خلق القيمة بين العقلية الريعية والعقلية الاقتصادية في دول مجلس التعاون
::cck::3352::/cck::
::introtext::
سؤال يتبادر إلى الذهن بل أسئلة منها: لماذا ارتفع دخل الفرد في جنوب شرق وشرق آسيا، مثلاً في كوريا الجنوبية، من 740 دولاراً في النصف الأول من سبعينات القرن الماضي إلى 20500 دولار، أي أكثر من خمسة وعشرين ضعفاً وكذلك في تايوان من 1132 إلى 20500 أي أكثر من عشرين ضعفاً، وكذلك في سنغافورة من 3040 إلى 22300 أي أكثر من سبعة أضعاف وهذه الدول لا تملك ثروات طبيعية ريعية في أهمية النفط كما تملك دول الخليج وبعض الدول العربية؟ وارتفع دخل الفرد في دول الخليج نتيجة تضاعف أسعار النفط في السبعينات في فترة قياسية من ألف دولار في النصف الأول في العقد الماضي إلى حوالي اثني عشر ألفاً من الدولارات في النصف الثاني منه. ويشير تقرير صادر عن مصلحة الإحصاءات العامة في وزارة الاقتصاد والتخطيط في المملكة العربية السعودية إلى أن دخل الفرد السعودي 8 آلاف دولار في فترة انخفاض أسعار البترول عام 1999، في حين ارتفع متوسط الدخل إلى 9.4 ألف دولار عام 2003 مع ارتفاع أسعار البترول بنسبة 10.4 في المائة، ويعتبر عام 1980 العام الذهبي للسعوديين، حيث سجل دخل الفرد أعلى دخل سنوي خلال 30 عاماً، إذ بلغ أكثر من 13.8 ألف دولار، ولكن كان عدد السكان في ذلك الوقت أقل من 10 ملايين نسمة.
::/introtext::
::fulltext::
سؤال يتبادر إلى الذهن بل أسئلة منها: لماذا ارتفع دخل الفرد في جنوب شرق وشرق آسيا، مثلاً في كوريا الجنوبية، من 740 دولاراً في النصف الأول من سبعينات القرن الماضي إلى 20500 دولار، أي أكثر من خمسة وعشرين ضعفاً وكذلك في تايوان من 1132 إلى 20500 أي أكثر من عشرين ضعفاً، وكذلك في سنغافورة من 3040 إلى 22300 أي أكثر من سبعة أضعاف وهذه الدول لا تملك ثروات طبيعية ريعية في أهمية النفط كما تملك دول الخليج وبعض الدول العربية؟ وارتفع دخل الفرد في دول الخليج نتيجة تضاعف أسعار النفط في السبعينات في فترة قياسية من ألف دولار في النصف الأول في العقد الماضي إلى حوالي اثني عشر ألفاً من الدولارات في النصف الثاني منه. ويشير تقرير صادر عن مصلحة الإحصاءات العامة في وزارة الاقتصاد والتخطيط في المملكة العربية السعودية إلى أن دخل الفرد السعودي 8 آلاف دولار في فترة انخفاض أسعار البترول عام 1999، في حين ارتفع متوسط الدخل إلى 9.4 ألف دولار عام 2003 مع ارتفاع أسعار البترول بنسبة 10.4 في المائة، ويعتبر عام 1980 العام الذهبي للسعوديين، حيث سجل دخل الفرد أعلى دخل سنوي خلال 30 عاماً، إذ بلغ أكثر من 13.8 ألف دولار، ولكن كان عدد السكان في ذلك الوقت أقل من 10 ملايين نسمة.
فالدخل في المملكة العربية السعودية وبقية دول الخليج مرتبط بالدخل الريعي ومستوى أسعار البترول، بينما في بقية الدول النامية يرتبط بمستوى التنمية. لذلك فدول الخليج تعاني في الوقت الحاضر مجموعة من المشكلات كالبطالة والفقر وانخفاض مستويات دخل الفرد، وعلى العكس من دول الخليج يزداد ارتفاع مستوى دخل الفرد في دول جنوب شرق وشرق آسيا وقفز قفزات متوالية.
والسبب أننا في دول الخليج وبقية الدول العربية استهلكنا الدخل الريعي من البترول دون أن نخلق من خلاله قيمة مضافة، وإذا كنا نحن نتعرض لأزمات وحروب عصفت بالمنطقة، فاليابان وألمانيا خرجتا من الحرب العالمية الثانية مدمرتين تماماً، ولكن يعود السبب إلى عوامل أساسية تتمثل في عدم نشوء عقل اقتصادي من أجل إنتاج قيمة مضافة، تؤدي إلى وجود الإنتاج والثروة. وكان يحل محل العقل الاقتصادي ترسيخ العقل الريعي في التعامل مع موارد النفط، فمعروف أن العقل الريعي لا يؤدي إلى تنمية اقتصادية ولا إلى إنتاج قيمة مضافة تزيد من ارتفاع دخل الفرد مع مرور الزمن، بل تخلق مشكلات اقتصادية مزمنة، وتزيد من الفجوة الاقتصادية بين العالمين المتقدم والنامي.
فتنوع مصادر الدخل لا يتأتى من العقل الريعي بل من العقل الاقتصادي الذي ينادي به الاقتصاديون والمحللون في دراساتهم بمطالبة دول الخليج بتنويع مصادر دخلها بدلاً من اعتمادها على مصدر وحيد للدخل.
وليس الدين مسؤولاً عن ذلك – كما يعتقد ماكس فيبر – حينما يرجع أسباب انخفاض دخل الفرد إلى الثقافة والدين وهما المسيّران للفرد والجماعة، بل يركزعلى الدين بشكل خاص، وإن كان يدلل على ظهور الرأسمالية في الدول البروتستانتية نتيجة إيمانها بأخلاق تحض على الكسب والتوفير والاستثمار لأن النجاح في الدنيا هو مؤشر إلى مرضاة الرب في الآخرة على عكس الكاثوليكية التي تحض على الزهد واحتقار الدنيا فظهرت الرأسمالية في بريطانيا ولم تظهر في إسبانيا رغم فقر الأولى وغنى الثانية.
وإذا كان هذا التحليل صحيحاً في المعتقدات الأخرى فإنه ليس صحيحاً في الدين الإسلامي، وإن كان يحض على الزهد في الدنيا مع الحث على الكسب وعمارة الأرض وبناء القوة من أجل التنافس والتكامل وحماية الدولة الإسلامية والتمكن من نشر الدين الإسلامي. فالسبب يعود إلى الإنسان الخليجي والعربي بركونه إلى العقل الريعي الاستهلاكي فقط والذي كان سبباً في إخفاقات وانتكاسات كل الحلول بسبب غلبة القوى السياسية على القوى الاقتصادية وقوى المجتمع بل في تغييبها في كثير من الحالات وفي معظم الأحيان.
وعلى العكس، فالدول التي حققت معجزات اقتصادية في جنوب وشرق آسيا والعالم المتقدم كانت للجانب الاقتصادي قوى مستقلة تشترك مع قوى المجتمع مكونة تماسكاً شبكياً يؤثر في السياسة ويوجهها الوجهة الصحيحة التي تصب في تعزيز قفزات إنمائية وتنموية وتقنية تنافسية متسارعة.
وإذا كان الجانب الاقتصادي هو الذي قاد بقية الجوانب الأخرى الثقافية والسياسية في العالم المتقدم، فإنه ليس من الضروري أن ننقل الأيديولوجية نفسها، بل يمكن أن تكون لكل منها استقلاليتها، وأن تكون العلاقة بينها علاقة تكاملية تنسيقية تفاعلية تصب في مصلحة المجتمع وهي علاقة تصحيحية لما يعاني منه الغرب من مشكلات.
فاستقلالية المجال الاقتصادي والسياسي والثقافي الذي يقود المجتمع والدولة في خلق قيمة إنتاجية مضافة حقيقية منطلقها هو البواعث الاقتصادية أو الجدوى الاقتصادية من أجل تنمية مستدامة بدلاً من استغلال ريع ناضب من أجل استهلاكه أو من أجل أهداف أخرى سواء أكانت سياسية أم أيديولوجية لا تساهم في خلق القيمة المضافة التي ترفع من دخل الفرد والمجتمع وبذلك تتحول من مجتمعات غنية إلى مجتمعات فقيرة أو تعاني من انهيار مشاريع لأنها لم تبنِ على مفهوم العقلية الاقتصادية بل على عقليات أخرى سواء أكانت سياسية أو ثقافية.
وإذا ما تمكنا من الموازنة بين العقليات فسوف نتمكن من خلق القيمة الإنتاجية المضافة.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::3352::/cck::
::introtext::
سؤال يتبادر إلى الذهن بل أسئلة منها: لماذا ارتفع دخل الفرد في جنوب شرق وشرق آسيا، مثلاً في كوريا الجنوبية، من 740 دولاراً في النصف الأول من سبعينات القرن الماضي إلى 20500 دولار، أي أكثر من خمسة وعشرين ضعفاً وكذلك في تايوان من 1132 إلى 20500 أي أكثر من عشرين ضعفاً، وكذلك في سنغافورة من 3040 إلى 22300 أي أكثر من سبعة أضعاف وهذه الدول لا تملك ثروات طبيعية ريعية في أهمية النفط كما تملك دول الخليج وبعض الدول العربية؟ وارتفع دخل الفرد في دول الخليج نتيجة تضاعف أسعار النفط في السبعينات في فترة قياسية من ألف دولار في النصف الأول في العقد الماضي إلى حوالي اثني عشر ألفاً من الدولارات في النصف الثاني منه. ويشير تقرير صادر عن مصلحة الإحصاءات العامة في وزارة الاقتصاد والتخطيط في المملكة العربية السعودية إلى أن دخل الفرد السعودي 8 آلاف دولار في فترة انخفاض أسعار البترول عام 1999، في حين ارتفع متوسط الدخل إلى 9.4 ألف دولار عام 2003 مع ارتفاع أسعار البترول بنسبة 10.4 في المائة، ويعتبر عام 1980 العام الذهبي للسعوديين، حيث سجل دخل الفرد أعلى دخل سنوي خلال 30 عاماً، إذ بلغ أكثر من 13.8 ألف دولار، ولكن كان عدد السكان في ذلك الوقت أقل من 10 ملايين نسمة.
::/introtext::
::fulltext::
سؤال يتبادر إلى الذهن بل أسئلة منها: لماذا ارتفع دخل الفرد في جنوب شرق وشرق آسيا، مثلاً في كوريا الجنوبية، من 740 دولاراً في النصف الأول من سبعينات القرن الماضي إلى 20500 دولار، أي أكثر من خمسة وعشرين ضعفاً وكذلك في تايوان من 1132 إلى 20500 أي أكثر من عشرين ضعفاً، وكذلك في سنغافورة من 3040 إلى 22300 أي أكثر من سبعة أضعاف وهذه الدول لا تملك ثروات طبيعية ريعية في أهمية النفط كما تملك دول الخليج وبعض الدول العربية؟ وارتفع دخل الفرد في دول الخليج نتيجة تضاعف أسعار النفط في السبعينات في فترة قياسية من ألف دولار في النصف الأول في العقد الماضي إلى حوالي اثني عشر ألفاً من الدولارات في النصف الثاني منه. ويشير تقرير صادر عن مصلحة الإحصاءات العامة في وزارة الاقتصاد والتخطيط في المملكة العربية السعودية إلى أن دخل الفرد السعودي 8 آلاف دولار في فترة انخفاض أسعار البترول عام 1999، في حين ارتفع متوسط الدخل إلى 9.4 ألف دولار عام 2003 مع ارتفاع أسعار البترول بنسبة 10.4 في المائة، ويعتبر عام 1980 العام الذهبي للسعوديين، حيث سجل دخل الفرد أعلى دخل سنوي خلال 30 عاماً، إذ بلغ أكثر من 13.8 ألف دولار، ولكن كان عدد السكان في ذلك الوقت أقل من 10 ملايين نسمة.
فالدخل في المملكة العربية السعودية وبقية دول الخليج مرتبط بالدخل الريعي ومستوى أسعار البترول، بينما في بقية الدول النامية يرتبط بمستوى التنمية. لذلك فدول الخليج تعاني في الوقت الحاضر مجموعة من المشكلات كالبطالة والفقر وانخفاض مستويات دخل الفرد، وعلى العكس من دول الخليج يزداد ارتفاع مستوى دخل الفرد في دول جنوب شرق وشرق آسيا وقفز قفزات متوالية.
والسبب أننا في دول الخليج وبقية الدول العربية استهلكنا الدخل الريعي من البترول دون أن نخلق من خلاله قيمة مضافة، وإذا كنا نحن نتعرض لأزمات وحروب عصفت بالمنطقة، فاليابان وألمانيا خرجتا من الحرب العالمية الثانية مدمرتين تماماً، ولكن يعود السبب إلى عوامل أساسية تتمثل في عدم نشوء عقل اقتصادي من أجل إنتاج قيمة مضافة، تؤدي إلى وجود الإنتاج والثروة. وكان يحل محل العقل الاقتصادي ترسيخ العقل الريعي في التعامل مع موارد النفط، فمعروف أن العقل الريعي لا يؤدي إلى تنمية اقتصادية ولا إلى إنتاج قيمة مضافة تزيد من ارتفاع دخل الفرد مع مرور الزمن، بل تخلق مشكلات اقتصادية مزمنة، وتزيد من الفجوة الاقتصادية بين العالمين المتقدم والنامي.
فتنوع مصادر الدخل لا يتأتى من العقل الريعي بل من العقل الاقتصادي الذي ينادي به الاقتصاديون والمحللون في دراساتهم بمطالبة دول الخليج بتنويع مصادر دخلها بدلاً من اعتمادها على مصدر وحيد للدخل.
وليس الدين مسؤولاً عن ذلك – كما يعتقد ماكس فيبر – حينما يرجع أسباب انخفاض دخل الفرد إلى الثقافة والدين وهما المسيّران للفرد والجماعة، بل يركزعلى الدين بشكل خاص، وإن كان يدلل على ظهور الرأسمالية في الدول البروتستانتية نتيجة إيمانها بأخلاق تحض على الكسب والتوفير والاستثمار لأن النجاح في الدنيا هو مؤشر إلى مرضاة الرب في الآخرة على عكس الكاثوليكية التي تحض على الزهد واحتقار الدنيا فظهرت الرأسمالية في بريطانيا ولم تظهر في إسبانيا رغم فقر الأولى وغنى الثانية.
وإذا كان هذا التحليل صحيحاً في المعتقدات الأخرى فإنه ليس صحيحاً في الدين الإسلامي، وإن كان يحض على الزهد في الدنيا مع الحث على الكسب وعمارة الأرض وبناء القوة من أجل التنافس والتكامل وحماية الدولة الإسلامية والتمكن من نشر الدين الإسلامي. فالسبب يعود إلى الإنسان الخليجي والعربي بركونه إلى العقل الريعي الاستهلاكي فقط والذي كان سبباً في إخفاقات وانتكاسات كل الحلول بسبب غلبة القوى السياسية على القوى الاقتصادية وقوى المجتمع بل في تغييبها في كثير من الحالات وفي معظم الأحيان.
وعلى العكس، فالدول التي حققت معجزات اقتصادية في جنوب وشرق آسيا والعالم المتقدم كانت للجانب الاقتصادي قوى مستقلة تشترك مع قوى المجتمع مكونة تماسكاً شبكياً يؤثر في السياسة ويوجهها الوجهة الصحيحة التي تصب في تعزيز قفزات إنمائية وتنموية وتقنية تنافسية متسارعة.
وإذا كان الجانب الاقتصادي هو الذي قاد بقية الجوانب الأخرى الثقافية والسياسية في العالم المتقدم، فإنه ليس من الضروري أن ننقل الأيديولوجية نفسها، بل يمكن أن تكون لكل منها استقلاليتها، وأن تكون العلاقة بينها علاقة تكاملية تنسيقية تفاعلية تصب في مصلحة المجتمع وهي علاقة تصحيحية لما يعاني منه الغرب من مشكلات.
فاستقلالية المجال الاقتصادي والسياسي والثقافي الذي يقود المجتمع والدولة في خلق قيمة إنتاجية مضافة حقيقية منطلقها هو البواعث الاقتصادية أو الجدوى الاقتصادية من أجل تنمية مستدامة بدلاً من استغلال ريع ناضب من أجل استهلاكه أو من أجل أهداف أخرى سواء أكانت سياسية أم أيديولوجية لا تساهم في خلق القيمة المضافة التي ترفع من دخل الفرد والمجتمع وبذلك تتحول من مجتمعات غنية إلى مجتمعات فقيرة أو تعاني من انهيار مشاريع لأنها لم تبنِ على مفهوم العقلية الاقتصادية بل على عقليات أخرى سواء أكانت سياسية أو ثقافية.
وإذا ما تمكنا من الموازنة بين العقليات فسوف نتمكن من خلق القيمة الإنتاجية المضافة.
::/fulltext::
::cck::3352::/cck::
