدى إلى سلسلة من الأعمال الإرهابية استهدفت الأعضاء الاشتراكيين قياديين وعاديين ومقار منظماته الحزبية في المحافظات الشمالية، وضرب غرفة نوم رئيس مجلس النواب (اشتراكي) بصاروخ موجه، وتفجير منزل رئيس الوزراء (اشتراكي) ومحاولة اغتيال وزير العدل وغيرهم.ثم طالت هذه الأعمال الإجرامية حياة العديد من الاشتراكيين منذ توحيد اليمن، مبتدئة بالشهيد محمد الحوثي الهاشمي ومرورا بعدد كبير من الشهداء. وكانت أهم شروط الحزب الاشتراكي في تلك الفترة هي محاكمة مرتكبي أعمال الاغتيالات السياسية وعدم تسييس صلاحيات وواجبات الأمن اليمني والقبض على مقاولي القتل والإرهاب.

إلا أن حزبي المؤتمر الشعبي العام والتجمع اليمني للإصلاح، كانا قد دخلا منذ وقت مبكر بهذه القوة المتطرفة في المواجهة بعيداً عن الحلول الوطنية الصادقة وكلما ضعفا أمام مطالب لجنة الحوار الوطني كانا يسدان الفراغ بالقوة الثالثة (الإرهاب).. ثم اللعب برموز الجنوب الفارين من مآسي الحزب الاشتراكي القديمة وإدخالهم لترجيح كفة حزبي المؤتمر والإصلاح. من جانب آخر بدأت في بعض مناطق الشمال النائية قوى وعناصر الحزب الاشتراكي تتحرك سياسياً وقبلياً، تغذيها في ذلك تقاليد القتال المتواصلة ضد السلطة في صنعاء قبل الوحدة اليمنية. ففي خولان بدأ السخط القبلي على السلطة باحتجاز طائرة هيلكوبتر تابعة لشركة (هنت)الأمريكية. وفي الفترة نفسهاأعلن أبناء قبائل بكيل عن تشكيل (مجلس بكيل الموحد) الذي طالب السلطة المركزية في صنعاء بإعادة الأمن إلى المدن الرئيسية وبناء القوات المسلحة بناء وطنيا وتقديم الخارجين على القانون إلى العدالة وبغض النظر عن مسمى الجماعات المتطرفة، فإن جميع الوطنيين اليمنيين، وعلى رأسهم الأجهزة الأمنية،مدعوون للتصدي ومواجهة ظاهرة الإرهاب في اليمن التي تجاوزت كل ثوابت الوحدة اليمنية.وأكدت منظمات المجتمع المدني والشخصيات الاجتماعية والسياسية وأحزاب المعارضة من دون استثناء أن الأجهزة الأمنية دون غيرها هي المؤهلة والقادرة على التعامل مع القتلة الإرهابيين،وعلى السلطة الانتقالية الإفراج عن الأجهزة الأمنية خصوصاً أن الأمر يتعلق بالحفاظ على الوحدة والديمقراطية.

وكان الدافع الرئيسي لدعوة أحزاب المعارضة هو ما أكدته الأحداث بعد الوحدة اليمنية من كون الإرهاب جريمة موجهة ضد شريك الوحدة الأصلي الحزب الاشتراكي اليمني، وضد جزء من الوطن – الجنوب- خاصة بعد أعمال التفجيرات التي طالت ثلاثة فنادق رئيسية في عدن وراح ضحيتها بعض الأجانب ويمنيون، ثم تهريب الجناة من السجن المركزي في عدن إلى صنعاء لحمايتهم هناك.وكان يحلو لبعض مشائخ القبائل و(المفتين) أمثال الشيخ عبد المجيد الزنداني والدكتور عبد الوهاب الديلمي أن يعزو أسباب جرائم الإرهاب إلى وجود الحزب الاشتراكي اليمني العلماني، ومن ثم فإن التعامل مع ظاهرة الاغتيالات السياسية في اليمن لا بد أن يأخذ نصيبه من المشروعية (فالإسلام واحد والجهاد من أجله متعدد ومشروع).

الإرهاب أثناء وبعد حرب 1994:

استخدم الدين خلال الحرب الأهلية بين الشمال والجنوب كستار لشرعية تلك الحرب، والإصرار على استمرارها حتى النهاية رغم قراري الأمم المتحدة رقم (924) و(931) لإيقاف الحرب،وظهر جلياً من خلال فتاوى التكفير و(الاستحلال)اصطناع شرعية دينية لحرب 94 الأهلية حين أذيعت فتوى الديلمي بعد خمسة أيام من الحرب (6 مايو 1994) في وسائل الإعلام الرسمية والمسموعة في صنعاء،ثم نشرت في صحيفة الشيخ عبد المجيد الزنداني (صوت الإيمان) الصادرة بتاريخ 21 يونيو 1994 العدد (24) تحت عنوان (لا يلتبس حكم الحرب على الأمة)، وكذلك نشرت في صحيفة (الشورى) 8 يناير 1995 أي بعد انتهاء الحرب) ومما جاء فيها: (إن ما يصدر من هؤلاء جميعا (الحزب الاشتراكي وسكان الجنوب المسلمون) من أحكام تؤدي إلى مفاسد عظيمة) وقال حول المسلمين الآمنين الساكنين في المحافظات الجنوبية: (هم الذين نفذوا لهم كل ما أرادوه، وقد أجاز أهل العلم قتل المتمرس بهم في الحرب، ولأن عدم قتل هؤلاء المسلمين تترتب عليه مفسدة أعظم من مفسدة قتلهم) وأضاف: (والحاكم وإن كان جائراً ظالماً يجب طاعته) ولهذه الغاية نفسها (اصطناع شرعية للحرب) جاءت فتوى أخرى من عبد المجيد الزنداني 10/6/1994 جرتإذاعتها من مآذن بعض المساجد وبواسطة شريط مسجل (تسجيلات الإيمان) تحت (عنوان واجب المسلمين في المعركة). ونشرت أجزاء منها في صحيفة (يمن تايمز)باللغة الانجليزية الصادرة بتاريخ 20/6/1994 العدد (23) قال فيها: (إن قتالنا ضد الشيوعيين هو من أجل الإسلام). ولم تكتف الفتوى بالدعوة للثأر من الحزب الاشتراكي وسكان المحافظات الجنوبية (من قبل المحاربين اليمنيين) وقال الزنداني في فتواه: (فقد حكم الحزب الاشتراكي في المحافظات الجنوبية والشرقية ثلاثة وعشرين عاماً وكانوا يحلمون متى يحولون الكعبة إلى مرقص). وقال مُـخاطباً أصحاب فتاوى القتل والاستحلال في الوطن العربي والعالم: (كما أفتيتم بأن الجهاد في أفغانستان واجب.. فلا أقل من أن تحموا ظهور إخوانكم.. أن تقنعوا الحكام العرب بأن قتال اليمنيين قتال شرعي، وأننا نطلب من علماء المسلمين أن يرفعوا أصواتهم وأن يبينوا للشعوب حكمة الجهاد في اليمن.. سنسألهم عن هذه الفتوى غداً بين يدي الله). وأضاف وهو يحكي بعض الأساطير: (في إحدىالمعارك زرع الشيوعيون حقولاً من الألغام وتقدم الجيش الذي كاد أن يقع في تلك الحقول ولكن الله أرسل رياحاً أزالت الرمال وكشفت رؤوس الألغام فعلموا أنهم أمام حقل من الألغام).

فرد علماء المسلمين على فتوى الزنداني، فأدانوها واعتبروها بحد ذاتها جريمة شنعاء لا يقرها دين، وحملوا أصحابها جريمة ما نجم وينجم عنها من حرب ظالمة وسفك الدماء.ومن ذلك ما صرح به العلماء لمجلة (المسلمون) الصادرة بتاريخ 5/8/1994 العدد (496) نورد بعضاً من ذلك الرد: (استنكر جميع علماء الأمة ما جاء في الفتوى التي أصدرها الشيخ عبد الوهاب الديلمي أثناء الحرب اليمنية التي أباح فيها قتل النساء والشيوخ والأطفال للوصول إلى الأعداء، زاعماً أنها قاعدة شرعية ـ كما أورد الديلمي في حديثه لمراسل (المسلمون) العدد الماضي- وكان في مقدمة العلماء الذين استنكروا تلك الفتوى شيخ الأزهر جاد الحق علي جاد الحق وعدد من أعضاء هيئة كبار العلماء والشيخ محمد الغزالي والشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن جرين عضو الإفتاء بإدارة البحوث العلمية والإفتاء، وأكدوا أن الديلمي ليس من أهل الفتوى المعتبرين أساساً، وأشار العلماء إلى أنه يتحمل في فتواه مسؤولية ما أريق بسببها من دماء الأطفال والشيوخ والنساء.

وحين وضعت الحرب الأهلية أوزارها، استباح المتطرفون ساحة الجنوب وأفتى الشيخ الزنداني، رئيس مجلس شورى التجمع اليمني للإصلاح للجهاديين بأن على من بقي من الحزب الاشتراكي في الجنوب أن يعلنوا توبتهم، ومارس بعض رجال الأمن مع الجماعات المسلحة جلد المواطنين في شوارع محافظة لحج الجنوبية، وضرب الآخرين داخل المحاكم.هذه الفتاوى جعلت من أبناء محافظات الجنوب لقمة سائغة ليس للنفي والجلد وإنما للاستيلاء على ممتلكاتهم.

واستمر الوضع الأمني اليمني هكذا محايدا حد الثمالةإلى أن تعرضت الولايات المتحدة لأسوأ حادثة في تاريخها يوم الحادي عشر من سبتمبر 2001 عندما قامت مجموعة من الطائرات المدنية المختطفة بالاعتداء على رموز القوة والسيادة الأمريكية وإهانة القوة العظمى في عقر دارها. من هنا كان لا بد على الأمريكيين من التوجه الى اليمن. وهكذا أعلنت نهاية تحييد الأمن اليمني في مكافحة الإرهاب بعد 11 سبتمبر 2001.

والذي أريد أن أقوله هنا إن الأمن اليمني شأنه شأن الأمن في عالم ما بعد 11 سبتمبر قد قام بمراجعة منظومته الأمنية الداخلية بصورة هستيرية، ولكن الدولة اليمنية لم تقم بإصدار أي قانون أو تعديل قانون العقوبات والإجراءات الجزائية لمكافحة الإرهاب، حيث اتجه اليمن للتعاون الملحوظ مع الولايات المتحدة في حربها ضد الإرهاب من خلال التدريب عبر وجود المدربين الأمريكيين، والإجراءات غير المباشرة في التحقيق مع المتهمين. والمثال الأبرز للتعاون مع الأمريكيين تمثل في ضرب سيارة علي الحارثي في محافظة مأرب بواسطة طائرة أمريكية انطلقت من جيبوتي.وكذلك تدريب وحدات مكافحة الإرهاب على الأراضي اليمنية وتقديم المشورة والمساعدة في الوضع الأمني في اليمن. فضلاً عن توفير الزوارق البحرية والمعدات اللازمة التي تتناسب ومثل هذا النوع في مكافحة الإرهاب. وعلى الرغم من الوجود المباشر لعناصر التحقيق من الشرطة الفيدرالية الأمريكية في إطار الهدف الأمريكي واليمني المشترك في التحقيق مع المتهمين إلا أن السلطة أكدت أن التحقيق مع المتهمين يظل تحقيقات يمنية بالأساس. وأن دور العناصر الأمنية الأمريكية يقتصر على تقديم الأسئلة عبر المحقق اليمني وكذلك تقديم المشورة.

وربما يفسر قبول اليمن هذا المستوى من التعاون المباشر مع الولايات المتحدة الأمريكية الأزمة التي يمر بها الاقتصاد اليمني خاصة الديون الخارجية وفوائدها، وكذلك وجود  (الأفغان العرب) بأعداد كبيرة على أراضيه.

واكتفت الولايات المتحدة الأمريكية بهذا النموذج من التعاون المباشر (وهو نموذج يصعب تطبيقه في أي بلد عربي آخر) لعدة عوامل، يأتي في مقدمتها طبيعة النظام السياسي ذاته، وكذلك تأييد حزب التجمع اليمني للإصلاح في بيان أصدره عقب أحداث 11 سبتمبر بيومين فقط، أي في الحرب الأمريكية ضد الإرهاب، وظهر البيان وكأنه محاولة من جانب حزب الإصلاح للعمل على نفي صلتها بالتيارات الإرهابية النشطة في اليمن، جاء ذلك بعد أن تردد الحديث عن إمكانية توجيه ضربة عسكرية أمريكية لليمن بعد أفغانستان بسبب وجود جماعة الأفغان العرب التي تعد نقطة الانطلاق والتخطيط لتنظيم القاعدة. هذا التراجع يمكن إرجاعه لعدة أسباب من أهمها:

1- قيام جهاز الأمن بالقبض على أكثر من عشرة آلاف مشتبه من (الأفغان العرب) غير اليمنيين، ثم إعادتهم إلى بلدانهم العربية والإسلامية.

