الصحافة الإيرانية بين هواجس السلطة وتطلعات المجتمع المدني

::cck::2671::/cck::
::introtext::

يجمع المتابعون بعناية لمشهد الصحافة والإعلام الإيراني بأنه وعلى الرغم من التاريخ العريق لحرية الكلمة المكتوبة في إيران إلا أن الصحافة لاتزال تعاني من عدم الاستقرار وانعدام البنية المؤسسية الثابتة والراسخة في مهنيتها والقادرة على مقاومة تقلبات وتحولات السياسة والسلطة السياسية المتحولة في البلاد.

::/introtext::
::fulltext::

يجمع المتابعون بعناية لمشهد الصحافة والإعلام الإيراني بأنه وعلى الرغم من التاريخ العريق لحرية الكلمة المكتوبة في إيران إلا أن الصحافة لاتزال تعاني من عدم الاستقرار وانعدام البنية المؤسسية الثابتة والراسخة في مهنيتها والقادرة على مقاومة تقلبات وتحولات السياسة والسلطة السياسية المتحولة في البلاد.

فمنذ انطلاق الصحيفة الأولى في تاريخ الصحافة المكتوبة، أي في العام 1908م مع بدء انتشار صحيفة (وقايع اتفاقية) الشهيرة، والكلمة الإخبارية والإعلامية في مد وجزر لا ينتهيان.

وحتى نضع المتابع والمراقب والمحلل المحايد في صورة حقيقة وضع الصحافة الإيرانية المعاصرة فإنه لا بد من الإشارة إلى مراحل ازدهارها الأربع التي مرت بها حتى الآن وهي:

أولاً: مرحلة ما بعد الثورة الدستورية، أي بعد العام 1906 وهو ما أشرنا إليه مع بداية انطلاق صحيفة (وقايع اتفاقية) وهي أول صحيفة إيرانية كانت بمثابة لسان حال تلك المرحلة التي استطاعت أن تثبت في الدستور حق إصدار ونشر الصحف من دون الحاجة إلى تصريح حكومي، لكن ذلك لم يستمر طويلاً بل سرعان ما اصطدم بصعود موجة الاستبداد الملكي الشاهنشاهي الذي أسس له انقلاب رضا خان على الديمقراطية البرلمانية الأولى وتحويل البلاد إلى سلالة ملكية شاهنشاهية.

ثانياً: مرحلة دخول الحلفاء إلى إيران وإبعاد رضا شاه وتسلم ابنه محمد رضا السلطة في العام 1941م مما اضطره إلى الظهور بمظهر (المصلح) والمنفتح على الرأي العام إلى حين التمكن من الحكم، وهو دفعه فيما بعد إلى العودة عن قرار الانفتاح وإحكام الطوق على الصحافة الحرة لمدة طويلة.

ثالثاً: المرحلة التي أعقبت انتصار الثورة الإسلامية الإيرانية بقيادة الإمام الخميني في شباط 1979 والتي أتت بالناس والكتل الجماهيرية بحقيقة قوية وفاعلة في كل مناحي الحياة بعد طول استبداد مما جعل هذا الحضور نفسه بمثابة المشروعية والمقبولية التي أسست لحرية صحافة جديدة، لكن الحرب المفروضة وتداعيات المواجهات مع الخارج وإرهاب القوى المسلحة المعادية للنظام عادت وأجبرت السلطات على الانفلات مجدداً.

رابعاً: مرحلة الحركة الإصلاحية الخاتمية في 23 مايو 1997م والتي جاءت متماهية مع النهضة الإصلاحية المنبعثة من داخل النظام والتي أطلقت مرة أخرى حرية صحافة مندفعة وتواقة للتغيير والتجديد، لكنها أيضاً سرعان ما تداعت عليها حوادث الزمان والاستقطاب السياسي وصراع الأطياف والأجنحة مما جعلها تدخل في مرحلة جديدة من الإبهام والتراجع.

إن أي متتبع مهني لهذا التاريخ المتموج للصحافة في إيران سيرجع إشكالية انعدام الاستمرارية في مسار تطور الصحافة الإيرانية للأسباب التالية:

1- محاولات السلطة السياسية المستمرة لوضع اليد على الكلمة والخبر الإعلاميين لصالح إعلام وصحافة موجهة تخدم مصالح السلطة السياسية الحاكمة مهما كانت الأسباب والذرائع والمبررات متعددة ومختلفة ولربما متناقضة.

2- وقوع مهنة الصحافة نفسها في فخ الصراعات السياسية والحزبية والفئوية وتنطحها لدور الأحزاب والمنظمات السياسية بسبب الضعف الدائم الذي عانت وتعاني منه الفكرة الحزبية في إيران وعدم تماهيها مع وجدان وثقافة وبيئة الشعب الإيراني بشكل عام.

من هنا كانت ولا تزال الصحافة الإيرانية أقرب ما تكون إلى صحافة الرأي منها إلى صحافة الخبر والمعلومة، ولم تستطع أن تتحول وتتطور لتصبح مؤسسات إعلامية عريقة تمثل حاجات أو متطلبات الطبقات الاجتماعية المختلفة.
ولما كانت شروط نجاح أي مؤسسة صحافية أو وسيلة إعلامية خبرية تعتمد على:
1-تكريس الحق القانوني في الوصول إلى المعلومة والخبر وحق النشر الحر لما حصلت عليه.

2-تكريس حق الحصول على أمن العاملين في سلك الصحافة والإعلام.

3-تكريس حق امتلاك القدرة على الدفاع العادل عن مهنة الصحافة وتقديم المرافعات اللازمة في الدعاوى القضائية ضدها، لذلك نرى أن وضع الصحافة والإعلام في إيران كان يترنح دائماً مع تطورات وتحولات الوضع السياسي العام في البلاد من حيث إن الصحافة في البلاد كانت ولا تزال رهينة العلاقة الوظيفية مع السلطة في كل مرحلة من مراحل تحول وتطور النظام السياسي في البلاد.

فكلما كانت القنوات التي تسيل عبرها المعلومة والخبر الحكومي واسعة وسلسة كانت الصحافة في ازدهار، والعكس صحيح أيضاً، طالما كانت الصحافة قد ربطت نفسها ومصيرها بالحزب والسلطة والعمل السياسي بالطبع وهو ما كان ولا يزال حاصلاً بالنسبة للصحافة الإيرانية.

وفي مثل هذه الحالة فإنك ترى أن حامل المشروع الصحفي والإعلامي يرى نفسه باستمرار في حالة رقابة ذاتية ومروجاً لأدبيات رمزية حفاظاً على الاستمرارية والبناء حتى لو جاء ذلك على حساب أصول المهنة أحياناً. كما يجعل من حامل المشروع الخبري والإعلامي في مثل هذه الحالة يضطر إلى سياسة (شعبوية) في ممارساته المهنية من أجل إبقاء جسور التواصل بين مهمته الأصلية والمهمة (المفروضة) عليه بسبب ارتهانه لظروف الارتباط بالسياسة والنشاط السياسي العام والذي يغلب عليه الطابع الحكومي الرسمي.

هذه الحالة بالطبع تغيرت كثيراً بعد انتصار الثورة الإسلامية الإيرانية، وأخذت وجهاً تعددياً وتنوعياً ملحوظاً من حيث اتساع القاعدة الجماهيرية للحكم وتنوع المشارب الفكرية والاجتهادية لدى النخب الحاكمة في البلاد.

غير أن (المعضلة المهنية) لا تزال ترافق حركة وتطور الصحافة في إيران بسبب طغيان التحول الاجتماعي والحراك السياسي بشكل عام على التحولات المهنية وضرورة استقلال سياقاتها عن السياقات الأخرى.

ثمة متشائم يقول بأن حدة استقطابات الحراك السياسي الجارية في البلاد سواء في إطار التجاذب الداخلي أو في إطار التجاذبات الخارجية باتت تدفع باتجاه غلبة (الخبر والمعلومة) الإشاعة على الخبر والمعلومة الصحيحة والحرة.

وثمة متفائل يقول بأن التطورات الجارية في البلاد باتت من التقدم بمكان أصبح فيها من المستحيل العودة عن إنجازات الصحافة الحرة والمتحررة من هيمنة السلطة. لكن القدر المتبقي هو أن المهنة وأصحابها راكموا من الإنجازات حتى الآن، ما يجعلهم في موقع يليق بهم وبمهمتهم المرموقة في الدفاع كما في (الهجوم)، أي في المرافعات القانونية أو في ممارسة حقوقهم المهنية وانتشار الخبر والمعلومة التي تفيد حركة التقدم العام رضي بذلك الحاكم أم لم يرض. وهي مرحلة تقدم تكتب في سجل إنجازات الحركة الشعبية المدنية كما في إنجازات تطور النظام السياسي الإيراني بعد قيام الثورة الإسلامية في إيران في العام 1979م.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::2671::/cck::
::introtext::

يجمع المتابعون بعناية لمشهد الصحافة والإعلام الإيراني بأنه وعلى الرغم من التاريخ العريق لحرية الكلمة المكتوبة في إيران إلا أن الصحافة لاتزال تعاني من عدم الاستقرار وانعدام البنية المؤسسية الثابتة والراسخة في مهنيتها والقادرة على مقاومة تقلبات وتحولات السياسة والسلطة السياسية المتحولة في البلاد.

