حيادية الإعلام ومصالح أمريكا العليا

::cck::3447::/cck::
::introtext::

رغم تجربتي المحدودة في التعاطي مع الإعلام الأمريكي من خلال مركز الدراسات السعودية في واشنطن فإنها كانت جيدة. فالصحفي الأمريكي (للأمانة) يريد معلومة خالية من المبالغة الأيديولوجية والتلوين الدعائي إذا اعتقد أن أدلجة المعلومة هو لصالح دين أو نظام سياسي أو اجتماعي، لكن في المقابل لا يتورع في إفراد مساحات واسعة لآراء مؤدلجة تصب في الصالح الأمريكي. وعلينا أن نعترف بأن مؤسساتنا الرسمية، وهي تقريبا الأكثر اتصالاً بوسائل الإعلام الأمريكية من خلال السفارات، لا تجيد تقديم الحقائق المجردة في سياقات يقبلها الإعلام الأمريكي، لكن الفشل العربي في الإعلام الأمريكي لا يعني بحال من الأحوال أن الإعلام بريء ومحايد إلى الدرجة التي يعتقدها بعض من يصلون نحو “المحراب الأمريكي”.

::/introtext::
::fulltext::

رغم تجربتي المحدودة في التعاطي مع الإعلام الأمريكي من خلال مركز الدراسات السعودية في واشنطن فإنها كانت جيدة. فالصحفي الأمريكي (للأمانة) يريد معلومة خالية من المبالغة الأيديولوجية والتلوين الدعائي إذا اعتقد أن أدلجة المعلومة هو لصالح دين أو نظام سياسي أو اجتماعي، لكن في المقابل لا يتورع في إفراد مساحات واسعة لآراء مؤدلجة تصب في الصالح الأمريكي. وعلينا أن نعترف بأن مؤسساتنا الرسمية، وهي تقريبا الأكثر اتصالاً بوسائل الإعلام الأمريكية من خلال السفارات، لا تجيد تقديم الحقائق المجردة في سياقات يقبلها الإعلام الأمريكي، لكن الفشل العربي في الإعلام الأمريكي لا يعني بحال من الأحوال أن الإعلام بريء ومحايد إلى الدرجة التي يعتقدها بعض من يصلون نحو “المحراب الأمريكي”.
إنني لا أميل إلى الإدانة المطلقة للممارسة الإعلامية على الشاطئ الغربي للمحيط الأطلسي، بل أنزع إلى التصديق بأن الإعلام الأمريكي يملك صحافيين لديهم قدرة على ممارسة تغطيات مهنية محايدة في أشد الظروف قسوة. وقد أنجز الصحافيون الأمريكيون الكثير في ظل إدارة تعيش حالة حرب خاطئة وتتمرغ في وحل الإخفاق العسكري والسياسي مما جعلها تصطاد الصحافيين وربما تتجسس عليهم وتود لو أنها أخرست كل الوسائل التي تسبب لها المتاعب.
وإذا سلمنا بنزاهة الصحافي الأمريكي في العموم، فإننا قد نتوقف أمام مشهد إعلامي آخر يضفي عليه (حراس بوابات) الآلة الإعلامية الأمريكية الكثير من الغموض. فهل أولئك النفر الذي بيده النشر وعدمه بالحماس نفسه للحقائق التي يأتي بها مراسلوهم؟ في إجابتنا عن هذا السؤال لا نستطيع الجزم بـ (نعم)، لكننا نستطيع بوضوح أن نسرد شواهد تؤكد الاعتقاد بأن حرية الوسيلة الإعلامية الأمريكية ذات الانتشار الجماهيري الكبير هي حرية منقوصة، ومثلما تتدخل أجهزة الأمن والاستخبارات والقوى المختلفة للتأثير في رئيس التحرير في بلداننا العربية تتدخل الأجهزة نفسها للتأثير في المسؤول الذي بيده النشر وعدمه في الإعلام الأمريكي. وأنا هنا لا أتحدث عن أحكام يصدرها القضاء ولا أوامر يوجهها النائب العام لإيقاف النشر أو تأجيله، ولكن عن ممارسات تحد من حرية الإعلام يرتكبها مسؤولون في الإدارة الأمريكية وبشكل يتنافى مع الحرية الإعلامية. لنأخذ بعض الشواهد القليلة للتدليل على أن الصورة الزاهية للإعلام الأمريكي ليست مؤكدة، في أواخر نوفمبر 2001 كان رئيس جهاز الاستخبارات المركزية الأمريكي جورج تينت في باكستان يحقق في مدى صحة وصول مواد مشعة يمكن أن تستخدم في صناعة قنبلة نووية أو ما يسمى (القنبلة القذرة) إلى يد القاعدة وربما إلى بلدان إسلامية تعتبرها واشنطن متطرفة. ويذكر الكاتب الصحفي بوب وودورد من صحيفة (واشنطن بوست) ومؤلف كتاب (خطة الهجوم) أنه أثناء عودة جورج تنيت يوم 1 ديسمبر 2001 إلى واشنطن، كان الرئيس الأمريكي واقعاً تحت ضغوط التهديد النووي، وبالتالي كان على وشك رفع حالة الإنذار صباح يوم الاثنين 3 ديسمبر 2001. في ذلك الوقت كان صحافيان من واشنطن بوست قد وصلا إلى معلومات عن تلك المهمة وعن التهديد الوشيك واتخذت القصة طريقها إلى عدد (واشنطن بوست) ليوم الأحد 2- 12-2001. غير أن الموضوع لم يسر على ضوء ما خططت له الصحيفة، فعندما عرفت الـ (سي أي إيه) بالخبر، اتصل مسؤول من الوكالة بالسيد وودورد في بيته وطلب منه أن يعمل على تأجيل نشر القصة لأن رئيس الاستخبارات الأمريكية ما يزال في الطريق إلى واشنطن، ولأن المعلومات التي تضمنها التقرير الصحفي سوف تحرج باكستان الباردة أصلا في تعاونها مع الـ (سي أي إيه) وربما تفسره على أنه استخدام الإدارة الأمريكية للإعلام لممارسة ضغوط عليها. لقد استطاعت الـ (سي أي إيه) تأجيل نشر القصة والتحكم بحتواها عند النشر، فنشرت بعد عدة أيام دون إشارة إلى زيارة تنيت وإنما تحت عنوان آخر أكثر عمومية. وما حدث هو تدخل مباشر من الجهاز التنفيذي وتعليمات واضحة إلى حراس البوابة في الإعلام لنشر قصة أو خبر أو عدم نشره أو التعديل فيه. فحراس البوابة الإعلامية من رؤساء تحرير ومديري محطات تلفزيونية ومن في حكمهم يستطيعون التحكم بأي مادة تنشر وفقاً لأهوائهم الشخصية أو استجابة لضغوط حكومية أو بدعوى المحافظة على أمن الولايات المتحدة أو قيمها الديمقراطية.
لقد جرت العادة أن الحوارات التي تتم في أشهر البرامج السياسية مثل (Meet The Press) على قناة ( (NBC وهذا الأسبوع على قناة (ABC) يكون لها صدى في الأيام التالية في وسائل الإعلام وخصوصاً الصحافة، لكن يحدث أحيانا أن (تفرقع) موضوعات كبرى في تلك البرامج تصيب الرأي العام بالدهشة، لكن الصحافة تقابلها بالصمت المطبق كما حدث في برنامج Meet The Press يوم 15 حزيران 2003 عندما قال وزلي كلارك المرشح للرئاسة الأمريكية لمقدم البرنامج Tim Russert: “إن مسؤولين قريبين من البيت الأبيض اتصلوا به في بيته صبيحة يوم 11/9 قبيل ظهوره على شبكة (CNN) وطلبوا منه أن يتحدث عن أن العمليات الإرهابية التي وقعت ذلك اليوم هي إرهاب دولة، وأن صدام حسين له علاقة بهجوم الحادي عشر من سبتمبر 2001”. وقال وزلي كلارك لمقدم البرنامج إنه أبدى استعداده لقول ذلك إذا أعطي وثائق تدعم هذا الزعم، ولم تصله أية وثيقة من البيت الأبيض. هذا الخبر قضي عليه في المهد من قبل حراس البوابة الإعلامية مما يفسر أن العمل الصحفي هنا شيء آخر مختلف عن الذي تعودنا عليه من استقبال حافل للأخبار والآراء التي تخالف السائد. هذا التعتيم الذي مورس على ما أدلى به كلاك ينسحب أيضاً على تقرير أذاعه برنامج أخبار المساء على شبكة CBS في 4-9-2002 لمراسل الشبكة David Martin قال فيه إنه بعد 5 ساعات تقريباً من تحطم طائرة الخطوط الأمريكية رقم 77 فوق البنتاجون كان وزير الدفاع الأمريكي يطلب من مساعديه وضع خطة لضرب العراق مع أنه لم تكن هناك أدلة تؤكد علاقة العراق بالهجمات. وأذكر بعد اجتياح القوات الأمريكية والمتحالفة معها لأفغانستان وحدوث المذابح التي كان يقال إنها تحدث بطريقة الخطأ إن صحفية من (لوس انجليس تايمز) اتصلت بي تطلب ترجمة العناوين التي تظهر تحت صور من أفغانستان على موقع قناة (الجزيرة) لأنها تريد أن تفهم ما يجري خارج الولايات المتحدة الأمريكية فقد كانت وسائل الإعلام الأمريكية تتحاشى بث مثل تلك الصور حتى لا تؤثر في معنويات شعب وجيش يخوض معركة ضد (الشر).
إذاً، فالتصريح بنزاهة الإعلام، وكونه يبحث عن الحقيقة، لا يعني التقليل من ممارسات حراس البوابة الإعلامية في الولايات المتحدة الأمريكية. ولو أن الإعلام كان نزيهاً بالدرجة التي يتصورها البعيد عن المشهد السياسي والاجتماعي والفكري الأمريكي لاستطاع الإعلام لجم السياسة الخارجية الأمريكية بدلاً من العمل بالتضامن معها. إن الأخطر من التعتيم هو أن يشارك الإعلام في صناعة السياسة الخارجية الأمريكية وأن يوجهها وأن يخفي سوءتها، وأن يضرب بجدار من التجاهل على مؤشرات يمكن أن تفتح مجالاً للرأي العام الأمريكي لأن يمارس ضغوطاً أكبر على الجهاز التنفيذي خصوصاً في ما يتعلق بالعراق. لقد توصل مراسل مجلة (ذا نيويوركر) السيد سيمور هيرش إلى مؤشرات خطيرة جدا كان يمكن أن تؤدي إلى جدل داخل الولايات المتحدة الأمريكية وخارجها لو أن صحفاً مثل (واشنطن بوست) و(نيويرك تايمز) ومجلة (التايم) تناولتها بالنشر والتحليل والتعليق.
لقد ذكر المراسل في عدد الصحيفة ليوم 5 ديسمبر 2005 بأن (الحرب الجوية) على مواقع العدو (السني) في العراق قد زادت سرعتها، وأشار في تقريره إلى أنه لا (الكونجرس ولا المجتمع الأمريكي قد دخل في مناقشة ذات أهمية حول الحرب الجوية التي تشنها أمريكا في العراق)، ورغم أن الكاتب لا يشرح لنا لماذا كل هذا الصمت، فإن كاتباً آخر يدعى نورمان سولومون قد كتب في موقع (Truth out ) الالكتروني موضحاً أن أهم مصادر الأخبار الرئيسية الأمريكية تخفي هذه الحقيقة لأن إعلانها سوف يفسر على أنه مؤشر إلى أن القوات الأمريكية تفكر في الإنسحاب، ذلك أن الضربات الجوية قد تكون غطاء لأي انسحاب للجيش الأمريكي من العراق إلى خارجه أو إلى قواعد محددة فيه. وحاول الكاتب أن يدلل على صدق التعتيم الذي مارسته كل من (نيويورك تايمز)، و(واشنطن بوست) ومجلة (التايم) فاستخدم أضخم وسيلة متخصصة بالبحث في محتوى وسائل الإعلام وبحث عن جملة (air war) في السياق العراقي في هذه الوسائل الثلاث خلال عام 2005 فكانت النتيجة أن تلك الصحف لم تتناول الموضوع نهائياً. وهذا ربما يستخدم قرينة فيها الكثير من الثقة بأن وسائل الإعلام الأمريكية ليست وسائل حرة في نشر كل ما يستحق النشر ولكنها تخضع لضوابط ومعايير غير مكتوبة.
وفي مقابل التعتيم لما فيه مصلحة طرف معين رأينا كيف ضخّم الإعلام الأمريكي انتقادات عضو الكونجرس الأمريكي جون موران عندما صرح قبيل الحرب على العراق بأن المستفيد من الحرب ليس أمريكا وإنما إسرائيل وحلفاؤها في واشنطن. لقد هاجمه الإعلام بشراسة مما جعل الرئيس الأمريكي بوش يعتذر عن تصريحات تعد شخصية لعضو كونجرس من حقه أن يعبر عن وجهة نظره، وكان الإعلام سبباً في عدم ترشيح الحزب الديمقراطي للسيد موران في الدورة التالية لتلك التصريحات.
إننا في تعاملنا مع الإعلام الأمريكي ننقسم إلى محب يرى كل شيء جميلاً وتخفي عيونه أي مثالب أو جوانب قصور أو تجاوزات، ويعتبرونه (مرسول الحرية) وأداة الحيادية ولا يمكن أن يصدر عنه إلا ما هو صحيح ومبرر، وأنه يجب أن يكون منهجاً وقدوة لإعلامنا العربي. وفريق آخر لا يرى فيه سوى دعاية للصهيونية والوجه القبيح للسياسة الخارجية الأمريكية، ويرون فيه الانحلال والعداء لكل ما هو عربي مسلم. وكلتا النظرتين خاطئة، فعلى الرغم من وجود حرس شديد على بوابة الإعلام الأمريكي فإننا نعترف له بالفضل في كشف مآسي سجون أبو غريب وكذلك السجون التي اكتشفت في أوروبا والآن في شمال إفريقيا، وإن كان هناك من يرى أن النشر جاء بناء على تعليمات رسمية لحراس البوابة الإعلامية وذلك لتحطيم معنويات (العدو) وإحداث هزة في وجدان العالم بأن أمريكا على الأبواب، وأنها تحكم وتظلم وتعذب وتجتاح سيادة الدول بما فيها الأوروبية، وأن أحدا لا يملك إيقافها.
هذا النهج التآمري في تفسير الظواهر يفسر كيف أن التسريبات والأخبار كانت عن طريق واحدة أو أكثر من تلك الوسائل الكبرى التي لا تشكل على نحو كبير الرأي العام الأمريكي بقدر ما تتوجه للخارج وصناع القرار وقادة الرأي في الولايات المتحدة الأمريكية، وأعني هنا (واشنطن بوست)، (نيويرك تايمز)، (التايم)، إلخ. ومادام الحديث عن هذه الوسائل تحديدا فإن كاتبا مثل تومس فريدمان ليس معروفا في الولايات المتحدة بالطريقة التي ينتشر بها اسمه في بلادنا العربية، وقد سألت أمريكيين من طبقة مثقفة فوجدتهم لا يعرفون الكثير عن هذا الكاتب بل إن بعضهم لم يقرأ (نيويرك تايمز) أو (واشنطن بوست) في حياته، لأن تلك الصحف تصدر باسم مدن أو ولايات بعينها ويميل الأمريكيون إلى قراءة ما يصدر عن مدنهم وولاياتهم.
وخلاصة الأمر، فإن مسألة الحرية الإعلامية الخالصة غير موجودة كما أن الحيادية نسبية، وقد رأينا الكثير من القيم الأمريكية تتغير لأن أمريكا تعرضت للخطر. ويمارس الأمريكيون الرسميون رقابة من النوع الذي نمارسه نحن، ويوعزون لحراس البوابات الإعلامية أن يمارسوا ذلك اختياراً وتقديراً للمصالح العليا أو بتلميحات أو تدخلات مباشرة ولو عن طريق العلاقات الشخصية. لكن من الإنصاف أن نقول إن تلك الممارسات سواء من قبل الرسميين أو حراس البوابات ليست هي القاعدة بل الاستثناء المميت بكل أسف.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::3447::/cck::
::introtext::

رغم تجربتي المحدودة في التعاطي مع الإعلام الأمريكي من خلال مركز الدراسات السعودية في واشنطن فإنها كانت جيدة. فالصحفي الأمريكي (للأمانة) يريد معلومة خالية من المبالغة الأيديولوجية والتلوين الدعائي إذا اعتقد أن أدلجة المعلومة هو لصالح دين أو نظام سياسي أو اجتماعي، لكن في المقابل لا يتورع في إفراد مساحات واسعة لآراء مؤدلجة تصب في الصالح الأمريكي. وعلينا أن نعترف بأن مؤسساتنا الرسمية، وهي تقريبا الأكثر اتصالاً بوسائل الإعلام الأمريكية من خلال السفارات، لا تجيد تقديم الحقائق المجردة في سياقات يقبلها الإعلام الأمريكي، لكن الفشل العربي في الإعلام الأمريكي لا يعني بحال من الأحوال أن الإعلام بريء ومحايد إلى الدرجة التي يعتقدها بعض من يصلون نحو “المحراب الأمريكي”.

::/introtext::
::fulltext::

رغم تجربتي المحدودة في التعاطي مع الإعلام الأمريكي من خلال مركز الدراسات السعودية في واشنطن فإنها كانت جيدة. فالصحفي الأمريكي (للأمانة) يريد معلومة خالية من المبالغة الأيديولوجية والتلوين الدعائي إذا اعتقد أن أدلجة المعلومة هو لصالح دين أو نظام سياسي أو اجتماعي، لكن في المقابل لا يتورع في إفراد مساحات واسعة لآراء مؤدلجة تصب في الصالح الأمريكي. وعلينا أن نعترف بأن مؤسساتنا الرسمية، وهي تقريبا الأكثر اتصالاً بوسائل الإعلام الأمريكية من خلال السفارات، لا تجيد تقديم الحقائق المجردة في سياقات يقبلها الإعلام الأمريكي، لكن الفشل العربي في الإعلام الأمريكي لا يعني بحال من الأحوال أن الإعلام بريء ومحايد إلى الدرجة التي يعتقدها بعض من يصلون نحو “المحراب الأمريكي”.
إنني لا أميل إلى الإدانة المطلقة للممارسة الإعلامية على الشاطئ الغربي للمحيط الأطلسي، بل أنزع إلى التصديق بأن الإعلام الأمريكي يملك صحافيين لديهم قدرة على ممارسة تغطيات مهنية محايدة في أشد الظروف قسوة. وقد أنجز الصحافيون الأمريكيون الكثير في ظل إدارة تعيش حالة حرب خاطئة وتتمرغ في وحل الإخفاق العسكري والسياسي مما جعلها تصطاد الصحافيين وربما تتجسس عليهم وتود لو أنها أخرست كل الوسائل التي تسبب لها المتاعب.
وإذا سلمنا بنزاهة الصحافي الأمريكي في العموم، فإننا قد نتوقف أمام مشهد إعلامي آخر يضفي عليه (حراس بوابات) الآلة الإعلامية الأمريكية الكثير من الغموض. فهل أولئك النفر الذي بيده النشر وعدمه بالحماس نفسه للحقائق التي يأتي بها مراسلوهم؟ في إجابتنا عن هذا السؤال لا نستطيع الجزم بـ (نعم)، لكننا نستطيع بوضوح أن نسرد شواهد تؤكد الاعتقاد بأن حرية الوسيلة الإعلامية الأمريكية ذات الانتشار الجماهيري الكبير هي حرية منقوصة، ومثلما تتدخل أجهزة الأمن والاستخبارات والقوى المختلفة للتأثير في رئيس التحرير في بلداننا العربية تتدخل الأجهزة نفسها للتأثير في المسؤول الذي بيده النشر وعدمه في الإعلام الأمريكي. وأنا هنا لا أتحدث عن أحكام يصدرها القضاء ولا أوامر يوجهها النائب العام لإيقاف النشر أو تأجيله، ولكن عن ممارسات تحد من حرية الإعلام يرتكبها مسؤولون في الإدارة الأمريكية وبشكل يتنافى مع الحرية الإعلامية. لنأخذ بعض الشواهد القليلة للتدليل على أن الصورة الزاهية للإعلام الأمريكي ليست مؤكدة، في أواخر نوفمبر 2001 كان رئيس جهاز الاستخبارات المركزية الأمريكي جورج تينت في باكستان يحقق في مدى صحة وصول مواد مشعة يمكن أن تستخدم في صناعة قنبلة نووية أو ما يسمى (القنبلة القذرة) إلى يد القاعدة وربما إلى بلدان إسلامية تعتبرها واشنطن متطرفة. ويذكر الكاتب الصحفي بوب وودورد من صحيفة (واشنطن بوست) ومؤلف كتاب (خطة الهجوم) أنه أثناء عودة جورج تنيت يوم 1 ديسمبر 2001 إلى واشنطن، كان الرئيس الأمريكي واقعاً تحت ضغوط التهديد النووي، وبالتالي كان على وشك رفع حالة الإنذار صباح يوم الاثنين 3 ديسمبر 2001. في ذلك الوقت كان صحافيان من واشنطن بوست قد وصلا إلى معلومات عن تلك المهمة وعن التهديد الوشيك واتخذت القصة طريقها إلى عدد (واشنطن بوست) ليوم الأحد 2- 12-2001. غير أن الموضوع لم يسر على ضوء ما خططت له الصحيفة، فعندما عرفت الـ (سي أي إيه) بالخبر، اتصل مسؤول من الوكالة بالسيد وودورد في بيته وطلب منه أن يعمل على تأجيل نشر القصة لأن رئيس الاستخبارات الأمريكية ما يزال في الطريق إلى واشنطن، ولأن المعلومات التي تضمنها التقرير الصحفي سوف تحرج باكستان الباردة أصلا في تعاونها مع الـ (سي أي إيه) وربما تفسره على أنه استخدام الإدارة الأمريكية للإعلام لممارسة ضغوط عليها. لقد استطاعت الـ (سي أي إيه) تأجيل نشر القصة والتحكم بحتواها عند النشر، فنشرت بعد عدة أيام دون إشارة إلى زيارة تنيت وإنما تحت عنوان آخر أكثر عمومية. وما حدث هو تدخل مباشر من الجهاز التنفيذي وتعليمات واضحة إلى حراس البوابة في الإعلام لنشر قصة أو خبر أو عدم نشره أو التعديل فيه. فحراس البوابة الإعلامية من رؤساء تحرير ومديري محطات تلفزيونية ومن في حكمهم يستطيعون التحكم بأي مادة تنشر وفقاً لأهوائهم الشخصية أو استجابة لضغوط حكومية أو بدعوى المحافظة على أمن الولايات المتحدة أو قيمها الديمقراطية.
لقد جرت العادة أن الحوارات التي تتم في أشهر البرامج السياسية مثل (Meet The Press) على قناة ( (NBC وهذا الأسبوع على قناة (ABC) يكون لها صدى في الأيام التالية في وسائل الإعلام وخصوصاً الصحافة، لكن يحدث أحيانا أن (تفرقع) موضوعات كبرى في تلك البرامج تصيب الرأي العام بالدهشة، لكن الصحافة تقابلها بالصمت المطبق كما حدث في برنامج Meet The Press يوم 15 حزيران 2003 عندما قال وزلي كلارك المرشح للرئاسة الأمريكية لمقدم البرنامج Tim Russert: “إن مسؤولين قريبين من البيت الأبيض اتصلوا به في بيته صبيحة يوم 11/9 قبيل ظهوره على شبكة (CNN) وطلبوا منه أن يتحدث عن أن العمليات الإرهابية التي وقعت ذلك اليوم هي إرهاب دولة، وأن صدام حسين له علاقة بهجوم الحادي عشر من سبتمبر 2001”. وقال وزلي كلارك لمقدم البرنامج إنه أبدى استعداده لقول ذلك إذا أعطي وثائق تدعم هذا الزعم، ولم تصله أية وثيقة من البيت الأبيض. هذا الخبر قضي عليه في المهد من قبل حراس البوابة الإعلامية مما يفسر أن العمل الصحفي هنا شيء آخر مختلف عن الذي تعودنا عليه من استقبال حافل للأخبار والآراء التي تخالف السائد. هذا التعتيم الذي مورس على ما أدلى به كلاك ينسحب أيضاً على تقرير أذاعه برنامج أخبار المساء على شبكة CBS في 4-9-2002 لمراسل الشبكة David Martin قال فيه إنه بعد 5 ساعات تقريباً من تحطم طائرة الخطوط الأمريكية رقم 77 فوق البنتاجون كان وزير الدفاع الأمريكي يطلب من مساعديه وضع خطة لضرب العراق مع أنه لم تكن هناك أدلة تؤكد علاقة العراق بالهجمات. وأذكر بعد اجتياح القوات الأمريكية والمتحالفة معها لأفغانستان وحدوث المذابح التي كان يقال إنها تحدث بطريقة الخطأ إن صحفية من (لوس انجليس تايمز) اتصلت بي تطلب ترجمة العناوين التي تظهر تحت صور من أفغانستان على موقع قناة (الجزيرة) لأنها تريد أن تفهم ما يجري خارج الولايات المتحدة الأمريكية فقد كانت وسائل الإعلام الأمريكية تتحاشى بث مثل تلك الصور حتى لا تؤثر في معنويات شعب وجيش يخوض معركة ضد (الشر).
إذاً، فالتصريح بنزاهة الإعلام، وكونه يبحث عن الحقيقة، لا يعني التقليل من ممارسات حراس البوابة الإعلامية في الولايات المتحدة الأمريكية. ولو أن الإعلام كان نزيهاً بالدرجة التي يتصورها البعيد عن المشهد السياسي والاجتماعي والفكري الأمريكي لاستطاع الإعلام لجم السياسة الخارجية الأمريكية بدلاً من العمل بالتضامن معها. إن الأخطر من التعتيم هو أن يشارك الإعلام في صناعة السياسة الخارجية الأمريكية وأن يوجهها وأن يخفي سوءتها، وأن يضرب بجدار من التجاهل على مؤشرات يمكن أن تفتح مجالاً للرأي العام الأمريكي لأن يمارس ضغوطاً أكبر على الجهاز التنفيذي خصوصاً في ما يتعلق بالعراق. لقد توصل مراسل مجلة (ذا نيويوركر) السيد سيمور هيرش إلى مؤشرات خطيرة جدا كان يمكن أن تؤدي إلى جدل داخل الولايات المتحدة الأمريكية وخارجها لو أن صحفاً مثل (واشنطن بوست) و(نيويرك تايمز) ومجلة (التايم) تناولتها بالنشر والتحليل والتعليق.
لقد ذكر المراسل في عدد الصحيفة ليوم 5 ديسمبر 2005 بأن (الحرب الجوية) على مواقع العدو (السني) في العراق قد زادت سرعتها، وأشار في تقريره إلى أنه لا (الكونجرس ولا المجتمع الأمريكي قد دخل في مناقشة ذات أهمية حول الحرب الجوية التي تشنها أمريكا في العراق)، ورغم أن الكاتب لا يشرح لنا لماذا كل هذا الصمت، فإن كاتباً آخر يدعى نورمان سولومون قد كتب في موقع (Truth out ) الالكتروني موضحاً أن أهم مصادر الأخبار الرئيسية الأمريكية تخفي هذه الحقيقة لأن إعلانها سوف يفسر على أنه مؤشر إلى أن القوات الأمريكية تفكر في الإنسحاب، ذلك أن الضربات الجوية قد تكون غطاء لأي انسحاب للجيش الأمريكي من العراق إلى خارجه أو إلى قواعد محددة فيه. وحاول الكاتب أن يدلل على صدق التعتيم الذي مارسته كل من (نيويورك تايمز)، و(واشنطن بوست) ومجلة (التايم) فاستخدم أضخم وسيلة متخصصة بالبحث في محتوى وسائل الإعلام وبحث عن جملة (air war) في السياق العراقي في هذه الوسائل الثلاث خلال عام 2005 فكانت النتيجة أن تلك الصحف لم تتناول الموضوع نهائياً. وهذا ربما يستخدم قرينة فيها الكثير من الثقة بأن وسائل الإعلام الأمريكية ليست وسائل حرة في نشر كل ما يستحق النشر ولكنها تخضع لضوابط ومعايير غير مكتوبة.
وفي مقابل التعتيم لما فيه مصلحة طرف معين رأينا كيف ضخّم الإعلام الأمريكي انتقادات عضو الكونجرس الأمريكي جون موران عندما صرح قبيل الحرب على العراق بأن المستفيد من الحرب ليس أمريكا وإنما إسرائيل وحلفاؤها في واشنطن. لقد هاجمه الإعلام بشراسة مما جعل الرئيس الأمريكي بوش يعتذر عن تصريحات تعد شخصية لعضو كونجرس من حقه أن يعبر عن وجهة نظره، وكان الإعلام سبباً في عدم ترشيح الحزب الديمقراطي للسيد موران في الدورة التالية لتلك التصريحات.
إننا في تعاملنا مع الإعلام الأمريكي ننقسم إلى محب يرى كل شيء جميلاً وتخفي عيونه أي مثالب أو جوانب قصور أو تجاوزات، ويعتبرونه (مرسول الحرية) وأداة الحيادية ولا يمكن أن يصدر عنه إلا ما هو صحيح ومبرر، وأنه يجب أن يكون منهجاً وقدوة لإعلامنا العربي. وفريق آخر لا يرى فيه سوى دعاية للصهيونية والوجه القبيح للسياسة الخارجية الأمريكية، ويرون فيه الانحلال والعداء لكل ما هو عربي مسلم. وكلتا النظرتين خاطئة، فعلى الرغم من وجود حرس شديد على بوابة الإعلام الأمريكي فإننا نعترف له بالفضل في كشف مآسي سجون أبو غريب وكذلك السجون التي اكتشفت في أوروبا والآن في شمال إفريقيا، وإن كان هناك من يرى أن النشر جاء بناء على تعليمات رسمية لحراس البوابة الإعلامية وذلك لتحطيم معنويات (العدو) وإحداث هزة في وجدان العالم بأن أمريكا على الأبواب، وأنها تحكم وتظلم وتعذب وتجتاح سيادة الدول بما فيها الأوروبية، وأن أحدا لا يملك إيقافها.
هذا النهج التآمري في تفسير الظواهر يفسر كيف أن التسريبات والأخبار كانت عن طريق واحدة أو أكثر من تلك الوسائل الكبرى التي لا تشكل على نحو كبير الرأي العام الأمريكي بقدر ما تتوجه للخارج وصناع القرار وقادة الرأي في الولايات المتحدة الأمريكية، وأعني هنا (واشنطن بوست)، (نيويرك تايمز)، (التايم)، إلخ. ومادام الحديث عن هذه الوسائل تحديدا فإن كاتبا مثل تومس فريدمان ليس معروفا في الولايات المتحدة بالطريقة التي ينتشر بها اسمه في بلادنا العربية، وقد سألت أمريكيين من طبقة مثقفة فوجدتهم لا يعرفون الكثير عن هذا الكاتب بل إن بعضهم لم يقرأ (نيويرك تايمز) أو (واشنطن بوست) في حياته، لأن تلك الصحف تصدر باسم مدن أو ولايات بعينها ويميل الأمريكيون إلى قراءة ما يصدر عن مدنهم وولاياتهم.
وخلاصة الأمر، فإن مسألة الحرية الإعلامية الخالصة غير موجودة كما أن الحيادية نسبية، وقد رأينا الكثير من القيم الأمريكية تتغير لأن أمريكا تعرضت للخطر. ويمارس الأمريكيون الرسميون رقابة من النوع الذي نمارسه نحن، ويوعزون لحراس البوابات الإعلامية أن يمارسوا ذلك اختياراً وتقديراً للمصالح العليا أو بتلميحات أو تدخلات مباشرة ولو عن طريق العلاقات الشخصية. لكن من الإنصاف أن نقول إن تلك الممارسات سواء من قبل الرسميين أو حراس البوابات ليست هي القاعدة بل الاستثناء المميت بكل أسف.

::/fulltext::
::cck::3447::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *