العلاقات السعودية – اليمنية من التعاون إلى العلاقات الطبيعية
::cck::1460::/cck::
::introtext::
المتتبع لتاريخ العلاقات السعودية – اليمنية التي تعود إلى العقد الأخير من القرن الثامن عشر الميلادي يجد أنه كان يغلب عليها رغبة الطرفين في إيجاد مجتمع آمن ومستتب، ولهذه الغاية كانت تختفي كل الحواجز بما فيها الحدود الطبيعية نتيجة موقعها الجغرافي الاستراتيجي المشترك وتشابكها الاجتماعي.
::/introtext::
::fulltext::
المتتبع لتاريخ العلاقات السعودية – اليمنية التي تعود إلى العقد الأخير من القرن الثامن عشر الميلادي يجد أنه كان يغلب عليها رغبة الطرفين في إيجاد مجتمع آمن ومستتب، ولهذه الغاية كانت تختفي كل الحواجز بما فيها الحدود الطبيعية نتيجة موقعها الجغرافي الاستراتيجي المشترك وتشابكها الاجتماعي.
وبتتبع تاريخ مناطق عسير وجيزان ونجران نجد أنها كانت في السابق إمارات ذات استقلال ذاتي. فإمارة عسير بلغت ذروة قوتها في القرن التاسع عشر، واصبحت القوة التي تهدد الحكم العثماني والانجليزي في جنوب الجزيرة العربية، ولكن الحكم العثماني تمكن من حشد جيش والقضاء على الإمارة عام 1889م.
وجيزان كانت كذلك إمارة مستقلة، ولها حكام من الأشراف يتوارثون الحكم حتى بداية القرن العشرين، بل وتمكن محمد بن علي الإدريسي من توسيع دائرة نفوذ إمارته إلى خارج حدود جيزان الطبيعية على حساب الأراضي اليمنية ووقع اتفاقية مع الحكم العثماني عام 1911 بمشاركة الإمام يحيى حميد الدين تم بموجبها اقتصار الحكم اليمني على الهضبة اليمنية المأهولة باتباع المذهب الزيدي فقط.
ونجران كذلك كانت منطقة قائمة بذاتها تملكها وتحكمها قبيلة قوية حتى دخلت في إطار الدولة السعودية الأولى والثانية، ثم دخلت عن رضا تحت نفوذ الملك عبد العزيز عام 1920، فهذه الكيانات الثلاثة انضمت للدولة السعودية الحديثة.
لقد مرت العلاقات السعودية – اليمنية في تاريخها الحديث بفترات من المد والجزر، لذلك لابد من التطرق إلى لمحة موجزة كمدخل طبيعي للحديث عن العلاقات السعودية – اليمنية في الوقت الحاضر لاستشراف المستقبل الذي يصب في صالح البلدين.
فجراء إعلان الملك عبد العزيز الحماية السعودية على منطقة عسير عام 1926 حدث على أثرها نزاع بين البلدين حول جبل عرو على أطراف عسير عقدت معاهدة بينهما في ديسمبر 1931 سميت (معاهدة العرو) نسبة إلى الجبل الذي كان سبب النزاع، وصادق الطرفان على هذه المعاهدة بإشراف الإمام يحيى والملك عبد العزيز في يناير 1932.
ومع تجدد النزاع السعودي – اليمني جاءت معاهدة الطائف في عام 1934 لتنهي حالة الحرب بصورة نهائية، بل جاء في تعليق مجلة (التايمز) أن معاهدة الطائف أرست قواعد الصداقة العربية والأخوة الإسلامية، وأن الساسة الأوروبيين يجب عليهم أن يقتدوا بمعاهدة الطائف، ولقد وصف ( سلفادور انتي ) الكاتب الايطالي في عام 1934 معاهدة الطائف بالنشيد الوطني للوحدة العربية، واعتبر الغرب المعاهدة صورة لما يجب أن تقوم عليه العلاقات العربية والإسلامية في المستقبل. وتطورت تلك الاتفاقية من الإطار الثنائي إلى البعد القومي، فعقدت الدولتان معاهدة مع العراق في إبريل عام 1936 تضمنت حل الخلافات بالطرق السلمية تطورت فيما بعد إلى ميثاق الحلف الثلاثي العربي (معاهدة الدفاع المشترك ) بين مصر والسعودية واليمن في إبريل 1956.
وبعد قيام الوحدة اليمنية في 22 مايو 1990 بدأ الاهتمام السعودي على أشده تجاه حل مشكلة الحدود، لكن أحداث الخليج سيطرت على مسار علاقات البلدين، كما كان للأزمة السياسية اليمنية التي انتهت بحرب صيف 1994 انعكاسات جديدة أيضا إلى أن جاء توقيع مذكرة التفاهم في فبراير 1995 ليعبر عن بداية الانفراج في العلاقات بين البلدين، إذ عملت على كسر الحواجز النفسية، ودخل الجانبان في حوارات جادة تجاه موضوع حل مشكلة الحدود. وحتى 12 يونيو 2000 تم عقد 123 اجتماعا للجان المشتركة، بالإضافة إلى لقاءات القمة ومن أبرزها زيارة الرئيس علي عبدالله صالح للمملكة ولقاؤه بالملك الراحل فهد بن عبدالعزيز في جدة بتاريخ 5 يونيو 1995 تبعتها زيارات أخرى مثل زيارة الأمير سلطان بن عبدالعزيز لليمن عام 1996، وزيارة الملك عبدالله بن عبد العزيز عندما كان ولياً للعهد بمناسبة احتفالات العيد العاشر للوحدة اليمنية 22 مايو 2000 أعقبتها زيارة الرئيس علي عبد الله صالح للمملكة بعد عشرين يوما تم خلالها التوقيع على معاهدة الحدود في 12 يونيو 2000 بمدينة جدة.
إن العلاقات السعودية – اليمنية منذ عام 1990 وحتى 1999 كانت علاقة صراعية استنادا إلى أن الوحدة ستعزز مصالح اليمن الدفاعية والأمنية، وتعطيهم ورقة ضغط إضافية للمطالبة بأراض داخل السعودية مع الحصول على مساعدات مالية أكبر بحيث تؤجل وتمدد اتفاقية الطائف لسنوات أخرى إضافية. ووتر العلاقات أكثر التفسير الخاطئ لأزمة الخليج، إلى أن جاءت أزمة الانفصال عام 1994 التي ساعدت على توقيع مذكرة التفاهم عام 1995 لأن اليمن خرج من حرب الانفصال مضعضعاً دفاعياً وامنياً وعسكرياً واقتصادياً بدلالة استغلال أرتيريا تلك الظروف واحتلال أرخبيل حنيش، ولم يستطع اليمن القيام بعمل عسكري، وفضل التفاوض لأن الخيارات الأخرى أمامه كانت محدودة، فالتوقيع على المعاهدة في جدة عام 2000 هو في صالح البلدين وينهي هذا الملف للالتفات إلى تعزيز العلاقات المشتركة.

وبدأت العلاقات بين البلدين تأخذ منحى مؤسسياً مع رفع شعار الجيرة والشراكة السعودية – اليمنية، خاصة أن الهاجس الحقيقي لدى اليمن يكمن في المشكلة الاقتصادية، ويرى الحل الأقرب الذي هو في متناول يديه في إقامة علاقة قوية مع السعودية والبحث عن عضوية في مجلس التعاون الخليجي، فالمساعدات التي كانت تقدم من دول الخليج خلال الفترة 1975 ـ 1985 فترة الطفرة النفطية الهائلة أو باستخدام اليد العاملة اليمنية، لم تكن إلا إنقاذا سريعا ومؤقتا للاقتصاد الوطني يتمثل في دعم الموازنة من أجل صرف رواتب الموظفين المتأخرة، بينما في الوقت الحاضر توقفت الهبات والمساعدات المباشرة، وتحولت إلى قروض، والعمالة اليمنية أصبح غير مرغوب فيها في المملكة وبقية دول الخليج كما كانت في بداية التطور العمراني في هذه البلدان، وهي غير صالحة للمشاريع الكبيرة التي لا تستطيع أن تنفذها إلا شركات كبيرة وعملاقة. فالتعويل على العمالة اليمنية والهبات والمساعدات المباشرة لم يعد مفيداً في الوقت الحاضر.
إن مستقبل العلاقات – السعودية اليمنية وتوطيدها من أجل تنمية الاقتصاد الوطني اليمني، خاصة وأن العلاقات ليست بمعزل عن المحيط الدولي ومتغيرات المرحلة خصوصا في الجانب الأمني والإرهاب الذي أصبح على أجندة كل الأطراف.
ولكي تتجه العلاقات نحو الازدهار يجب ألا تبنى على الثروات والطفرات النفطية أو على الدعم المادي المباشر وغير المباشر، فالمعطيات الجديدة يدركها الطرفان ومن خلالها تبنى العلاقات بدلاً من التعامل التكتيكي أو الانفعالي والعاطفي، وأن تحل محلها العلاقات الاستراتيجية مع ضبط مسار التطور الثقافي والاقتصادي والتنموي، وان يحل مسار حكم القانون مكان التأثير القبلي، حتى تتحول العلاقة من علاقة الشراكة إلى العلاقة الطبيعية القائمة على آليات واضحة ومحددة وعملية، واعتبار مجلس التنسيق السعودي – اليمني بوابة لهذه العلاقات للابتعاد عن هاجس القلق والظنون الذي ساد في الفترة الماضية من قبل بعض الأطراف التي كانت سبباً في تأزم العلاقات مثلما يرى بعض المعارضين أن الحكومة اليمنية فوتت فرصة استثمار اتفاقية جدة التي أنهت ستين عاماً من النزاع الحدودي لصالح التنمية في البلاد، رغم أن اتفاقية جدة هي اتفاقية سياسية.
وترى المملكة على لسان ولي العهد الأمير سلطان بن عبدالعزيز رئيس الجانب السعودي في مجلس التنسيق السعودي – اليمني أنه سيتم التوقيع على عدد من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم وتطور الآليات اللازمة لتفعيل التعاون بين البلدين في المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية والشبابية والفنية في خطوة وصفها بأنها توسيع لمجالات التعاون على مختلف الصعد، خاصة أن الأمة العربية والإسلامية في أشد الحاجة إلى تعزيز طاقاتها وتعزيز قدراتها على المستويين الثنائي والجماعي، واعتبر مجلس التنسيق السعودي – اليمني نموذجاً متميزاً وتجسيداً أميناً لما بين البلدين من رغبة مخلصة في تعزيز مجالات التعاون خدمة لأهدافهما النبيلة وأمانيهما المشتركة.
إن المملكة تقدم الآن قروضا لمساعدة اليمن على إقامة مشاريع تنموية لمعالجة مشكلة الفقر في اليمن، وسوف يتطور مجلس التنسيق السعودي – اليمني إلى اتفاقية النطاق ووضع محددات المستقبل للعمل اليمني فيما يسمى (منظومة الجزيرة العربية) خاصة بعد الإعلان الصادر عن قادة دول مجلس التعاون الخليجي بضم اليمن إلى أربعة مجالس وأنشطة في المجلس كخطوة أولى نحو الانضمام الكامل.
كما أن المستجدات على الساحة الدولية والحرب على الإرهاب قد وضعت الدولتين في مواجهة حقيقية مع الجماعات الإسلامية المتطرفة، الأمر الذي يجعلهما ملزمين برفع مستوى التنسيق والتعاون خدمة لمصالحهما خصوصاً بعدما تحولت المملكة من قاعدة خلفية في حرب الولايات المتحدة باليمن إلى ساحة حرب على الإرهاب كما هو حال جارتها، وهذا لن يتم إذا لم يتم تأمين الحدود بين البلدين واعتماد مفهوم أوسع للأمن يعالج مختلف المشكلات القائمة بينهما وفق أوليات سعودية – يمنية بما في ذلك تحسين الخدمات في المناطق الحدودية المحرومة لأنها في الأصل كانت مناطق متنازعاً عليها، وإشاعة جو من التسامح القبلي، ومعالجة ملف الإرهاب من زاوية مصلحة البلدين، وليس من زاوية مصلحة الحرب الأمريكية على الإرهاب فقط.
والخلاصة أن العلاقة بين المملكة واليمن علاقة قدرية، وليست اختيارية تحكمها حقائق التاريخ والجغرافيا والمجتمع والمستقبل ضمن إطار المصير المشترك، وتتم في إطار تحقيق المزيد من التنسيق والشراكة والتكامل على كافة الصعد الاقتصادية والسياسية والأمنية وكل ما يهم البلدين.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::1460::/cck::
::introtext::
المتتبع لتاريخ العلاقات السعودية – اليمنية التي تعود إلى العقد الأخير من القرن الثامن عشر الميلادي يجد أنه كان يغلب عليها رغبة الطرفين في إيجاد مجتمع آمن ومستتب، ولهذه الغاية كانت تختفي كل الحواجز بما فيها الحدود الطبيعية نتيجة موقعها الجغرافي الاستراتيجي المشترك وتشابكها الاجتماعي.
::/introtext::
::fulltext::
المتتبع لتاريخ العلاقات السعودية – اليمنية التي تعود إلى العقد الأخير من القرن الثامن عشر الميلادي يجد أنه كان يغلب عليها رغبة الطرفين في إيجاد مجتمع آمن ومستتب، ولهذه الغاية كانت تختفي كل الحواجز بما فيها الحدود الطبيعية نتيجة موقعها الجغرافي الاستراتيجي المشترك وتشابكها الاجتماعي.
وبتتبع تاريخ مناطق عسير وجيزان ونجران نجد أنها كانت في السابق إمارات ذات استقلال ذاتي. فإمارة عسير بلغت ذروة قوتها في القرن التاسع عشر، واصبحت القوة التي تهدد الحكم العثماني والانجليزي في جنوب الجزيرة العربية، ولكن الحكم العثماني تمكن من حشد جيش والقضاء على الإمارة عام 1889م.
وجيزان كانت كذلك إمارة مستقلة، ولها حكام من الأشراف يتوارثون الحكم حتى بداية القرن العشرين، بل وتمكن محمد بن علي الإدريسي من توسيع دائرة نفوذ إمارته إلى خارج حدود جيزان الطبيعية على حساب الأراضي اليمنية ووقع اتفاقية مع الحكم العثماني عام 1911 بمشاركة الإمام يحيى حميد الدين تم بموجبها اقتصار الحكم اليمني على الهضبة اليمنية المأهولة باتباع المذهب الزيدي فقط.
ونجران كذلك كانت منطقة قائمة بذاتها تملكها وتحكمها قبيلة قوية حتى دخلت في إطار الدولة السعودية الأولى والثانية، ثم دخلت عن رضا تحت نفوذ الملك عبد العزيز عام 1920، فهذه الكيانات الثلاثة انضمت للدولة السعودية الحديثة.
لقد مرت العلاقات السعودية – اليمنية في تاريخها الحديث بفترات من المد والجزر، لذلك لابد من التطرق إلى لمحة موجزة كمدخل طبيعي للحديث عن العلاقات السعودية – اليمنية في الوقت الحاضر لاستشراف المستقبل الذي يصب في صالح البلدين.
فجراء إعلان الملك عبد العزيز الحماية السعودية على منطقة عسير عام 1926 حدث على أثرها نزاع بين البلدين حول جبل عرو على أطراف عسير عقدت معاهدة بينهما في ديسمبر 1931 سميت (معاهدة العرو) نسبة إلى الجبل الذي كان سبب النزاع، وصادق الطرفان على هذه المعاهدة بإشراف الإمام يحيى والملك عبد العزيز في يناير 1932.
ومع تجدد النزاع السعودي – اليمني جاءت معاهدة الطائف في عام 1934 لتنهي حالة الحرب بصورة نهائية، بل جاء في تعليق مجلة (التايمز) أن معاهدة الطائف أرست قواعد الصداقة العربية والأخوة الإسلامية، وأن الساسة الأوروبيين يجب عليهم أن يقتدوا بمعاهدة الطائف، ولقد وصف ( سلفادور انتي ) الكاتب الايطالي في عام 1934 معاهدة الطائف بالنشيد الوطني للوحدة العربية، واعتبر الغرب المعاهدة صورة لما يجب أن تقوم عليه العلاقات العربية والإسلامية في المستقبل. وتطورت تلك الاتفاقية من الإطار الثنائي إلى البعد القومي، فعقدت الدولتان معاهدة مع العراق في إبريل عام 1936 تضمنت حل الخلافات بالطرق السلمية تطورت فيما بعد إلى ميثاق الحلف الثلاثي العربي (معاهدة الدفاع المشترك ) بين مصر والسعودية واليمن في إبريل 1956.
وبعد قيام الوحدة اليمنية في 22 مايو 1990 بدأ الاهتمام السعودي على أشده تجاه حل مشكلة الحدود، لكن أحداث الخليج سيطرت على مسار علاقات البلدين، كما كان للأزمة السياسية اليمنية التي انتهت بحرب صيف 1994 انعكاسات جديدة أيضا إلى أن جاء توقيع مذكرة التفاهم في فبراير 1995 ليعبر عن بداية الانفراج في العلاقات بين البلدين، إذ عملت على كسر الحواجز النفسية، ودخل الجانبان في حوارات جادة تجاه موضوع حل مشكلة الحدود. وحتى 12 يونيو 2000 تم عقد 123 اجتماعا للجان المشتركة، بالإضافة إلى لقاءات القمة ومن أبرزها زيارة الرئيس علي عبدالله صالح للمملكة ولقاؤه بالملك الراحل فهد بن عبدالعزيز في جدة بتاريخ 5 يونيو 1995 تبعتها زيارات أخرى مثل زيارة الأمير سلطان بن عبدالعزيز لليمن عام 1996، وزيارة الملك عبدالله بن عبد العزيز عندما كان ولياً للعهد بمناسبة احتفالات العيد العاشر للوحدة اليمنية 22 مايو 2000 أعقبتها زيارة الرئيس علي عبد الله صالح للمملكة بعد عشرين يوما تم خلالها التوقيع على معاهدة الحدود في 12 يونيو 2000 بمدينة جدة.
إن العلاقات السعودية – اليمنية منذ عام 1990 وحتى 1999 كانت علاقة صراعية استنادا إلى أن الوحدة ستعزز مصالح اليمن الدفاعية والأمنية، وتعطيهم ورقة ضغط إضافية للمطالبة بأراض داخل السعودية مع الحصول على مساعدات مالية أكبر بحيث تؤجل وتمدد اتفاقية الطائف لسنوات أخرى إضافية. ووتر العلاقات أكثر التفسير الخاطئ لأزمة الخليج، إلى أن جاءت أزمة الانفصال عام 1994 التي ساعدت على توقيع مذكرة التفاهم عام 1995 لأن اليمن خرج من حرب الانفصال مضعضعاً دفاعياً وامنياً وعسكرياً واقتصادياً بدلالة استغلال أرتيريا تلك الظروف واحتلال أرخبيل حنيش، ولم يستطع اليمن القيام بعمل عسكري، وفضل التفاوض لأن الخيارات الأخرى أمامه كانت محدودة، فالتوقيع على المعاهدة في جدة عام 2000 هو في صالح البلدين وينهي هذا الملف للالتفات إلى تعزيز العلاقات المشتركة.

وبدأت العلاقات بين البلدين تأخذ منحى مؤسسياً مع رفع شعار الجيرة والشراكة السعودية – اليمنية، خاصة أن الهاجس الحقيقي لدى اليمن يكمن في المشكلة الاقتصادية، ويرى الحل الأقرب الذي هو في متناول يديه في إقامة علاقة قوية مع السعودية والبحث عن عضوية في مجلس التعاون الخليجي، فالمساعدات التي كانت تقدم من دول الخليج خلال الفترة 1975 ـ 1985 فترة الطفرة النفطية الهائلة أو باستخدام اليد العاملة اليمنية، لم تكن إلا إنقاذا سريعا ومؤقتا للاقتصاد الوطني يتمثل في دعم الموازنة من أجل صرف رواتب الموظفين المتأخرة، بينما في الوقت الحاضر توقفت الهبات والمساعدات المباشرة، وتحولت إلى قروض، والعمالة اليمنية أصبح غير مرغوب فيها في المملكة وبقية دول الخليج كما كانت في بداية التطور العمراني في هذه البلدان، وهي غير صالحة للمشاريع الكبيرة التي لا تستطيع أن تنفذها إلا شركات كبيرة وعملاقة. فالتعويل على العمالة اليمنية والهبات والمساعدات المباشرة لم يعد مفيداً في الوقت الحاضر.
إن مستقبل العلاقات – السعودية اليمنية وتوطيدها من أجل تنمية الاقتصاد الوطني اليمني، خاصة وأن العلاقات ليست بمعزل عن المحيط الدولي ومتغيرات المرحلة خصوصا في الجانب الأمني والإرهاب الذي أصبح على أجندة كل الأطراف.
ولكي تتجه العلاقات نحو الازدهار يجب ألا تبنى على الثروات والطفرات النفطية أو على الدعم المادي المباشر وغير المباشر، فالمعطيات الجديدة يدركها الطرفان ومن خلالها تبنى العلاقات بدلاً من التعامل التكتيكي أو الانفعالي والعاطفي، وأن تحل محلها العلاقات الاستراتيجية مع ضبط مسار التطور الثقافي والاقتصادي والتنموي، وان يحل مسار حكم القانون مكان التأثير القبلي، حتى تتحول العلاقة من علاقة الشراكة إلى العلاقة الطبيعية القائمة على آليات واضحة ومحددة وعملية، واعتبار مجلس التنسيق السعودي – اليمني بوابة لهذه العلاقات للابتعاد عن هاجس القلق والظنون الذي ساد في الفترة الماضية من قبل بعض الأطراف التي كانت سبباً في تأزم العلاقات مثلما يرى بعض المعارضين أن الحكومة اليمنية فوتت فرصة استثمار اتفاقية جدة التي أنهت ستين عاماً من النزاع الحدودي لصالح التنمية في البلاد، رغم أن اتفاقية جدة هي اتفاقية سياسية.
وترى المملكة على لسان ولي العهد الأمير سلطان بن عبدالعزيز رئيس الجانب السعودي في مجلس التنسيق السعودي – اليمني أنه سيتم التوقيع على عدد من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم وتطور الآليات اللازمة لتفعيل التعاون بين البلدين في المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية والشبابية والفنية في خطوة وصفها بأنها توسيع لمجالات التعاون على مختلف الصعد، خاصة أن الأمة العربية والإسلامية في أشد الحاجة إلى تعزيز طاقاتها وتعزيز قدراتها على المستويين الثنائي والجماعي، واعتبر مجلس التنسيق السعودي – اليمني نموذجاً متميزاً وتجسيداً أميناً لما بين البلدين من رغبة مخلصة في تعزيز مجالات التعاون خدمة لأهدافهما النبيلة وأمانيهما المشتركة.
إن المملكة تقدم الآن قروضا لمساعدة اليمن على إقامة مشاريع تنموية لمعالجة مشكلة الفقر في اليمن، وسوف يتطور مجلس التنسيق السعودي – اليمني إلى اتفاقية النطاق ووضع محددات المستقبل للعمل اليمني فيما يسمى (منظومة الجزيرة العربية) خاصة بعد الإعلان الصادر عن قادة دول مجلس التعاون الخليجي بضم اليمن إلى أربعة مجالس وأنشطة في المجلس كخطوة أولى نحو الانضمام الكامل.
كما أن المستجدات على الساحة الدولية والحرب على الإرهاب قد وضعت الدولتين في مواجهة حقيقية مع الجماعات الإسلامية المتطرفة، الأمر الذي يجعلهما ملزمين برفع مستوى التنسيق والتعاون خدمة لمصالحهما خصوصاً بعدما تحولت المملكة من قاعدة خلفية في حرب الولايات المتحدة باليمن إلى ساحة حرب على الإرهاب كما هو حال جارتها، وهذا لن يتم إذا لم يتم تأمين الحدود بين البلدين واعتماد مفهوم أوسع للأمن يعالج مختلف المشكلات القائمة بينهما وفق أوليات سعودية – يمنية بما في ذلك تحسين الخدمات في المناطق الحدودية المحرومة لأنها في الأصل كانت مناطق متنازعاً عليها، وإشاعة جو من التسامح القبلي، ومعالجة ملف الإرهاب من زاوية مصلحة البلدين، وليس من زاوية مصلحة الحرب الأمريكية على الإرهاب فقط.
والخلاصة أن العلاقة بين المملكة واليمن علاقة قدرية، وليست اختيارية تحكمها حقائق التاريخ والجغرافيا والمجتمع والمستقبل ضمن إطار المصير المشترك، وتتم في إطار تحقيق المزيد من التنسيق والشراكة والتكامل على كافة الصعد الاقتصادية والسياسية والأمنية وكل ما يهم البلدين.
::/fulltext::
::cck::1460::/cck::