::/introtext::
::fulltext::

يجمع المتابعون بعناية لمشهد الصحافة والإعلام الإيراني بأنه وعلى الرغم من التاريخ العريق لحرية الكلمة المكتوبة في إيران إلا أن الصحافة لاتزال تعاني من عدم الاستقرار وانعدام البنية المؤسسية الثابتة والراسخة في مهنيتها والقادرة على مقاومة تقلبات وتحولات السياسة والسلطة السياسية المتحولة في البلاد.

فمنذ انطلاق الصحيفة الأولى في تاريخ الصحافة المكتوبة، أي في العام 1908م مع بدء انتشار صحيفة (وقايع اتفاقية) الشهيرة، والكلمة الإخبارية والإعلامية في مد وجزر لا ينتهيان.

وحتى نضع المتابع والمراقب والمحلل المحايد في صورة حقيقة وضع الصحافة الإيرانية المعاصرة فإنه لا بد من الإشارة إلى مراحل ازدهارها الأربع التي مرت بها حتى الآن وهي:

أولاً: مرحلة ما بعد الثورة الدستورية، أي بعد العام 1906 وهو ما أشرنا إليه مع بداية انطلاق صحيفة (وقايع اتفاقية) وهي أول صحيفة إيرانية كانت بمثابة لسان حال تلك المرحلة التي استطاعت أن تثبت في الدستور حق إصدار ونشر الصحف من دون الحاجة إلى تصريح حكومي، لكن ذلك لم يستمر طويلاً بل سرعان ما اصطدم بصعود موجة الاستبداد الملكي الشاهنشاهي الذي أسس له انقلاب رضا خان على الديمقراطية البرلمانية الأولى وتحويل البلاد إلى سلالة ملكية شاهنشاهية.

ثانياً: مرحلة دخول الحلفاء إلى إيران وإبعاد رضا شاه وتسلم ابنه محمد رضا السلطة في العام 1941م مما اضطره إلى الظهور بمظهر (المصلح) والمنفتح على الرأي العام إلى حين التمكن من الحكم، وهو دفعه فيما بعد إلى العودة عن قرار الانفتاح وإحكام الطوق على الصحافة الحرة لمدة طويلة.

ثالثاً: المرحلة التي أعقبت انتصار الثورة الإسلامية الإيرانية بقيادة الإمام الخميني في شباط 1979 والتي أتت بالناس والكتل الجماهيرية بحقيقة قوية وفاعلة في كل مناحي الحياة بعد طول استبداد مما جعل هذا الحضور نفسه بمثابة المشروعية والمقبولية التي أسست لحرية صحافة جديدة، لكن الحرب المفروضة وتداعيات المواجهات مع الخارج وإرهاب القوى المسلحة المعادية للنظام عادت وأجبرت السلطات على الانفلات مجدداً.

رابعاً: مرحلة الحركة الإصلاحية الخاتمية في 23 مايو 1997م والتي جاءت متماهية مع النهضة الإصلاحية المنبعثة من داخل النظام والتي أطلقت مرة أخرى حرية صحافة مندفعة وتواقة للتغيير والتجديد، لكنها أيضاً سرعان ما تداعت عليها حوادث الزمان والاستقطاب السياسي وصراع الأطياف والأجنحة مما جعلها تدخل في مرحلة جديدة من الإبهام والتراجع.

إن أي متتبع مهني لهذا التاريخ المتموج للصحافة في إيران سيرجع إشكالية انعدام الاستمرارية في مسار تطور الصحافة الإيرانية للأسباب التالية:

1- محاولات السلطة السياسية المستمرة لوضع اليد على الكلمة والخبر الإعلاميين لصالح إعلام وصحافة موجهة تخدم مصالح السلطة السياسية الحاكمة مهما كانت الأسباب والذرائع والمبررات متعددة ومختلفة ولربما متناقضة.

2- وقوع مهنة الصحافة نفسها في فخ الصراعات السياسية والحزبية والفئوية وتنطحها لدور الأحزاب والمنظمات السياسية بسبب الضعف الدائم الذي عانت وتعاني منه الفكرة الحزبية في إيران وعدم تماهيها مع وجدان وثقافة وبيئة الشعب الإيراني بشكل عام.

من هنا كانت ولا تزال الصحافة الإيرانية أقرب ما تكون إلى صحافة الرأي منها إلى صحافة الخبر والمعلومة، ولم تستطع أن تتحول وتتطور لتصبح مؤسسات إعلامية عريقة تمثل حاجات أو متطلبات الطبقات الاجتماعية المختلفة.
ولما كانت شروط نجاح أي مؤسسة صحافية أو وسيلة إعلامية خبرية تعتمد على:
1-تكريس الحق القانوني في الوصول إلى المعلومة والخبر وحق النشر الحر لما حصلت عليه.

2-تكريس حق الحصول على أمن العاملين في سلك الصحافة والإعلام.

3-تكريس حق امتلاك القدرة على الدفاع العادل عن مهنة الصحافة وتقديم المرافعات اللازمة في الدعاوى القضائية ضدها، لذلك نرى أن وضع الصحافة والإعلام في إيران كان يترنح دائماً مع تطورات وتحولات الوضع السياسي العام في البلاد من حيث إن الصحافة في البلاد كانت ولا تزال رهينة العلاقة الوظيفية مع السلطة في كل مرحلة من مراحل تحول وتطور النظام السياسي في البلاد.

فكلما كانت القنوات التي تسيل عبرها المعلومة والخبر الحكومي واسعة وسلسة كانت الصحافة في ازدهار، والعكس صحيح أيضاً، طالما كانت الصحافة قد ربطت نفسها ومصيرها بالحزب والسلطة والعمل السياسي بالطبع وهو ما كان ولا يزال حاصلاً بالنسبة للصحافة الإيرانية.

وفي مثل هذه الحالة فإنك ترى أن حامل المشروع الصحفي والإعلامي يرى نفسه باستمرار في حالة رقابة ذاتية ومروجاً لأدبيات رمزية حفاظاً على الاستمرارية والبناء حتى لو جاء ذلك على حساب أصول المهنة أحياناً. كما يجعل من حامل المشروع الخبري والإعلامي في مثل هذه الحالة يضطر إلى سياسة (شعبوية) في ممارساته المهنية من أجل إبقاء جسور التواصل بين مهمته الأصلية والمهمة (المفروضة) عليه بسبب ارتهانه لظروف الارتباط بالسياسة والنشاط السياسي العام والذي يغلب عليه الطابع الحكومي الرسمي.

هذه الحالة بالطبع تغيرت كثيراً بعد انتصار الثورة الإسلامية الإيرانية، وأخذت وجهاً تعددياً وتنوعياً ملحوظاً من حيث اتساع القاعدة الجماهيرية للحكم وتنوع المشارب الفكرية والاجتهادية لدى النخب الحاكمة في البلاد.

غير أن (المعضلة المهنية) لا تزال ترافق حركة وتطور الصحافة في إيران بسبب طغيان التحول الاجتماعي والحراك السياسي بشكل عام على التحولات المهنية وضرورة استقلال سياقاتها عن السياقات الأخرى.

ثمة متشائم يقول بأن حدة استقطابات الحراك السياسي الجارية في البلاد سواء في إطار التجاذب الداخلي أو في إطار التجاذبات الخارجية باتت تدفع باتجاه غلبة (الخبر والمعلومة) الإشاعة على الخبر والمعلومة الصحيحة والحرة.

وثمة متفائل يقول بأن التطورات الجارية في البلاد باتت من التقدم بمكان أصبح فيها من المستحيل العودة عن إنجازات الصحافة الحرة والمتحررة من هيمنة السلطة. لكن القدر المتبقي هو أن المهنة وأصحابها راكموا من الإنجازات حتى الآن، ما يجعلهم في موقع يليق بهم وبمهمتهم المرموقة في الدفاع كما في (الهجوم)، أي في المرافعات القانونية أو في ممارسة حقوقهم المهنية وانتشار الخبر والمعلومة التي تفيد حركة التقدم العام رضي بذلك الحاكم أم لم يرض. وهي مرحلة تقدم تكتب في سجل إنجازات الحركة الشعبية المدنية كما في إنجازات تطور النظام السياسي الإيراني بعد قيام الثورة الإسلامية في إيران في العام 1979م.

::/fulltext::
::cck::2671::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *