الهزة الأرضية الباكستانية: الكارثة والنتائج والتعهدات والمخاوف والفرص المتاحة

::cck::3446::/cck::
::introtext::

بلغت قوة الهزة الأرضية التي ضربت جنوب آسيا في الثامن من شهر أكتوبر 2005، 7 درجات وستة أعشار الدرجة بمقياس ريختر، وسُجلت آثارها عبر أفغانستان وغربي بنغلاديش، على مساحة تتجاوز 30 ألف كيلومتر مربع. وبينما أسفرت الهزة عن سقوط 1400 قتيل في الهند، فقد كان تأثيرها الأساسي في باكستان، حيث أسفرت عن نتائج تدمير كارثية. وكانت المناطق الأكثر تأثراً بتلك الهزة الأرضية في المقاطعة الشمالية الغربية من باكستان، وفي الجانب الخاضع للإدارة الباكستانية من كشمير. ودفن سكان قرى بأكملها أحياء تحت الأنقاض، بينما سويت مدينة بالكوت كلها بالأرض، كما أن مدينة مظفر أباد القريبة من مركز الهزة شهدت دماراً هائلاً، وانهارت البنية الأساسية فيها بشكل تام.

::/introtext::
::fulltext::

بلغت قوة الهزة الأرضية التي ضربت جنوب آسيا في الثامن من شهر أكتوبر 2005، 7 درجات وستة أعشار الدرجة بمقياس ريختر، وسُجلت آثارها عبر أفغانستان وغربي بنغلاديش، على مساحة تتجاوز 30 ألف كيلومتر مربع. وبينما أسفرت الهزة عن سقوط 1400 قتيل في الهند، فقد كان تأثيرها الأساسي في باكستان، حيث أسفرت عن نتائج تدمير كارثية. وكانت المناطق الأكثر تأثراً بتلك الهزة الأرضية في المقاطعة الشمالية الغربية من باكستان، وفي الجانب الخاضع للإدارة الباكستانية من كشمير. ودفن سكان قرى بأكملها أحياء تحت الأنقاض، بينما سويت مدينة بالكوت كلها بالأرض، كما أن مدينة مظفر أباد القريبة من مركز الهزة شهدت دماراً هائلاً، وانهارت البنية الأساسية فيها بشكل تام.
وتأثر نحو أربعة ملايين نسمة بنتائج هذه الهزة، التي أدت إلى مقتل 73 ألف شخص، ويُتوقَّع أن يزداد عددهم إلى 100 ألف، حسب بيان صادر عن الهيئة الاتحادية الباكستانية للإغاثة. وأصبحت باكستان بذلك، ضحية أمام كارثة أضخم كثيراً، من كارثة (تسونامي)، التي ضربت جنوب شرق آسيا في شهر ديسمبر 2004، وتأثر بها مليون إنسان وسوف تبقى الآثار الفعلية لهذه الكارثة ماثلة لأعوام مقبلة.
وتوجهت ردود الفعل الفورية نحو عمليات الإغاثة وإنقاذ من يمكن أن يكونوا على قيد الحياة تحت الأنقاض في المناطق المتضررة، وتفاقمت الصعوبات اللوجستية أمام هذه الجهود، بسبب وقوع الهزة في مناطق جبلية شاهقة الارتفاع، وذات طرق ومسالك وعرة، ليس من السهل استخدامها، عدا عن الدمار الحاصل، فأصبحت وكالات الإغاثة تسابق الزمن للوصول في الوقت المناسب إلى القرى النائية قبل حلول موسم الشتاء. ولا يمكن حتى الآن تقدير مدى الدمار الحاصل في المناطق المنكوبة بسبب إغلاق الطرق الناتج عن الانزلاقات الأرضية والجبلية، إثر تصدعها بفعل قوة الهزة.
وصدرت تصريحات متشائمة ومنذرة للمجتمع الدولي عن جان إيغلاند منسق عمليات الإغاثة والطوارئ في هيئة الأمم المتحدة، الذي وصف نتائج الهزة بأنها إحدى أقسى الكوارث الطبيعية التي حدثت حتى الآن، وشدد إيغلاند على الحاجة إلى التركيز على الجهود الفورية لإنقاذ البشر المتضررين. وتبدو احتمالات وقوع موجة ثانية من الوفيات قائمة وبقوة مع بدء تساقط الثلوج بالفعل، وهو ما يجعل كثيراً من الناجين عرضة للأخطار، نتيجة عدم كفاءة الملاجئ المتوفرة، وشدة البرد، ونقص الغذاء والمياه والأدوية. ويواجه الناجون الذين يقيمون في المخيمات ظروفاً مأساوية، لأن الخيام التي قدمت لهم ليست مجهزة لطقس الشتاء، وعدم وجود مرافق صحية، وهو ما يزيد خطر التعرض للأمراض المعدية وتفاقم الكارثة.
ويتمثل التحدي، بالإضافة إلى جهود الإغاثة الفورية، في كيفية إعادة بناء المناطق المدمرة والتعامل مع تبعاتها في المديين المتوسط والبعيد، ويتوقع تقرير عن تقديرات الخسائر أعده البنك الدولي وبنك التنمية الآسيوي وبرنامج الأمم المتحدة للتنمية أن تتجاوز تكاليف إعادة بناء المناطق المتضررة في باكستان مبلغ 5.2 مليار دولار.
تجاوب دول مجلس التعاون الخليجي
صدرت نداءات من الحكومة والشعب الباكستانيين إلى العالم لإرسال مساعدات ضخمة من جانب الدول الإسلامية، وبخاصة من دول مجلس التعاون الخليجي، بالإضافة إلى المساعدات الدولية، وقد وعدت المملكة العربية السعودية بتقديم (مساعدات غير محدودة)، وذلك عقب زيارة للمناطق المنكوبة قام بها وفد سعودي رفيع المستوى برئاسة نائب وزير الداخلية، وكانت السعودية قد قدمت في البدء 133 مليون دولار لتسهيل جهود إصلاح البنية الأساسية مثل المدارس والمستشفيات، وجمعت مبلغ 32 مليون دولار من خلال حملة تبرعات شعبية خيرية عبر التلفزيون لمساعدة الضحايا، إلى جانب إرسال سلع ومواد إغاثة وإنشاء مستشفى ميداني في مدينة مظفر أباد. وتبرعت كل من الإمارات العربية المتحدة والكويت بمبلغ 100 مليون دولار. وأنشأت الإمارات أيضاً مستشفى ميدانياً عسكرياً، وأقامت جسراً جوياً لتوفير إمدادات الإغاثة، وأرسلت طائرات مروحية للمساعدة في جهود الإنقاذ، وأرسلت قطر إمدادات إغاثة بمبلغ عشرين مليون دولار، وقامت بتشغيل وحدات طبية، بينما أسهمت البحرين بسلع قيمتها ثلاثة ملايين دولار، وقدمت سلطنة عُمان مبلغ خمسة ملايين دولار، بالإضافة إلى مواد إغاثة.
غير أن باكستان تتوقع أن يحظى الإخوة الباكستانيون بمستوى من الدعم يماثل ما تم تقديمه إلى ضحايا تسونامي، لكن التبرعات التي قدمت من جانب دول مجلس التعاون الخليجي بعد كارثة تسونامي وحتى إعصار (كاترينا) الأمريكي تجعل المساعدات التي قُدمت لضحايا الهزة الأرضية في باكستان تبدو أقل بكثير، وذلك مقارنة مع حجم الكارثة. ويُذكَر أن المكتب الإعلامي السعودي في واشنطن أعلن أن المملكة العربية السعودية تبرعت بمبلغ 30 مليون دولار لضحايا تسونامي، بالإضافة إلى مبلغ 86 مليون دولار جُمعت من خلال حملة تبرعات شعبية عبر التلفزيون، بينما قالت صحيفة (آسيا نيوز) إن الإمارات العربية المتحدة تبرعت بمبلغ 20 مليون دولار، وتبرعت قطر بمبلغ 25 مليون دولار، وقدمت البحرين مليوني دولار. وذكرت مجلة (السياسة الدولية)، أن السعودية قدمت بعد إعصار (كاترينا) 255 مليون دولار، عدا عن خمسة ملايين دولار تبرعت بها شركة أرامكو السعودية للصليب الأحمر، كما عرضت المملكة زيادة إنتاجها من النفط، لتعويض النقص الحاصل بسبب الإعصار، وقدمت الإمارات العربية المتحدة مبلغ 100 مليون دولار بالإضافة إلى مواد إغاثة، بينما تبرعت الكويت بمبلغ 500 مليون دولار وزعت بواقع 100 مليون دولار نقداً و400 مليون دولار نفطاً. وتعهدت قطر بتقديم مبلغ 100 مليون دولار كمساعدات إنسانية، بينما تبرعت البحرين بمبلغ خمسة ملايين دولار.
ولا تقتصر أسباب توقعات باكستان بإسهامات أكبر كثيراً من جانب دول مجلس التعاون الخليجي على العلاقات العريقة مع تلك الدول، والتي تشمل التعاون الاقتصادي والتجاري والثقافي والصلات الدينية، بل تعود أيضاً إلى الصلات الوثيقة جداً والروابط الإنسانية العميقة، بينها وبين تلك الدول، وهناك أيضاً الأرضية المشتركة التي تجمعها مع دول مجلس التعاون الخليجي على صعيد القضايا الاستراتيجية الحيوية. وتُعَد باكستان عضواً في منظومة الدول الإسلامية، وتربطها علاقات اقتصادية واجتماعية قديمة ووطيدة مع دول المنطقة، كما أن عدداً كبيراً من الباكستانيين يعملون ويقيمون في دول مجلس التعاون الخليجي. وتشارك باكستان دول المجلس العديد من الاهتمامات الأمنية في الخليج وبحر العرب، بما في ذلك مسألة التعامل السلمي والاستقرار والأمن في المنطقة. وحيث إن باكستان هي قوة إقليمية رئيسية والدولة المسلمة الوحيدة، التي تمتلك قدرات نووية، فإن لديها موقعاً خاصاً في قضايا عدة في ما يتعلق بدول مجلس التعاون الخليجي، بما فيها عملية السلام في الشرق الأوسط والقضية الفلسطينية في الماضي والحاضر، وقدمت باكستان في هذا الشأن دعماً غير مشروط في المحافل السياسية الدولية، ويحمل التحول الجديد في السياسة الخارجية الباكستانية في ما يخص إسرائيل تبعات خطرة بالنسبة لدول المجلس والعالم العربي.
وقد تباحث الرئيس الباكستاني برويز مشرف هاتفياً مع الملك عبدالله الثاني عاهل الأردن، والرئيس الفلسطيني محمود عباس قبل حدوث اللقاء (التاريخي)، في اسطنبول بين وزيري خارجية باكستان وإسرائيل. وكان اتصاله بهما مهماً، إذ إنه يكشف عن نية باكستان في إبقاء اللاعبين السياسيين على اطلاع بشأن أي تطورات قد تحدث.
وتشترك باكستان ودول مجلس التعاون الخليجي في الاهتمام ذاته بمكافحة الإرهاب، ويتعين على باكستان ودول الخليج العمل على قيام تعاون أكبر بينهما، من أجل بذل جهود قد تكون غير موجودة حتى الآن، للتعامل مع جذور الأسباب التي تدفع الأفراد إلى التطرف أو الوقوع فريسة الاستغلال من جانب المنظمات الإرهابية. ومن المهم في ضوء ذلك الحرص على أن يدرك سكان المناطق المنكوبة بالهزة الأرضية أن المجتمع الدولي، وخصوصاً دول مجلس التعاون الخليجي، تسارع أو أنها بصدد المبادرة إلى مساعدتهم. وإذا لم يحدث ذلك، فإن أولئك الذين يروّجون للإرهاب سوف يجدون أرضية خصبة لأهدافهم وشعاراتهم في تلك المناطق. ومن الأمثلة الصارخة على الأساليب التي تستخدمها المنظمات الإرهابية استغلال معاناة الناس وسخطهم. وجاء ذلك في البيان الذي بثته قناة (الجزيرة) التلفزيونية في الثاني والعشرين من شهر أكتوبر 2005، على لسان أيمن الظواهري، والذي حث فيه المسلمين على مساعدة ضحايا الهزة الأرضية، وانتقد العالم الإسلامي لأنه لم يفعل الكثير بهذا الشأن. وهاجم الظواهري الولايات المتحدة الأمريكية أيضاً لإعاقتها جهود الإغاثة الإسلامية.
وهذا ما يجعل جهود الإغاثة التي تقوم بها دول مجلس التعاون بحاجة إلى دفعة قوية، فمن المؤكد والمفهوم أن حكومة باكستان لا تستطيع وحدها توفير متطلبات الناجين من الهزة والاعتناء بعمليات الإغاثة والتأهيل، وهناك كذلك خطر مشاعر السخط الخفية في أوساط المنكوبين بالكارثة، الذين لا يمكنهم في ظل الأوضاع الحرجة التي تعيشها باكستان، إدراك مدى فداحة الوضع القائم أو التعامل السليم مع التحديات اللوجستية، لذا يجب أن تقوم الحكومة الباكستانية وكل دولة على حدة بالإعلان عن أي مساعدات تقدمها دول مجلس التعاون، ضمن عمليات الإغاثة والتأهيل، حتى يعرف الناس في باكستان مصدر تلك المساعدات من أجل مجابهة أي استغلال سلبي لهذه المحنة لصالح المنظمات المتطرفة.
ومن الضروري أن تتعاون الحكومة الباكستانية والدول المانحة في استنباط استراتيجية تتوجه نحو كل من جهة الإغاثة وأعمال التأهيل والإعمار، ويتضمن جانب جهود الإغاثة الاهتمام بالأولويات العاجلة وتوفير السلع الضرورية اللازمة لعمليات الإنقاذ والاستمرار في نشر مراكز الدعم في أوسع مساحة ممكنة بهدف زيادة فاعلية إيصال المساعدات إلى المناطق المحتاجة كافة. ومن المهم التنبيه إلى الحاجة إلى وجود طائرات مروحية بصفة عاجلة لعمليات الإنقاذ، لأنها تُعتبـَـر الوسيلة الوحيدة للوصول إلى القرى النائية في الجبال الشاهقة، ويتوفر لدى باكستان في الوقت الحاضر ربع عدد الطائرات المروحية التي تحتاج إليها لتنفيذ أعمال إغاثة فاعلة وفي الوقت المناسب. ويمكن للدول المانحة أن تزود باكستان بجرافات صغيرة الحجم لاستخدامها بفاعلية في الممرات الجبلية من أجل فتح الطرق، لأن الآليات الثقيلة ستكون غير مجدية في هذه الظروف. وعدا عن الخيام المؤهلة لفصل الشتاء، والملاجئ العازلة التي يمكنها الصمود في الطقس البارد، فإن هناك أولويات عاجلة أخرى تشمل الأغطية اللازمة للتدفئة والسخانات التي تعمل بالكيروسين والمواقد واللوازم الطبية وحصص الأغذية والمياه الصالحة للشرب، وقد تم إلقاء (رزم إنقاذ) من الجو على العديد من المناطق المنكوبة بفضل جهود الإغاثة التي قام بها الصليب الأحمر، لكن الحاجة كبيرة إلى كميات أكثر.
ويجب القيام بأعمال البناء والتأهيل بصفة عاجلة إلى جانب جهود الإنقاذ والإغاثة، ويجب العمل من أجل إعادة التكامل الاقتصادي للسكان الذين تم إنقاذهم والعمل على إيوائهم في مخيمات الإغاثة المقامة في المناطق المنخفضة، وتوجد حاجة ماسة إلى إقامة مستشفيات ميدانية أو نشر وحدات طبية متحركة يمكنها توفير الاحتياجات الضرورية والكبيرةلإنقاذ أرواح الناس، حيث إن 41 في المائة من المستشفيات التي كانت موجودة دُمرت بفعل الهزة الأرضية، وتحتاج المناطق المنكوبة إلى تزويدها بالبيوت الجاهزة وإقامة المراكز المجتمعية والمستشفيات والمدارس فوراً، باستخدام الهياكل المعدنية والمواد العازلة بهدف توفير المأوى لأولئك السكان ومساعدتهم على الصمود في فصل الشتاء. ويمكن توجيه مساعدات الإغاثة نحو جميع هذه العمليات وتنسيقها بالشكل الملائم عبر الوكالات الحكومية من أجل منع أي سوء استخدام ممكن للتبرعات وتحويلها إلى المنظمات المتطرفة، ويمكن تشكيل بعثات مراقبة من جانب الحكومة الباكستانية والدول المانحة لمتابعة تقدم عمليات الإغاثة وأعمال التأهيل والإعمار.

مؤتمر المانحين
عُقد في إسلام أباد في التاسع عشر من شهر نوفمبر الماضي مؤتمر دولي للمانحين قُدم خلاله تقرير مفصل لتكاليف إعادة البناء التقديرية، وحضر المؤتمر ممثلون عن 75 دولة ومنظمة دولية إلى جانب كوفي أنان الأمين العام للأمم المتحدة، الذي دعاه الرئيس برويز مشرف إلى الحضور آملاً في تجديد الاهتمام الدولي وإذكاء الشعور بالاحتياجات العاجلة الناجمة عن هذه الكارثة الإنسانية.
وكان كوفي أنان قد وصف قبل ذلك التجاوب الدولي تُجاه نداء الإغاثة الصادر عن الأمم المتحدة بأنه (ضعيف)، و(بطيء)، ووصف أيضاً الكارثة بعدما زار المناطق المنكوبة بأنها إحدى أقسى الكوارث الإنسانية في هذا القرن، وحذر من فاجعة ثانية مع اقتراب موسم الشتاء سريعاً. وأعلن عن برنامج من ثلاث نقاط خاص بإعادة إعمار المناطق المنكوبة بالهزة، أولها تأهيل الضحايا ثم بناء منازل مؤقتة وإعادة إعمار المنطقة. وخصص مبلغ 3.5 مليار دولار من المبلغ الإجمالي التقديري البالغ 5.2 مليار دولار لإعادة بناء المنازل والبنية الأساسية على أن يخصص المبلغ المتبقي للإغاثة العاجلة، خلال أشهر الشتاء في المناطق الأكثر تضرراً. وشهد المؤتمر تعهد المجتمع الدولي بالتبرع بمبلغ 5.8 مليار دولار، وهو مبلغ يتجاوز التكاليف التقديرية على أن يكون 1.9 مليار دولار منه منحة، و3.9 مليار دولار في شكل قروض. وكانت الولايات المتحدة الأمريكية أكبر المتبرعين بمبلغ 501.6 مليون دولار. وكان معظم التعهدات في شكل قروض صغيرة بفوائد متدنية وعلى مدى فترة زمنية طويلة مع بعض المنح. ومن الطبيعي أن تؤدي أي ديون إضافية في هذا الوقت إلى زيادة أعباء الديون الإجمالية على باكستان، لكنها لن تكون بالثقل ذاته الذي تعاني منه باكستان بفعل الديون ذات الفوائد المرتفعة المطلوبة منها. ولا تستطيع باكستان في ظل هذا المنعطف الحاد أن تجادل في شأن شروط مساعدات الإغاثة، غير أن شوكت عزيز رئيس الوزراء الباكستاني أعرب عن الأمل في ألاّ تؤثر القروض الميسرة، التي تم التعهد بها لبلاده، في الاقتصاد الباكستاني، وأن تفتح برامج إعادة البناء والتأهيل المجال لإيجاد وظائف وأعمال بالنسبة للمتضررين من الهزة الأرضية.
ومن المهم الإشارة إلى بساطة القيود المرتبطة بالتعهدات المالية ذات الفوائد الضئيلة جداً، والفترات الزمنية الطويلة من جانب الدول الإسلامية. فقد تعهدت المملكة العربية السعودية بتقديم قروض بمبلغ 573 مليون دولار أمريكي، بالإضافة إلى منح بمبلغ 133 مليون دولار، وهو ما يجعلها إحدى أكبر الدول المساهمة في جمهور الإغاثة والإعمار. وأفصحت دول أخرى في مجلس التعاون الخليجي عن خطوات إضافية سيتم اتخاذها، وأعلنت قطر عن نيتها في دعم أعمال إعادة البناء، وأرسلت بالفعل مساعدات بقيمة 20 مليون دولار، في شكل معدات، وأدوية وخيام. وقد تم جمع مبلغ عشرة ملايين دولار من خلال حملة (مد يد العون إلى آسيا) الخيرية. وجدد الدكتور علي عبدالله الكعبي وزير العمل والشؤون الاجتماعية في دولة الإمارات العربية المتحدة في المؤتمر تأكيد التزام الإمارات بجهود الإغاثة والإعمار، وعبر عن استعداد بلاده للمساعدة اللوجستية واستعدادها أيضاً لدعم التمويل من أجل تنفيذ برامج محددة.
ويبقى السؤال قائماً بشأن ما إذا كان سيتم الوفاء بالتعهدات التي قدمت خلال المؤتمر، على الرغم من أنها تفوق التقديرات الموضوعة لإعادة البناء. وتشير التقديرات إلى أن ما يتم الوفاء به لا يتجاوز في الظروف الطبيعية ثلث المبالغ المالية والمساعدات التي يتم التعهد بها. لكن التعهدات الرئيسية في حالة الهزة الأرضية الباكستانية قدمت من جانب مؤسسات مالية دولية مثل البنك الدولي وبنك التنمية الآسيوي، وتليهما المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الأمريكية، ويتوقع ألاّ يتراجع مانحون ذوو مكانة رفيعة، كهؤلاء، عن التزاماتهم.
وتتضمن استراتيجية الرئيس مشرف لإعادة التأهيل والإعمار، فكرة غير مألوفة تقوم على تبني ورعاية القرى المتضررة، بحيث يختار المانحون أسماءها، وهو ما يسهل توثيق الصلات بينهم وبين السكان المتضررين، ووعد مشرف كذلك بشفافية كاملة وإخضاع أموال الإغاثة للمحاسبة والمراقبة من جانب الدول المانحة وممثليها لمنع أي إساءة استخدام لتلك الأموال.
واغتنم الرئيس مشرف الفرصة أيضاً لتأكيد استعداد باكستان للعمل من أجل التوصل إلى حل مشكلة كشمير المزمنة عبر حثه الهند على الاشتراك مع بلاده في هذا الصدد، قائلاً إن ذلك يمكن أن يكون بمثابة التبرع من جانب نيودلهي في جهود الإغاثة الخاصة بالهزة الأرضية. ووصف مشرف الوضع الراهن بأنه فرصة لا تتكرر كل يوم، وشدد على الحاجة إلى وجود قيادة سياسية تغتنم هذه الفرصة لفض النـزاع.
وأشار الرد الهندي على هذه المبادرة إلى أن نزع السلاح في كشمير لن يكون ممكناً ما لم يتم وقف التسلل عبر الحدود والأعمال الإرهابية من دون أن تذكر باكستان بالاسم. وعلى الرغم من أن القول إن موقف باكستان ملتزم بقرارات الأمم المتحدة الخاصة بكشمير، فإنها عبرت عن الحاجة إلى حل يخرج الأزمة من المأزق الذي وقعت فيه. وقد ظهر تطور مهم على لسان شوكت عزيز، رئيس الوزراء، الذي اقترح بعد لقائه مع وزير الدولة الهندي للشؤون الخارجية إقامة حكم ذاتي ونزع السلاح في الجانبين حول كشمير، ولم يصدر بعد أي رد هندي على هذا الاقتراح.
وقد اتخذت كل من الهند وباكستان معاً قرار فتح نقاط العبور الخمس على خط الحدود المدجج بالسلاح، وذلك لمساعدة جهود إغاثة 3.5 مليون مشرد عشية حدوث الهزة الأرضية في الثامن من أكتوبر 2005. وكان لهذه الهزة تأثير نفسي وعاطفي كبير بالنسبة لسكان كشمير. ومن شأن مأساة كهذه أن تكون بمثابة فرصة لإعادة تقييم المجالات التي يمكن تحقيق تقدم فيها، وهو ما لا يتوفر في الظروف الطبيعية. وقد لا تكون آمال الرئيس مشرف واقعية جداً بسبب طبيعة الصراع والحقائق الموجودة على الأرض، لكنها خطوة إلى الأمام وفرصة يمكن للهند أن تغتنمها.
ويمكن أن تكون تلك أيضاً فرصة تفتح نافذة لجهود المجتمع الدولي، وبخاصة بالنسبة لدول مجلس التعاون التي تشترك مع كل من باكستان والهند في العديد من الاهتمامات، ويمكنها أن تستفيد من المفعول الإيجابي لهذه التطورات لخلق مناخ استقرار وأمن في جنوب آسيا.
لقد أظهرت التعهدات المقدمة للمتضررين بالهزة الأرضية سخاء وحسن نوايا المجتمع الدولي، وخصوصاً الدول الإسلامية. ويبقى في الانتظار قطف ثمار التعهدات المقدمة عبر تحقيقها، ويؤمل أن يفي المتبرعون بالتزاماتهم ووعودهم. والتبعات بعيدة المدى لذلك عديدة الجوانب، وسوف تكشف ما إذا كانت ستفتح نافذة للفرص الإيجابية، وتعزز مجالات إقامة علاقات أقوى وتفاهم أفضل بين الشعوب بتعدد دياناتهم وثقافاتهم ومعتقداتهم.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::3446::/cck::
::introtext::

بلغت قوة الهزة الأرضية التي ضربت جنوب آسيا في الثامن من شهر أكتوبر 2005، 7 درجات وستة أعشار الدرجة بمقياس ريختر، وسُجلت آثارها عبر أفغانستان وغربي بنغلاديش، على مساحة تتجاوز 30 ألف كيلومتر مربع. وبينما أسفرت الهزة عن سقوط 1400 قتيل في الهند، فقد كان تأثيرها الأساسي في باكستان، حيث أسفرت عن نتائج تدمير كارثية. وكانت المناطق الأكثر تأثراً بتلك الهزة الأرضية في المقاطعة الشمالية الغربية من باكستان، وفي الجانب الخاضع للإدارة الباكستانية من كشمير. ودفن سكان قرى بأكملها أحياء تحت الأنقاض، بينما سويت مدينة بالكوت كلها بالأرض، كما أن مدينة مظفر أباد القريبة من مركز الهزة شهدت دماراً هائلاً، وانهارت البنية الأساسية فيها بشكل تام.

::/introtext::
::fulltext::

بلغت قوة الهزة الأرضية التي ضربت جنوب آسيا في الثامن من شهر أكتوبر 2005، 7 درجات وستة أعشار الدرجة بمقياس ريختر، وسُجلت آثارها عبر أفغانستان وغربي بنغلاديش، على مساحة تتجاوز 30 ألف كيلومتر مربع. وبينما أسفرت الهزة عن سقوط 1400 قتيل في الهند، فقد كان تأثيرها الأساسي في باكستان، حيث أسفرت عن نتائج تدمير كارثية. وكانت المناطق الأكثر تأثراً بتلك الهزة الأرضية في المقاطعة الشمالية الغربية من باكستان، وفي الجانب الخاضع للإدارة الباكستانية من كشمير. ودفن سكان قرى بأكملها أحياء تحت الأنقاض، بينما سويت مدينة بالكوت كلها بالأرض، كما أن مدينة مظفر أباد القريبة من مركز الهزة شهدت دماراً هائلاً، وانهارت البنية الأساسية فيها بشكل تام.
وتأثر نحو أربعة ملايين نسمة بنتائج هذه الهزة، التي أدت إلى مقتل 73 ألف شخص، ويُتوقَّع أن يزداد عددهم إلى 100 ألف، حسب بيان صادر عن الهيئة الاتحادية الباكستانية للإغاثة. وأصبحت باكستان بذلك، ضحية أمام كارثة أضخم كثيراً، من كارثة (تسونامي)، التي ضربت جنوب شرق آسيا في شهر ديسمبر 2004، وتأثر بها مليون إنسان وسوف تبقى الآثار الفعلية لهذه الكارثة ماثلة لأعوام مقبلة.
وتوجهت ردود الفعل الفورية نحو عمليات الإغاثة وإنقاذ من يمكن أن يكونوا على قيد الحياة تحت الأنقاض في المناطق المتضررة، وتفاقمت الصعوبات اللوجستية أمام هذه الجهود، بسبب وقوع الهزة في مناطق جبلية شاهقة الارتفاع، وذات طرق ومسالك وعرة، ليس من السهل استخدامها، عدا عن الدمار الحاصل، فأصبحت وكالات الإغاثة تسابق الزمن للوصول في الوقت المناسب إلى القرى النائية قبل حلول موسم الشتاء. ولا يمكن حتى الآن تقدير مدى الدمار الحاصل في المناطق المنكوبة بسبب إغلاق الطرق الناتج عن الانزلاقات الأرضية والجبلية، إثر تصدعها بفعل قوة الهزة.
وصدرت تصريحات متشائمة ومنذرة للمجتمع الدولي عن جان إيغلاند منسق عمليات الإغاثة والطوارئ في هيئة الأمم المتحدة، الذي وصف نتائج الهزة بأنها إحدى أقسى الكوارث الطبيعية التي حدثت حتى الآن، وشدد إيغلاند على الحاجة إلى التركيز على الجهود الفورية لإنقاذ البشر المتضررين. وتبدو احتمالات وقوع موجة ثانية من الوفيات قائمة وبقوة مع بدء تساقط الثلوج بالفعل، وهو ما يجعل كثيراً من الناجين عرضة للأخطار، نتيجة عدم كفاءة الملاجئ المتوفرة، وشدة البرد، ونقص الغذاء والمياه والأدوية. ويواجه الناجون الذين يقيمون في المخيمات ظروفاً مأساوية، لأن الخيام التي قدمت لهم ليست مجهزة لطقس الشتاء، وعدم وجود مرافق صحية، وهو ما يزيد خطر التعرض للأمراض المعدية وتفاقم الكارثة.
ويتمثل التحدي، بالإضافة إلى جهود الإغاثة الفورية، في كيفية إعادة بناء المناطق المدمرة والتعامل مع تبعاتها في المديين المتوسط والبعيد، ويتوقع تقرير عن تقديرات الخسائر أعده البنك الدولي وبنك التنمية الآسيوي وبرنامج الأمم المتحدة للتنمية أن تتجاوز تكاليف إعادة بناء المناطق المتضررة في باكستان مبلغ 5.2 مليار دولار.
تجاوب دول مجلس التعاون الخليجي
صدرت نداءات من الحكومة والشعب الباكستانيين إلى العالم لإرسال مساعدات ضخمة من جانب الدول الإسلامية، وبخاصة من دول مجلس التعاون الخليجي، بالإضافة إلى المساعدات الدولية، وقد وعدت المملكة العربية السعودية بتقديم (مساعدات غير محدودة)، وذلك عقب زيارة للمناطق المنكوبة قام بها وفد سعودي رفيع المستوى برئاسة نائب وزير الداخلية، وكانت السعودية قد قدمت في البدء 133 مليون دولار لتسهيل جهود إصلاح البنية الأساسية مثل المدارس والمستشفيات، وجمعت مبلغ 32 مليون دولار من خلال حملة تبرعات شعبية خيرية عبر التلفزيون لمساعدة الضحايا، إلى جانب إرسال سلع ومواد إغاثة وإنشاء مستشفى ميداني في مدينة مظفر أباد. وتبرعت كل من الإمارات العربية المتحدة والكويت بمبلغ 100 مليون دولار. وأنشأت الإمارات أيضاً مستشفى ميدانياً عسكرياً، وأقامت جسراً جوياً لتوفير إمدادات الإغاثة، وأرسلت طائرات مروحية للمساعدة في جهود الإنقاذ، وأرسلت قطر إمدادات إغاثة بمبلغ عشرين مليون دولار، وقامت بتشغيل وحدات طبية، بينما أسهمت البحرين بسلع قيمتها ثلاثة ملايين دولار، وقدمت سلطنة عُمان مبلغ خمسة ملايين دولار، بالإضافة إلى مواد إغاثة.
غير أن باكستان تتوقع أن يحظى الإخوة الباكستانيون بمستوى من الدعم يماثل ما تم تقديمه إلى ضحايا تسونامي، لكن التبرعات التي قدمت من جانب دول مجلس التعاون الخليجي بعد كارثة تسونامي وحتى إعصار (كاترينا) الأمريكي تجعل المساعدات التي قُدمت لضحايا الهزة الأرضية في باكستان تبدو أقل بكثير، وذلك مقارنة مع حجم الكارثة. ويُذكَر أن المكتب الإعلامي السعودي في واشنطن أعلن أن المملكة العربية السعودية تبرعت بمبلغ 30 مليون دولار لضحايا تسونامي، بالإضافة إلى مبلغ 86 مليون دولار جُمعت من خلال حملة تبرعات شعبية عبر التلفزيون، بينما قالت صحيفة (آسيا نيوز) إن الإمارات العربية المتحدة تبرعت بمبلغ 20 مليون دولار، وتبرعت قطر بمبلغ 25 مليون دولار، وقدمت البحرين مليوني دولار. وذكرت مجلة (السياسة الدولية)، أن السعودية قدمت بعد إعصار (كاترينا) 255 مليون دولار، عدا عن خمسة ملايين دولار تبرعت بها شركة أرامكو السعودية للصليب الأحمر، كما عرضت المملكة زيادة إنتاجها من النفط، لتعويض النقص الحاصل بسبب الإعصار، وقدمت الإمارات العربية المتحدة مبلغ 100 مليون دولار بالإضافة إلى مواد إغاثة، بينما تبرعت الكويت بمبلغ 500 مليون دولار وزعت بواقع 100 مليون دولار نقداً و400 مليون دولار نفطاً. وتعهدت قطر بتقديم مبلغ 100 مليون دولار كمساعدات إنسانية، بينما تبرعت البحرين بمبلغ خمسة ملايين دولار.
ولا تقتصر أسباب توقعات باكستان بإسهامات أكبر كثيراً من جانب دول مجلس التعاون الخليجي على العلاقات العريقة مع تلك الدول، والتي تشمل التعاون الاقتصادي والتجاري والثقافي والصلات الدينية، بل تعود أيضاً إلى الصلات الوثيقة جداً والروابط الإنسانية العميقة، بينها وبين تلك الدول، وهناك أيضاً الأرضية المشتركة التي تجمعها مع دول مجلس التعاون الخليجي على صعيد القضايا الاستراتيجية الحيوية. وتُعَد باكستان عضواً في منظومة الدول الإسلامية، وتربطها علاقات اقتصادية واجتماعية قديمة ووطيدة مع دول المنطقة، كما أن عدداً كبيراً من الباكستانيين يعملون ويقيمون في دول مجلس التعاون الخليجي. وتشارك باكستان دول المجلس العديد من الاهتمامات الأمنية في الخليج وبحر العرب، بما في ذلك مسألة التعامل السلمي والاستقرار والأمن في المنطقة. وحيث إن باكستان هي قوة إقليمية رئيسية والدولة المسلمة الوحيدة، التي تمتلك قدرات نووية، فإن لديها موقعاً خاصاً في قضايا عدة في ما يتعلق بدول مجلس التعاون الخليجي، بما فيها عملية السلام في الشرق الأوسط والقضية الفلسطينية في الماضي والحاضر، وقدمت باكستان في هذا الشأن دعماً غير مشروط في المحافل السياسية الدولية، ويحمل التحول الجديد في السياسة الخارجية الباكستانية في ما يخص إسرائيل تبعات خطرة بالنسبة لدول المجلس والعالم العربي.
وقد تباحث الرئيس الباكستاني برويز مشرف هاتفياً مع الملك عبدالله الثاني عاهل الأردن، والرئيس الفلسطيني محمود عباس قبل حدوث اللقاء (التاريخي)، في اسطنبول بين وزيري خارجية باكستان وإسرائيل. وكان اتصاله بهما مهماً، إذ إنه يكشف عن نية باكستان في إبقاء اللاعبين السياسيين على اطلاع بشأن أي تطورات قد تحدث.
وتشترك باكستان ودول مجلس التعاون الخليجي في الاهتمام ذاته بمكافحة الإرهاب، ويتعين على باكستان ودول الخليج العمل على قيام تعاون أكبر بينهما، من أجل بذل جهود قد تكون غير موجودة حتى الآن، للتعامل مع جذور الأسباب التي تدفع الأفراد إلى التطرف أو الوقوع فريسة الاستغلال من جانب المنظمات الإرهابية. ومن المهم في ضوء ذلك الحرص على أن يدرك سكان المناطق المنكوبة بالهزة الأرضية أن المجتمع الدولي، وخصوصاً دول مجلس التعاون الخليجي، تسارع أو أنها بصدد المبادرة إلى مساعدتهم. وإذا لم يحدث ذلك، فإن أولئك الذين يروّجون للإرهاب سوف يجدون أرضية خصبة لأهدافهم وشعاراتهم في تلك المناطق. ومن الأمثلة الصارخة على الأساليب التي تستخدمها المنظمات الإرهابية استغلال معاناة الناس وسخطهم. وجاء ذلك في البيان الذي بثته قناة (الجزيرة) التلفزيونية في الثاني والعشرين من شهر أكتوبر 2005، على لسان أيمن الظواهري، والذي حث فيه المسلمين على مساعدة ضحايا الهزة الأرضية، وانتقد العالم الإسلامي لأنه لم يفعل الكثير بهذا الشأن. وهاجم الظواهري الولايات المتحدة الأمريكية أيضاً لإعاقتها جهود الإغاثة الإسلامية.
وهذا ما يجعل جهود الإغاثة التي تقوم بها دول مجلس التعاون بحاجة إلى دفعة قوية، فمن المؤكد والمفهوم أن حكومة باكستان لا تستطيع وحدها توفير متطلبات الناجين من الهزة والاعتناء بعمليات الإغاثة والتأهيل، وهناك كذلك خطر مشاعر السخط الخفية في أوساط المنكوبين بالكارثة، الذين لا يمكنهم في ظل الأوضاع الحرجة التي تعيشها باكستان، إدراك مدى فداحة الوضع القائم أو التعامل السليم مع التحديات اللوجستية، لذا يجب أن تقوم الحكومة الباكستانية وكل دولة على حدة بالإعلان عن أي مساعدات تقدمها دول مجلس التعاون، ضمن عمليات الإغاثة والتأهيل، حتى يعرف الناس في باكستان مصدر تلك المساعدات من أجل مجابهة أي استغلال سلبي لهذه المحنة لصالح المنظمات المتطرفة.
ومن الضروري أن تتعاون الحكومة الباكستانية والدول المانحة في استنباط استراتيجية تتوجه نحو كل من جهة الإغاثة وأعمال التأهيل والإعمار، ويتضمن جانب جهود الإغاثة الاهتمام بالأولويات العاجلة وتوفير السلع الضرورية اللازمة لعمليات الإنقاذ والاستمرار في نشر مراكز الدعم في أوسع مساحة ممكنة بهدف زيادة فاعلية إيصال المساعدات إلى المناطق المحتاجة كافة. ومن المهم التنبيه إلى الحاجة إلى وجود طائرات مروحية بصفة عاجلة لعمليات الإنقاذ، لأنها تُعتبـَـر الوسيلة الوحيدة للوصول إلى القرى النائية في الجبال الشاهقة، ويتوفر لدى باكستان في الوقت الحاضر ربع عدد الطائرات المروحية التي تحتاج إليها لتنفيذ أعمال إغاثة فاعلة وفي الوقت المناسب. ويمكن للدول المانحة أن تزود باكستان بجرافات صغيرة الحجم لاستخدامها بفاعلية في الممرات الجبلية من أجل فتح الطرق، لأن الآليات الثقيلة ستكون غير مجدية في هذه الظروف. وعدا عن الخيام المؤهلة لفصل الشتاء، والملاجئ العازلة التي يمكنها الصمود في الطقس البارد، فإن هناك أولويات عاجلة أخرى تشمل الأغطية اللازمة للتدفئة والسخانات التي تعمل بالكيروسين والمواقد واللوازم الطبية وحصص الأغذية والمياه الصالحة للشرب، وقد تم إلقاء (رزم إنقاذ) من الجو على العديد من المناطق المنكوبة بفضل جهود الإغاثة التي قام بها الصليب الأحمر، لكن الحاجة كبيرة إلى كميات أكثر.
ويجب القيام بأعمال البناء والتأهيل بصفة عاجلة إلى جانب جهود الإنقاذ والإغاثة، ويجب العمل من أجل إعادة التكامل الاقتصادي للسكان الذين تم إنقاذهم والعمل على إيوائهم في مخيمات الإغاثة المقامة في المناطق المنخفضة، وتوجد حاجة ماسة إلى إقامة مستشفيات ميدانية أو نشر وحدات طبية متحركة يمكنها توفير الاحتياجات الضرورية والكبيرةلإنقاذ أرواح الناس، حيث إن 41 في المائة من المستشفيات التي كانت موجودة دُمرت بفعل الهزة الأرضية، وتحتاج المناطق المنكوبة إلى تزويدها بالبيوت الجاهزة وإقامة المراكز المجتمعية والمستشفيات والمدارس فوراً، باستخدام الهياكل المعدنية والمواد العازلة بهدف توفير المأوى لأولئك السكان ومساعدتهم على الصمود في فصل الشتاء. ويمكن توجيه مساعدات الإغاثة نحو جميع هذه العمليات وتنسيقها بالشكل الملائم عبر الوكالات الحكومية من أجل منع أي سوء استخدام ممكن للتبرعات وتحويلها إلى المنظمات المتطرفة، ويمكن تشكيل بعثات مراقبة من جانب الحكومة الباكستانية والدول المانحة لمتابعة تقدم عمليات الإغاثة وأعمال التأهيل والإعمار.

مؤتمر المانحين
عُقد في إسلام أباد في التاسع عشر من شهر نوفمبر الماضي مؤتمر دولي للمانحين قُدم خلاله تقرير مفصل لتكاليف إعادة البناء التقديرية، وحضر المؤتمر ممثلون عن 75 دولة ومنظمة دولية إلى جانب كوفي أنان الأمين العام للأمم المتحدة، الذي دعاه الرئيس برويز مشرف إلى الحضور آملاً في تجديد الاهتمام الدولي وإذكاء الشعور بالاحتياجات العاجلة الناجمة عن هذه الكارثة الإنسانية.
وكان كوفي أنان قد وصف قبل ذلك التجاوب الدولي تُجاه نداء الإغاثة الصادر عن الأمم المتحدة بأنه (ضعيف)، و(بطيء)، ووصف أيضاً الكارثة بعدما زار المناطق المنكوبة بأنها إحدى أقسى الكوارث الإنسانية في هذا القرن، وحذر من فاجعة ثانية مع اقتراب موسم الشتاء سريعاً. وأعلن عن برنامج من ثلاث نقاط خاص بإعادة إعمار المناطق المنكوبة بالهزة، أولها تأهيل الضحايا ثم بناء منازل مؤقتة وإعادة إعمار المنطقة. وخصص مبلغ 3.5 مليار دولار من المبلغ الإجمالي التقديري البالغ 5.2 مليار دولار لإعادة بناء المنازل والبنية الأساسية على أن يخصص المبلغ المتبقي للإغاثة العاجلة، خلال أشهر الشتاء في المناطق الأكثر تضرراً. وشهد المؤتمر تعهد المجتمع الدولي بالتبرع بمبلغ 5.8 مليار دولار، وهو مبلغ يتجاوز التكاليف التقديرية على أن يكون 1.9 مليار دولار منه منحة، و3.9 مليار دولار في شكل قروض. وكانت الولايات المتحدة الأمريكية أكبر المتبرعين بمبلغ 501.6 مليون دولار. وكان معظم التعهدات في شكل قروض صغيرة بفوائد متدنية وعلى مدى فترة زمنية طويلة مع بعض المنح. ومن الطبيعي أن تؤدي أي ديون إضافية في هذا الوقت إلى زيادة أعباء الديون الإجمالية على باكستان، لكنها لن تكون بالثقل ذاته الذي تعاني منه باكستان بفعل الديون ذات الفوائد المرتفعة المطلوبة منها. ولا تستطيع باكستان في ظل هذا المنعطف الحاد أن تجادل في شأن شروط مساعدات الإغاثة، غير أن شوكت عزيز رئيس الوزراء الباكستاني أعرب عن الأمل في ألاّ تؤثر القروض الميسرة، التي تم التعهد بها لبلاده، في الاقتصاد الباكستاني، وأن تفتح برامج إعادة البناء والتأهيل المجال لإيجاد وظائف وأعمال بالنسبة للمتضررين من الهزة الأرضية.
ومن المهم الإشارة إلى بساطة القيود المرتبطة بالتعهدات المالية ذات الفوائد الضئيلة جداً، والفترات الزمنية الطويلة من جانب الدول الإسلامية. فقد تعهدت المملكة العربية السعودية بتقديم قروض بمبلغ 573 مليون دولار أمريكي، بالإضافة إلى منح بمبلغ 133 مليون دولار، وهو ما يجعلها إحدى أكبر الدول المساهمة في جمهور الإغاثة والإعمار. وأفصحت دول أخرى في مجلس التعاون الخليجي عن خطوات إضافية سيتم اتخاذها، وأعلنت قطر عن نيتها في دعم أعمال إعادة البناء، وأرسلت بالفعل مساعدات بقيمة 20 مليون دولار، في شكل معدات، وأدوية وخيام. وقد تم جمع مبلغ عشرة ملايين دولار من خلال حملة (مد يد العون إلى آسيا) الخيرية. وجدد الدكتور علي عبدالله الكعبي وزير العمل والشؤون الاجتماعية في دولة الإمارات العربية المتحدة في المؤتمر تأكيد التزام الإمارات بجهود الإغاثة والإعمار، وعبر عن استعداد بلاده للمساعدة اللوجستية واستعدادها أيضاً لدعم التمويل من أجل تنفيذ برامج محددة.
ويبقى السؤال قائماً بشأن ما إذا كان سيتم الوفاء بالتعهدات التي قدمت خلال المؤتمر، على الرغم من أنها تفوق التقديرات الموضوعة لإعادة البناء. وتشير التقديرات إلى أن ما يتم الوفاء به لا يتجاوز في الظروف الطبيعية ثلث المبالغ المالية والمساعدات التي يتم التعهد بها. لكن التعهدات الرئيسية في حالة الهزة الأرضية الباكستانية قدمت من جانب مؤسسات مالية دولية مثل البنك الدولي وبنك التنمية الآسيوي، وتليهما المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الأمريكية، ويتوقع ألاّ يتراجع مانحون ذوو مكانة رفيعة، كهؤلاء، عن التزاماتهم.
وتتضمن استراتيجية الرئيس مشرف لإعادة التأهيل والإعمار، فكرة غير مألوفة تقوم على تبني ورعاية القرى المتضررة، بحيث يختار المانحون أسماءها، وهو ما يسهل توثيق الصلات بينهم وبين السكان المتضررين، ووعد مشرف كذلك بشفافية كاملة وإخضاع أموال الإغاثة للمحاسبة والمراقبة من جانب الدول المانحة وممثليها لمنع أي إساءة استخدام لتلك الأموال.
واغتنم الرئيس مشرف الفرصة أيضاً لتأكيد استعداد باكستان للعمل من أجل التوصل إلى حل مشكلة كشمير المزمنة عبر حثه الهند على الاشتراك مع بلاده في هذا الصدد، قائلاً إن ذلك يمكن أن يكون بمثابة التبرع من جانب نيودلهي في جهود الإغاثة الخاصة بالهزة الأرضية. ووصف مشرف الوضع الراهن بأنه فرصة لا تتكرر كل يوم، وشدد على الحاجة إلى وجود قيادة سياسية تغتنم هذه الفرصة لفض النـزاع.
وأشار الرد الهندي على هذه المبادرة إلى أن نزع السلاح في كشمير لن يكون ممكناً ما لم يتم وقف التسلل عبر الحدود والأعمال الإرهابية من دون أن تذكر باكستان بالاسم. وعلى الرغم من أن القول إن موقف باكستان ملتزم بقرارات الأمم المتحدة الخاصة بكشمير، فإنها عبرت عن الحاجة إلى حل يخرج الأزمة من المأزق الذي وقعت فيه. وقد ظهر تطور مهم على لسان شوكت عزيز، رئيس الوزراء، الذي اقترح بعد لقائه مع وزير الدولة الهندي للشؤون الخارجية إقامة حكم ذاتي ونزع السلاح في الجانبين حول كشمير، ولم يصدر بعد أي رد هندي على هذا الاقتراح.
وقد اتخذت كل من الهند وباكستان معاً قرار فتح نقاط العبور الخمس على خط الحدود المدجج بالسلاح، وذلك لمساعدة جهود إغاثة 3.5 مليون مشرد عشية حدوث الهزة الأرضية في الثامن من أكتوبر 2005. وكان لهذه الهزة تأثير نفسي وعاطفي كبير بالنسبة لسكان كشمير. ومن شأن مأساة كهذه أن تكون بمثابة فرصة لإعادة تقييم المجالات التي يمكن تحقيق تقدم فيها، وهو ما لا يتوفر في الظروف الطبيعية. وقد لا تكون آمال الرئيس مشرف واقعية جداً بسبب طبيعة الصراع والحقائق الموجودة على الأرض، لكنها خطوة إلى الأمام وفرصة يمكن للهند أن تغتنمها.
ويمكن أن تكون تلك أيضاً فرصة تفتح نافذة لجهود المجتمع الدولي، وبخاصة بالنسبة لدول مجلس التعاون التي تشترك مع كل من باكستان والهند في العديد من الاهتمامات، ويمكنها أن تستفيد من المفعول الإيجابي لهذه التطورات لخلق مناخ استقرار وأمن في جنوب آسيا.
لقد أظهرت التعهدات المقدمة للمتضررين بالهزة الأرضية سخاء وحسن نوايا المجتمع الدولي، وخصوصاً الدول الإسلامية. ويبقى في الانتظار قطف ثمار التعهدات المقدمة عبر تحقيقها، ويؤمل أن يفي المتبرعون بالتزاماتهم ووعودهم. والتبعات بعيدة المدى لذلك عديدة الجوانب، وسوف تكشف ما إذا كانت ستفتح نافذة للفرص الإيجابية، وتعزز مجالات إقامة علاقات أقوى وتفاهم أفضل بين الشعوب بتعدد دياناتهم وثقافاتهم ومعتقداتهم.

::/fulltext::
::cck::3446::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *