الاتفاقية العسكرية العراقية-الأمريكية المقبلة
::cck::3444::/cck::
::introtext::
ما يميز الدولة من المنظمات الأخرى (الأشخاص المعنويين) هو تمتع الدولة بالسيادة الكاملة ككيان مستقل تماماً يمارس السلطة في الداخل دون قيود غير القيود التي يضعها دستور الدولة وفي اتجاه الخارج يكون حراً في صياغة علاقاتها الخارجية لا تخضع لأي قيود غير قيود القانون الدولي، التي يجب أن تطبق بدورها على كل الدول على قدم المساواة. والسيادة تشمل كافة سلطات الدولة بحيث لا تنافسها سلطة أخرى داخل وخارج حدودها وإلا لأصبحت هذه الدولة دولة ناقصة السيادة. ولذلك فان احتلال دولة ما لإقليم دولة أخرى هو في الدرجة الأولى سلباً لسيادة هذه الدولة وإخضاعها لإرادة الاحتلال وهو بمثابة استعباد شعب كامل لأن الإنسان المستعبد ليس إلا إنساناً مسلوب الإرادة. واحتلال دول لأراضي دول أخرى يتم إما علناً أو تحت تسميات مختلفة كتحرير شعب دولة أخرى أو إرسال قوة سلام أو تقديم الدعم من قبل قوات صديقة بناء على طلب مزعوم من دولة ما. فالاحتلال الأنجلو-أمريكي للعراق مثلاً تم تحت شعار تحرير العراق.
::/introtext::
::fulltext::
ما يميز الدولة من المنظمات الأخرى (الأشخاص المعنويين) هو تمتع الدولة بالسيادة الكاملة ككيان مستقل تماماً يمارس السلطة في الداخل دون قيود غير القيود التي يضعها دستور الدولة وفي اتجاه الخارج يكون حراً في صياغة علاقاتها الخارجية لا تخضع لأي قيود غير قيود القانون الدولي، التي يجب أن تطبق بدورها على كل الدول على قدم المساواة. والسيادة تشمل كافة سلطات الدولة بحيث لا تنافسها سلطة أخرى داخل وخارج حدودها وإلا لأصبحت هذه الدولة دولة ناقصة السيادة. ولذلك فان احتلال دولة ما لإقليم دولة أخرى هو في الدرجة الأولى سلباً لسيادة هذه الدولة وإخضاعها لإرادة الاحتلال وهو بمثابة استعباد شعب كامل لأن الإنسان المستعبد ليس إلا إنساناً مسلوب الإرادة. واحتلال دول لأراضي دول أخرى يتم إما علناً أو تحت تسميات مختلفة كتحرير شعب دولة أخرى أو إرسال قوة سلام أو تقديم الدعم من قبل قوات صديقة بناء على طلب مزعوم من دولة ما. فالاحتلال الأنجلو-أمريكي للعراق مثلاً تم تحت شعار تحرير العراق.
ولا يمكن اعتبار وجود قوات عسكرية لدولة ما على أراضي دولة أخرى من دون إذن مسبق من قبل حكومة شرعية لهذه الدولة إلا احتلالاً، لذلك فإنه من النادر جداً في عالمنا اليوم أن توجد قوات دولة ما على أراضي دولة أخرى من دون اتفاق مسبق بينهما ما عدا بعض الاستثناءات القليلة كوجود القوات الإسرائيلية على أراض فلسطينية وسورية ولبنانية ووجود القوات الأجنبية في العراق حالياً.
ونظراً لحساسية المسألة تلجأ الدول عادة إلى إبرام اتفاقيات دولية لتنظيم التعاون العسكري فيما بينها، وأن كل وجود لقوات دولة ما على أراضي دولة أخرى يحتاج عادة إلى اتفاقيتين دوليتين على الأقل:
1- اتفاقية دولية تمنح الدولة المضيفة بموجبها دولة الضيف حق وجود عسكري على أراضيها تسمى عادة اتفاقية التعاون العسكري، وتنظم بصورة عامة حجم هذه القوات ومواقع تمركزها وأهدافها، وتحدد الفترة الزمنية لوجودها.
2- اتفاقية دولية ثانية تنظم الوضع القانوني لهذه القوات، والهدف منها هو تحديد حقوق وواجبات هذه القوات كتحديد الاختصاص الجنائي على هذه القوات، وحمل السلاح ودفع الضرائب والرسوم الجمركية وإجراءات دخول وخروج أفراد هذه القوات من وإلى الدولة المضيفة.
نقطة انطلاق أية اتفاقيات من هذا النوع هي أن الدولة المضيفة تمارس كامل السيادة على أراضيها والأفراد والممتلكات التي توجد على هذه الأراضي باستثناء الحصانات التي تمنح حسب القانون الدولي لبعض الأفراد وممتلكات دول ومنظمات دولية كالحصانة الدبلوماسية مثلاً، ولذلك فإن منح أفراد قوة دولة ما نوعاً من الحصانة على أراضي دولة أخرى ليس إلا استثناء من القاعدة، ويجب أن يتم حسب اتفاقية دولية تتوافر فيها كافة أركان العقد كما جاء في المادتين (46-53) لاتفاقية فيينا حول إبرام المعاهدات، أي عدم سريان الاتفاقيات التي أبرمت تحت التهديد والإكراه أو تعارض نص الاتفاقية مع القانون الدولي الإجباري كقدسية سيادة الدول وحق تقرير مصير الشعوب.
وتكمن خطورة وجود القوات الأجنبية على أراضي دول أخرى في عدم سريان هذه الاتفاقيات في زمن الحروب، ولذلك فإن الوجود العسكري الأجنبي يشكل خطراً مستمراً على سيادة الدولة المضيفة. كما أن اختلاف الأديان والثقافات والتقاليد بين الشعوب يمكن أن يؤدي إلى سوء التفاهم بين سلطات الدولة المضيفة للقوات الأجنبية وسلطات دولة الضيف لأنه ربما ما يكون مسموحاً به في قوانين دولة الضيف يمكن أن يكون ممنوعاً في قوانين الدولة المضيفة.
هناك القليل من الدول تنشئ قواعد عسكرية لها خارج أراضيها وهي عادة الدول القوية عسكريا واقتصاديا التي تلجأ إلى إبرام معاهدات عسكرية لإضفاء الشرعية على وجود قواتها على أراضي دول أخرى.
مثلاً الولايات المتحدة الأمريكية وحدها لها حالياً أكثر من مائة اتفاقية من هذا النوع مع الدول الأخرى منها أكثرية دول جوار العراق، وكذلك لها وجود عسكري في أكثر من 130 دولة في العالم يضم أكثر من نصف مليون فرد موزعين على أكثر من 700 قاعدة عسكرية، عدد منها في دول شرق أوسطية مثل تركيا والكويت وقطر والبحرين وسلطنة عمان والعراق.
ولكن ما يميز الحالة العراقية عن الدول الأخرى التي توجد على أراضيها قوات أجنبية هو عدم وجود اتفاقيات دولية بين العراق والدول التي توجد قواتها حالياً على أراضيه. إلا أن هذا الوضع اللا شرعي لا يمكن أن يدوم إلى الأبد إذ تنتهي ولاية القوة متعددة الجنسيات في العراق حسب قرار مجلس الأمن 1546 في نهاية السنة الحالية، ولذلك لا بد من اتفاقيات دولية مع هذه الدول وخاصة حكومتي أمريكا وبريطانيا لتنظيم الوضع القانوني لهذه القوات إلى حين إكمال انسحابها من العراق.
إن الوضعية القانونية للقوات متعددة الجنسيات في العراق حالياً تشبه إلى حد كبير الوضعية القانونية لوجود القوات الأمريكية في اليابان وكوريا الجنوبية وألمانيا الاتحادية بعد الحرب العالمية الثانية وقبل إبرام اتفاقيات دولية بين أمريكا وهذه الدول حول الوضعية القانونية لهذه القوات. لذا فقبل التطرق إلى الحالة العراقية يجب إلقاء نظرة سريعة على تجارب هذه الدول الثلاث مع القوات الأمريكية على أراضيها لغرض استخلاص دروس وعبر منها.
التجربة اليابانية:
توجد حالياً في اليابان 95 قاعدة عسكرية أمريكية 75 في المائة منها في جزيرة أوكيناوا يعود تاريخ وجودها إلى نهاية الحرب العالمية الثانية حيث استسلمت اليابان إلى الولايات المتحدة الأمريكية في أعقاب الحرب التي اندلعت بين البلدين على أثر هجوم ياباني على قاعدة بيرل هاربر البحرية الأمريكية.
واستمر الاحتلال الأمريكي لليابان حتى سنة 1951 حيث أبرمت الدولتان اتفاقية سان فرانسيسكو للسلام بينهما أنهت الاحتلال الأمريكي لليابان باستثناء جزيرة اوكيناوا التي ظلت تحت الاحتلال إلى سنة 1972.
وبالتزامن مع اتفاقية السلام تم إبرام اتفاقية ثانية في 8/9/1951 بين البلدين تحت اسم الاتفاقية الأمنية الأمريكية-اليابانية منحت اليابان بموجبها الولايات المتحدة الأمريكية حق إنشاء قواعد عسكرية لها على الأراضي اليابانية، تلتها اتفاقية أخرى عام 1960 حول الوضعية القانونية للقوات الأمريكية في اليابان. وواجهت الاتفاقيتان العسكريتان مقاومة شعبية يابانية واسعة غير مسلحة.
أهم بنود الاتفاقية الأمنية اليابانية-الأمريكية:
جاء في الديباجة أن الحكومة اليابانية هي التي تقدمت إلى الولايات المتحدة الأمريكية لإنشاء قواعد على أراضيها، وأن الولايات المتحدة قبلت هذا الطلب الياباني من أجل صيانة السلام.
المادة 1: تحدد واجبات القوات الأمريكية في اليابان بصورة أوسع وهي حماية اليابان من أي اعتداء خارجي أو اضطرابات داخلية واسعة ضد السلطات اليابانية.
المادة 4: تنص على أن انتهاء العمل بهذه الاتفاقية يتم باتفاق الجانبين فقط.
والاتفاقية الثانية المتعلقة بوجود القوات الأمريكية في اليابان هي الاتفاقية التي تنظم الوضع القانوني لهذه القوات وتم إبرامها في 19/1/1960.
من أهم بنود هذه الاتفاقية:
المادة 1: مصطلح القوات الأمريكية يشمل العسكريين والمدنيين المتعاقدين معهم وعوائلهم.
المادة 3: تنص على أن القوات الأمريكية في اليابان تتمتع بالحصانة، أي أنها لا تخضع للسيادة اليابانية.
المادة 6: يحق للآليات والطائرات والسفن الحربية الأمريكية دخول الأقاليم اليابانية من دون قيد أو شرط.
المادة 7: للقوات الأمريكية حق الأولوية في استخدام الممتلكات العامة اليابانية كالطرق مثلاً.
المادة 9: أفراد القوات الأمريكية يتم استثناؤهم من إجراءات دخول الأراضي اليابانية كإجراءات الفيزا والجوازات.
المادة 11: أفراد القوات الأمريكية يتم استثناؤهم من رسوم الجمارك والضرائب اليابانية.
المادة 17: للسلطات الأمريكية الاختصاص الجنائي والتأديبي على قواتها، وللسلطات اليابانية الاختصاص الجنائي على أفراد القوات الأمريكية فقط في حالة خرق هؤلاء للقوانين اليابانية وداخل المناطق الخاضعة للسيادة اليابانية، لكن لا يحق للسطات اليابانية احتجاز المتهمين الأمريكيين بل يبقى هؤلاء في قبضة السلطات الأمريكية إلى حين تقديمهم إلى المحاكم اليابانية.
المادة 18: ليس للسطات الأمريكية الاختصاص الجنائي على المواطنين اليابانيين.
المادة 25: ستشكل لجنة يابانية-أمريكية مشتركة لمراقبة تطبيق هذه الاتفاقية.
المادة 28: سريان مفعول هذه الاتفاقية يستمر مع سريان مفعول الاتفاقية الأمنية.
عند إلقاء نظرة تحليلية خاطفة على هاتين الاتفاقيتين نرى أنهما عبارة عن اتفاقيات غير منصفة وليست مبنية على المساواة بين الشعوب والدول ومبدأ احترام سيادة الدول.
فقد جاء في ديباجة الاتفاقية الأمنية لسنة 1951 مثلا أن اليابان هي التي طلبت من الولايات المتحدة إنشاء قواعد لها على الأراضي اليابانية وهذا لا يتطابق مع الواقع السائد آنذاك، إذ إن القواعد الأمريكية كانت قائمة في اليابان منذ نهاية الحرب العالمية الأولى، ولم يكن الطلب الياباني إلا اعترافاً بالأمر الواقع، ولم يكن لديها أصلا خيار آخر. فصياغة الديباجة بهذا الشكل كان هدفها فرض شروط قاسية على اليابان كالشرط المتعلق بكيفية إنهاء العمل بالاتفاقيتين، أي بموافقة الجانبين، ما يعني أن الاتفاقيتين يمكن أن تدوما إلى الأبد أو على الأقل إلى الموعد الذي يراه الأمريكيون مناسباً لخروجهم من اليابان. فاليابان قادرة اليوم على الدفاع عن نفسها وهي دولة مستقرة ومع هذا لا يحق لها التخلص من الوجود العسكري الأمريكي، بل يجب عليها تحمل بعض تكاليف هذا الوجود أيضاً.
وفي ما يتعلق بالاتفاقية الثانية، أي اتفاقية 1960 حول الوضعية القانونية للقوات الأمريكية في اليابان نرى أنها تمنح امتيازات واسعة للقوات الأمريكية تتعارض مع السيادة اليابانية على كل أراضيها إذ تنص المادة الثالثة من هذه الاتفاقية على تمتع القواعد الأمريكية بالحصانة الكاملة وخضوعها كاملة للسيادة الأمريكية. فمن المعلوم أن القواعد العسكرية يمكن استخدامها لأغراض كثيرة منها إنتاج وتخزين أسلحة الدمار الشامل مما يمكن أن يؤثر في صحة المواطنين وبيئة البلد، لذا كان لا بد للسلطات اليابانية حق مراقبة استخدام هذه القواعد وإجراء تفتيشات دورية عليها.
وفي ما يخص الاختصاص الجنائي للسلطات اليابانية على أفراد القوات الأمريكية خارج قواعدها فإن المادة السابعة عشرة تنص على بقاء المتهمين في قبضة السلطات الأمريكية إلى حين تقديمهم إلى المحاكم اليابانية مما يعيق إجراءات التحقيق وكشف الأدلة ويزيد من خطورة مغادرة المتهمين الأراضي اليابانية قبل تقديمهم إلى المحاكم، ومن المعلوم أن دخول وخروج أفراد هذه القوات من وإلى الأراضي اليابانية لا يحتاج إلى موافقة سلطات الحدود اليابانية. كما أن تجارب المواطنين اليابانيين مع القوات الأمريكية ليست مرضية وخاصة في جزيرة اوكيناوا حيث ارتكبت جرائم بشعة بحق السكان من قبل الأمريكيين كحوادث القتل والاغتصاب كما حدث في العراق.
التجربة الكورية:
انقسمت كوريا عام 1948 إلى شطرين، الشطر الشمالي تحت قيادة الحزب الشيوعي والشطر الجنوبي تحت قيادة القوميين، وكان خط العرض 38 يشكل الحدود الدولية بين الشطرين. ولكن الشطر الشمالي قرر ضم الشطر الجنوبي وشن هجوماً واسعاً عليه سنة 1950 واحتلت قواتها العاصمة الجنوبية سيئول. فطالب مجلس الأمن الدولي في قراره الرقم 83 الصادر في 27/6/1950 المجتمع الدولي بإرسال قوات إلى كوريا الجنوبية لمساعدتها وتجاوبت عدة دول معادية للحركة الشيوعية مع هذا القرار منها الحكومة الأمريكية حيث أرسلت قوة كبيرة لمحاربة قوات كوريا الشمالية، ثم تدخلت القوات الصينية لصالح القوات الكورية الشمالية إلى أن استقرت الأمور عند الخط العرضي 38 كحدود للبلدين وتم الاتفاق على هدنة بين كافة الأطراف عام 1953. و لكن القوات الأمريكية لم تغادر أراضي كوريا الجنوبية بعد الحرب بل أنشأت قواعد دائمة لها حسب اتفاقية الدفاع المشترك التي أبرمت بين البلدين عام 1953.
أهم بنود اتفاقية الدفاع المشترك بين البلدين:
هدف الاتفاقية هو صيانة الأمن والسلم وردع الاعتداءات الخارجية.
المادة 1-3: تنص على أن الاتفاقية هي اتفاقية التعاون المشترك بين البلدين.
المادة 4: تنص على أن كوريا الجنوبية تمنح الولايات المتحدة الأمريكية حق إنشاء قواعد برية وبحرية وجوية في أقاليم كوريا الجنوبية.
المادة 6: تنص على أن لكلا الجانبين حق الانسحاب من هذه الاتفاقية (سنة) بعد إعلام الطرف الآخر بقرار الانسحاب.
وفي ما يتعلق بالاتفاقية العسكرية الثانية، أي الاتفاقية حول الوضعية القانونية للقوات الأمريكية على الأراضي الكورية الجنوبية التي تم إبرامها عام 1966 فإن أهم بنودها هي:
المادة 1: مصطلح القوات يشمل العسكريين والمدنيين المتعاقدين وعوائلهم.
المادة 70-8: تنص على أن أفراد القوات الأمريكية يجب استثناؤهم من إجراءات الحدود كالفيزا وجوازات السفر.
المادة 9: أفراد القوات الأمريكية يتم استثناؤهم من رسوم الجمارك.
المادة 17: بالنسبة للمستخدمين الكوريين في هذه القواعد فإن قانون العمل الكوري يطبق عليهم.
المادة 22: تمارس السلطات الأمريكية الاختصاص الجنائي والتأديبي على أفراد قواتها وتمارس سلطات كوريا الجنوبية الاختصاص الجنائي على أفراد القوات الأمريكية في حالة خرق القوانين الكورية من قبل هذا القوات، ولكن المتهمين الأمريكيين يبقون في قبضة السلطات الأمريكية إلى حين تقديمهم إلى المحاكم الكورية وفي حالة اعتقالهم من قبل سلطات كوريا الجنوبية يجب تسليمهم فوراً إلى السلطات الأمريكية في كوريا.
إن تقييماً سريعاً لوضع القوات الأمريكية في كوريا يبين مدى ضعف دور سلطات كوريا الجنوبية في ممارسة السيادة على أراضيها كاملة، ويبين أيضاً مدى توسع الفجوة بين النظرية والواقع حيث قام بين 1967-1987 أكثر من 45 الفاً من أفراد القوات الأمريكية بخرق قوانين كوريا الجنوبية فلم يقدم إلا 325 من هؤلاء إلى المحاكم الكورية لأن السلطات الأمريكية عرقلت في الحالات الأخرى تسليمهم إلى السلطات الكورية أو سهلت لهم مغادرة الأراضي الكورية قبل إكمال التحقيقات بالرغم من أن بعض الخروقات كانت تتعلق بحوادث قتل وجرائم كبرى أخرى.
وبالنسبة لتطبيق قانون العمل الكوري الجنوبي على العاملين الكوريين في القواعد الأمريكية فإن السبب هو عدم حماية هذه القوانين لحقوق العمال بصورة مرضية بعكس القوانين الأمريكية، لذا فإن ظاهرة استغلال العمال الكوريين في القواعد الأمريكية كانت منتشرة وفي بعض الحالات تم استغلال النساء العاملات لأغراض الدعارة داخل هذه القواعد.
وبالنسبة للسيادة المطلقة التي تمارسها السلطات الأمريكية على قواعدها في كوريا الجنوبية فهي تتعارض أيضاً مع المبادئ الأساسية للقانون الدولي وحق الشعوب في السيادة على أراضيها، بالإضافة إلى تشكيل هذه القواعد خطراً على بيئة كوريا الجنوبية لأنها تضم أيضاً أسلحة نووية.
التجربة الألمانية:
ألمانيا الاتحادية كونها دولة أوروبية حالتها تختلف تماماً عن حالة الدولتين الآسيويتين اليابان وكوريا الجنوبية، إذ إن الاتفاقيات العسكرية الألمانية مع الولايات المتحدة الأمريكية ودول حلف الناتو تضمن للسلطات الألمانية حقوقاً متساوية بحيث تمارس السلطات الألمانية سيادتها حتى داخل القواعد العسكرية الأمريكية وخروقات القوانين الألمانية من قبل أفراد القوات الأمريكية لا تتعدى المعدل العادي، وتتم إحالة كل حالة إلى المحاكم الألمانية ولا امتيازات للقوات الأجنبية في ألمانيا الاتحادية على حساب المواطنين الألمان ولا يحق لهذه القوات التدخل في الشؤون الداخلية لألمانيا.
ويعود تاريخ وجود القوات الأمريكية على الأراضي الألمانية إلى الحرب العالمية الثانية حيث احتلت القوات الأمريكية والسوفييتية والبريطانية والفرنسية الأراضي الألمانية وبقيت القوات الأمريكية والبريطانية والفرنسية في ألمانيا بعد الحرب بموجب اتفاقية أبرمتها مع ألمانيا في 26/5/1952 فيما انفصلت ألمانيا الديمقراطية آنذاك عن ألمانيا الاتحادية وأنشأ الاتحاد السوفييتي آنذاك قواعد عسكرية على أراضيها.
وهناك الآن حوالي مائة ألف من الأفراد التابعين للقوات الأمريكية موزعين على تسع قواعد عسكرية رئيسية، وأن ألمانيا الاتحادية تساهم سنوياً بما يقارب مليار دولار لإدامة هذه القواعد.
وفي ما يتعلق بالوجود السوفييتي في ألمانيا الشرقية فإن القوات السوفييتية انسحبت من الأراضي الألمانية بين 1990-1994 بعد توحيد شطري ألمانيا حسب اتفاقية أبرمت بين البلدين.
أهم بنود اتفاقية 1952:
هدف الاتفاقية هو خدمة السلم وإعادة السيادة الكاملة إلى ألمانيا الاتحادية وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للغير.
المادة 1: ألمانيا الاتحادية هي دولة ذات سيادة كاملة داخلياً وخارجياً وبنود هذه الاتفاقية لا تمثل إلا استثناء من هذه السيادة.
المادة 2: تنص على شرعية وجود قوات الدول الثلاث على الأراضي الألمانية حسب هذه الاتفاقية.
المادة 4: لا يجوز للدول الثلاث (أمريكا وفرنسا وبريطانيا) تمركز قوات دول أخرى على أراضي ألمانيا الاتحادية إلا بإذن مسبق من حكومة ألمانيا الاتحادية.
تم تعديل هذه الاتفاقية سنة 1990 بحيث يمكن لكل الأطراف الانسحاب من هذه الاتفاقية (سنتين) بعد إعلام الأطراف الأخرى بقرار الانسحاب.
و في ما يتعلق بالوضعية القانونية للقوات الأمريكية في ألمانيا الاتحادية فإن الدولتين قامتا بإبرام اتفاقية خاصة بهذا الشأن عام 1963 تم تعديلها إلى الآن عدة مرات في سنوات 1971 و1981 و1993 لتتواكب مع التغيرات على الساحتين الداخلية والدولية.
وتضم الاتفاقية 83 مادة تنظم كل شيء من حماية البيئة إلى شروط حمل السلاح بعكس الاتفاقيتين المبرمتين بين أمريكا وكلاً من اليابان وكوريا الجنوبية مما يدل على التمييز الواضح بين التعامل الأمريكي مع الأوروبيين وغير الأوروبيين.
أهم بنود هذه الاتفاقية:
المادة 11: لا يجوز للقوات الأمريكية حمل السلاح خارج قواعدها إلا بإذن خاص من السلطات الألمانية المختصة.
المادة 12: لا يجوز لهذه القوات استعمال السلاح إلا في حالات الدفاع عن النفس.
المادة 20: لا يجوز للقوات الأمريكية إلقاء القبض على أفراد من غير قواتها وإذا اضطرت إلى القيام بعمل كهذا فيجب عليها تسليم المعتقلين مباشرة إلى السلطات الألمانية.
المادة 22: للسلطات الأمريكية الاختصاص الجنائي والتأديبي داخل قواعدها وعلى أفرادها، وللسلطات الألمانية الاختصاص الجنائي خارج هذه القواعد ويحق للسطات الألمانية اعتقال أفراد القوات الأمريكية في الحالات الضرورية.
المادة 28: يحق للشرطة الألمانية ممارسة اختصاصاتها داخل القواعد العسكرية الأمريكية في حالات وجود خطر تهديد الأمن العام لألمانيا الاتحادية.
المادة 30: يتم تشكيل لجان مشتركة لغرض مراقبة تطبيق بنود هذه الاتفاقية.
المادة 54: على السلطات الأمريكية التقيد بقواعد حماية البيئة الألمانية داخل وخارج قواعدها.
المادة 81: لكلا الطرفين حق الانسحاب من هذه الاتفاقية (سنتين) بعد إعلام الطرف الآخر بقرار الانسحاب وبعد المشاورات بين الجانبين.
ومن خلال إلقاء نظرة تحليلية على الاتفاقيات العسكرية الألمانية – الأمريكية نرى كيف أن أمريكا تتعامل مع الدول الأوروبية على قدم المساواة بعكس علاقاتها العسكرية مع الدول غير الأوروبية بحيث تتحدث ديباجة الاتفاقية العسكرية مع ألمانيا لسنة 1952 عن السيادة الكاملة لألمانيا وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، ولا نجد ذكراً لمبدأ كهذا في الاتفاقيات المبرمة مع كل من اليابان وكوريا الجنوبية.
كما أن الفجوة في المعاملة تتوسع أكثر بين الحالة الألمانية وحالة كل من اليابان وكوريا الجنوبية إذا قمنا بمقارنة الاتفاقية الألمانية المختصة بالوضع القانوني للقوات الأمريكية في ألمانيا الاتحادية مع الاتفاقيتين المشابهتين بين أمريكا وكل من اليابان وكوريا الجنوبية خاصة في ما يتعلق بممارسة الشرطة الألمانية لاختصاصها داخل القواعد الأمريكية وعدم جواز حمل السلاح من قبل القوات الأمريكية خارج قواعدها إلا بإذن مسبق من السلطات الألمانية والتي لها أيضاً حق إلقاء القبض على أفراد القوات الأمريكية بعكس حالتي اليابان وكوريا الجنوبية، حيث يبقى المتهمون الأمريكيون في قبضة السلطات الأمريكية داخل قواعدها إلى حين تقديمهم إلى المحاكم مما يسهل عملية إعاقة جمع الأدلة ومغادرة هؤلاء للأراضي اليابانية أو الكورية.
ولعل في هذه المقارنة درساً للعراق حيث إن العراق هو الآن في مرحلة تنظيم الوضع القانوني للقوات الأجنبية على أراضيه من أجل تحديد التزاماتها تجاه العراق إلى حين إكمال انسحابها من العراق حسب جدول زمني متفق عليه بين الحكومة العراقية والأطراف المعنية.
مستقبل القوات الأمريكية في العراق
يبدو من الوهلة الأولى أن هناك تشابهاً بين الحالة العراقية وحالة كل من اليابان وكوريا الجنوبية وألمانيا حيث دخلتها القوات الأمريكية دون إذن مسبق من حكوماتها، ومع هذا فإن الحالة العراقية تختلف بالكامل من حالات الدول الثلاث. ففي ما يتعلق بالحالتين الألمانية واليابانية فإن القوات الأمريكية احتلتهما بعدما هاجمتا أمريكا واحتلتا الكثير من دول العالم إبان الحرب العالمية الثانية ولم يكن هذا هو الحال مع احتلال العراق من قبل القوات الانجلو-أمريكية سنة 2003 إذ إن النظام العراقي السابق بعد احتلاله للكويت في آب 1990 تم طرده من الكويت فيما بعد بقرار دولي اشتركت في تنفيذه قوات دولية وخاصة القوات الأمريكية، ولكن النظام استمر في الحكم بعد اعتدائه، هذا بعكس اليابان وألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية.
و لا تشبه الحالة العراقية الحالة الكورية بالضبط، إذ إن القوات الأمريكية دخلت أراضي الكورية الجنوبية عام 1951 بتفويض دولي من خلال قرار مجلس الأمن رقم 83 الصادر في 27/6/1950 بعدما تعرضت أراضي كوريا الجنوبية لهجوم من قبل قوات كوريا الشمالية، ولكن في الحالة العراقية لم يكن هناك تفويض دولي لدخول القوات الأجنبية للعراق. فكل ما حدث في العراق كان قيام القوات الأنجلو-أمريكية بالإطاحة بنظام حكم ساعدتاه يوماً ما على المجيء إلى الحكم لمحاربة الشيوعيين إبان الحرب الباردة.
ولا يمكن اعتبار احتلال العراق تدخلاً إنسانياً إذ إن النظام العراقي السابق كان يتمتع بدعم مادي ومعنوي خلال حملاته على دول الجوار والشعب العراقي واستعماله أسلحة الدمار الشامل من قبل أمريكا وبريطانيا نفسهما. ولا يمكن اعتباره تحريراً لأن التحرير هو نقيض الاحتلال ومن المعلوم أن بريطانيا وأمريكا اعترفتا رسمياً حسب قرار مجلس الأمن 1483 بوضعهما القانوني في العراق كمحتلين. واحتلال العراق لا يمكن أن يكون حملة لنشر الحرية والديمقراطية في الشرق الأوسط لأن الحرية والديمقراطية لا تنشر عن طريق الاحتلال والتعذيب والقتل والاغتصاب.
اذاً فإن الاحتلال الأنجلو-أمريكي للعراق كان عملاً استعمارياً مباشراً مخططاً له منذ زمن بعيد للاستيلاء على ثروات العراق وفرض الهيمنة الأجنبية على شعبه لأسباب عنصرية لأن كل احتلال هو عمل عنصري وكذلك كاستجابة لضغوط كانت تتعرض لها الإدارة الأمريكية من قبل بعض جماعات الضغط العنصرية.
إن القرار الأنجلو-أمريكي بتغيير وضعهما القانوني من المحررين إلى المحتلين كان بمثابة إهانة كبيرة لشعب بكامله، وأن قوات الدولتين في العراق شعرتا بالأثر الذي خلفته هذه الإهانة على العراقيين حيث ازدادت أعمال العنف والمقاومة ضد الاحتلال واضطرت الدولتان إلى التراجع عن قرارهما هذا، وطالبتا مجلس الأمن بتغيير وضعهما القانوني من قوات محتلة إلى قوات متعددة الجنسيات تساعد على ضبط الأمن في العراق وبالفعل صدر قرار مجلس الأمن رقم 1546 في 8/6/2004 الذي أكد في ديباجته على سيادة واستقلالية العراق، وكذلك أكد في فقرته الثانية على انتهاء احتلال العراق رسمياً ولكن الاحتلال بقي من الناحية العملية خلال وجود عشرات الألوف من القوات الأمريكية وقوات دول أخرى تتصرف في العراق كما تشاء.
صحيح أن هذه القوات تتمتع الآن بتفويض دولي حسب الفقرة التاسعة من قرار مجلس الأمن 1546 ولكن هذا التفويض سينتهي حسب الفقرة الثانية عشرة من القرار نفسه في موعد أقصاه 31/12/2005 وحتى قبل هذا الموعد يحق للحكومة العراقية مطالبة القوات الأجنبية بمغادرة العراق.
ولعله من البديهي أن أمريكا تبذل الآن قصارى جهدها للوصول إلى اتفاقية دولية مع الحكومة العراقية المنتخبة تمنح بموجبها القوات الأمريكية قواعد لها في العراق، أي بمعنى آخر إدامة الاحتلال تحت مسميات أخرى كالتعاون العسكري بين البلدين أو قوات حفظ السلام مثلاً.
كيف تعقد الحكومة العراقية الاتفاقيات الدولية؟
قانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية وضع شروطاً واضحة حول إجراءات عقد الاتفاقيات الدولية:
المجلس الوطني المنتخب يقوم أولاً بانتخاب مجلس الرئاسة المكون من ثلاثة أعضاء ورئيس الوزراء وأعضاء المجلس الوزاري، والمجلس الوطني نفسه هو السلطة الوحيدة المخولة بإبرام الاتفاقيات والمعاهدات الدولية حسب المادة 32 فقرة (و) من قانون الإدارة وحسب المادة 39 فقرة (أ) يقوم مجلس الوزراء بموافقة مجلس الرئاسة بتعيين ممثلين لغرض التفاوض على عقد معاهدات واتفاقيات دولية. وبعد الانتهاء من مسودة المعاهدة يقوم مجلس الرئاسة بالتوصية بإصدار قانون من المجلس الوطني للمصادقة على هذه المعاهدة والمجلس الوطني حسب المادة 33 فقرة (أ) يتخذ قراراته بالأغلبية البسيطة ما عدا بعض الحالات. وهذا يعني أن أي اتفاقية عسكرية عراقية مع أمريكا يمكن التصديق عليها من قبل المجلس الوطني المنتخب بالأغلبية البسيطة لكي تصبح ملزمة للعراق. فمثلاً لو صوت 101 عضو من أعضاء المجلس الوطني لصالح هذه الاتفاقية وصوت 99 منهم ضده وامتنع 75 منهم عن التصويت فإن الاتفاقية تعتبر سارية المفعول بفارق صوت واحد فقط. كما أن الدور الرئيسي في صياغة مسودة هذه الاتفاقية لا يلعبه المجلس الوطني بل الممثلون المعينون من قبل مجلس الوزراء للتفاوض بشأن الاتفاقية وهؤلاء يكونون عادة من خبراء القانون. فدور المجلس الوطني يقتصر على التصديق على هذه الاتفاقية فقط لإضفاء الشرعية عليها. لذا فإن مضمون وشكل الاتفاقية العسكرية مع أمريكا يتوقفان بالدرجة الأولى على شخصية وهوية ومهارة ونزاهة ووطنية الممثلين المعينين من قبل مجلس الوزراء للتفاوض مع الأمريكيين وبُعد تفكيرهم الاستراتيجي وإلا لكان بإمكانهم إيقاع العراق بفخ وجود العسكري الأجنبي إلى الأبد وتحت شروط قاسية، كما رأينا في الحالتين اليابانية والكورية. والمجلس الرئاسي يلعب هنا دوراً رئيسياً أيضاً إذ يقوم أولاً بقبول مسودة الاتفاقية ثم بتوصية المجلس الوطني بالمصادقة عليها لكي تصبح قانوناً وكما هو معلوم فإن المجلس الرئاسي يتخذ قراراته بالإجماع حسب المادة 36 فقرة (ج) من قانون إدارة الدولة، لذا يقع واجب وطني ومصيري عظيم على عاتق المجلس الرئاسي، وأن التاريخ لن يغفر لأحد. وإلا فإن الشعب العراقي سوف يتصدي لأي اتفاقية عسكرية مع أمريكا لا تضمن انسحاب هذه القوات من الأراضي العراقية بأسرع وقت ممكن وحسب جدول زمني متفق عليه، وأن التصدي الباسل للشعب العراقي للاتفاقية العسكرية الريطانية-العراقية في العهد الملكي هو خير مثال على ذلك، حيث أطاح هذا الشعب بهذا النظام التابع للاستعمار البريطاني عام 1958 وإلى الأبد، وسيطيح بأي نظام آخر تابع للسيطرة الأجنبية المباشرة وغير المباشرة.
الشروط التي يجب توافرها في الاتفاقية العسكرية العراقية-الأمريكية المقبلة
يبدو أنه لا مهرب من عقد اتفاقيات مع أمريكا وربما دول أخرى توجد قواتها الآن في العراق لتنظيم الوضع القانوني لهذه القوات وتحديد فترة زمنية محددة لاستكمال انسحاب هذه القوات من العراق، وأن موضوع وجود قوات أجنبية على أراضي دولة ما موضوع حساس جداً لكون هذه القوات مصدر تهديد دائم لأمن وسيادة وسلامة الدولة كما كانت الحال مع القوات البريطانية التي كانت توجد في العراق حسب اتفاقية ثنائية مع الحكومة العراقية في العهد الملكي، ولكن بالرغم من وجود هذه الاتفاقية قامت القوات البريطانية بإعادة احتلال العراق سنة 1941 وهذا الخطر سيبقى موجوداً في العراق مستقبلاً في ظل وجود أي قوات أجنبية في العراق حتى لو كان خلال اتفاقية دولية. وبسبب حساسية هذا النوع من الاتفاقيات والأخطار التي يمكن أن تنجم عنها على سيادة العراق وكرامة شعبه فيجب الاستفادة من تجارب الدول الأخرى التي مرت يوماً ما بمرحلة مشابهة للمرحلة العراقية الحالية.
ومن خلال تحليل التجربة اليابانية والكورية والألمانية نرى أنه يجب توافر الشروط التالية كحد أدنى في أي اتفاقية عسكرية عراقية مع أمريكا:
1- الهدف الرئيسي وراء عقد الاتفاقية يكون تحديد جدول زمني محدد لخروج القوات الأجنبية من العراق وليس بقاء هذه القوات حيث إنها تواجه كراهية واسعة من قبل الأكثرية الساحقة للشعب العراقي.
2- إبرام الاتفاقية يأتي بطلب من الطرف الأجنبي وليس بطلب من العراق لأن ولاية القوات الأجنبية ستنتهي على كل حال نهاية عام 2005 حسب قرار مجلس الأمن رقم 1546 وأن العراق ليس بحاجة إلى هذه القوات، بل بالعكس فهي تشكل عامل عدم استقرار في العراق ورمزاً لإهانة العراقيين، وإذا رغبت هذه القوات في مغادرة العراق واستطاع الأمريكيون وغيرهم استكمال سحب قواتهم من العراق قبل الفترة المحددة في قرار مجلس الأمن فإن العراقيين سيساعدونهم على الخروج من العراق بأسرع وقت ممكن.
3- أي اتفاقية عسكرية عراقية مع أي دولة كانت يجب أن تطرح مسودتها على الشعب للاستفتاء عليها.
4- يجب أن يكون من الممكن إنهاء العمل بالاتفاقية من طرف واحد وبعد شهر واحد من إعلام الطرف الآخر بقرار الإنهاء.
5- القوات الأجنبية وإلى حين استكمال انسحابها تخضع لسيادة عراقية كاملة.
6- السلطات العراقية تمارس الاختصاص الجنائي على أفراد القوات الأجنبية خارج وداخل قواعدها في حالة خرقها للقوانين العراقية.
7- لا يجوز لهذه القوات حمل السلاح خارج قواعدها إلا بإذن مسبق من السلطات العراقية.
8- يمنع تخزين أسلحة الدمار الشامل في العراق.
9- لا يجوز لهذه القوات استعمال الأراضي العراقية للاعتداء على دول الجوار أو دول أخرى.
10- لا تمارس القوات الأجنبية اختصاصها على العراقيين ولا يجوز لهذه القوات اعتقال أي عراقي.
11- لا يجوز للقوات الأجنبية في العراق استعمال السلاح إلا في حالات الضرورة القصوى.
12- دخول وخروج أفراد هذه القوات من وإلى العراق يخضعان إلى مراقبة عراقية.
13- لا يجوز استعمال هذه القواعد لتوجيه وسائل إعلامية تصل مداها إلى خارج قواعد هذه القوات.
14- السلطات العراقية تكون مسؤولة عن أمن هذه القوات خارج قواعدها.
15- يتم تحديد مواقع وجود هذه القوات في أماكن غير مأهولة بالسكان كالمناطق الصحراوية نظراً لوجود حساسيات بين هذه القوات والشعب العراقي ولضمان حمايتهم من هجمات الجماعات مسلحة.
16- شرطة البيئة العراقية تمارس نشاطاتها داخل هذه القواعد لضمان سلامة استعمالها وعدم تشكيلها خطراً على صحة العراقيين.
17- يحق للسلطات العراقية اعتقال أفراد القوات الأجنبية في العراق وتقديمهم إلى المحاكمة في حالة خرقهم للقوانين العراقية.
18- السلطات العراقية لا تتحمل تكاليف إدامة وصيانة هذه القواعد.
19- تسلم القوات الأجنبية كافة المسجونين لديها من غير أفراد قواتها إلى السلطات العراقية.
20- لا يجوز لأي عراقي أو غير عراقي ما عدا أفراد هذه القوات العمل داخل هذه القواعد إلا بإذن مسبق من السلطات العراقية.
21- على القوات الأجنبية أن تحترم القوانين والأعراف والتقاليد السائدة في العراق وتستفيد من الممتلكات العامة بمسؤولية.
22- لا تتمتع القوات الأجنبية في العراق بأي امتيازات مقابل المواطنين العراقيين كالأولوية في استعمال الطرق والاستفادة من الخدمات الأساسية.
23- يتم تزويد هذه القوات بالخدمات الأساسية كالماء والكهرباء مقابل أجور يتفق عليها الجانب العراقي مع الجانب الأجنبي.
24- لا يجوز لهذه القوات التدخل في الشؤون العراقية بأي شكل من الأشكال.
هذه الشروط يجب توافرها في أي اتفاقية عسكرية مع أمريكا أو غيرها في العراق وإلا فسيعود القرار للشعب، والشعب لا يرحم، من يهينه، وتاريخ الشعوب من فيتنام إلى فلسطين إلى كردستان خير شاهد على ذلك.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::3444::/cck::
::introtext::
ما يميز الدولة من المنظمات الأخرى (الأشخاص المعنويين) هو تمتع الدولة بالسيادة الكاملة ككيان مستقل تماماً يمارس السلطة في الداخل دون قيود غير القيود التي يضعها دستور الدولة وفي اتجاه الخارج يكون حراً في صياغة علاقاتها الخارجية لا تخضع لأي قيود غير قيود القانون الدولي، التي يجب أن تطبق بدورها على كل الدول على قدم المساواة. والسيادة تشمل كافة سلطات الدولة بحيث لا تنافسها سلطة أخرى داخل وخارج حدودها وإلا لأصبحت هذه الدولة دولة ناقصة السيادة. ولذلك فان احتلال دولة ما لإقليم دولة أخرى هو في الدرجة الأولى سلباً لسيادة هذه الدولة وإخضاعها لإرادة الاحتلال وهو بمثابة استعباد شعب كامل لأن الإنسان المستعبد ليس إلا إنساناً مسلوب الإرادة. واحتلال دول لأراضي دول أخرى يتم إما علناً أو تحت تسميات مختلفة كتحرير شعب دولة أخرى أو إرسال قوة سلام أو تقديم الدعم من قبل قوات صديقة بناء على طلب مزعوم من دولة ما. فالاحتلال الأنجلو-أمريكي للعراق مثلاً تم تحت شعار تحرير العراق.
::/introtext::
::fulltext::
ما يميز الدولة من المنظمات الأخرى (الأشخاص المعنويين) هو تمتع الدولة بالسيادة الكاملة ككيان مستقل تماماً يمارس السلطة في الداخل دون قيود غير القيود التي يضعها دستور الدولة وفي اتجاه الخارج يكون حراً في صياغة علاقاتها الخارجية لا تخضع لأي قيود غير قيود القانون الدولي، التي يجب أن تطبق بدورها على كل الدول على قدم المساواة. والسيادة تشمل كافة سلطات الدولة بحيث لا تنافسها سلطة أخرى داخل وخارج حدودها وإلا لأصبحت هذه الدولة دولة ناقصة السيادة. ولذلك فان احتلال دولة ما لإقليم دولة أخرى هو في الدرجة الأولى سلباً لسيادة هذه الدولة وإخضاعها لإرادة الاحتلال وهو بمثابة استعباد شعب كامل لأن الإنسان المستعبد ليس إلا إنساناً مسلوب الإرادة. واحتلال دول لأراضي دول أخرى يتم إما علناً أو تحت تسميات مختلفة كتحرير شعب دولة أخرى أو إرسال قوة سلام أو تقديم الدعم من قبل قوات صديقة بناء على طلب مزعوم من دولة ما. فالاحتلال الأنجلو-أمريكي للعراق مثلاً تم تحت شعار تحرير العراق.
ولا يمكن اعتبار وجود قوات عسكرية لدولة ما على أراضي دولة أخرى من دون إذن مسبق من قبل حكومة شرعية لهذه الدولة إلا احتلالاً، لذلك فإنه من النادر جداً في عالمنا اليوم أن توجد قوات دولة ما على أراضي دولة أخرى من دون اتفاق مسبق بينهما ما عدا بعض الاستثناءات القليلة كوجود القوات الإسرائيلية على أراض فلسطينية وسورية ولبنانية ووجود القوات الأجنبية في العراق حالياً.
ونظراً لحساسية المسألة تلجأ الدول عادة إلى إبرام اتفاقيات دولية لتنظيم التعاون العسكري فيما بينها، وأن كل وجود لقوات دولة ما على أراضي دولة أخرى يحتاج عادة إلى اتفاقيتين دوليتين على الأقل:
1- اتفاقية دولية تمنح الدولة المضيفة بموجبها دولة الضيف حق وجود عسكري على أراضيها تسمى عادة اتفاقية التعاون العسكري، وتنظم بصورة عامة حجم هذه القوات ومواقع تمركزها وأهدافها، وتحدد الفترة الزمنية لوجودها.
2- اتفاقية دولية ثانية تنظم الوضع القانوني لهذه القوات، والهدف منها هو تحديد حقوق وواجبات هذه القوات كتحديد الاختصاص الجنائي على هذه القوات، وحمل السلاح ودفع الضرائب والرسوم الجمركية وإجراءات دخول وخروج أفراد هذه القوات من وإلى الدولة المضيفة.
نقطة انطلاق أية اتفاقيات من هذا النوع هي أن الدولة المضيفة تمارس كامل السيادة على أراضيها والأفراد والممتلكات التي توجد على هذه الأراضي باستثناء الحصانات التي تمنح حسب القانون الدولي لبعض الأفراد وممتلكات دول ومنظمات دولية كالحصانة الدبلوماسية مثلاً، ولذلك فإن منح أفراد قوة دولة ما نوعاً من الحصانة على أراضي دولة أخرى ليس إلا استثناء من القاعدة، ويجب أن يتم حسب اتفاقية دولية تتوافر فيها كافة أركان العقد كما جاء في المادتين (46-53) لاتفاقية فيينا حول إبرام المعاهدات، أي عدم سريان الاتفاقيات التي أبرمت تحت التهديد والإكراه أو تعارض نص الاتفاقية مع القانون الدولي الإجباري كقدسية سيادة الدول وحق تقرير مصير الشعوب.
وتكمن خطورة وجود القوات الأجنبية على أراضي دول أخرى في عدم سريان هذه الاتفاقيات في زمن الحروب، ولذلك فإن الوجود العسكري الأجنبي يشكل خطراً مستمراً على سيادة الدولة المضيفة. كما أن اختلاف الأديان والثقافات والتقاليد بين الشعوب يمكن أن يؤدي إلى سوء التفاهم بين سلطات الدولة المضيفة للقوات الأجنبية وسلطات دولة الضيف لأنه ربما ما يكون مسموحاً به في قوانين دولة الضيف يمكن أن يكون ممنوعاً في قوانين الدولة المضيفة.
هناك القليل من الدول تنشئ قواعد عسكرية لها خارج أراضيها وهي عادة الدول القوية عسكريا واقتصاديا التي تلجأ إلى إبرام معاهدات عسكرية لإضفاء الشرعية على وجود قواتها على أراضي دول أخرى.
مثلاً الولايات المتحدة الأمريكية وحدها لها حالياً أكثر من مائة اتفاقية من هذا النوع مع الدول الأخرى منها أكثرية دول جوار العراق، وكذلك لها وجود عسكري في أكثر من 130 دولة في العالم يضم أكثر من نصف مليون فرد موزعين على أكثر من 700 قاعدة عسكرية، عدد منها في دول شرق أوسطية مثل تركيا والكويت وقطر والبحرين وسلطنة عمان والعراق.
ولكن ما يميز الحالة العراقية عن الدول الأخرى التي توجد على أراضيها قوات أجنبية هو عدم وجود اتفاقيات دولية بين العراق والدول التي توجد قواتها حالياً على أراضيه. إلا أن هذا الوضع اللا شرعي لا يمكن أن يدوم إلى الأبد إذ تنتهي ولاية القوة متعددة الجنسيات في العراق حسب قرار مجلس الأمن 1546 في نهاية السنة الحالية، ولذلك لا بد من اتفاقيات دولية مع هذه الدول وخاصة حكومتي أمريكا وبريطانيا لتنظيم الوضع القانوني لهذه القوات إلى حين إكمال انسحابها من العراق.
إن الوضعية القانونية للقوات متعددة الجنسيات في العراق حالياً تشبه إلى حد كبير الوضعية القانونية لوجود القوات الأمريكية في اليابان وكوريا الجنوبية وألمانيا الاتحادية بعد الحرب العالمية الثانية وقبل إبرام اتفاقيات دولية بين أمريكا وهذه الدول حول الوضعية القانونية لهذه القوات. لذا فقبل التطرق إلى الحالة العراقية يجب إلقاء نظرة سريعة على تجارب هذه الدول الثلاث مع القوات الأمريكية على أراضيها لغرض استخلاص دروس وعبر منها.
التجربة اليابانية:
توجد حالياً في اليابان 95 قاعدة عسكرية أمريكية 75 في المائة منها في جزيرة أوكيناوا يعود تاريخ وجودها إلى نهاية الحرب العالمية الثانية حيث استسلمت اليابان إلى الولايات المتحدة الأمريكية في أعقاب الحرب التي اندلعت بين البلدين على أثر هجوم ياباني على قاعدة بيرل هاربر البحرية الأمريكية.
واستمر الاحتلال الأمريكي لليابان حتى سنة 1951 حيث أبرمت الدولتان اتفاقية سان فرانسيسكو للسلام بينهما أنهت الاحتلال الأمريكي لليابان باستثناء جزيرة اوكيناوا التي ظلت تحت الاحتلال إلى سنة 1972.
وبالتزامن مع اتفاقية السلام تم إبرام اتفاقية ثانية في 8/9/1951 بين البلدين تحت اسم الاتفاقية الأمنية الأمريكية-اليابانية منحت اليابان بموجبها الولايات المتحدة الأمريكية حق إنشاء قواعد عسكرية لها على الأراضي اليابانية، تلتها اتفاقية أخرى عام 1960 حول الوضعية القانونية للقوات الأمريكية في اليابان. وواجهت الاتفاقيتان العسكريتان مقاومة شعبية يابانية واسعة غير مسلحة.
أهم بنود الاتفاقية الأمنية اليابانية-الأمريكية:
جاء في الديباجة أن الحكومة اليابانية هي التي تقدمت إلى الولايات المتحدة الأمريكية لإنشاء قواعد على أراضيها، وأن الولايات المتحدة قبلت هذا الطلب الياباني من أجل صيانة السلام.
المادة 1: تحدد واجبات القوات الأمريكية في اليابان بصورة أوسع وهي حماية اليابان من أي اعتداء خارجي أو اضطرابات داخلية واسعة ضد السلطات اليابانية.
المادة 4: تنص على أن انتهاء العمل بهذه الاتفاقية يتم باتفاق الجانبين فقط.
والاتفاقية الثانية المتعلقة بوجود القوات الأمريكية في اليابان هي الاتفاقية التي تنظم الوضع القانوني لهذه القوات وتم إبرامها في 19/1/1960.
من أهم بنود هذه الاتفاقية:
المادة 1: مصطلح القوات الأمريكية يشمل العسكريين والمدنيين المتعاقدين معهم وعوائلهم.
المادة 3: تنص على أن القوات الأمريكية في اليابان تتمتع بالحصانة، أي أنها لا تخضع للسيادة اليابانية.
المادة 6: يحق للآليات والطائرات والسفن الحربية الأمريكية دخول الأقاليم اليابانية من دون قيد أو شرط.
المادة 7: للقوات الأمريكية حق الأولوية في استخدام الممتلكات العامة اليابانية كالطرق مثلاً.
المادة 9: أفراد القوات الأمريكية يتم استثناؤهم من إجراءات دخول الأراضي اليابانية كإجراءات الفيزا والجوازات.
المادة 11: أفراد القوات الأمريكية يتم استثناؤهم من رسوم الجمارك والضرائب اليابانية.
المادة 17: للسلطات الأمريكية الاختصاص الجنائي والتأديبي على قواتها، وللسلطات اليابانية الاختصاص الجنائي على أفراد القوات الأمريكية فقط في حالة خرق هؤلاء للقوانين اليابانية وداخل المناطق الخاضعة للسيادة اليابانية، لكن لا يحق للسطات اليابانية احتجاز المتهمين الأمريكيين بل يبقى هؤلاء في قبضة السلطات الأمريكية إلى حين تقديمهم إلى المحاكم اليابانية.
المادة 18: ليس للسطات الأمريكية الاختصاص الجنائي على المواطنين اليابانيين.
المادة 25: ستشكل لجنة يابانية-أمريكية مشتركة لمراقبة تطبيق هذه الاتفاقية.
المادة 28: سريان مفعول هذه الاتفاقية يستمر مع سريان مفعول الاتفاقية الأمنية.
عند إلقاء نظرة تحليلية خاطفة على هاتين الاتفاقيتين نرى أنهما عبارة عن اتفاقيات غير منصفة وليست مبنية على المساواة بين الشعوب والدول ومبدأ احترام سيادة الدول.
فقد جاء في ديباجة الاتفاقية الأمنية لسنة 1951 مثلا أن اليابان هي التي طلبت من الولايات المتحدة إنشاء قواعد لها على الأراضي اليابانية وهذا لا يتطابق مع الواقع السائد آنذاك، إذ إن القواعد الأمريكية كانت قائمة في اليابان منذ نهاية الحرب العالمية الأولى، ولم يكن الطلب الياباني إلا اعترافاً بالأمر الواقع، ولم يكن لديها أصلا خيار آخر. فصياغة الديباجة بهذا الشكل كان هدفها فرض شروط قاسية على اليابان كالشرط المتعلق بكيفية إنهاء العمل بالاتفاقيتين، أي بموافقة الجانبين، ما يعني أن الاتفاقيتين يمكن أن تدوما إلى الأبد أو على الأقل إلى الموعد الذي يراه الأمريكيون مناسباً لخروجهم من اليابان. فاليابان قادرة اليوم على الدفاع عن نفسها وهي دولة مستقرة ومع هذا لا يحق لها التخلص من الوجود العسكري الأمريكي، بل يجب عليها تحمل بعض تكاليف هذا الوجود أيضاً.
وفي ما يتعلق بالاتفاقية الثانية، أي اتفاقية 1960 حول الوضعية القانونية للقوات الأمريكية في اليابان نرى أنها تمنح امتيازات واسعة للقوات الأمريكية تتعارض مع السيادة اليابانية على كل أراضيها إذ تنص المادة الثالثة من هذه الاتفاقية على تمتع القواعد الأمريكية بالحصانة الكاملة وخضوعها كاملة للسيادة الأمريكية. فمن المعلوم أن القواعد العسكرية يمكن استخدامها لأغراض كثيرة منها إنتاج وتخزين أسلحة الدمار الشامل مما يمكن أن يؤثر في صحة المواطنين وبيئة البلد، لذا كان لا بد للسلطات اليابانية حق مراقبة استخدام هذه القواعد وإجراء تفتيشات دورية عليها.
وفي ما يخص الاختصاص الجنائي للسلطات اليابانية على أفراد القوات الأمريكية خارج قواعدها فإن المادة السابعة عشرة تنص على بقاء المتهمين في قبضة السلطات الأمريكية إلى حين تقديمهم إلى المحاكم اليابانية مما يعيق إجراءات التحقيق وكشف الأدلة ويزيد من خطورة مغادرة المتهمين الأراضي اليابانية قبل تقديمهم إلى المحاكم، ومن المعلوم أن دخول وخروج أفراد هذه القوات من وإلى الأراضي اليابانية لا يحتاج إلى موافقة سلطات الحدود اليابانية. كما أن تجارب المواطنين اليابانيين مع القوات الأمريكية ليست مرضية وخاصة في جزيرة اوكيناوا حيث ارتكبت جرائم بشعة بحق السكان من قبل الأمريكيين كحوادث القتل والاغتصاب كما حدث في العراق.
التجربة الكورية:
انقسمت كوريا عام 1948 إلى شطرين، الشطر الشمالي تحت قيادة الحزب الشيوعي والشطر الجنوبي تحت قيادة القوميين، وكان خط العرض 38 يشكل الحدود الدولية بين الشطرين. ولكن الشطر الشمالي قرر ضم الشطر الجنوبي وشن هجوماً واسعاً عليه سنة 1950 واحتلت قواتها العاصمة الجنوبية سيئول. فطالب مجلس الأمن الدولي في قراره الرقم 83 الصادر في 27/6/1950 المجتمع الدولي بإرسال قوات إلى كوريا الجنوبية لمساعدتها وتجاوبت عدة دول معادية للحركة الشيوعية مع هذا القرار منها الحكومة الأمريكية حيث أرسلت قوة كبيرة لمحاربة قوات كوريا الشمالية، ثم تدخلت القوات الصينية لصالح القوات الكورية الشمالية إلى أن استقرت الأمور عند الخط العرضي 38 كحدود للبلدين وتم الاتفاق على هدنة بين كافة الأطراف عام 1953. و لكن القوات الأمريكية لم تغادر أراضي كوريا الجنوبية بعد الحرب بل أنشأت قواعد دائمة لها حسب اتفاقية الدفاع المشترك التي أبرمت بين البلدين عام 1953.
أهم بنود اتفاقية الدفاع المشترك بين البلدين:
هدف الاتفاقية هو صيانة الأمن والسلم وردع الاعتداءات الخارجية.
المادة 1-3: تنص على أن الاتفاقية هي اتفاقية التعاون المشترك بين البلدين.
المادة 4: تنص على أن كوريا الجنوبية تمنح الولايات المتحدة الأمريكية حق إنشاء قواعد برية وبحرية وجوية في أقاليم كوريا الجنوبية.
المادة 6: تنص على أن لكلا الجانبين حق الانسحاب من هذه الاتفاقية (سنة) بعد إعلام الطرف الآخر بقرار الانسحاب.
وفي ما يتعلق بالاتفاقية العسكرية الثانية، أي الاتفاقية حول الوضعية القانونية للقوات الأمريكية على الأراضي الكورية الجنوبية التي تم إبرامها عام 1966 فإن أهم بنودها هي:
المادة 1: مصطلح القوات يشمل العسكريين والمدنيين المتعاقدين وعوائلهم.
المادة 70-8: تنص على أن أفراد القوات الأمريكية يجب استثناؤهم من إجراءات الحدود كالفيزا وجوازات السفر.
المادة 9: أفراد القوات الأمريكية يتم استثناؤهم من رسوم الجمارك.
المادة 17: بالنسبة للمستخدمين الكوريين في هذه القواعد فإن قانون العمل الكوري يطبق عليهم.
المادة 22: تمارس السلطات الأمريكية الاختصاص الجنائي والتأديبي على أفراد قواتها وتمارس سلطات كوريا الجنوبية الاختصاص الجنائي على أفراد القوات الأمريكية في حالة خرق القوانين الكورية من قبل هذا القوات، ولكن المتهمين الأمريكيين يبقون في قبضة السلطات الأمريكية إلى حين تقديمهم إلى المحاكم الكورية وفي حالة اعتقالهم من قبل سلطات كوريا الجنوبية يجب تسليمهم فوراً إلى السلطات الأمريكية في كوريا.
إن تقييماً سريعاً لوضع القوات الأمريكية في كوريا يبين مدى ضعف دور سلطات كوريا الجنوبية في ممارسة السيادة على أراضيها كاملة، ويبين أيضاً مدى توسع الفجوة بين النظرية والواقع حيث قام بين 1967-1987 أكثر من 45 الفاً من أفراد القوات الأمريكية بخرق قوانين كوريا الجنوبية فلم يقدم إلا 325 من هؤلاء إلى المحاكم الكورية لأن السلطات الأمريكية عرقلت في الحالات الأخرى تسليمهم إلى السلطات الكورية أو سهلت لهم مغادرة الأراضي الكورية قبل إكمال التحقيقات بالرغم من أن بعض الخروقات كانت تتعلق بحوادث قتل وجرائم كبرى أخرى.
وبالنسبة لتطبيق قانون العمل الكوري الجنوبي على العاملين الكوريين في القواعد الأمريكية فإن السبب هو عدم حماية هذه القوانين لحقوق العمال بصورة مرضية بعكس القوانين الأمريكية، لذا فإن ظاهرة استغلال العمال الكوريين في القواعد الأمريكية كانت منتشرة وفي بعض الحالات تم استغلال النساء العاملات لأغراض الدعارة داخل هذه القواعد.
وبالنسبة للسيادة المطلقة التي تمارسها السلطات الأمريكية على قواعدها في كوريا الجنوبية فهي تتعارض أيضاً مع المبادئ الأساسية للقانون الدولي وحق الشعوب في السيادة على أراضيها، بالإضافة إلى تشكيل هذه القواعد خطراً على بيئة كوريا الجنوبية لأنها تضم أيضاً أسلحة نووية.
التجربة الألمانية:
ألمانيا الاتحادية كونها دولة أوروبية حالتها تختلف تماماً عن حالة الدولتين الآسيويتين اليابان وكوريا الجنوبية، إذ إن الاتفاقيات العسكرية الألمانية مع الولايات المتحدة الأمريكية ودول حلف الناتو تضمن للسلطات الألمانية حقوقاً متساوية بحيث تمارس السلطات الألمانية سيادتها حتى داخل القواعد العسكرية الأمريكية وخروقات القوانين الألمانية من قبل أفراد القوات الأمريكية لا تتعدى المعدل العادي، وتتم إحالة كل حالة إلى المحاكم الألمانية ولا امتيازات للقوات الأجنبية في ألمانيا الاتحادية على حساب المواطنين الألمان ولا يحق لهذه القوات التدخل في الشؤون الداخلية لألمانيا.
ويعود تاريخ وجود القوات الأمريكية على الأراضي الألمانية إلى الحرب العالمية الثانية حيث احتلت القوات الأمريكية والسوفييتية والبريطانية والفرنسية الأراضي الألمانية وبقيت القوات الأمريكية والبريطانية والفرنسية في ألمانيا بعد الحرب بموجب اتفاقية أبرمتها مع ألمانيا في 26/5/1952 فيما انفصلت ألمانيا الديمقراطية آنذاك عن ألمانيا الاتحادية وأنشأ الاتحاد السوفييتي آنذاك قواعد عسكرية على أراضيها.
وهناك الآن حوالي مائة ألف من الأفراد التابعين للقوات الأمريكية موزعين على تسع قواعد عسكرية رئيسية، وأن ألمانيا الاتحادية تساهم سنوياً بما يقارب مليار دولار لإدامة هذه القواعد.
وفي ما يتعلق بالوجود السوفييتي في ألمانيا الشرقية فإن القوات السوفييتية انسحبت من الأراضي الألمانية بين 1990-1994 بعد توحيد شطري ألمانيا حسب اتفاقية أبرمت بين البلدين.
أهم بنود اتفاقية 1952:
هدف الاتفاقية هو خدمة السلم وإعادة السيادة الكاملة إلى ألمانيا الاتحادية وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للغير.
المادة 1: ألمانيا الاتحادية هي دولة ذات سيادة كاملة داخلياً وخارجياً وبنود هذه الاتفاقية لا تمثل إلا استثناء من هذه السيادة.
المادة 2: تنص على شرعية وجود قوات الدول الثلاث على الأراضي الألمانية حسب هذه الاتفاقية.
المادة 4: لا يجوز للدول الثلاث (أمريكا وفرنسا وبريطانيا) تمركز قوات دول أخرى على أراضي ألمانيا الاتحادية إلا بإذن مسبق من حكومة ألمانيا الاتحادية.
تم تعديل هذه الاتفاقية سنة 1990 بحيث يمكن لكل الأطراف الانسحاب من هذه الاتفاقية (سنتين) بعد إعلام الأطراف الأخرى بقرار الانسحاب.
و في ما يتعلق بالوضعية القانونية للقوات الأمريكية في ألمانيا الاتحادية فإن الدولتين قامتا بإبرام اتفاقية خاصة بهذا الشأن عام 1963 تم تعديلها إلى الآن عدة مرات في سنوات 1971 و1981 و1993 لتتواكب مع التغيرات على الساحتين الداخلية والدولية.
وتضم الاتفاقية 83 مادة تنظم كل شيء من حماية البيئة إلى شروط حمل السلاح بعكس الاتفاقيتين المبرمتين بين أمريكا وكلاً من اليابان وكوريا الجنوبية مما يدل على التمييز الواضح بين التعامل الأمريكي مع الأوروبيين وغير الأوروبيين.
أهم بنود هذه الاتفاقية:
المادة 11: لا يجوز للقوات الأمريكية حمل السلاح خارج قواعدها إلا بإذن خاص من السلطات الألمانية المختصة.
المادة 12: لا يجوز لهذه القوات استعمال السلاح إلا في حالات الدفاع عن النفس.
المادة 20: لا يجوز للقوات الأمريكية إلقاء القبض على أفراد من غير قواتها وإذا اضطرت إلى القيام بعمل كهذا فيجب عليها تسليم المعتقلين مباشرة إلى السلطات الألمانية.
المادة 22: للسلطات الأمريكية الاختصاص الجنائي والتأديبي داخل قواعدها وعلى أفرادها، وللسلطات الألمانية الاختصاص الجنائي خارج هذه القواعد ويحق للسطات الألمانية اعتقال أفراد القوات الأمريكية في الحالات الضرورية.
المادة 28: يحق للشرطة الألمانية ممارسة اختصاصاتها داخل القواعد العسكرية الأمريكية في حالات وجود خطر تهديد الأمن العام لألمانيا الاتحادية.
المادة 30: يتم تشكيل لجان مشتركة لغرض مراقبة تطبيق بنود هذه الاتفاقية.
المادة 54: على السلطات الأمريكية التقيد بقواعد حماية البيئة الألمانية داخل وخارج قواعدها.
المادة 81: لكلا الطرفين حق الانسحاب من هذه الاتفاقية (سنتين) بعد إعلام الطرف الآخر بقرار الانسحاب وبعد المشاورات بين الجانبين.
ومن خلال إلقاء نظرة تحليلية على الاتفاقيات العسكرية الألمانية – الأمريكية نرى كيف أن أمريكا تتعامل مع الدول الأوروبية على قدم المساواة بعكس علاقاتها العسكرية مع الدول غير الأوروبية بحيث تتحدث ديباجة الاتفاقية العسكرية مع ألمانيا لسنة 1952 عن السيادة الكاملة لألمانيا وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، ولا نجد ذكراً لمبدأ كهذا في الاتفاقيات المبرمة مع كل من اليابان وكوريا الجنوبية.
كما أن الفجوة في المعاملة تتوسع أكثر بين الحالة الألمانية وحالة كل من اليابان وكوريا الجنوبية إذا قمنا بمقارنة الاتفاقية الألمانية المختصة بالوضع القانوني للقوات الأمريكية في ألمانيا الاتحادية مع الاتفاقيتين المشابهتين بين أمريكا وكل من اليابان وكوريا الجنوبية خاصة في ما يتعلق بممارسة الشرطة الألمانية لاختصاصها داخل القواعد الأمريكية وعدم جواز حمل السلاح من قبل القوات الأمريكية خارج قواعدها إلا بإذن مسبق من السلطات الألمانية والتي لها أيضاً حق إلقاء القبض على أفراد القوات الأمريكية بعكس حالتي اليابان وكوريا الجنوبية، حيث يبقى المتهمون الأمريكيون في قبضة السلطات الأمريكية داخل قواعدها إلى حين تقديمهم إلى المحاكم مما يسهل عملية إعاقة جمع الأدلة ومغادرة هؤلاء للأراضي اليابانية أو الكورية.
ولعل في هذه المقارنة درساً للعراق حيث إن العراق هو الآن في مرحلة تنظيم الوضع القانوني للقوات الأجنبية على أراضيه من أجل تحديد التزاماتها تجاه العراق إلى حين إكمال انسحابها من العراق حسب جدول زمني متفق عليه بين الحكومة العراقية والأطراف المعنية.
مستقبل القوات الأمريكية في العراق
يبدو من الوهلة الأولى أن هناك تشابهاً بين الحالة العراقية وحالة كل من اليابان وكوريا الجنوبية وألمانيا حيث دخلتها القوات الأمريكية دون إذن مسبق من حكوماتها، ومع هذا فإن الحالة العراقية تختلف بالكامل من حالات الدول الثلاث. ففي ما يتعلق بالحالتين الألمانية واليابانية فإن القوات الأمريكية احتلتهما بعدما هاجمتا أمريكا واحتلتا الكثير من دول العالم إبان الحرب العالمية الثانية ولم يكن هذا هو الحال مع احتلال العراق من قبل القوات الانجلو-أمريكية سنة 2003 إذ إن النظام العراقي السابق بعد احتلاله للكويت في آب 1990 تم طرده من الكويت فيما بعد بقرار دولي اشتركت في تنفيذه قوات دولية وخاصة القوات الأمريكية، ولكن النظام استمر في الحكم بعد اعتدائه، هذا بعكس اليابان وألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية.
و لا تشبه الحالة العراقية الحالة الكورية بالضبط، إذ إن القوات الأمريكية دخلت أراضي الكورية الجنوبية عام 1951 بتفويض دولي من خلال قرار مجلس الأمن رقم 83 الصادر في 27/6/1950 بعدما تعرضت أراضي كوريا الجنوبية لهجوم من قبل قوات كوريا الشمالية، ولكن في الحالة العراقية لم يكن هناك تفويض دولي لدخول القوات الأجنبية للعراق. فكل ما حدث في العراق كان قيام القوات الأنجلو-أمريكية بالإطاحة بنظام حكم ساعدتاه يوماً ما على المجيء إلى الحكم لمحاربة الشيوعيين إبان الحرب الباردة.
ولا يمكن اعتبار احتلال العراق تدخلاً إنسانياً إذ إن النظام العراقي السابق كان يتمتع بدعم مادي ومعنوي خلال حملاته على دول الجوار والشعب العراقي واستعماله أسلحة الدمار الشامل من قبل أمريكا وبريطانيا نفسهما. ولا يمكن اعتباره تحريراً لأن التحرير هو نقيض الاحتلال ومن المعلوم أن بريطانيا وأمريكا اعترفتا رسمياً حسب قرار مجلس الأمن 1483 بوضعهما القانوني في العراق كمحتلين. واحتلال العراق لا يمكن أن يكون حملة لنشر الحرية والديمقراطية في الشرق الأوسط لأن الحرية والديمقراطية لا تنشر عن طريق الاحتلال والتعذيب والقتل والاغتصاب.
اذاً فإن الاحتلال الأنجلو-أمريكي للعراق كان عملاً استعمارياً مباشراً مخططاً له منذ زمن بعيد للاستيلاء على ثروات العراق وفرض الهيمنة الأجنبية على شعبه لأسباب عنصرية لأن كل احتلال هو عمل عنصري وكذلك كاستجابة لضغوط كانت تتعرض لها الإدارة الأمريكية من قبل بعض جماعات الضغط العنصرية.
إن القرار الأنجلو-أمريكي بتغيير وضعهما القانوني من المحررين إلى المحتلين كان بمثابة إهانة كبيرة لشعب بكامله، وأن قوات الدولتين في العراق شعرتا بالأثر الذي خلفته هذه الإهانة على العراقيين حيث ازدادت أعمال العنف والمقاومة ضد الاحتلال واضطرت الدولتان إلى التراجع عن قرارهما هذا، وطالبتا مجلس الأمن بتغيير وضعهما القانوني من قوات محتلة إلى قوات متعددة الجنسيات تساعد على ضبط الأمن في العراق وبالفعل صدر قرار مجلس الأمن رقم 1546 في 8/6/2004 الذي أكد في ديباجته على سيادة واستقلالية العراق، وكذلك أكد في فقرته الثانية على انتهاء احتلال العراق رسمياً ولكن الاحتلال بقي من الناحية العملية خلال وجود عشرات الألوف من القوات الأمريكية وقوات دول أخرى تتصرف في العراق كما تشاء.
صحيح أن هذه القوات تتمتع الآن بتفويض دولي حسب الفقرة التاسعة من قرار مجلس الأمن 1546 ولكن هذا التفويض سينتهي حسب الفقرة الثانية عشرة من القرار نفسه في موعد أقصاه 31/12/2005 وحتى قبل هذا الموعد يحق للحكومة العراقية مطالبة القوات الأجنبية بمغادرة العراق.
ولعله من البديهي أن أمريكا تبذل الآن قصارى جهدها للوصول إلى اتفاقية دولية مع الحكومة العراقية المنتخبة تمنح بموجبها القوات الأمريكية قواعد لها في العراق، أي بمعنى آخر إدامة الاحتلال تحت مسميات أخرى كالتعاون العسكري بين البلدين أو قوات حفظ السلام مثلاً.
كيف تعقد الحكومة العراقية الاتفاقيات الدولية؟
قانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية وضع شروطاً واضحة حول إجراءات عقد الاتفاقيات الدولية:
المجلس الوطني المنتخب يقوم أولاً بانتخاب مجلس الرئاسة المكون من ثلاثة أعضاء ورئيس الوزراء وأعضاء المجلس الوزاري، والمجلس الوطني نفسه هو السلطة الوحيدة المخولة بإبرام الاتفاقيات والمعاهدات الدولية حسب المادة 32 فقرة (و) من قانون الإدارة وحسب المادة 39 فقرة (أ) يقوم مجلس الوزراء بموافقة مجلس الرئاسة بتعيين ممثلين لغرض التفاوض على عقد معاهدات واتفاقيات دولية. وبعد الانتهاء من مسودة المعاهدة يقوم مجلس الرئاسة بالتوصية بإصدار قانون من المجلس الوطني للمصادقة على هذه المعاهدة والمجلس الوطني حسب المادة 33 فقرة (أ) يتخذ قراراته بالأغلبية البسيطة ما عدا بعض الحالات. وهذا يعني أن أي اتفاقية عسكرية عراقية مع أمريكا يمكن التصديق عليها من قبل المجلس الوطني المنتخب بالأغلبية البسيطة لكي تصبح ملزمة للعراق. فمثلاً لو صوت 101 عضو من أعضاء المجلس الوطني لصالح هذه الاتفاقية وصوت 99 منهم ضده وامتنع 75 منهم عن التصويت فإن الاتفاقية تعتبر سارية المفعول بفارق صوت واحد فقط. كما أن الدور الرئيسي في صياغة مسودة هذه الاتفاقية لا يلعبه المجلس الوطني بل الممثلون المعينون من قبل مجلس الوزراء للتفاوض بشأن الاتفاقية وهؤلاء يكونون عادة من خبراء القانون. فدور المجلس الوطني يقتصر على التصديق على هذه الاتفاقية فقط لإضفاء الشرعية عليها. لذا فإن مضمون وشكل الاتفاقية العسكرية مع أمريكا يتوقفان بالدرجة الأولى على شخصية وهوية ومهارة ونزاهة ووطنية الممثلين المعينين من قبل مجلس الوزراء للتفاوض مع الأمريكيين وبُعد تفكيرهم الاستراتيجي وإلا لكان بإمكانهم إيقاع العراق بفخ وجود العسكري الأجنبي إلى الأبد وتحت شروط قاسية، كما رأينا في الحالتين اليابانية والكورية. والمجلس الرئاسي يلعب هنا دوراً رئيسياً أيضاً إذ يقوم أولاً بقبول مسودة الاتفاقية ثم بتوصية المجلس الوطني بالمصادقة عليها لكي تصبح قانوناً وكما هو معلوم فإن المجلس الرئاسي يتخذ قراراته بالإجماع حسب المادة 36 فقرة (ج) من قانون إدارة الدولة، لذا يقع واجب وطني ومصيري عظيم على عاتق المجلس الرئاسي، وأن التاريخ لن يغفر لأحد. وإلا فإن الشعب العراقي سوف يتصدي لأي اتفاقية عسكرية مع أمريكا لا تضمن انسحاب هذه القوات من الأراضي العراقية بأسرع وقت ممكن وحسب جدول زمني متفق عليه، وأن التصدي الباسل للشعب العراقي للاتفاقية العسكرية الريطانية-العراقية في العهد الملكي هو خير مثال على ذلك، حيث أطاح هذا الشعب بهذا النظام التابع للاستعمار البريطاني عام 1958 وإلى الأبد، وسيطيح بأي نظام آخر تابع للسيطرة الأجنبية المباشرة وغير المباشرة.
الشروط التي يجب توافرها في الاتفاقية العسكرية العراقية-الأمريكية المقبلة
يبدو أنه لا مهرب من عقد اتفاقيات مع أمريكا وربما دول أخرى توجد قواتها الآن في العراق لتنظيم الوضع القانوني لهذه القوات وتحديد فترة زمنية محددة لاستكمال انسحاب هذه القوات من العراق، وأن موضوع وجود قوات أجنبية على أراضي دولة ما موضوع حساس جداً لكون هذه القوات مصدر تهديد دائم لأمن وسيادة وسلامة الدولة كما كانت الحال مع القوات البريطانية التي كانت توجد في العراق حسب اتفاقية ثنائية مع الحكومة العراقية في العهد الملكي، ولكن بالرغم من وجود هذه الاتفاقية قامت القوات البريطانية بإعادة احتلال العراق سنة 1941 وهذا الخطر سيبقى موجوداً في العراق مستقبلاً في ظل وجود أي قوات أجنبية في العراق حتى لو كان خلال اتفاقية دولية. وبسبب حساسية هذا النوع من الاتفاقيات والأخطار التي يمكن أن تنجم عنها على سيادة العراق وكرامة شعبه فيجب الاستفادة من تجارب الدول الأخرى التي مرت يوماً ما بمرحلة مشابهة للمرحلة العراقية الحالية.
ومن خلال تحليل التجربة اليابانية والكورية والألمانية نرى أنه يجب توافر الشروط التالية كحد أدنى في أي اتفاقية عسكرية عراقية مع أمريكا:
1- الهدف الرئيسي وراء عقد الاتفاقية يكون تحديد جدول زمني محدد لخروج القوات الأجنبية من العراق وليس بقاء هذه القوات حيث إنها تواجه كراهية واسعة من قبل الأكثرية الساحقة للشعب العراقي.
2- إبرام الاتفاقية يأتي بطلب من الطرف الأجنبي وليس بطلب من العراق لأن ولاية القوات الأجنبية ستنتهي على كل حال نهاية عام 2005 حسب قرار مجلس الأمن رقم 1546 وأن العراق ليس بحاجة إلى هذه القوات، بل بالعكس فهي تشكل عامل عدم استقرار في العراق ورمزاً لإهانة العراقيين، وإذا رغبت هذه القوات في مغادرة العراق واستطاع الأمريكيون وغيرهم استكمال سحب قواتهم من العراق قبل الفترة المحددة في قرار مجلس الأمن فإن العراقيين سيساعدونهم على الخروج من العراق بأسرع وقت ممكن.
3- أي اتفاقية عسكرية عراقية مع أي دولة كانت يجب أن تطرح مسودتها على الشعب للاستفتاء عليها.
4- يجب أن يكون من الممكن إنهاء العمل بالاتفاقية من طرف واحد وبعد شهر واحد من إعلام الطرف الآخر بقرار الإنهاء.
5- القوات الأجنبية وإلى حين استكمال انسحابها تخضع لسيادة عراقية كاملة.
6- السلطات العراقية تمارس الاختصاص الجنائي على أفراد القوات الأجنبية خارج وداخل قواعدها في حالة خرقها للقوانين العراقية.
7- لا يجوز لهذه القوات حمل السلاح خارج قواعدها إلا بإذن مسبق من السلطات العراقية.
8- يمنع تخزين أسلحة الدمار الشامل في العراق.
9- لا يجوز لهذه القوات استعمال الأراضي العراقية للاعتداء على دول الجوار أو دول أخرى.
10- لا تمارس القوات الأجنبية اختصاصها على العراقيين ولا يجوز لهذه القوات اعتقال أي عراقي.
11- لا يجوز للقوات الأجنبية في العراق استعمال السلاح إلا في حالات الضرورة القصوى.
12- دخول وخروج أفراد هذه القوات من وإلى العراق يخضعان إلى مراقبة عراقية.
13- لا يجوز استعمال هذه القواعد لتوجيه وسائل إعلامية تصل مداها إلى خارج قواعد هذه القوات.
14- السلطات العراقية تكون مسؤولة عن أمن هذه القوات خارج قواعدها.
15- يتم تحديد مواقع وجود هذه القوات في أماكن غير مأهولة بالسكان كالمناطق الصحراوية نظراً لوجود حساسيات بين هذه القوات والشعب العراقي ولضمان حمايتهم من هجمات الجماعات مسلحة.
16- شرطة البيئة العراقية تمارس نشاطاتها داخل هذه القواعد لضمان سلامة استعمالها وعدم تشكيلها خطراً على صحة العراقيين.
17- يحق للسلطات العراقية اعتقال أفراد القوات الأجنبية في العراق وتقديمهم إلى المحاكمة في حالة خرقهم للقوانين العراقية.
18- السلطات العراقية لا تتحمل تكاليف إدامة وصيانة هذه القواعد.
19- تسلم القوات الأجنبية كافة المسجونين لديها من غير أفراد قواتها إلى السلطات العراقية.
20- لا يجوز لأي عراقي أو غير عراقي ما عدا أفراد هذه القوات العمل داخل هذه القواعد إلا بإذن مسبق من السلطات العراقية.
21- على القوات الأجنبية أن تحترم القوانين والأعراف والتقاليد السائدة في العراق وتستفيد من الممتلكات العامة بمسؤولية.
22- لا تتمتع القوات الأجنبية في العراق بأي امتيازات مقابل المواطنين العراقيين كالأولوية في استعمال الطرق والاستفادة من الخدمات الأساسية.
23- يتم تزويد هذه القوات بالخدمات الأساسية كالماء والكهرباء مقابل أجور يتفق عليها الجانب العراقي مع الجانب الأجنبي.
24- لا يجوز لهذه القوات التدخل في الشؤون العراقية بأي شكل من الأشكال.
هذه الشروط يجب توافرها في أي اتفاقية عسكرية مع أمريكا أو غيرها في العراق وإلا فسيعود القرار للشعب، والشعب لا يرحم، من يهينه، وتاريخ الشعوب من فيتنام إلى فلسطين إلى كردستان خير شاهد على ذلك.
::/fulltext::
::cck::3444::/cck::