2- تجاوب الحكومة اليمنية مع مطالب واشنطن. وإعلان الرئيس علي صالحأن بلاده تمد يد التعاون مع أمريكا في مجال مكافحة الإرهاب، ولا يوجد من يهدد مصالح واشنطن على الساحة اليمنية.

3- الاعتماد الأمريكي على إسبانيا وفرنسا حالياً فيما يتعلق بمراقبة الممرات البحرية في اليمن من خلال وجودهما البحري في جيبوتي وجزيرة ميون ووجود القوات البحرية الأمريكية الدائم في البحرين ( الاحمر والعربي ) حيث تقوم بمهمة الحراسة وتفتيش السفن.

4- اعتراض أحزاب المعارضة على فكرة التدخل المباشر من قبل الولايات المتحدة في الشؤون الأمنية والسياسة الأمنية الداخلية، ورأت أنه لا يجوز لحكومة لا تعبر عن وحدة الشعب اليمني اتخاذ أي قرار بالتدخل. وهذا الموقف تحدد بعد أن عرفت أحزاب المعارضة أن هذا التدخل الأمريكي يضمن حماية السلطة، ويعمل على تكريس النظام السياسي الحالي. ومن هنا يمكن فهم رفض المعارضة في معظم البلدان العربية للتدخل الأمريكي الذي دائماً ما يخدم مصالح الحكومات في تلك البلدان وليس مصالح شعوبها.

وأخيراًإن ما هو أخطر من الإرهاب وفتاويه، هو العدوان السافر الذي تعرضت له (المدنية) في محافظة عـــدن، والذي شكل نكبة وطنية وشعبية لم يتوقعها أحد بهذا الحجم والفظاعة، في مجتمع ينظر إليه العالم على أنه أكثر المجتمعات تقدماً من النواحي المدنية والنظامية والتشريعية. ومثّل الإرهاب تحدياً كبيراً للأمن الوطني الداخلي. فرغم أن الأجهزة الأمنية ظلت لأربع سنوات ( 1990 – 1994) محيدة، إلا أنه وبعد القضاء على الحزب الاشتراكي اليمني وهزيمة التجمع اليمني للإصلاح في انتخابات 1997 البرلمانية، بدأ التنسيق بين الأجهزة الأمنية المختلفة لمواجهة الإرهاب وتطوير أجهزة وبرامج التدريب، وأنشئ جهاز جديد أطلق عليه اسم (جهاز الأمن القومي) وهو جهاز تابع لرئيس الجمهورية وليس وزارة مستقلة تابعة للحكومة، ودوره هنا شبيه بدور جهاز الأمن السياسي التابع للرئيسأيضاً. كذلك قامت الحكومه بزيادة عدد حرس الحدود، وزيادة عدد مفتشي الهجرة والجوازات وكذلك أمن الموانئ والمطارات،وأنشئت وحدة خاصة لمكافحة الإرهاب تتبع للحرس الجمهوري وليس لوزارة الدفاع.

وفي هذا الصدد تم القبض على الكثير من المتهمين بالتفجيرات، كما قام جهاز الأمن السياسي بالاشتراك مع علماء دين بإجراء مقابلات شفهية وحوارية مع المغرر بهم من الشباب، ولم يكن الهدف من هذه المقابلات هو جمع معلومات تتعلق بالانشطة الإرهابية، بل الهدف هو إعادة الشباب المسلم إلى جادة الصواب. وتم اتخاذ إجراءات أخرى بهدف حماية الأمن الداخلي واستعادة ثقة المجتمع بالأمن، ولكن يبقى التساؤل: هل الإرهاب هو السبب الحقيقي في توتير العلاقات بين الشمال والجنوب، والذي أدى إلى حرب طاحنة راح ضحيتها عشرات الآلاف من اليمنيين جعلت روبرت ذي برويس يتساءل: هل اليمن يتوحد في 22 مايو 1990 أم يعاد توحيده؟أم أنه كان مجرد ذريعة للاستيلاء على ثروة الجنوب النفطية ولتبرير فشل السلطة المركزية في صنعاء؟ وإذا كانت الدوافع الوحدوية من قبل سلطة صنعاء صادقة لتدعيم الوحدة الديمقراطية للاستقرار في اليمن، فلماذا لم تنسق مع الجنوبيين بطريقة أفضل وأجدى؟ ربما تتضح الرؤية مستقبلاً. 

::/fulltext::

1234-6f3
Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::1488::/cck::
::introtext::

بداية ليسمح لي القارئ قبل أن نستعرض طرح هذا الموضوع أن نذكر ملاحظة أو فرضية لعلها توضح خلفيات الأمن اليمني في مكافحة الإرهاب، وتكون ضرورية قبل البدء بأي كتابة تتناول موضوع الأمن اليمني وقضية مكافحته للإرهاب

::/introtext::
::fulltext::

( ويل لمن لا يعرف قلعة خصمه جيداً من الداخل)

(حكمة عربية)

 بداية ليسمح لي القارئ قبل أن نستعرض طرح هذا الموضوع أن نذكر ملاحظة أو فرضية لعلها توضح خلفيات الأمن اليمني في مكافحة الإرهاب، وتكون ضرورية قبل البدء بأي كتابة تتناول موضوع الأمن اليمني وقضية مكافحته للإرهاب..هذه الملاحظة أو الفرضية تنقسم إلى قسمين:

الأول: حول موقف الدولة من الإرهاب قبل الحرب الأهلية اليمنية (1994).

والثاني: حول بعض المعطيات الاجتماعية والسياسية التي قد تقدم إيضاحاً أو تفسيراً لبعض معطيات هذا الموضوع.

فدولة الوحدة التي أعلنت لأول مرة بين الشمال (سكانه حينها 13 مليون نسمة) والجنوب (سكانه حينها مليون ونصف المليون نسمة) يوم 22 مايو 1990 بدأت مرحلتها الانتقالية المحددة (ثلاثة أعوام) وخلال هذه المرحلة الانتقالية الاندماجية، كانت السلطة في صنعاء تنظر إلى ((الإرهاب)) من حيث كونه وعياً متطرفاً موجهاً ضد الحزب الاشتراكي اليمني (الشريك الجنوبي بالوحدة)، فهو القادر في ظل ظروف تلك المرحلة وبمعطيات محددة على لعب دور حاسم وإيجابي ومهم في القتال ضد الحزب الاشتراكي اليمني، حتى أصبحت الجماعات المتشددة جزءاً من المكون الأساسي للصراع السياسي اليمني، ومن ثم التحرك في عمليات الاغتيالات المخططة للقادة والنشطاء الجنوبيين (اشتراكيين وغير اشتراكيين).

فالعوامل التي أثرت في بروز الإرهاب في اليمن بعد الوحدة اليمنية تعود إلى الضربة التي وجهها النظام الاشتراكي في الجنوب للجيش الشمالي في القطاع الأوسط عام 1992، حيث قال الإعلام الإرهابي حينها (الشيوعية تدق أبواب صنعاء) وكانت طالبان حينئذ قد استولت عن السلطة في أفغانستان عام 1979، فشكل اليمن تربة ملائمة لنشاط (الأفغان العرب) هذا في ظل الدعم المباشر وغير المباشر الذي قدمه نظام صنعاء لتلك الجماعات المتشددة حتى يتسنى له تقوية نفوذه، واتبعت السلطة الحاكمة في شمال اليمن هذه السياسة مع الجماعات المتطرفة بالتحديد رغبة منها في خلق قيادة سياسية تتحدث باسم الإسلام ومنافسة للحزب الاشتراكي اليمني الذي تغلغل في محافظات الشمال، رغم ضعفه في محافظات الجنوب التي حكمها بالقوة، ولعبت المرحلة السياسية التي رافقت المرحلة الانتقالية للوحدة اليمنية (1990-1993) دوراً في نشاط الإرهابيين.بمعنى أن جماعات الحكم في صنعاء كانت بحاجة إلى تيار إرهابي يقوم بالدور المتخصص للقضاء على الحزب الاشتراكي، فبرز التيار الديني ممثلاً بالتجمع اليمني للإصلاح الذي حظي بدعم مباشر من السلطة والقبائل لتنظيم الجماعات الإسلامية المتشددة في اليمنومنفذاً لتلك السياسة، الأمر الذي أتاح لـ (الأفغان العرب) حرية الحركة والنشاط في ظل ضعف الأجهزة الأمنية أصلاً، وعدم اندماجها إضافة إلى تراث الجماعات المتطرفة في شمال اليمن، حيث إنها موجودة منذ سنة 1976، وقد زاد هذا في ظل وجود زعماء الجماعات المتشددة في مجلس شورى حزب الإصلاح من نشاط (الإرهابيين) وزيادة نفوذهم وتأثيرهم.

لم تنشأ الجماعات المتطرفة في اليمن خارج إطار السلطة وأجهزة الأمن، لذلكرأوا أن استخدام القوة والجهاد ضد (الشريك الجنوبي بالوحدة) هو الأساس لضم الجنوب وإلحاقه بالشمال كفرع. وبرز هذا الفهم بعد الوحدة بسلسلة العمليات الموجهة ضد قيادات الحزب الاشتراكي. وترافق ظهور حركة الجهاد في اليمن مع مرحلة الاستفتاء على الدستور، مما شكل دافعاً قوياً لبلورة نشاط الجهاد وساهم في تقوية السلطة المركزية في صنعاء إلى حد بعيد. ولأول مرة في التاريخ الإسلامي يتمكن(الإرهابيون) من إنشاء دولة خاصة بهم داخل دولة الوحدة لتطيح بنظام الجنوب ومن يمثله. 

 وتم تحييد الأمن تماماً في تلك المرحلة (1990-1994) لصالح السلطة المركزية المستفيدة منه، وأكد الشيخ عبد المجيد الزنداني أنه سيلعب دوراً عظيماً في التخلص من الملحدين، بل إن الأمر هنا تحول بحزبي الإصلاح والمؤتمر إلى إمكانية استخدامهما المتطرفين أداة للتعجيل بالقضاء على الشريك الجنوبي بالقوة بينما استخدمهم السياسيون في صنعاء أداة للضغط السياسي واستمراره. ومن هذه الزاوية ظلت العلاقة بين (الإرهابيين) والسلطة في صنعاء كمنظومة تصرفات سياسية تنتمي إلى الوعي الشطري.

ونلاحظ هنا أن تحييد الأمن من قبل السلطة المركزية في صنعاء قد تبعه نشاط جماعات الإسلام السياسي على مستوى المرجعية الدينية، وانحصر ذلك في مدى موقف هذا المسلم أو ذاك من هذا الطرف السياسي والطرف الآخر، أي أن الأمور كلها اتجهت اتجاهاً متطرفاً. هذا المأزق جعل الطرفين (المؤتمر الشعبي العام والتجمع اليمني للإصلاح من جهة والحزب الاشتراكي اليمني من جهة أخرى) في حالة استنفار دائم، وهما يواجهان مأزق البديل الأمثل في شكل نظام الحكم. وعلى الرغم من وقوف الجماعات الإرهابية إلى جانب الطرف الأول، إلا أن الميزان العسكري كان يميل لصالح الجنوب، بشكل يجعل أية مغامرة عسكرية مغامرة غير محمودة العواقب بالنسبة للسلطة المركزية، ولكن عندما تتصاعد المواجهة التي يقوم بها (الإرهابيون) وهم عبارة عن خلايا تنتشر على نطاق واسع في اليمن إما بالاغتيالات أو التفجيرات لتغطية ضعف السلطة المركزية، بحكم ما تمتلكه الجماعات الإرهابية من روابط قوية مع تنظيم القاعدة وحزب التجمع اليمني للإصلاح، لم تكن تهدف إلى إقامة دولة إسلامية تضم الشمال والجنوب، بل كان هدفها القضاء على أي فصيل يمثل الجنوب.
غير أنه تجدر الإشارة إلى أن التنظيمات المتشددة لا تقتصر على علاقاتها مع التجمع اليمني للإصلاح وبعض مشائخ القبائل فقط، حيث تضم عددا آخر من الأفراد المتشددين الذين تم تصنيفهم في القائمة الأمريكية للإرهابيين في العالم. ونشير هنا إلى أن الولايات المتحدة قد تعاملت مع قضية الإرهاب في اليمن بعد انتهاء حرب 1994من خلال مسارين رئيسيين:الأول إعادة الأفغان العرب إلى بلدانهم، والثاني هو العمل على تفعيل دور الأجهزة الأمنية في مكافحة الإرهاب في اليمن. إلا أن المسارين قد انطويا على درجة من الغموض والتعقيد في الوقت ذاته،خاصة حول قائمة الإرهابيين التي أصبح أفرادها يشغلون مواقع مهمة في الدولة والأحزاب، لكن واقع الحاليقول إن هناك مجموعة من الدوافع المشتركة بين اليمن والأمريكيين توصلا من خلالها إلى اتفاق ، بل وشراكة في مكافحة الإرهاب.

 غير أن الأمن سرعان ما شهد تحولاً نوعياً في مسألة مكافحة الإرهاب من مجرد كونه محايداً إلى مهاجم شرس للخلايا الإرهابية.

وأخذ هذا التحول في التصاعد بمكافحة الإرهاب بعد التسابق الذي حصل بعد الحرب بين حزبي التجمع اليمني للإصلاح والمؤتمر الشعبي العام في تقاسم أملاك دولة الجنوب السابقة الذي حكمها الحزب الاشتراكي اليمني المنهزم بالحرب، بالإضافة إلى سعي السلطة المركزية وفق تصريحات بعض المسؤولين إلى التركيز على الجماعات الإسلامية الإرهابية التي رفضت الانطواء تحت راية الحزبين الحاكمين حينها (المؤتمر والإصلاح) وفي هذا الإطار تبارت الأجهزة والقوات المسلحة حزب السلطة والجهات الأمنية في التأكيد على خطورة بعض المناطق،(موطن الجماعات الإرهابية) رغم صغر تلك الجماعات المتشددة وضعف قدراتها التنظيمية وارتباطاتها الخارجية بعد حرب صيف 1994 لكن السلطة المركزية لم تستطع مواجهة تلك الجماعات في ظل وجود حزب التجمع اليمني للإصلاح بالسلطة، خاصة أن قادة تلك الجماعات المتشددة كانت تربطهم علاقات قوية مع القاعدة من جهة والسلطة المركزية من جهة أخرى. وعلى الرغم من الأبعاد السياسية والدينية لمطالب التيارات المتشددة الباقية التي تمركزت في الجنوب (جبال المراقش ووادي حطاط) إلاَّ أن هذه التيارات اتخذت طابعاً مسالماً مع السلطة المركزية من خلال تبنيها الدعوة إلى استمرار نشاطها السابق، والاتفاق مع السلطة المركزية على الهدوء والاكتفاء بالبقاء. وفي الواقع كانت هناك مجموعة من الدوافع المشتركة بين حزبي (الإصلاح) و(المؤتمر) لعقد مثل ذلك الاتفاق لتفعيل الإطار الوحدوي في مواجهة بقايا (الانفصاليين). ولوحظ أن الاتفاق لم يرق إلى مستوى الاعتراف بالجماعات المتشددة، وتجنبت السلطة المركزية تحميل الاتفاق أي تعاون أمني أو سياسي مع بقايا تلك الجماعات المتطرفة إلاَّ أن الأهم من ذلك الاتفاق (الذي لايزال حتى اليوم) هو تفاوت حسابات حزبي الإصلاح والمؤتمر قبل الانتخابات البرلمانية عام 1997، فبينما يميل الإصلاح إلى التعامل مع الاتفاق (اتفاق بقايا بعض الجماعات المتشددة في الجبال الجنوبية) باعتباره فرصة لتحجيم بعض أحزاب المعارضة وكذلك المؤتمر الشعبي العام (يترأسه رئيس الجمهورية علي عبدالله صالح )، فإن موقف حزب المؤتمر قد احتفظ وفق تلك الظروف بسقف محدد لعملية مكافحة الإرهاب، وذلك بالنظر إلى سيطرته أميناً على تلك الجماعات.

في فبراير 1997 أعلن الرئيس علي عبد الله صالح عن عزمه إجراء الانتخابات التشريعية لاختيار أعضاء مجلس النواب اليمني البالغ عددهم 301 عضو (56 دائرة في الجنوب +247 دائرة في الشمال) مؤكداً على أهمية وجدية هذه الانتخابات،وقاطع الحزب الاشتراكي اليمني الانتخابات بأغلبية أعضاء لجنته المركزية، وشهدت تلك الانتخابات أعمال عنف وقتل وسرقة صناديق الاقتراع وتبادل التهم بين حزبي المؤتمروالإصلاح الذي فقد معظم دوائره في المحافظات الجنوبية والشرقية التي وصلت نسبة المشاركة فيها إلى أقل من 20 في المائة من إجمالي الناخبين المسجلين في قوائم الانتخابات.ويذكر أن السلطة كانت قد أرسلت آلاف الجنود بالإضافة إلى رجال الأمن لضمان إجراء الانتخابات في المحافظات الجنوبية.

ومن ثم فإنه ليس من المؤمل أن تقود الانتخابات التشريعية إلى استقرار في تلك المحافظات الجنوبية التي تعتبر أكثر محافظات اليمن تذمراً ويأساً، خاصة أنه ليست هناك ثقة أو مصداقية من جانب الغالبية من أبناء محافظات الجنوب بقيمة هذه الانتخابات التي تعتبرها السلطة المركزية نقطة انعطاف حاسمة في السعي إلى تثبيت نتائج حرب صيف 1994.

بعد الانتخابات البرلمانية وسقوط التجمع اليمني للإصلاح من الائتلاف مع المؤتمر الشعبي العام، سعت الدولة بعد القضاء على الحزب الاشتراكي إلى تفعيل دورها في مجال مكافحة الإرهاب قبل أن تحتل قضية مكافحة الإرهاب موقعاً رئيسياً على أجندتها بعد وقوع كارثة أحداث سبتمبر 2001.

وواقع الأمر فإن تزايد أهمية مكافحة الإرهاب في اليمن لم يتدخل فيها الأمن، بل كانت خاضعة لسياسة التوازنات، وعملية تكيف الترتيبات الداخلية مع كل مرحلة ومنعطف تمر فيه السلطة المركزية التي استبعدت تماماً إدخال الأمن في قضية مكافحة الإرهاب، وفي كل مرحلة كان الجهاز الأمني (فقط) يراجع الآليات الخاصة بمكافحة الإرهاب، والنظر في إمكانية دمج تلك الجماعات سياسياً وثقافياً مع آليات الدولة.

إذاً فالإرهاب كقوة حاسمة في اليمن (خمسون ألفاً منهم من الذين قاتلوا في أفغانستان) استخدم بالاتفاق مع الأمن السياسي في مرحلة ما قبل الحرب (1994) أداة للقتل (154 قتيلاً اشتراكياً خلال عام ونصف العام) من جهة، ووعي متشدد يحرف الأفكار السياسية والوطنية عن المعطيات الواقعية لهذا الصراع من جهة أخرى. ومن هنا كان رأي علماء الدين في مسجد الجند في تعز ( 1994) أن الإسلام الذي يدين به كل اليمنيين شيء والمطالبة بخضوعه لابتزاز الذين يستغلون الإسلام في معارك الصراع السياسي شيء آخر.

وأعتقد أن تحييد الأجهزة الأمنية وإطلاق يد المتطرفين الإسلاميين أدى إلى سلسلة من الأعمال الإرهابية استهدفت الأعضاء الاشتراكيين قياديين وعاديين ومقار منظماته الحزبية في المحافظات الشمالية، وضرب غرفة نوم رئيس مجلس النواب (اشتراكي) بصاروخ موجه، وتفجير منزل رئيس الوزراء (اشتراكي) ومحاولة اغتيال وزير العدل وغيرهم.ثم طالت هذه الأعمال الإجرامية حياة العديد من الاشتراكيين منذ توحيد اليمن، مبتدئة بالشهيد محمد الحوثي الهاشمي ومرورا بعدد كبير من الشهداء. وكانت أهم شروط الحزب الاشتراكي في تلك الفترة هي محاكمة مرتكبي أعمال الاغتيالات السياسية وعدم تسييس صلاحيات وواجبات الأمن اليمني والقبض على مقاولي القتل والإرهاب.

إلا أن حزبي المؤتمر الشعبي العام والتجمع اليمني للإصلاح، كانا قد دخلا منذ وقت مبكر بهذه القوة المتطرفة في المواجهة بعيداً عن الحلول الوطنية الصادقة وكلما ضعفا أمام مطالب لجنة الحوار الوطني كانا يسدان الفراغ بالقوة الثالثة (الإرهاب).. ثم اللعب برموز الجنوب الفارين من مآسي الحزب الاشتراكي القديمة وإدخالهم لترجيح كفة حزبي المؤتمر والإصلاح. من جانب آخر بدأت في بعض مناطق الشمال النائية قوى وعناصر الحزب الاشتراكي تتحرك سياسياً وقبلياً، تغذيها في ذلك تقاليد القتال المتواصلة ضد السلطة في صنعاء قبل الوحدة اليمنية. ففي خولان بدأ السخط القبلي على السلطة باحتجاز طائرة هيلكوبتر تابعة لشركة (هنت)الأمريكية. وفي الفترة نفسهاأعلن أبناء قبائل بكيل عن تشكيل (مجلس بكيل الموحد) الذي طالب السلطة المركزية في صنعاء بإعادة الأمن إلى المدن الرئيسية وبناء القوات المسلحة بناء وطنيا وتقديم الخارجين على القانون إلى العدالة وبغض النظر عن مسمى الجماعات المتطرفة، فإن جميع الوطنيين اليمنيين، وعلى رأسهم الأجهزة الأمنية،مدعوون للتصدي ومواجهة ظاهرة الإرهاب في اليمن التي تجاوزت كل ثوابت الوحدة اليمنية.وأكدت منظمات المجتمع المدني والشخصيات الاجتماعية والسياسية وأحزاب المعارضة من دون استثناء أن الأجهزة الأمنية دون غيرها هي المؤهلة والقادرة على التعامل مع القتلة الإرهابيين،وعلى السلطة الانتقالية الإفراج عن الأجهزة الأمنية خصوصاً أن الأمر يتعلق بالحفاظ على الوحدة والديمقراطية.

وكان الدافع الرئيسي لدعوة أحزاب المعارضة هو ما أكدته الأحداث بعد الوحدة اليمنية من كون الإرهاب جريمة موجهة ضد شريك الوحدة الأصلي الحزب الاشتراكي اليمني، وضد جزء من الوطن – الجنوب- خاصة بعد أعمال التفجيرات التي طالت ثلاثة فنادق رئيسية في عدن وراح ضحيتها بعض الأجانب ويمنيون، ثم تهريب الجناة من السجن المركزي في عدن إلى صنعاء لحمايتهم هناك.وكان يحلو لبعض مشائخ القبائل و(المفتين) أمثال الشيخ عبد المجيد الزنداني والدكتور عبد الوهاب الديلمي أن يعزو أسباب جرائم الإرهاب إلى وجود الحزب الاشتراكي اليمني العلماني، ومن ثم فإن التعامل مع ظاهرة الاغتيالات السياسية في اليمن لا بد أن يأخذ نصيبه من المشروعية (فالإسلام واحد والجهاد من أجله متعدد ومشروع).

الإرهاب أثناء وبعد حرب 1994:

استخدم الدين خلال الحرب الأهلية بين الشمال والجنوب كستار لشرعية تلك الحرب، والإصرار على استمرارها حتى النهاية رغم قراري الأمم المتحدة رقم (924) و(931) لإيقاف الحرب،وظهر جلياً من خلال فتاوى التكفير و(الاستحلال)اصطناع شرعية دينية لحرب 94 الأهلية حين أذيعت فتوى الديلمي بعد خمسة أيام من الحرب (6 مايو 1994) في وسائل الإعلام الرسمية والمسموعة في صنعاء،ثم نشرت في صحيفة الشيخ عبد المجيد الزنداني (صوت الإيمان) الصادرة بتاريخ 21 يونيو 1994 العدد (24) تحت عنوان (لا يلتبس حكم الحرب على الأمة)، وكذلك نشرت في صحيفة (الشورى) 8 يناير 1995 أي بعد انتهاء الحرب) ومما جاء فيها: (إن ما يصدر من هؤلاء جميعا (الحزب الاشتراكي وسكان الجنوب المسلمون) من أحكام تؤدي إلى مفاسد عظيمة) وقال حول المسلمين الآمنين الساكنين في المحافظات الجنوبية: (هم الذين نفذوا لهم كل ما أرادوه، وقد أجاز أهل العلم قتل المتمرس بهم في الحرب، ولأن عدم قتل هؤلاء المسلمين تترتب عليه مفسدة أعظم من مفسدة قتلهم) وأضاف: (والحاكم وإن كان جائراً ظالماً يجب طاعته) ولهذه الغاية نفسها (اصطناع شرعية للحرب) جاءت فتوى أخرى من عبد المجيد الزنداني 10/6/1994 جرتإذاعتها من مآذن بعض المساجد وبواسطة شريط مسجل (تسجيلات الإيمان) تحت (عنوان واجب المسلمين في المعركة). ونشرت أجزاء منها في صحيفة (يمن تايمز)باللغة الانجليزية الصادرة بتاريخ 20/6/1994 العدد (23) قال فيها: (إن قتالنا ضد الشيوعيين هو من أجل الإسلام). ولم تكتف الفتوى بالدعوة للثأر من الحزب الاشتراكي وسكان المحافظات الجنوبية (من قبل المحاربين اليمنيين) وقال الزنداني في فتواه: (فقد حكم الحزب الاشتراكي في المحافظات الجنوبية والشرقية ثلاثة وعشرين عاماً وكانوا يحلمون متى يحولون الكعبة إلى مرقص). وقال مُـخاطباً أصحاب فتاوى القتل والاستحلال في الوطن العربي والعالم: (كما أفتيتم بأن الجهاد في أفغانستان واجب.. فلا أقل من أن تحموا ظهور إخوانكم.. أن تقنعوا الحكام العرب بأن قتال اليمنيين قتال شرعي، وأننا نطلب من علماء المسلمين أن يرفعوا أصواتهم وأن يبينوا للشعوب حكمة الجهاد في اليمن.. سنسألهم عن هذه الفتوى غداً بين يدي الله). وأضاف وهو يحكي بعض الأساطير: (في إحدىالمعارك زرع الشيوعيون حقولاً من الألغام وتقدم الجيش الذي كاد أن يقع في تلك الحقول ولكن الله أرسل رياحاً أزالت الرمال وكشفت رؤوس الألغام فعلموا أنهم أمام حقل من الألغام).

فرد علماء المسلمين على فتوى الزنداني، فأدانوها واعتبروها بحد ذاتها جريمة شنعاء لا يقرها دين، وحملوا أصحابها جريمة ما نجم وينجم عنها من حرب ظالمة وسفك الدماء.ومن ذلك ما صرح به العلماء لمجلة (المسلمون) الصادرة بتاريخ 5/8/1994 العدد (496) نورد بعضاً من ذلك الرد: (استنكر جميع علماء الأمة ما جاء في الفتوى التي أصدرها الشيخ عبد الوهاب الديلمي أثناء الحرب اليمنية التي أباح فيها قتل النساء والشيوخ والأطفال للوصول إلى الأعداء، زاعماً أنها قاعدة شرعية ـ كما أورد الديلمي في حديثه لمراسل (المسلمون) العدد الماضي- وكان في مقدمة العلماء الذين استنكروا تلك الفتوى شيخ الأزهر جاد الحق علي جاد الحق وعدد من أعضاء هيئة كبار العلماء والشيخ محمد الغزالي والشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن جرين عضو الإفتاء بإدارة البحوث العلمية والإفتاء، وأكدوا أن الديلمي ليس من أهل الفتوى المعتبرين أساساً، وأشار العلماء إلى أنه يتحمل في فتواه مسؤولية ما أريق بسببها من دماء الأطفال والشيوخ والنساء.

وحين وضعت الحرب الأهلية أوزارها، استباح المتطرفون ساحة الجنوب وأفتى الشيخ الزنداني، رئيس مجلس شورى التجمع اليمني للإصلاح للجهاديين بأن على من بقي من الحزب الاشتراكي في الجنوب أن يعلنوا توبتهم، ومارس بعض رجال الأمن مع الجماعات المسلحة جلد المواطنين في شوارع محافظة لحج الجنوبية، وضرب الآخرين داخل المحاكم.هذه الفتاوى جعلت من أبناء محافظات الجنوب لقمة سائغة ليس للنفي والجلد وإنما للاستيلاء على ممتلكاتهم.

واستمر الوضع الأمني اليمني هكذا محايدا حد الثمالةإلى أن تعرضت الولايات المتحدة لأسوأ حادثة في تاريخها يوم الحادي عشر من سبتمبر 2001 عندما قامت مجموعة من الطائرات المدنية المختطفة بالاعتداء على رموز القوة والسيادة الأمريكية وإهانة القوة العظمى في عقر دارها. من هنا كان لا بد على الأمريكيين من التوجه الى اليمن. وهكذا أعلنت نهاية تحييد الأمن اليمني في مكافحة الإرهاب بعد 11 سبتمبر 2001.

والذي أريد أن أقوله هنا إن الأمن اليمني شأنه شأن الأمن في عالم ما بعد 11 سبتمبر قد قام بمراجعة منظومته الأمنية الداخلية بصورة هستيرية، ولكن الدولة اليمنية لم تقم بإصدار أي قانون أو تعديل قانون العقوبات والإجراءات الجزائية لمكافحة الإرهاب، حيث اتجه اليمن للتعاون الملحوظ مع الولايات المتحدة في حربها ضد الإرهاب من خلال التدريب عبر وجود المدربين الأمريكيين، والإجراءات غير المباشرة في التحقيق مع المتهمين. والمثال الأبرز للتعاون مع الأمريكيين تمثل في ضرب سيارة علي الحارثي في محافظة مأرب بواسطة طائرة أمريكية انطلقت من جيبوتي.وكذلك تدريب وحدات مكافحة الإرهاب على الأراضي اليمنية وتقديم المشورة والمساعدة في الوضع الأمني في اليمن. فضلاً عن توفير الزوارق البحرية والمعدات اللازمة التي تتناسب ومثل هذا النوع في مكافحة الإرهاب. وعلى الرغم من الوجود المباشر لعناصر التحقيق من الشرطة الفيدرالية الأمريكية في إطار الهدف الأمريكي واليمني المشترك في التحقيق مع المتهمين إلا أن السلطة أكدت أن التحقيق مع المتهمين يظل تحقيقات يمنية بالأساس. وأن دور العناصر الأمنية الأمريكية يقتصر على تقديم الأسئلة عبر المحقق اليمني وكذلك تقديم المشورة.

وربما يفسر قبول اليمن هذا المستوى من التعاون المباشر مع الولايات المتحدة الأمريكية الأزمة التي يمر بها الاقتصاد اليمني خاصة الديون الخارجية وفوائدها، وكذلك وجود  (الأفغان العرب) بأعداد كبيرة على أراضيه.

واكتفت الولايات المتحدة الأمريكية بهذا النموذج من التعاون المباشر (وهو نموذج يصعب تطبيقه في أي بلد عربي آخر) لعدة عوامل، يأتي في مقدمتها طبيعة النظام السياسي ذاته، وكذلك تأييد حزب التجمع اليمني للإصلاح في بيان أصدره عقب أحداث 11 سبتمبر بيومين فقط، أي في الحرب الأمريكية ضد الإرهاب، وظهر البيان وكأنه محاولة من جانب حزب الإصلاح للعمل على نفي صلتها بالتيارات الإرهابية النشطة في اليمن، جاء ذلك بعد أن تردد الحديث عن إمكانية توجيه ضربة عسكرية أمريكية لليمن بعد أفغانستان بسبب وجود جماعة الأفغان العرب التي تعد نقطة الانطلاق والتخطيط لتنظيم القاعدة. هذا التراجع يمكن إرجاعه لعدة أسباب من أهمها:

1- قيام جهاز الأمن بالقبض على أكثر من عشرة آلاف مشتبه من (الأفغان العرب) غير اليمنيين، ثم إعادتهم إلى بلدانهم العربية والإسلامية.

2- تجاوب الحكومة اليمنية مع مطالب واشنطن. وإعلان الرئيس علي صالحأن بلاده تمد يد التعاون مع أمريكا في مجال مكافحة الإرهاب، ولا يوجد من يهدد مصالح واشنطن على الساحة اليمنية.

3- الاعتماد الأمريكي على إسبانيا وفرنسا حالياً فيما يتعلق بمراقبة الممرات البحرية في اليمن من خلال وجودهما البحري في جيبوتي وجزيرة ميون ووجود القوات البحرية الأمريكية الدائم في البحرين ( الاحمر والعربي ) حيث تقوم بمهمة الحراسة وتفتيش السفن.

4- اعتراض أحزاب المعارضة على فكرة التدخل المباشر من قبل الولايات المتحدة في الشؤون الأمنية والسياسة الأمنية الداخلية، ورأت أنه لا يجوز لحكومة لا تعبر عن وحدة الشعب اليمني اتخاذ أي قرار بالتدخل. وهذا الموقف تحدد بعد أن عرفت أحزاب المعارضة أن هذا التدخل الأمريكي يضمن حماية السلطة، ويعمل على تكريس النظام السياسي الحالي. ومن هنا يمكن فهم رفض المعارضة في معظم البلدان العربية للتدخل الأمريكي الذي دائماً ما يخدم مصالح الحكومات في تلك البلدان وليس مصالح شعوبها.

وأخيراًإن ما هو أخطر من الإرهاب وفتاويه، هو العدوان السافر الذي تعرضت له (المدنية) في محافظة عـــدن، والذي شكل نكبة وطنية وشعبية لم يتوقعها أحد بهذا الحجم والفظاعة، في مجتمع ينظر إليه العالم على أنه أكثر المجتمعات تقدماً من النواحي المدنية والنظامية والتشريعية. ومثّل الإرهاب تحدياً كبيراً للأمن الوطني الداخلي. فرغم أن الأجهزة الأمنية ظلت لأربع سنوات ( 1990 – 1994) محيدة، إلا أنه وبعد القضاء على الحزب الاشتراكي اليمني وهزيمة التجمع اليمني للإصلاح في انتخابات 1997 البرلمانية، بدأ التنسيق بين الأجهزة الأمنية المختلفة لمواجهة الإرهاب وتطوير أجهزة وبرامج التدريب، وأنشئ جهاز جديد أطلق عليه اسم (جهاز الأمن القومي) وهو جهاز تابع لرئيس الجمهورية وليس وزارة مستقلة تابعة للحكومة، ودوره هنا شبيه بدور جهاز الأمن السياسي التابع للرئيسأيضاً. كذلك قامت الحكومه بزيادة عدد حرس الحدود، وزيادة عدد مفتشي الهجرة والجوازات وكذلك أمن الموانئ والمطارات،وأنشئت وحدة خاصة لمكافحة الإرهاب تتبع للحرس الجمهوري وليس لوزارة الدفاع.

وفي هذا الصدد تم القبض على الكثير من المتهمين بالتفجيرات، كما قام جهاز الأمن السياسي بالاشتراك مع علماء دين بإجراء مقابلات شفهية وحوارية مع المغرر بهم من الشباب، ولم يكن الهدف من هذه المقابلات هو جمع معلومات تتعلق بالانشطة الإرهابية، بل الهدف هو إعادة الشباب المسلم إلى جادة الصواب. وتم اتخاذ إجراءات أخرى بهدف حماية الأمن الداخلي واستعادة ثقة المجتمع بالأمن، ولكن يبقى التساؤل: هل الإرهاب هو السبب الحقيقي في توتير العلاقات بين الشمال والجنوب، والذي أدى إلى حرب طاحنة راح ضحيتها عشرات الآلاف من اليمنيين جعلت روبرت ذي برويس يتساءل: هل اليمن يتوحد في 22 مايو 1990 أم يعاد توحيده؟أم أنه كان مجرد ذريعة للاستيلاء على ثروة الجنوب النفطية ولتبرير فشل السلطة المركزية في صنعاء؟ وإذا كانت الدوافع الوحدوية من قبل سلطة صنعاء صادقة لتدعيم الوحدة الديمقراطية للاستقرار في اليمن، فلماذا لم تنسق مع الجنوبيين بطريقة أفضل وأجدى؟ ربما تتضح الرؤية مستقبلاً. 

::/fulltext::
::cck::1488::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *