الفساد المالي في اليمن.. أسبابه وآثاره
::cck::1461::/cck::
::introtext::
إذا أصيب النظام السياسي بالفساد بدءاً من القادة الكبار وانتهاء بأصغر المراتب في البيروقراطية الحكومية فإن المشكلة تكون في غاية التعقيد، وفي هذه الحالة فإن تنظيف الإدارة يجب أن يبدأ من القمة متجهاً إلى أسفل بصورة منهجية وجذرية (رجل الدولة السنغافوري كوان – يو – لي).
::/introtext::
::fulltext::
إذا أصيب النظام السياسي بالفساد بدءاً من القادة الكبار وانتهاء بأصغر المراتب في البيروقراطية الحكومية فإن المشكلة تكون في غاية التعقيد، وفي هذه الحالة فإن تنظيف الإدارة يجب أن يبدأ من القمة متجهاً إلى أسفل بصورة منهجية وجذرية (رجل الدولة السنغافوري كوان – يو – لي).
يعتبر الفساد المالي ظاهرة معتادة لا يخلو منها أي مجتمع من المجتمعات، ويظل قابلا للحد من آثاره طالما ظل مجرّماً، وتوفرت القوانين والأنظمة التي تساعد على الحد منه، ولكن قد يستشري الفساد بشكل وبائي في بعض الدول بحيث يصيب أجهزة الدولة المختلفة، فيكون الفاسدون شبكات قوية من أصحاب المصالح تؤدي إلى تدمير الاقتصاد والقضاء على إمكانات التنمية.
الفساد في تقرير حكومي
كشف الجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة في تقريره لعام 2004 والذي ناقشه مجلس الشورى اليمني في مايو الماضي، عن 86 قضية فساد منها، أن إجمالي العُهد التي لم تتم تسويتها بلغ 34مليار ريال و205 ملايين دولار، واحتلت المرتبة الأولى في هذا الجانب وزارة الكهرباء، أما في ما يتعلق بالمبالغ المتأخرة على المدينين للدولة فقد بلغ إجماليها 120مليار ريال، واحتلت المرتبة الأولى وزارة النفط والمعادن، تلتها وزارة الكهرباء ثم وزارة الأشغال، فوزارة الزراعة.
أفاد التقرير أيضا بأن ما تم صرفه دون استيفاء الوثائق، بالمخالفة للقانون المالي، بلغ 506 مليارات ريال (307 مليارات دولار)، ليتركز ما صرف بنسبة 100 في المائة دون استيفاء الوثائق في وزارة النفط والمعادن ثم وزارة الصحة والإسكان وتليهما وزارة التعليم المهني والتقني. أما ما تم صرفه دون وجه حق فقد بلغ 349 مليون ريال (6 ملايين دولار) تركزت في وزارة النفط والمعادن تليها وزارة الكهرباء، مشيرا إلى أن وزارة الأشغال العامة والطرق ووزارة الصحة والإسكان خالفتا قانون المناقصات والمزايدات بأكثر من 6.19 مليار ريال.
وذكر التقرير أيضا اعتماد أعمال إضافية في الصحة والزراعة بأكثر من مليار ريال ونصف (خمسة ملايين دولار). مضيفا إن إجمالي ما صرف دون وجه حق بلغ 601 مليار ريال ونصف مليون دولار.
الفساد في تقرير دولي
في منتصف شهر فبراير الماضي تصاعدت المخاوف إثر تصريحات رئيس البنك الدولي السابق جيمس ولفنسون التي هدد فيها بقطع المساعدات إذا لم تقدم الحكومة اليمنية على إجراء إصلاحات جدية. وقال ولفنسون في حفل افتتاح الدورة الـ 75 لمجلس الوحدة الاقتصادية الأوروبية الذي عقد في عدن عليكم أن تخلقوا أجواء مناسبة لأولئك الذين يريدون الاستثمار في اليمن.. ولا يمكن أن تسمحوا لمستوى التعليم الجامعي والوسطي أن ينخفض مستواه، عليكم بمحاربة الفساد، لا يوجد هناك مجتمع يبنى والفساد يستشري. وكان ولفنسون يوجه لوماً للحكومة اليمنية لتخاذلها في اتخاذ تدابير حازمة فقال: الحقيقة أنكم تعرفون كل هذا وأنا أسمع هذا الكلام من قبل عشر سنوات. وتجاوز ولفنسون كلمات المجاملة والإطراء التي كالها ممثلو البنك لليمن خلال السنوات الماضية ليقول: لا تمتلكون أي خيار إلا مواجهة المشكلات والعمل من أجل حلها.. ليس لديكم متسع من الوقت، وبصراحة فإن العالم لن يهتم بكم إذا لم تهتموا بأنفسكم.
وفي التقرير التقييمي للبنك الدولي حول مؤشرات الحكم في اليمن للأعوام من 1996- 2004، والذي صدر مؤخرا، كانت هناك ستة مؤشرات يعتمدها البنك للحكم الرشيد، هي: المحاسبة، والاستقرار السياسي، وفعالية الحكومة، والجودة النظامية، وسيادة القانون، والسيطرة على الفساد.
وقد كشفت أرقام التقرير عما اعتبر تردياً واضحاً في جانب سيطرة الحكومة على الفساد، فقد كانت المؤشرات عام 96 تشير إلى أن سيطرة الحكومة على الفساد بلغت 49.3 في المائة في حين تراجعت هذه السيطرة إلى 22.77 في المائة في العام 2004. كما أظهرت الأرقام تراجع الاستقرار السياسي في اليمن الذي كان قد بلغ عام 96 نسبة 26.8 في المائة فوصل في العام الماضي إلى 20.7 في المائة، فيما تراجع مؤشر سيادة القانون، بحسب تقرير البنك الدولي من 13.3 في المائة في عام 96 إلى 12.1 في المائة عام 2004، مرتفعا من 7.7 في المائة عام 2002، وقد أرجع مراقبون اقتصاديون السبب في تحسن مؤشر سيادة القانون من مستواه في العام 2002 إلى إلزام مجلس النواب الحكومة بإلغاء اتفاقية النفط المجحفة بالبلاد في القطاع النفطي رقم 53 بمنطقة سار بمحافظة حضرموت، وإلزام البرلمان الحكومة أيضا بعكس قرارها بتجديد اتفاقية الإنتاج النفطي مع شركة هنت الأمريكية في محافظتي مأرب والجوف والذي كان من شأنه تكبيد البلاد خسائر تقرب من المليار دولار. أما مؤشرات الجودة النظامية بحسب التقرير فقد تراجعت من 19.9 في عام 96 إلى 14.8 في المائة في العام الماضي. وفي جانب فعالية الحكومة أكد البنك الدولي تراجع فعالية أداء الحكومات المتعاقبة خلال السنوات الثماني الماضية والتي كانت فعاليتها 19.9 في المائة في 96 لتصل إلى 14.8 عام 2004، وفي ما يتعلق بالمحاسبة لم يختلف الوضع التقييمي عن بقية الجوانب الأخرى التي قيمها البنك الدولي في تقريره، إذ أشارت الأرقام إلى أن المحاسبة عام 96 بلغت 17.7 في المائة وتراجعت عملياتها لتصل في العام الماضي إلى 7.3 في المائة.
ومن الواضح أن هناك خللاً بنيوياً في العلاقة بين كل من السلطة و الدولة اليمنية، فقد طغت الأولى على الثانية وطبعتها بطابعها. وقد لفت ذلك أنظار كثير من مراكز الدراسات والباحثين، إلى درجة وصف دراسة لمؤسسة كارنيجي لليمن بالدولة الفاشلة.
وفي دراسة أخرى، يقول روبرت دي بوروز الأستاذ في معهد هنري جاكسون للدراسات الدولية بجامعة واشنطن في دراسة له نشرها في فبراير 2005 بعنوان (اليمن اقتصاده السياسي والجهود ضد الإرهاب):
سرعان ما تبلور النظام الحاكم في اليمن الى نوع فريد من الحكم (الاوليجارشي) حكم الأقلية المتنفذة هو (اللصوقراطية)، وفي تعريفه لمصطلح اللصوقراطية هذا كتب يقول: اللصوقراطية هي حكومة من اللصوص ومن أجل اللصوص. ثم يضيف قائلا: أصبح شاغلو المناصب الحكومية العليا والمتوسطة الذين تتدفق موارد البلاد المحلية والقروض من المساعدات الأجنبية عبرهم، في وضع مكنهم من تحقيق الثراء لأنفسهم ولأقاربهم، وأصبحت كل واحدة من الوظائف الحكومية عبارة عن دكان خاص بشاغلها.
وغدت الخدمات والرخص الحكومية مصادر للدخل أثري بواسطتها أقارب وأصدقاء الأقلية الحاكمة، وأصبحت مصادر الثروة الثلاثة في اليمن هي العلاقات أولاً والعلاقات ثانياً والعلاقات ثالثاً، وقد عم تعاطي الرشوة والاختلاس البيروقراطية الحكومية المكونة من مئات الآلاف من الموظفين المدنيين والعسكريين الذين يتقاضون رواتب متدنية جداً، وكان عليهم الاختلاس أو تلقي الرشوة لتلبية احتياجات عائلاتهم. وربما كانت أبرز مظاهر اللصوقراطية هي القصور والفيلات الضخمة التي نبتت كالأعشاب ولا تزال في العاصمة صنعاء والمدن الكبيرة في البلاد، وبعضها يشبه القلاع.
الفساد في الجهاز المصرفي
جاء في دراسة حديثة للجنة الاقتصادية في مجلس الشورى بعنوان انحسار دور الجهاز المصرفي ورأس المال الوطني في الاستثمار:
– من الملاحظ أن عدم الفصل في البنوك الوطنية الخاصة في الصلاحيات والمسؤوليات بين راسمي السياسة والمنفذين لها قد أدى إلى الإضرار بمصالح المودعين والمتعاملين معها، إضافة إلى ضعف أنظمة الرقابة الداخلية ومستوى المراجعة الخارجية.
– إن عدم التعاون في الجهاز المصرفي وتبادل المعلومات عن المتعاملين الذين عليهم قضايا والمتعثرين عن سداد القروض والمتلاعبين بالأموال والذين لهم سوابق مؤسفة قد ألحق أضراراً فادحة بالعديد من البنوك.
– عدم الالتزام بالتعليمات التي يصدرها البنك المركزي اليمني عن المديونيات المتعثرة للبنوك بحيث لم تطبق الجزاءات على مسؤولي البنوك التي تتجاوز التعليمات الواردة إليها ولا على المتعثرين، ولم تتخذ تجاههم الإجراءات العملية التي تجبرهم على الوفاء بالحقوق والتقيد بالشروط والضوابط والحقوق القانونية، بل يحدث عكس ذلك بفرض الغرامات المالية على البنك وليس على المتجاوزين والمخالفين.
– إن استمرار المدينين المتعثرين والذين لا يفون بالتزاماتهم وبالعقود والاتفاقات الموقعة معهم على جدولة السداد، في مزاولة أنشطتهم وتنقلهم بين البنوك لن يؤدي إلا إلى المزيد من الأضرار وفقدان الثقة بالمصارف والحد من نشاطها وقدراتها المالية.
– إن استمرار العمل بالأنظمة التي تسمح لأعضاء مجلس الإدارة في أي بنك والمصالح التي يمثلونها أو التابعة لهم من الاستفادة من تسهيلات البنوك لن يكون من شأنه إلا السماح لسيطرة ذوي الصلاحية والنفوذ بها واستحواذهم على معظم إبداعات المودعين وحقوق المساهمين باعتبارهم جهة اتخاذ القرار لصالحهم والتي يستحيل على الموظفين المعينين من قبلهم والخاضعين لهم من وضع حد لتصرفاتهم غير القانونية.
– إن عدم تفعيل النصوص القانونية والتوجيهات المطلوبة من البنك المركزي لتجميد عضوية أي عضو في مجلس إدارة أي بنك عليه وأفراد أسرته سيؤدي حتما إلى تعريض البنك لمخاطر فقدان كفاية رأس المال وبالتالي الإضرار بحقوق المساهمين وأموال المودعين وفقدان الثقة وانهيار البنك.
– إن عدم تحريم الترشيح والانتخاب لأي مساهم في أي بنك لعضوية مجلس الإدارة عليه وأفراد أسرته والمصالح التابعة له من الديون المتعثرة ما يزيد على السقف القانوني، أدى إلى إهدار أموال المودعين والمساهمين لصالح بعض أعضاء مجلس الإدارة، وبالتالي تعريض مركز البنك وسمعته إلى الانهيار، لذا يجب تحريم الترشيح والانتخاب لهم.
– لعل من أهداف بعض المدينين المتعثرين من المساهمين وذوي العلاقة في بعض البنوك الوطنية وأعضاء مجلس الإدارة فيها والمصالح التابعة لهم بمديونيات تزيد على مساهمتهم في البنك هو إدراج تلك الديون في قائمة الديون الرديئة والسعي لإلغائها ولإعدامها خصما من مخصصات الديون المكونة من الأرباح المستحقة للمساهمين والضرائب المستحقة عليها للدولة، والذي سيكون من نتائجه استيلاء القلة على أرباح المساهمين والضرائب المستحقة عليها، وبالتالي فقدان الثقة بالجهاز المصرفي كمؤسسات وإدارة مما يستوجب إيقاف صلاحية إلغاء أي دين أو الإعفاء منه كليا أو جزئيا من قبل مجلس الإدارة أو الجمعية العمومية التي يتمتع بصلاحيات اتخاذ القرار فيها أو المشاركة في اتخاذها مدينون من المساهمين وأعضاء مجلس الإدارة وذوي العلاقة.
أسباب وآثار الانتشار الوبائي للفساد
إن أهم سبب لانتشار الفساد بهذه الصورة هو الفشل في بناء الدولة الحديثة. وهذه الدولة ليست ترفا أو شعارا إنها ضرورة، وضرورة الدولة الحديثة تنبع من الحاجة الاقتصادية، فالاقتصاد الحديث يقوم على الصناعة والتجارة التي تتطلب سوقا يحكمها قانون واحد يعرفه المنتج والمستهلك، والمصنع والتاجر، والمواطن والأجنبي. ومن دون سيادة القانون الذي يطبق على الجميع من دون استثناء ولا وساطة، لا يمكن للاقتصاد الحديث أن تقوم له قائمة، ومن ثم فإن التنمية أيضا تتحول إلى شعار لا يتحقق وأمنية بعيدة المنال. فالتنمية بالمفهوم المعاصر تشترط وجود الدولة الحديثة التي يتوفر فيها فصل للسلطات، والحد الأدنى هو استقلال القضاء وفعاليته في أنحاء الدولة التي يحكمها قانون موحد. وعملية التنمية هذه لا تتم بمعزل عن المجتمع الدولي الذي يساهم أعضاؤه باستثماراتهم فيها، وهي استثمارات تتطلب حماية نظام قضائي يطبق قانونا موحدا في كامل القطر وعلى الجميع، لأن سيادة القانون شرط أساسي لاطمئنان المستثمر على أمواله، وهو ما لا توفره الدولة غير الحديثة التي يتعرض فيها القانون للانتهاك على يد مراكز القوى التي يفرض كل منها قانونه الخاص العرفي فلا تعود هناك علاقة تعاقدية واضحة أو مضمونة وغير معرضة للانتهاك. هذه الخاصية للدولة غير الحديثة هي التي تجعل النجاح المالي والتجاري في بلادنا حليف المشائخ ومراكز القوى من العسكريين وأقربائهم وحلفائهم السياسيين وأقربائهم، وتترك المستثمر العادي نهباً للناهبين فيضطر المستثمرون إلى مشاركة مراكز القوى أو الرحيل.
إن الأردن والسعودية ودول الخليج ذات المجتمعات البدوية، التي سادها القضاء العرفي في الأصل، نجحت في إرساء أساس تحولها إلى دول حديثة عندما وفرت سلطة الدولة وهيبتها قضاء نزيها وفعالا، فانتفت الحاجة إلى القضاء العرفي وانتهى تماما. وهذه الهيبة لسلطة الدولة وقوانينها هي التي مكنت هذه البلدان من الازدهار الاقتصادي على العكس من دول تحكمها مراكز القوى ويسود قضاءها الفساد، ففشلت في التنمية على الرغم من توفر الموارد الاقتصادية لها. فالحديث عن الديمقراطية ودولة المؤسسات في غياب سيادة القانون إنما هو حديث خرافة وكلام فارغ من أي مضمون، وتدجيل وخداع. وأنا اركز هنا على سيادة القانون لأنها الأساس والمحور الذي تبنى عليه وحوله الدولة الحديثة.
أما آثار الفساد في اليمن فقد تجلت قي نسب عالية جداً من الفقر والأمية والبطالة وتفشي الأمراض، والحرمان الواسع من الخدمات الصحية والكهرباء ومياه الشرب النظيفة، وانعكس ذلك كله على الأمن والاستقرار. وكل ذلك موثق في تقارير التنمية البشرية وحقوق الإنسان وغيرها، وهي تعكس أحوالا تملأ النفس حزناً وغماً.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::1461::/cck::
::introtext::
إذا أصيب النظام السياسي بالفساد بدءاً من القادة الكبار وانتهاء بأصغر المراتب في البيروقراطية الحكومية فإن المشكلة تكون في غاية التعقيد، وفي هذه الحالة فإن تنظيف الإدارة يجب أن يبدأ من القمة متجهاً إلى أسفل بصورة منهجية وجذرية (رجل الدولة السنغافوري كوان – يو – لي).
::/introtext::
::fulltext::
إذا أصيب النظام السياسي بالفساد بدءاً من القادة الكبار وانتهاء بأصغر المراتب في البيروقراطية الحكومية فإن المشكلة تكون في غاية التعقيد، وفي هذه الحالة فإن تنظيف الإدارة يجب أن يبدأ من القمة متجهاً إلى أسفل بصورة منهجية وجذرية (رجل الدولة السنغافوري كوان – يو – لي).
يعتبر الفساد المالي ظاهرة معتادة لا يخلو منها أي مجتمع من المجتمعات، ويظل قابلا للحد من آثاره طالما ظل مجرّماً، وتوفرت القوانين والأنظمة التي تساعد على الحد منه، ولكن قد يستشري الفساد بشكل وبائي في بعض الدول بحيث يصيب أجهزة الدولة المختلفة، فيكون الفاسدون شبكات قوية من أصحاب المصالح تؤدي إلى تدمير الاقتصاد والقضاء على إمكانات التنمية.
الفساد في تقرير حكومي
كشف الجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة في تقريره لعام 2004 والذي ناقشه مجلس الشورى اليمني في مايو الماضي، عن 86 قضية فساد منها، أن إجمالي العُهد التي لم تتم تسويتها بلغ 34مليار ريال و205 ملايين دولار، واحتلت المرتبة الأولى في هذا الجانب وزارة الكهرباء، أما في ما يتعلق بالمبالغ المتأخرة على المدينين للدولة فقد بلغ إجماليها 120مليار ريال، واحتلت المرتبة الأولى وزارة النفط والمعادن، تلتها وزارة الكهرباء ثم وزارة الأشغال، فوزارة الزراعة.
أفاد التقرير أيضا بأن ما تم صرفه دون استيفاء الوثائق، بالمخالفة للقانون المالي، بلغ 506 مليارات ريال (307 مليارات دولار)، ليتركز ما صرف بنسبة 100 في المائة دون استيفاء الوثائق في وزارة النفط والمعادن ثم وزارة الصحة والإسكان وتليهما وزارة التعليم المهني والتقني. أما ما تم صرفه دون وجه حق فقد بلغ 349 مليون ريال (6 ملايين دولار) تركزت في وزارة النفط والمعادن تليها وزارة الكهرباء، مشيرا إلى أن وزارة الأشغال العامة والطرق ووزارة الصحة والإسكان خالفتا قانون المناقصات والمزايدات بأكثر من 6.19 مليار ريال.
وذكر التقرير أيضا اعتماد أعمال إضافية في الصحة والزراعة بأكثر من مليار ريال ونصف (خمسة ملايين دولار). مضيفا إن إجمالي ما صرف دون وجه حق بلغ 601 مليار ريال ونصف مليون دولار.
الفساد في تقرير دولي
في منتصف شهر فبراير الماضي تصاعدت المخاوف إثر تصريحات رئيس البنك الدولي السابق جيمس ولفنسون التي هدد فيها بقطع المساعدات إذا لم تقدم الحكومة اليمنية على إجراء إصلاحات جدية. وقال ولفنسون في حفل افتتاح الدورة الـ 75 لمجلس الوحدة الاقتصادية الأوروبية الذي عقد في عدن عليكم أن تخلقوا أجواء مناسبة لأولئك الذين يريدون الاستثمار في اليمن.. ولا يمكن أن تسمحوا لمستوى التعليم الجامعي والوسطي أن ينخفض مستواه، عليكم بمحاربة الفساد، لا يوجد هناك مجتمع يبنى والفساد يستشري. وكان ولفنسون يوجه لوماً للحكومة اليمنية لتخاذلها في اتخاذ تدابير حازمة فقال: الحقيقة أنكم تعرفون كل هذا وأنا أسمع هذا الكلام من قبل عشر سنوات. وتجاوز ولفنسون كلمات المجاملة والإطراء التي كالها ممثلو البنك لليمن خلال السنوات الماضية ليقول: لا تمتلكون أي خيار إلا مواجهة المشكلات والعمل من أجل حلها.. ليس لديكم متسع من الوقت، وبصراحة فإن العالم لن يهتم بكم إذا لم تهتموا بأنفسكم.
وفي التقرير التقييمي للبنك الدولي حول مؤشرات الحكم في اليمن للأعوام من 1996- 2004، والذي صدر مؤخرا، كانت هناك ستة مؤشرات يعتمدها البنك للحكم الرشيد، هي: المحاسبة، والاستقرار السياسي، وفعالية الحكومة، والجودة النظامية، وسيادة القانون، والسيطرة على الفساد.
وقد كشفت أرقام التقرير عما اعتبر تردياً واضحاً في جانب سيطرة الحكومة على الفساد، فقد كانت المؤشرات عام 96 تشير إلى أن سيطرة الحكومة على الفساد بلغت 49.3 في المائة في حين تراجعت هذه السيطرة إلى 22.77 في المائة في العام 2004. كما أظهرت الأرقام تراجع الاستقرار السياسي في اليمن الذي كان قد بلغ عام 96 نسبة 26.8 في المائة فوصل في العام الماضي إلى 20.7 في المائة، فيما تراجع مؤشر سيادة القانون، بحسب تقرير البنك الدولي من 13.3 في المائة في عام 96 إلى 12.1 في المائة عام 2004، مرتفعا من 7.7 في المائة عام 2002، وقد أرجع مراقبون اقتصاديون السبب في تحسن مؤشر سيادة القانون من مستواه في العام 2002 إلى إلزام مجلس النواب الحكومة بإلغاء اتفاقية النفط المجحفة بالبلاد في القطاع النفطي رقم 53 بمنطقة سار بمحافظة حضرموت، وإلزام البرلمان الحكومة أيضا بعكس قرارها بتجديد اتفاقية الإنتاج النفطي مع شركة هنت الأمريكية في محافظتي مأرب والجوف والذي كان من شأنه تكبيد البلاد خسائر تقرب من المليار دولار. أما مؤشرات الجودة النظامية بحسب التقرير فقد تراجعت من 19.9 في عام 96 إلى 14.8 في المائة في العام الماضي. وفي جانب فعالية الحكومة أكد البنك الدولي تراجع فعالية أداء الحكومات المتعاقبة خلال السنوات الثماني الماضية والتي كانت فعاليتها 19.9 في المائة في 96 لتصل إلى 14.8 عام 2004، وفي ما يتعلق بالمحاسبة لم يختلف الوضع التقييمي عن بقية الجوانب الأخرى التي قيمها البنك الدولي في تقريره، إذ أشارت الأرقام إلى أن المحاسبة عام 96 بلغت 17.7 في المائة وتراجعت عملياتها لتصل في العام الماضي إلى 7.3 في المائة.
ومن الواضح أن هناك خللاً بنيوياً في العلاقة بين كل من السلطة و الدولة اليمنية، فقد طغت الأولى على الثانية وطبعتها بطابعها. وقد لفت ذلك أنظار كثير من مراكز الدراسات والباحثين، إلى درجة وصف دراسة لمؤسسة كارنيجي لليمن بالدولة الفاشلة.
وفي دراسة أخرى، يقول روبرت دي بوروز الأستاذ في معهد هنري جاكسون للدراسات الدولية بجامعة واشنطن في دراسة له نشرها في فبراير 2005 بعنوان (اليمن اقتصاده السياسي والجهود ضد الإرهاب):
سرعان ما تبلور النظام الحاكم في اليمن الى نوع فريد من الحكم (الاوليجارشي) حكم الأقلية المتنفذة هو (اللصوقراطية)، وفي تعريفه لمصطلح اللصوقراطية هذا كتب يقول: اللصوقراطية هي حكومة من اللصوص ومن أجل اللصوص. ثم يضيف قائلا: أصبح شاغلو المناصب الحكومية العليا والمتوسطة الذين تتدفق موارد البلاد المحلية والقروض من المساعدات الأجنبية عبرهم، في وضع مكنهم من تحقيق الثراء لأنفسهم ولأقاربهم، وأصبحت كل واحدة من الوظائف الحكومية عبارة عن دكان خاص بشاغلها.
وغدت الخدمات والرخص الحكومية مصادر للدخل أثري بواسطتها أقارب وأصدقاء الأقلية الحاكمة، وأصبحت مصادر الثروة الثلاثة في اليمن هي العلاقات أولاً والعلاقات ثانياً والعلاقات ثالثاً، وقد عم تعاطي الرشوة والاختلاس البيروقراطية الحكومية المكونة من مئات الآلاف من الموظفين المدنيين والعسكريين الذين يتقاضون رواتب متدنية جداً، وكان عليهم الاختلاس أو تلقي الرشوة لتلبية احتياجات عائلاتهم. وربما كانت أبرز مظاهر اللصوقراطية هي القصور والفيلات الضخمة التي نبتت كالأعشاب ولا تزال في العاصمة صنعاء والمدن الكبيرة في البلاد، وبعضها يشبه القلاع.
الفساد في الجهاز المصرفي
جاء في دراسة حديثة للجنة الاقتصادية في مجلس الشورى بعنوان انحسار دور الجهاز المصرفي ورأس المال الوطني في الاستثمار:
– من الملاحظ أن عدم الفصل في البنوك الوطنية الخاصة في الصلاحيات والمسؤوليات بين راسمي السياسة والمنفذين لها قد أدى إلى الإضرار بمصالح المودعين والمتعاملين معها، إضافة إلى ضعف أنظمة الرقابة الداخلية ومستوى المراجعة الخارجية.
– إن عدم التعاون في الجهاز المصرفي وتبادل المعلومات عن المتعاملين الذين عليهم قضايا والمتعثرين عن سداد القروض والمتلاعبين بالأموال والذين لهم سوابق مؤسفة قد ألحق أضراراً فادحة بالعديد من البنوك.
– عدم الالتزام بالتعليمات التي يصدرها البنك المركزي اليمني عن المديونيات المتعثرة للبنوك بحيث لم تطبق الجزاءات على مسؤولي البنوك التي تتجاوز التعليمات الواردة إليها ولا على المتعثرين، ولم تتخذ تجاههم الإجراءات العملية التي تجبرهم على الوفاء بالحقوق والتقيد بالشروط والضوابط والحقوق القانونية، بل يحدث عكس ذلك بفرض الغرامات المالية على البنك وليس على المتجاوزين والمخالفين.
– إن استمرار المدينين المتعثرين والذين لا يفون بالتزاماتهم وبالعقود والاتفاقات الموقعة معهم على جدولة السداد، في مزاولة أنشطتهم وتنقلهم بين البنوك لن يؤدي إلا إلى المزيد من الأضرار وفقدان الثقة بالمصارف والحد من نشاطها وقدراتها المالية.
– إن استمرار العمل بالأنظمة التي تسمح لأعضاء مجلس الإدارة في أي بنك والمصالح التي يمثلونها أو التابعة لهم من الاستفادة من تسهيلات البنوك لن يكون من شأنه إلا السماح لسيطرة ذوي الصلاحية والنفوذ بها واستحواذهم على معظم إبداعات المودعين وحقوق المساهمين باعتبارهم جهة اتخاذ القرار لصالحهم والتي يستحيل على الموظفين المعينين من قبلهم والخاضعين لهم من وضع حد لتصرفاتهم غير القانونية.
– إن عدم تفعيل النصوص القانونية والتوجيهات المطلوبة من البنك المركزي لتجميد عضوية أي عضو في مجلس إدارة أي بنك عليه وأفراد أسرته سيؤدي حتما إلى تعريض البنك لمخاطر فقدان كفاية رأس المال وبالتالي الإضرار بحقوق المساهمين وأموال المودعين وفقدان الثقة وانهيار البنك.
– إن عدم تحريم الترشيح والانتخاب لأي مساهم في أي بنك لعضوية مجلس الإدارة عليه وأفراد أسرته والمصالح التابعة له من الديون المتعثرة ما يزيد على السقف القانوني، أدى إلى إهدار أموال المودعين والمساهمين لصالح بعض أعضاء مجلس الإدارة، وبالتالي تعريض مركز البنك وسمعته إلى الانهيار، لذا يجب تحريم الترشيح والانتخاب لهم.
– لعل من أهداف بعض المدينين المتعثرين من المساهمين وذوي العلاقة في بعض البنوك الوطنية وأعضاء مجلس الإدارة فيها والمصالح التابعة لهم بمديونيات تزيد على مساهمتهم في البنك هو إدراج تلك الديون في قائمة الديون الرديئة والسعي لإلغائها ولإعدامها خصما من مخصصات الديون المكونة من الأرباح المستحقة للمساهمين والضرائب المستحقة عليها للدولة، والذي سيكون من نتائجه استيلاء القلة على أرباح المساهمين والضرائب المستحقة عليها، وبالتالي فقدان الثقة بالجهاز المصرفي كمؤسسات وإدارة مما يستوجب إيقاف صلاحية إلغاء أي دين أو الإعفاء منه كليا أو جزئيا من قبل مجلس الإدارة أو الجمعية العمومية التي يتمتع بصلاحيات اتخاذ القرار فيها أو المشاركة في اتخاذها مدينون من المساهمين وأعضاء مجلس الإدارة وذوي العلاقة.
أسباب وآثار الانتشار الوبائي للفساد
إن أهم سبب لانتشار الفساد بهذه الصورة هو الفشل في بناء الدولة الحديثة. وهذه الدولة ليست ترفا أو شعارا إنها ضرورة، وضرورة الدولة الحديثة تنبع من الحاجة الاقتصادية، فالاقتصاد الحديث يقوم على الصناعة والتجارة التي تتطلب سوقا يحكمها قانون واحد يعرفه المنتج والمستهلك، والمصنع والتاجر، والمواطن والأجنبي. ومن دون سيادة القانون الذي يطبق على الجميع من دون استثناء ولا وساطة، لا يمكن للاقتصاد الحديث أن تقوم له قائمة، ومن ثم فإن التنمية أيضا تتحول إلى شعار لا يتحقق وأمنية بعيدة المنال. فالتنمية بالمفهوم المعاصر تشترط وجود الدولة الحديثة التي يتوفر فيها فصل للسلطات، والحد الأدنى هو استقلال القضاء وفعاليته في أنحاء الدولة التي يحكمها قانون موحد. وعملية التنمية هذه لا تتم بمعزل عن المجتمع الدولي الذي يساهم أعضاؤه باستثماراتهم فيها، وهي استثمارات تتطلب حماية نظام قضائي يطبق قانونا موحدا في كامل القطر وعلى الجميع، لأن سيادة القانون شرط أساسي لاطمئنان المستثمر على أمواله، وهو ما لا توفره الدولة غير الحديثة التي يتعرض فيها القانون للانتهاك على يد مراكز القوى التي يفرض كل منها قانونه الخاص العرفي فلا تعود هناك علاقة تعاقدية واضحة أو مضمونة وغير معرضة للانتهاك. هذه الخاصية للدولة غير الحديثة هي التي تجعل النجاح المالي والتجاري في بلادنا حليف المشائخ ومراكز القوى من العسكريين وأقربائهم وحلفائهم السياسيين وأقربائهم، وتترك المستثمر العادي نهباً للناهبين فيضطر المستثمرون إلى مشاركة مراكز القوى أو الرحيل.
إن الأردن والسعودية ودول الخليج ذات المجتمعات البدوية، التي سادها القضاء العرفي في الأصل، نجحت في إرساء أساس تحولها إلى دول حديثة عندما وفرت سلطة الدولة وهيبتها قضاء نزيها وفعالا، فانتفت الحاجة إلى القضاء العرفي وانتهى تماما. وهذه الهيبة لسلطة الدولة وقوانينها هي التي مكنت هذه البلدان من الازدهار الاقتصادي على العكس من دول تحكمها مراكز القوى ويسود قضاءها الفساد، ففشلت في التنمية على الرغم من توفر الموارد الاقتصادية لها. فالحديث عن الديمقراطية ودولة المؤسسات في غياب سيادة القانون إنما هو حديث خرافة وكلام فارغ من أي مضمون، وتدجيل وخداع. وأنا اركز هنا على سيادة القانون لأنها الأساس والمحور الذي تبنى عليه وحوله الدولة الحديثة.
أما آثار الفساد في اليمن فقد تجلت قي نسب عالية جداً من الفقر والأمية والبطالة وتفشي الأمراض، والحرمان الواسع من الخدمات الصحية والكهرباء ومياه الشرب النظيفة، وانعكس ذلك كله على الأمن والاستقرار. وكل ذلك موثق في تقارير التنمية البشرية وحقوق الإنسان وغيرها، وهي تعكس أحوالا تملأ النفس حزناً وغماً.
::/fulltext::
::cck::1461::/cck::
