توجهات دول مجلس التعاون الخليجي تجاه القضية الفلسطينية

::cck::3307::/cck::
::introtext::

إذا كان هدف السياسة الخارجية الأسمى هو تحقيق المصلحة القومية في نطاق التعامل الدولي، فإن توجهاتها تتشكل وفقاً لعدة عوامل، أهمها: طبيعة النظام السياسي، مقومات القوة في الدولة والمجتمع، مدى عمق الهوية الثقافية الحضارية، حالة الصراع أو التعاون مع الدول الأخرى، أمن واستقرار النظام الإقليمي، وشكل النظام الدولي والقوى المسيطرة عليه. هذه العوامل تفرض نوعين من التوجهات في السياسة الخارجية إزاء قضية ما: التوجهات الفعلية التي تعبر عن الإرادة الحرة المستقلة والمصلحة القومية، والتوجهات المفروضة التي لا تتماشى مع الرؤى الحقيقية للسياسة الخارجية سببتها ضغوط إقليمية ودولية تفوق قدرة الدولة على اختيار بديل آخر. ويأتي دائماً متغير أو حدث عظيم، إقليمي أو دولي أو حتى محلي، وربما أكثر، يمثل حداً فاصلاً بين مرحلة التوجهات الفعلية ومرحلة التوجهات المفروضة، وعامل ضغط على الدول يضطرها لتبني سياسات واتخاذ قرارات ومواقف تخالف توجهاتها الأصلية كي تدرأ عن نفسها مخاطر تهدد استقرار المنطقة.

::/introtext::
::fulltext::

إذا كان هدف السياسة الخارجية الأسمى هو تحقيق المصلحة القومية في نطاق التعامل الدولي، فإن توجهاتها تتشكل وفقاً لعدة عوامل، أهمها: طبيعة النظام السياسي، مقومات القوة في الدولة والمجتمع، مدى عمق الهوية الثقافية الحضارية، حالة الصراع أو التعاون مع الدول الأخرى، أمن واستقرار النظام الإقليمي، وشكل النظام الدولي والقوى المسيطرة عليه. هذه العوامل تفرض نوعين من التوجهات في السياسة الخارجية إزاء قضية ما: التوجهات الفعلية التي تعبر عن الإرادة الحرة المستقلة والمصلحة القومية، والتوجهات المفروضة التي لا تتماشى مع الرؤى الحقيقية للسياسة الخارجية سببتها ضغوط إقليمية ودولية تفوق قدرة الدولة على اختيار بديل آخر. ويأتي دائماً متغير أو حدث عظيم، إقليمي أو دولي أو حتى محلي، وربما أكثر، يمثل حداً فاصلاً بين مرحلة التوجهات الفعلية ومرحلة التوجهات المفروضة، وعامل ضغط على الدول يضطرها لتبني سياسات واتخاذ قرارات ومواقف تخالف توجهاتها الأصلية كي تدرأ عن نفسها مخاطر تهدد استقرار المنطقة.
هذا افتراض نظري، يمكن أن يساهم في تفسير توجهات السياسة الخارجية لدول مجلس التعاون وتحولاتها تجاه القضية الفلسطينية، استناداً إلى نظرة مقارنة بين مرحلة ما قبل احتلال صدام للكويت والمرحلة التي بعدها. إنه حدث له تداعياته التي لا تحمد عقباه على المنطقة، جعل الأمم تتداعى إلينا كما تداعى الأكلة على قصعتها، إنه كارثة تمخضت عنها كوارث أخرى، ستظل الأجيال القادمة تدفع ثمنها.
التوجهات الفعلية:
تزامن اهتمام دول الخليج بالقضية الفلسطينية مع بدايات قدوم الفلسطينيين إليها كعمالة وافدة في عامي 1919 و1920 (بشير أبو القرايا، دراسة عامة في الأوضاع السياسية والقانونية والاجتماعية والاقتصادية لفلسطينيي الشتات في الخليج العربي)، ومع أول زيارات قام بها قادة فلسطينيون لتعريف إخوانهم بحقيقة ما يجري في فلسطين. لكن الاهتمام الخليجي الرسمي بالقضية الفلسطينية برز بصورة قوية مع بدايات نشوء الدولة الخليجية المعاصرة، إذ تركزت توجهات الخليجيين في النظر إلى فلسطين على أنها لشعبها العربي بأديانه المختلفة، يتمتع بهويته الوطنية والقومية، وله الحق في تقرير مصيره ككل الشعوب، وأن الصهيونية عنصر دخيل على المنطقة، مزروع فيها، تلفظه أرضها، ولا بقاء له فيها على المدى الطويل مهما أمدته القوة بأسباب البقاء، واسترداد فلسطين واجب على الفلسطينيين أولاً والعرب ثانياً والمسلمين ثالثاً (نهاد الغادري، السياسة الخارجية السعودية الأهداف والأساليب).
انطلاقاً من هذا التوجه العام بذلت دول الخليج ما في وسعها منذ العام 1938 لنصرة القضية الفلسطينية، وتركزت جهودها في أربعة جوانب: الدعم المادي والمالي والمعنوي للشعب الفلسطيني ومؤسساته الاجتماعية ومنظمات المقاومة المسلحة وكذلك لدول المواجهة، مقاطعة إسرائيل ومناهضتها وإحكام طوق العزلة حولها وقطع العلاقات الدبلوماسية والتجارية مع الدول التي تساندها أو تقيم علاقات معها، وذلك وفقاً لنظام مقاطعة تم إنشاؤه عام 1957 (علي بن صميخ المري، مجلس التعاون الخليجي أزمات الحاضر وتحديات المستقبل)، التحرك الدبلوماسي النشط لزعماء الخليج على المستوى الدولي من خلال إرسال الرسائل لقادة الدول العظمى وعقد اللقاءات معهم والمشاركة في المؤتمرات العالمية ودروات انعقاد المنظمات العالمية، للمطالبة بحقوق الشعب الفلسطيني وشرح معاناته للعالم وللتصدي للمخططات الصهيونية في إحكام السيطرة على فلسطين، والتحرك العسكري بقوات نظامية أو متطوعين تقاتل إلى جانب جيوش دول المواجهة.
الموقف السعودي:
جعل الملك عبد العزيز القضية الفلسطينية شغله الشاغل (محمد عنان، السعودية وهموم العرب)، فمن خلال رسائله ولقاءاته ( 1938، 1945) ورداً على البيان الأمريكي (14/10/1938) الذي أيد إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، حاول عبد العزيز إقناع روزفلت بعدم خضوع الأمريكيين للتضليل الصهيوني، وأنه يجب عودة اليهود إلى الأراضي التي طردوا منها في أوروبا، ودعاه إلى مناصرة الشعب الفلسطيني. وواصل عبد العزيز رسائله إلى ترومان مؤكداً أن اليهود ليس لهم حق الهجرة إلى فلسطين (حسن أبو طالب، المملكة العربية السعودية وظلال القدس). وأيد السعوديون الثورة الكبرى في فلسطين (1936-1939)، ودافعوا عن الحق الفلسطيني في مؤتمر المائدة المستديرة في لندن (1939) ومؤتمر لندن عام 1946 (عائشة المسند، المملكة العربية السعودية وقضية فلسطين). وواجه عبد العزيز مشروع إقامة دولة إسرائيل بإيفاد فيصل إلى اجتماعات الأمم المتحدة عام 1947 حيث تصدى لرئيس الوفد الأمريكي. وحين أخفقت الأمم المتحدة في إيجاد حل عادل للقضية الفلسطينية، وأصدرت قرار التقسيم لم يبق أمام العرب إلا خيار القوة. فاقترح عبد العزيز مواجهة الصهيونية بأساليبها، وأن يحاربوها بمتطوعين وفدائيين، وأرسل قواته مع الجيوش العربية، داعياً إلى إشغال العدو وإنهاكه بقتال غير نظامي مستمر وطويل المدى، وأن يمدوه بالمساعدة مالياً وسياسياً وجغرافياً وبتأييد عربي دائم. وسعى السعوديون آنذاك إلى توحيد التعاون العربي عسكرياً على ضوء مخاطر ولادة إسرائيل، معتبرين أن المسألة العربية بالنسبة لهم منحصرة في ثلاث قضايا: تحرير وطنهم، استرداد فلسطين، وتحقيق الوحدة (الغادري).
وشارك السعوديون في حرب 1948 (عائشة المسند)، وفرضوا بحث قضية فلسطين في مؤتمر دول عدم الانحياز في باندونج. ووقفوا إلى جانب مصر في العدوان الثلاثي عام 1956، فبعث الملك سعود رسالة إلى آيزنهاور لوقف العدوان، وأيدوا قيام منظمة التحرير الفلسطينية وساندوا العمل الفدائي، حيث قام الملك فيصل، الذي كانت فلسطين محور سياساته (عنان)، بمباركة تأسيس منظمة (فتح) 1964 إثر لقاء جمعه بياسر عرفات في جنيف. وساهم السعوديون مالياً في تغذية العمل الفلسطيني بأشكاله، وبذلوا جهوداً دبلوماسية لإنقاذ العمل الفدائي من المحن التي مر بها. ولما وقعت نكسة 1967، ومن تداعياتها أصبح من العسير تحرير فلسطين تحريراً كاملاً، علاوة على حرص القوى العظمى على أمن وسلامة إسرائيل، فقد رأى السعوديون القيام بتشجيع العمل الفلسطيني المستقل وإمداده وتقويته لمشاغلة إسرائيل، وتقوية العلاقات العربية-العربية والارتقاء بها إلى مستوى المواجهة تدريجياً. ومن خلال مؤتمرات القمة العربية طرحوا تصوراً لسياسة عربية مشتركة تقوم على تجاوز الهزيمة بتحقيق التضامن العربي والعمل على تحرير فلسطين من خلال بناء قوة عربية ذاتية (الغادري). وظل السعوديون يشاركون بقواتهم في خط المواجهة الأردني منذ عام 1967، وشاركوا مشاركة كاملة في حرب 1973 بالنفط والمال والقوة العسكرية (الغادري) وبعث الملك فيصل رسالة إلى نيكسون (1973) محذراً من مغبة استمرار الدعم الأمريكي لإسرائيل في عدوانها على العرب (أبوطالب). وقامت المملكة العربية السعودية ودول الخليج بدور في استقلال القرار الفلسطيني والحفاظ على وحدة المقاومة ومنع تمزقها والتوفيق بين فصائلها ومعالجة الانشقاقات والخلافات داخلها وإجراء مصالحة بينها وبين الدول العربية التي تحدث معها أزمات، فتوصلت في قمة الرياض المصغرة (16-18/10/1976) إلى شكل محدود من التسوية حول معالجة مشكلة منظمة التحرير مع سوريا ولبنان (المري).
ورفض السعوديون زيارة السادات لإسرائيل (11/1977) وما تبعها من اتفاقيات ثنائية في واشنطن وكامب ديفيد (1978)، معتبرين أن ذلك لم يحقق الحد الأدنى المطلوب من عناصر إقرار السلام الحقيقي، فهي تسوية تسقط الحق الفلسطيني في العودة والاستقلال، وتهمل مدينة القدس، وتتجاهل منظمة التحرير، وتكرس الوجود العسكري الإسرائيلي في الضفة الغربية وقطاع غزة، وتبقي على المستوطنات وتشجع إسرائيل على بناء المزيد منها، وتعطي لإسرائيل حقاً قانونياً في استمرار السيطرة على الأرض والمياه، وتتنكر لأكثر من نصف الشعب الفلسطيني الذي يعيش في المنفى، وتنشئ حكماً ذاتياً صورياً ومحدوداً. وأكدت السعودية في مؤتمر بغداد (1979) التزامها بواجباتها تجاه القضية الفلسطينية، وتحمل القسط الأوفر من قرارات المقاطعة والالتزام المالي، داعية إلى استعادة القدس ولو باللجوء للحرب، وأوضح الملك فهد بن عبد العزيز مراراً بأن السلام مع إسرائيل وهم، ولا بد من تحرير الأرض العربية وإقامة الدولة الفلسطينية (الغادري).
ومع خروج مصر عن الصف العربي وتحييدها عن الصراع، والحرب اللبنانية، والانقسام العربي، واستحالة تحرير فلسطين، قدم الملك فهد مشروعه (1981) لتسوية النزاع بانسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة عام 1967 بما فيها القدس، واعتمده العرب كأساس لمشروع فاس للسلام (الغادري). لكن إسرائيل ردت عليه فيما بعد باجتياح لبنان، وأعلنت دول مجلس التعاون تضامنها مع منظمة التحرير إبان الحصار الإسرائيلي لبيروت، ووقفت إلى جانب المقاومة الفلسطينية في محنتها التي انتهت بخروجها نهائياً من لبنان، وقد جعل هذا الموضوع محور اهتمام القمة الخليجية الرابعة في الدوحة عام 1983. وأكدت المملكة ودول مجلس التعاون حرصها على التوصل إلى الوفاق الأردني الفلسطيني عام 1985، وتمسكها بمساندة الشعب الفلسطيني في انتفاضته الكبرى، مؤكدة ذلك في بيان القمة الخليجية الثامنة في الرياض (12/1987) الذي دانت فيه ضم إسرائيل للقدس (المري).
ومن الملاحظ على توجهات السياسة الخارجية السعودية منذ البداية أنها لم تقف موقفاً مؤثراً إزاء الولايات المتحدة، وفصلت بين القضية الفلسطينية وبين علاقاتها الثنائية (أبوطالب)، وارتباط مصالحها وأمنها مع القوة العظمى، الأمر الذي جعل الموقف السعودي رغم عطائه غير حازم (إبراهيم أبو الهيجاء، العرب والدولة الفلسطينية-رؤى متباينة).
الموقف الكويتي:
يعود الاهتمام الكويتي بالقضية الفلسطينية إلى العشرينات من هذا القرن، عندما زار مفتي القدس الكويت عام 1922 لجمع التبرعات لتجديد عمارة المسجد الأقصى، وعندما تلقى الشيخ أحمد الجابر الصباح أمير الكويت رسالة من زعماء فلسطين (6/1936) يطلبون فيها الدعم والتأييد (ناجي صادق شُرّاب، البعد العربي في السياسة الخارجية لدولة الإمارات العربية المتحدة)، واستقبلت الفلسطينيين للعمل لديها، وخاصة بعد نكبة 1948 ونكسة 1967، حتى أصبحوا ثاني أكبر تجمع سكاني بعد الكويتيين شغل أبناؤه وظائف رفيعة وعملوا كمستشارين، مما أدى إلى تعرف الكويتيين على حقيقة ما يجري في فلسطين، لذلك مدوا يد العون لإخوانهم الفلسطينيين، فشكلوا لجنة لدراسة القضية الفلسطينية وأخرى لجمع التبرعات لمساعدتهم على مقاومة الاحتلال، وقدموا لهم كل أشكال الدعم المادي والمعنوي ، وسمحوا لهم بإنشاء مؤسسات سياسية ومعسكرات تدريب. وشاركت الكويت في حرب 1967 بلواء اليرموك الذي أرسلته إلى الجبهة المصرية في 30/5/1967، وأعلنت حرباً دفاعية ضد إسرائيل، وجمعت المتطوعين، ونظمت حملات للتبرع بالدم والمال، وفي 6/6/1967 قرر مجلس الوزراء الكويتي وقف شحن النفط إلى بريطانيا والولايات المتحدة بسبب دعمها لإسرائيل، ورفضت الكويت القرار 242 الذي اعتبر الفلسطينيين مجرد لاجئين. وعقب النكسة قدمت الدعم الكامل لدول المواجهة، وساندت الفلسطينيين في محنهم حتى في مواجهة أشقائهم الأردنيين (1970)، واتخذت مواقف مؤيدة للمقاطعة العربية ضد إسرائيل منذ عام 1950، لدرجة أن الولايات المتحدة احتجت على طلب الكويت من الشركات الأمريكية تدقيق صحة علاقتها مع الشركات الإسرائيلية. وفي حرب 1973 أرسلت وحدتين عسكريتين إلى الجبهتين المصرية والسورية، وقامت بدور فعال في إصدار أوابك (اجتماع الكويت، 10/1973) قراراً برفع أسعار النفط وتخفيض إنتاجه، فخفضت الكويت إنتاجها من 3.7 مليون برميل يومياً إلى 3 مللايين ثم إلى 2.5 مليون.
وعبرت السياسة الخارجية الكويتية عن مناصرتها وتأييدها الدائم للقضية الفلسطينية في العديد من المحافل الدولية، فجمدت مع المملكة العربية السعودية قرضاً للبنك الدولي بسبب رفضه منح منظمة التحرير وضع مراقب فيه، وقطعت علاقاتها الدبلوماسية مع ألمانيا عام 1965 لاعترافها بإسرائيل، ومع كوستاريكا لنقلها سفارتها إلى القدس وزائير لإعادة علاقاتها الدبلوماسية مع إسرائيل (1982)، واستدعت سفيرها في مدريد عندما اعترفت إسبانيا بإسرائيل (1/1986)، ورفضت تعيين براندون جروف الابن سفيراً للولايات المتحدة لدى الكويت لأنه خدم كقنصل لبلاده في القدس مما أثار خلافاً دبلوماسياً مع الولايات المتحدة، مبررة قرارها بأنه تعبير عن موقفها القومي تجاه القضية الفلسطينية، وقامت الكويت منذ عام 1980 بدور الوساطة تجاه إزالة الخصومات بين الفلسطينيين، وتضامنت معهم في انتفاضتهم الكبرى عام 1987، فدعا مجلس الوزراء الكويتي إلى إضراب عام تعاطفاً، وسمح بمظاهرات التأييد، واقتطع مرتب يوم واحد من موظفي الدولة لتحويله كإعانة مالية للانتفاضة الفلسطينية، حتى اشتكت إسرائيل للأمم المتحدة من دعم الكويت المفتوح للمقاومة الفلسطينية (عبد الرضا علي أسيري، الكويت في السياسة الدولية المعاصرة).
الموقف الإماراتي:
تعود مساندة ودعم الإماراتيين لأشقائهم الفلسطينيين إلى عام 1937، فرغم الاحتلال البريطاني وظروف الحياة القاسية تبرعوا بالأموال، وعقدوا الاجتماعات، وألقوا الخطب السياسية والقصائد الشعرية عن أحوال فلسطين. ومع تولي الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان مقاليد الحكم حظيت القضية الفلسطينية بنصيب وافر من اهتمام السياسة الخارجية الإماراتية، وجعلها محور مباحثاته وتصريحاته ولقاءاته. واعتبرت آراؤه وأفكاره وجهوده محدداً رئيسياً لتوجهات دولة الإمارات إزاء الصراع العربي-الإسرائيلي. فزايد يرى أن إسرائيل دولة استعمارية وعلى أبناء فلسطين أن يقاوموها بشتى الوسائل لاستعادة أرضهم المحتلة التي هي عنده كل أرض فلسطين، متعهداً بالتأييد والدعم المستمر للعمل الفدائي ومساندة جبهات القتال ضد إسرائيل، ووعد منذ قيام الإمارات بالالتزام التام بالمسؤولية القومية تجاه تحرير كامل الأرض العربية، فسياسة دولته تقوم على الحرص على القضية الفلسطينية كحرصها على نفسها (أحمد عبد الله بن سعيد، السياسة الخارجية لدولة الإمارات تجاه الوطن العربي). وتعد قضية فلسطين، من وجهة نظر الشيخ زايد، قضية كل العرب وليست قضية دول المواجهة وحدها، لذلك دعا إلى ضرورة وقوفهم جميعاً لمجابهة إسرائيل مشترطاً تحقيق الوحدة والتضامن كأساس لنجاح أي مواجهة أو تحرك، وأشار إلى أن الحروب بين العرب وإسرائيل لن تنتهي قبل أن تتحرر الأرض العربية كاملة، وأن العداء لإسرائيل سيستمر طالما لم يسترد الفلسطينيون أرضهم وحقوقهم. وأكد الشيخ زايد على وجود علاقة وثيقة بين أمن الخليج والقضية الفلسطينية، وأن وجود إسرائيل يشكل خطراً حقيقياً على المنطقة (شُرّاب).
ضمن هذا الإطار تحركت حكومة الإمارات وتتبعت كل تطورات القضية ولم تتأخر يوماً عن مساندتها وتأييدها (عبد الرحمن يوسف بن حارب، السياسة الخارجية لدولة الإمارات)، فقدمت دعمها المادي والمعنوي للشعب الفلسطيني في شكل مخصصات سنوية ومساعدات للاجئين وضرائب تفرضها تُستقطع وتحول إلى منظمة التحرير (شُرّاب). وساندت دولة الإمارات المقاومة الفلسطينية ودول المواجهة، وخاصة في حرب 1973، حيث قامت بدور فعال، وأعلنت استعدادها لتغطية الجزء الأكبر من نفقات المعركة (ابن سعيد)، ورأى الشيخ زايد أن قرار تخفيض إنتاج النفط ليس حكيماً، واتخذ قراراً تاريخياً جريئاً (18/10/1973) بحظر تصديره إلى الولايات المتحدة وهولندا وكل الدول المساندة لإسرائيل، متحملاً كل الصعاب. وبفضل الشيخ زايد وصلت القضية الفلسطينية إلى المحافل الدولية حيث جعلها قضية في كافة مباحثاته مع قادة الدول، فقد أعلن في مؤتمر عدم الانحياز (18/6/1976) وقوفه بقوة إلى جانب منظمة التحرير بقيادة ياسرعرفات، واعترض على الدعوة الدولية للفلسطينيين للاعتراف بإسرائيل، لأنه اعتراف بشرعية الاحتلال، كما رفض معاهدة السلام المصرية-الإسرائيلية واتفاقات كامب ديفيد، لكنه أشاد بمشروع فهد (19/10/1981) الذي وافقت عليه القمة الأولى لدول مجلس التعاون (1981) (نايف علي عبيد، السياسة الخارجية لدولة الإمارات العربية المتحدة بين النظرية والتطبيق). ودانت الإمارات مراراً أثناء حضورها اجتماعات الجمعية العامة السياسات العدوانية الإسرائيلية بحق الشعب الفلسطيني، معتبرة أنها تشكل تهديداً للسلم والأمن الدوليين ودلالة على عدم جدية إسرائيل في السلام، في ظل استمرار احتلالها وبنائها للمستوطنات ومصادرة الأراضي وتفريغ الأرض من سكانها. وانتقد الشيخ زايد في 26/12/1987 فكرة المؤتمر الدولي القائمة على حرص الولايات المتحدة على الإجحاف بحق العرب والتحيز لإسرائيل ووصف ذلك بأنه غير مقبول، وعبر عن تأييده ودعمه ومساندته للانتفاضة الكبرى داعياً إلى استمرارها (شُرّاب)، معتبراً أنها جاءت رداً على العدوان الإسرائيلي المستمر منذ نكبة 1948 ونكسة 1967، في مواجهة شعب أعزل من السلاح يرفض العبودية ويتوق إلى التحرر والتمتع بحقوقه الإنسانية (ابن سعيد).
الموقف القطري والبحريني والعماني:
استأثرت القضية الفلسطينية بموقف الدبلوماسية القطرية، وجعلتها المنطلق الذي تحدد على أساسه علاقاتها بالدول الأخرى، وساندت القرارات التي تنصف الحق الفلسطيني في الهيئات والمنظمات الإقليمية والدولية، واهتمت بالقرارات المتعلقة بمكتب مقاطعة إسرائيل ومقاطعة الشركات العالمية التي تتعامل معها. ولم تتوان قطر عن مناصرة الشعب الفلسطيني وانتفاضاته المتكررة وتقديم المساعدات المادية والمعنوية له والوقوف إلى جانب منظمة التحرير، وتقديم المساعدات الاقتصادية لدول المواجهة للنهوض من أعباء حالة الحرب، وحرصت في المقابل على قطع معوناتها عن الدول المساندة لإسرائيل وتقف موقف العداء من العرب (يوسف عبيدان، المؤسسات السياسية في دولة قطر). ونالت القضية الفلسطينية أيضاً اهتمام سلطنة عُمان ومملكة البحرين اللتين اتبعتا النهج الخليجي نفسه وإن بنسب متفاوتة.
التوجهات المفروضة:
حدثان أحدهما عالمي مفاجئ ومدهش جسده انهيار الاتحاد السوفييتي 1988، تزامنت معه ولادة نظام دولي أحادي القطبية يجمع بين العولمة والأمركة والصهينة، إن صح التعبير، عرف بالنظام الدولي الجديد، والآخر حدث إقليمي غريب عكسه احتلال صدام للكويت عام 1990 وجَلبِهِ للتدخل العسكري الأمريكي في ظل عجز عربي عن مواجهة الكارثة، ساهمت تداعياتهما في إحداث تحول قسري خارج عن الإرادة في توجهات السياسة الخارجية لدول مجلس التعاون الخليجي تجاه القضية الفلسطينية شأنها في ذلك شأن الدول العربية الأخرى، على الأرجح أنها لم تكن لترغب فيه لولا تبعات هذين الحدثين اللذين شكلا حداً فاصلاً بين التوجهات الفعلية المعبرة عن الإرادة الكاملة، والتوجهات المفروضة بفعل الضغوط الخارجية التي لا تحتمل. وجاءت تداعيات حدثين آخرين أشد حدة ليساهما أكثر في إضعاف التوجهات الخليجية وتقليص دورها التاريخي إزاء فلسطين، هما: تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر 2001، والاحتلال الأمريكي للعراق 2003.
هذه المتغيرات الإقليمية والدولية الأربعة، وهي بحق كوارث على المنطقة والعالم، جاءت بالطبع معاكسة للتوجهات الفعلية لدول مجلس التعاون الخليجي، إذ فرضت عليها القبول طوعاً أو كرهاً بالتعامل مع قضايا مرتبطة بالصراع العربي-الإسرائيلي حرصت في السابق أن تكون بمنأى عنها، لكنها اضطرت إليها استجابة لضغوط القوة العظمى التي تكفل لها أمنها القومي في مواجهة تهديدات قوى إقليمية وصل بها الأمر إلى الإقدام على احتلال أراضيها رغم الرابط القومي والديني والمصير المشترك، وأذعنت لها لتدرأ عن نفسها مخاطر الاصطدام بمتطلبات العولمة الأمريكية التي هي في غنى عنها، بعد أن سبقها إلى السير في هذا الاتجاه الدولة العربية الأم مصر في عهد السادات ثم صاحبة القضية منظمة التحرير الفلسطينية تحت قيادة عرفات.
ويأتي في طليعة هذه القضايا التي خلفتها الكوارث الأربع: دخول دول مجلس التعاون في التسوية السلمية، وتطبيع علاقاتها مع إسرائيل، ولأن كارثة احتلال صدام للكويت أثرت سلباً في العلاقات الخليجية-الفلسطينية بنسب متفاوتة كانت أشدها العلاقات الكويتية-الفلسطينية، فمن الضروري التعرف إلى التوجهات الخليجية إزاء القيادة الفلسطينية وتطور العلاقات بين الطرفين خلال الخمسة عشر عاماً الماضية. وإذا كانت مرحلة التوجهات الفعلية في السياسة الخارجية قد شهدت وجود اتفاق وتطابق بين الموقفين الرسمي والشعبي في دول الخليج إزاء القضية الفلسطينية، فإن الأمر اختلف بالنسبة لمرحلة التوجهات المفروضة، إذ لوحظ، مع تطور وسائل الاتصال وزيادة مساحة الحرية والديمقراطية، وجود رفض شعبي معلن أحياناً وغير معلن أحياناً أخرى إزاء الدخول في عملية التسوية السلمية أو تطبيع العلاقات مع إسرائيل أو الإذعان لأي تداعيات سلبية تطرأ على المنطقة بسبب هذه الكوارث.
الكارثة الأولى: انهيار الاتحاد السوفييتي:
إنها كارثة للعالم بأسره، ليس لأن الاتحاد السوفييتي قوة عظمى مثالية تعمل لصالح البشرية، وإنما لأن بقاءها يحقق توازناً للقوى في النظام الدولي بين قطبين يحد كل قطب من تجاوزات الآخر، ويمنع تسلطه على الدول القومية الضعيفة التي من الممكن لو انفرد بها أن تصبح لقمة سائغة، وهنا يؤكد القرآن الكريم هذه الحقيقة في قوله تعالى: (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين) (البقرة-251)، ولذلك فوجود قطب واحد لا يكون إلا استثناءً وفي فترة زمنية محدودة لا تتجاوز بضع سنوات. وأدى ذلك إلى تربع الولايات المتحدة على عرش العالم بسبب انهيار القوة العظمى المناوئة لها، وخاصة مع تولي إدارة يمينية متطرفة يقودها المحافظون الجدد واللوبي الصهيوني جعلها تمعن في إحكام سيطرتها على المنطقة والعالم، وتصبح النظم الخليجية والعربية أكثر طاعة لها وخاصة مع اغتنامها لكوارث أخرى حصلت في المنطقة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، الأمر الذي يحتم على دول مجلس التعاون إحداث تحول في توجهاتها لتتوافق أكثر مع المصالح الأمريكية وعلى رأسها دمج إسرائيل في المنطقة.
الكارثة الثانية: غزو صدام للكويت:
خلّفت هذه الكارثة مرارة لدى شعوب الخليج وخاصة الكويتيين لأن التهديد أتاهم من حاكم دولة شقيقة، والعون الأكبر جاء من الولايات المتحدة التي تهددت مصالحها، فحولتها إلى فرصة مواتية للاستثمار، استجابت على أثرها دول الخليج العربية للدعوات الأمريكية لحل الصراع العربي-الإسرائيلي، ودفعها إلى ذلك الموقف الفلسطيني الرسمي غير الواضح مما فعله صدام. ولم يجد الخليجيون والعرب والفلسطينيون سوى الإذعان لذلك بقبول السلام كخيار استراتيجي لتسوية الصراع، وبدء التفاوض مع إسرائيل، وإنهاء المقاطعة من الدرجتين الثانية والثالثة معها، الأمر الذي دفع قطر وعُمان إلى تطبيع العلاقات مع إسرائيل بصورة محدودة. ومن أهم تداعيات هذه الكارثة على المستوى الخليجي السعي لتجزئة الصراع إلى قسمين: أحدهما يخص الفلسطينيين والإسرائيليين وحدهم، والآخر يخص الخليجيين والإسرائيليين دون سواهم، وذلك بهدف عزل الخليجيين عن القضية الفلسطينية (المري).
الكارثة الثالثة: أحداث سبتمبر:
نجحت إسرائيل في توظيف أحداث سبتمبر ضد دول مجلس التعاون بدفع الأمريكيين لممارسة ضغوطهم على الخليجيين لوقف مساندتهم ودعمهم للفلسطينيين، الذين تعتبر إسرائيل حربها ضدهم تندرج ضمن الحرب الأمريكية على الإرهاب. كما نجح اللوبي الصهيوني في قيادة حملة ضد دول المجلس وخاصة السعودية وضد ثقافة الشعوب الخليجية ومناهج التعليم والتربية، بالحديث أن الخليج يصدّر النفط والإرهاب معاً، الأمر الذي فرض على دول المجلس التعاطي مع القضية الفلسطينية بمنظور مختلف ينفي ما تروجه وسائل الإعلام الصهيوني في الولايات المتحدة، وجاءت ضمن هذا السياق عدم استجابة دول مجلس التعاون لدعوات حظر النفط بعد اجتياح شارون لمناطق السلطة وشنه حرباً مدمرة ضد الشعب الفلسطيني ومؤسسات سلطته الوطنية من ناحية، واستجابة خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز-عندما كان ولياً للعهد- عبر طرح مبادرة سلام عربية لحل الصراع أيدتها دول مجلس التعاون من ناحية أخرى. وأتاحت أحداث سبتمبر الفرصة لإسرائيل أن تخترق جدار التطبيع مع دول مجلس التعاون (أشرف سعد العيسوي، التطبيع الخليجي-الإسرائيلي-المظاهر والدلالات).
الكارثة الرابعة: الاحتلال الأمريكي للعراق:
عمقت هذه الكارثة مكاسب إسرائيل في المنطقة، فحاولت الاستفادة منها في تحييد دول الخليج عن القضية الفلسطينية وعملية السلام، على اعتبار أن الشأن الخليجي وفق المنظور الأمريكي الصهيوني ينبغي أن يكون منفصلاً تماماً عن الشأن الفلسطيني. ومع توقع حمل الولايات المتحدة الحكومة العراقية على إقامة علاقات مع إسرائيل في المستقبل القريب، فإن ذلك سيساعد على دفع الخليجيين أكثر من ذي قبل كي يحذوا حذو العراق، الأمر الذي سيكون له صداه على دول مجلس التعاون وخاصة من جانب قطر وعُمان والبحرين التي كثفت علاقاتها العسكرية مع الولايات المتحدة، مما يتوقع أن يحدث انقسام في الموقف الخليجي إزاء القضية الفلسطينية كأحد تداعيات الوضع في العراق (العيسوي).
القضية الأولى: الدخول في التسوية السلمية:
عقب الانتهاء من تحرير الكويت، دخل العرب شبه مرغمين في تفاوض مع إسرائيل بشروط أمريكية اقترحها جيمس بيكر تستند إلى تجزئة الموقف العربي إلى ثلاثة مسارات ثم إلى أربعة (سوري، لبناني، أردني، فلسطيني)، مما أدى إلى إضعاف الوضع التفاوضي للعرب بهذا الفصل الذي أدى إلى انفراد إسرائيل بكل دولة على حدة. ولم يكن أمام دول الخليج سوى تأييد التفاوض ودعم عملية السلام، والمشاركة من خلال مجلس التعاون كمراقب في مؤتمر مدريد (10/1991)، ثم حضور مؤتمر المفاوضات متعددة الأطراف (1992) لمناقشة القضايا الإقليمية في ظل مشاركة إسرائيل (د. عبد المنعم سعيد، أمن دول الخليج العربية وتسوية الصراع العربي-الإسرائيلي). وقبلت دول مجلس التعاون إعلان المبادئ واتفاقات أوسلو وجميع الاتفاقيات الفلسطينية-الإسرائيلية التي تلتها، وقامت بطرح مبادرات سلمية لحل الصراع كالتي قدمها الملك عبد الله بن عبد العزيز-عندما كان ولياً للعهد- لكن شارون رد عليها بشن الحرب على الشعب الفلسطيني وحصار عرفات في رام الله وتدمير البنية التحتية الفلسطينية، فلم يكتب لها النجاح. وقام مجلس التعاون بدور دولي في التصدي لمحاولة شارون طرد عرفات. وأيدت دول المجلس المبادرات الأمريكية وآخرها (خارطة الطريق)، فوافقت عليها في اجتماع المجلس (5/2003)، وشاركت المملكة العربية السعودية ومملكة البحرين في قمة شرم الشيخ (2005) لإدانة ممارسات شارون الوحشية (د. عصام سليم الشنطي، مواقف دول المجلس تجاه تطورات الصراع العربي-الإسرائيلي).
القضية الثانية: تطبيع العلاقات مع إسرائيل:
بعد قيام علاقات قطرية-عمانية محدودة مع إسرائيل، دفعت الولايات المتحدة وتيرة التطبيع الخليجي-الإسرائيلي تدريجياً ولاتزال بإلحاح إسرائيلي متكرر، وقد لوحظ مع كل كارثة تحل بالمنطقة تكون الفرصة مواتية ليمارس الأمريكيون ضغوطهم الناجمة عن الانكشاف الاستراتيجي الذي يعاني منه الخليج بسبب الكارثة الثانية (الغفلي)، لحمل الخليجيين على التطبيع تلبية لطلب الإسرائيليين، حيث إن اختراق إسرائيل لجدار التطبيع ينتعش ويحرز تقدماً ملموساً مع الأزمات الدولية والإقليمية، وهذا فيه نوع من الإجبار أو الفرض غير المباشر، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى تحاول إسرائيل اغتنام فرص أخرى فيها نوع من الإقناع أمريكياً بأنها جديرة بمكافأة التطبيع الكامل مع دول الخليج، وظهر ذلك بوضوح لدى انسحابها من قطاع غزة وإزالتها للمستوطنات.
وبوجه عام أخذ التطبيع الخليجي-الإسرائيلي على المستويين الرسمي وغير الرسمي مظاهر محدودة منذ بداية التسعينات، بذريعة القيام بدور مساوم لتحقيق بعض المكاسب، ولم تتبلور هذه المظاهر في صورة أنشطة أو مؤسسات يعتد بها (د. علي الغفلي، الخليج ومسارات التسوية والتطبيع)، وإنما شملت فقط: لقاءات ثنائية على هامش اجتماعات دولية (حول هذه اللقاءات راجع: الشنطي)، توجيه دعوات إلى مسؤولين إسرائيليين لحضور فعاليات دولية في إحدى دول الخليج، توجيه مسؤولين خليجيين دعوات إلى إسرائيل من على منبر سياسي أمريكي، إعادة فتح المكاتب التمثيلية التي أغلقت، المشاركة الإسرائيلية في معارض دولية تنظمها دولة خليجية، تنامي العلاقات التجارية بين الطرفين، تخفيف إجراءات الحظر الاقتصادي، إنهاء المقاطعة غير المباشرة (10/1994)، إلغاء المقاطعة الاقتصادية، الالتزام بقواعد منظمة التجارة العالمية بالتعامل مع جميع أعضائها ومنهم إسرائيل، بناء على ضغط أمريكي متكرر، إقامة علاقات تجارية سرية برعاية عدد من رجال الأعمال، إعادة النظر في قضية التطبيع من قبل الكتاب والمثقفين تمهيداً لإقامة علاقات طبيعية، تغيير مناهج التعليم لنشر ثقافة السلام (لمزيد من التفصيل انظر: العيسوي).
لكن رغم هذا التقدم، فإن إصرار الشعوب الخليجية على المقاطعة وتعاطفها مع انتفاضة الأقصى وغضبها من الممارسات الوحشية الإسرائيلية وقوة وازعها القومي والديني، حال دون ذلك حتى الآن. وقد ظهر التناقض واضحاً بين الموقفين الرسمي والشعبي (العيسوي) في دول المجلس التي أقامت علاقات محدودة مع إسرائيل أو التقى قادتها بمسؤولين إسرائيليين في المحافل الدولية. وبوجه عام، فإن تكاملاً اقتصادياً عربياً وثقافة عربية مرنة (د. تركي الحمد، قراءة أولية لبعض الآثار المحتملة للسلم العربي-الإسرائيلي في المنطقة) يدفعان إلى بناء القوة وتحقيق الوحدة أفضل السبل لمواجهة محاولات التطبيع المتكررة.
القضية الثالثة: العلاقات الخليجية-الفلسطينية:
تدهورت العلاقات الفلسطينية الخليجية بشكل كبير مع وقوع الكارثة الثانية، وشهدت العلاقات الفلسطينية الكويتية بالتحديد انقطاعاً شاملاً، بسبب الموقف الفلسطيني المؤيد لصدام في ضرب إسرائيل، الذي تلقفته وسائل الإعلام الأمريكية والصهيونية لتظهره على أنه تأييد لكل ما يفعله صدام. لكن هذا لا يرفع اللوم عن ياسر عرفات الذي لم يتخذ موقفاً واضحاً وحازماً من صدام في فعلته المشينة، بحق شعب يضرب به المثل في مساندة الشعب الفلسطيني منذ العام 1922، فكان أقل ما ينبغي قيام عرفات به بعد فشل الوساطة هو قطع العلاقات مع صدام، لكن فردية صنع القرار وغياب المؤسسية والتقدير غير الدقيق للأمور والانسياق وراء ضرب صدام لإسرائيل وعدم مراعاة مصالح الشعب الفلسطيني الذي يتلقى الدعم الأكبر من الأشقاء في الخليج، كما أسلفنا، وعدم حساب ما ستقوم به آلة الإعلام الصهيوني من تشويه للموقف الفلسطيني، كل ذلك أدى إلى نشوء هذه المشكلة التي تضرر الشعب الفلسطيني من ورائها كثيراً.
وبمرور الزمن، عادت العلاقات الفلسطينية-الخليجية تدريجياً إلى سابق عهدها، فساند الخليجيون ياسر عرفات في محنته الأخيرة، ودعموا جهود محمود عباس لإصلاح وضع السلطة عند توليه أول منصب رئيس وزراء فلسطيني، لكن الموقف الكويتي لايزال متأثراً بالرغم من اعتذار محمود عباس رسمياً، وأجل لقاء معه بطلب من الكويت (الشنطي). إلا أن هذا لم يمنع دول مجلس التعاون، بما فيها الكويت، من مواصلة دعمها للشعب الفلسطيني وقواه السياسية ومؤسساته الاجتماعية وسلطته الوطنية، فقد أعربت دول المجلس عن ترحيبها بفوز حركة حماس في الانتخابات التشريعية الأخيرة ورئاسة الحكومة، وتقديرها لنجاح التجربة الديمقراطية واحترامها لخيار الشعب الفلسطيني. ويبقى سؤال يطرح نفسه: في ظل الرفض الأمريكي-الأوروبي للتعامل مع حماس ما لم تعترف بإسرائيل وتتخلى عن المقاومة وحمل الدول العربية على السلوك نفسه، ومع حرص حماس على إصلاح الوضع الفلسطيني برمته ومعالجة الفساد وإعادة القضية الفلسطينية إلى سابق عهدها بعد مسلسل التنازلات التي تمت منذ مؤتمر مدريد، كيف سيتعامل الخليجيون مع الوضع الفلسطيني؟ هل سيساندون السلطة الفلسطينية بقيادة حماس المنتخبة ديمقراطياً من شعبها كي تحقق طموحاتها وتطبق برنامجها الإصلاحي، وتعيد القضية الفلسطينية إلى خطها الصحيح؟ أم أنهم سيؤجلون التعامل معها إلى أن يلتزموا بالشروط الأمريكية؟ أم أنهم سيمسكون العصا من الوسط، ويحاولون القيام بدور دبلوماسي بين الطرفين؟ هذا ما ستبينه الفترة المقبلة، لكن الخبرة التاريخية أثبتت أن توجه الخليجيين الراسخ هو مساندة القضية الفلسطينية ودعم الشعب الفلسطيني وقيادته دائماً، وليس كما تشير بعض التوقعات إلى أنهم سيقللون من اهتمامهم باطراد (المري)، وتظل تداعيات المتغيرات الدولية مؤقتاً تزول بزوال تأثيرها.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::3307::/cck::
::introtext::

إذا كان هدف السياسة الخارجية الأسمى هو تحقيق المصلحة القومية في نطاق التعامل الدولي، فإن توجهاتها تتشكل وفقاً لعدة عوامل، أهمها: طبيعة النظام السياسي، مقومات القوة في الدولة والمجتمع، مدى عمق الهوية الثقافية الحضارية، حالة الصراع أو التعاون مع الدول الأخرى، أمن واستقرار النظام الإقليمي، وشكل النظام الدولي والقوى المسيطرة عليه. هذه العوامل تفرض نوعين من التوجهات في السياسة الخارجية إزاء قضية ما: التوجهات الفعلية التي تعبر عن الإرادة الحرة المستقلة والمصلحة القومية، والتوجهات المفروضة التي لا تتماشى مع الرؤى الحقيقية للسياسة الخارجية سببتها ضغوط إقليمية ودولية تفوق قدرة الدولة على اختيار بديل آخر. ويأتي دائماً متغير أو حدث عظيم، إقليمي أو دولي أو حتى محلي، وربما أكثر، يمثل حداً فاصلاً بين مرحلة التوجهات الفعلية ومرحلة التوجهات المفروضة، وعامل ضغط على الدول يضطرها لتبني سياسات واتخاذ قرارات ومواقف تخالف توجهاتها الأصلية كي تدرأ عن نفسها مخاطر تهدد استقرار المنطقة.

::/introtext::
::fulltext::

إذا كان هدف السياسة الخارجية الأسمى هو تحقيق المصلحة القومية في نطاق التعامل الدولي، فإن توجهاتها تتشكل وفقاً لعدة عوامل، أهمها: طبيعة النظام السياسي، مقومات القوة في الدولة والمجتمع، مدى عمق الهوية الثقافية الحضارية، حالة الصراع أو التعاون مع الدول الأخرى، أمن واستقرار النظام الإقليمي، وشكل النظام الدولي والقوى المسيطرة عليه. هذه العوامل تفرض نوعين من التوجهات في السياسة الخارجية إزاء قضية ما: التوجهات الفعلية التي تعبر عن الإرادة الحرة المستقلة والمصلحة القومية، والتوجهات المفروضة التي لا تتماشى مع الرؤى الحقيقية للسياسة الخارجية سببتها ضغوط إقليمية ودولية تفوق قدرة الدولة على اختيار بديل آخر. ويأتي دائماً متغير أو حدث عظيم، إقليمي أو دولي أو حتى محلي، وربما أكثر، يمثل حداً فاصلاً بين مرحلة التوجهات الفعلية ومرحلة التوجهات المفروضة، وعامل ضغط على الدول يضطرها لتبني سياسات واتخاذ قرارات ومواقف تخالف توجهاتها الأصلية كي تدرأ عن نفسها مخاطر تهدد استقرار المنطقة.
هذا افتراض نظري، يمكن أن يساهم في تفسير توجهات السياسة الخارجية لدول مجلس التعاون وتحولاتها تجاه القضية الفلسطينية، استناداً إلى نظرة مقارنة بين مرحلة ما قبل احتلال صدام للكويت والمرحلة التي بعدها. إنه حدث له تداعياته التي لا تحمد عقباه على المنطقة، جعل الأمم تتداعى إلينا كما تداعى الأكلة على قصعتها، إنه كارثة تمخضت عنها كوارث أخرى، ستظل الأجيال القادمة تدفع ثمنها.
التوجهات الفعلية:
تزامن اهتمام دول الخليج بالقضية الفلسطينية مع بدايات قدوم الفلسطينيين إليها كعمالة وافدة في عامي 1919 و1920 (بشير أبو القرايا، دراسة عامة في الأوضاع السياسية والقانونية والاجتماعية والاقتصادية لفلسطينيي الشتات في الخليج العربي)، ومع أول زيارات قام بها قادة فلسطينيون لتعريف إخوانهم بحقيقة ما يجري في فلسطين. لكن الاهتمام الخليجي الرسمي بالقضية الفلسطينية برز بصورة قوية مع بدايات نشوء الدولة الخليجية المعاصرة، إذ تركزت توجهات الخليجيين في النظر إلى فلسطين على أنها لشعبها العربي بأديانه المختلفة، يتمتع بهويته الوطنية والقومية، وله الحق في تقرير مصيره ككل الشعوب، وأن الصهيونية عنصر دخيل على المنطقة، مزروع فيها، تلفظه أرضها، ولا بقاء له فيها على المدى الطويل مهما أمدته القوة بأسباب البقاء، واسترداد فلسطين واجب على الفلسطينيين أولاً والعرب ثانياً والمسلمين ثالثاً (نهاد الغادري، السياسة الخارجية السعودية الأهداف والأساليب).
انطلاقاً من هذا التوجه العام بذلت دول الخليج ما في وسعها منذ العام 1938 لنصرة القضية الفلسطينية، وتركزت جهودها في أربعة جوانب: الدعم المادي والمالي والمعنوي للشعب الفلسطيني ومؤسساته الاجتماعية ومنظمات المقاومة المسلحة وكذلك لدول المواجهة، مقاطعة إسرائيل ومناهضتها وإحكام طوق العزلة حولها وقطع العلاقات الدبلوماسية والتجارية مع الدول التي تساندها أو تقيم علاقات معها، وذلك وفقاً لنظام مقاطعة تم إنشاؤه عام 1957 (علي بن صميخ المري، مجلس التعاون الخليجي أزمات الحاضر وتحديات المستقبل)، التحرك الدبلوماسي النشط لزعماء الخليج على المستوى الدولي من خلال إرسال الرسائل لقادة الدول العظمى وعقد اللقاءات معهم والمشاركة في المؤتمرات العالمية ودروات انعقاد المنظمات العالمية، للمطالبة بحقوق الشعب الفلسطيني وشرح معاناته للعالم وللتصدي للمخططات الصهيونية في إحكام السيطرة على فلسطين، والتحرك العسكري بقوات نظامية أو متطوعين تقاتل إلى جانب جيوش دول المواجهة.
الموقف السعودي:
جعل الملك عبد العزيز القضية الفلسطينية شغله الشاغل (محمد عنان، السعودية وهموم العرب)، فمن خلال رسائله ولقاءاته ( 1938، 1945) ورداً على البيان الأمريكي (14/10/1938) الذي أيد إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، حاول عبد العزيز إقناع روزفلت بعدم خضوع الأمريكيين للتضليل الصهيوني، وأنه يجب عودة اليهود إلى الأراضي التي طردوا منها في أوروبا، ودعاه إلى مناصرة الشعب الفلسطيني. وواصل عبد العزيز رسائله إلى ترومان مؤكداً أن اليهود ليس لهم حق الهجرة إلى فلسطين (حسن أبو طالب، المملكة العربية السعودية وظلال القدس). وأيد السعوديون الثورة الكبرى في فلسطين (1936-1939)، ودافعوا عن الحق الفلسطيني في مؤتمر المائدة المستديرة في لندن (1939) ومؤتمر لندن عام 1946 (عائشة المسند، المملكة العربية السعودية وقضية فلسطين). وواجه عبد العزيز مشروع إقامة دولة إسرائيل بإيفاد فيصل إلى اجتماعات الأمم المتحدة عام 1947 حيث تصدى لرئيس الوفد الأمريكي. وحين أخفقت الأمم المتحدة في إيجاد حل عادل للقضية الفلسطينية، وأصدرت قرار التقسيم لم يبق أمام العرب إلا خيار القوة. فاقترح عبد العزيز مواجهة الصهيونية بأساليبها، وأن يحاربوها بمتطوعين وفدائيين، وأرسل قواته مع الجيوش العربية، داعياً إلى إشغال العدو وإنهاكه بقتال غير نظامي مستمر وطويل المدى، وأن يمدوه بالمساعدة مالياً وسياسياً وجغرافياً وبتأييد عربي دائم. وسعى السعوديون آنذاك إلى توحيد التعاون العربي عسكرياً على ضوء مخاطر ولادة إسرائيل، معتبرين أن المسألة العربية بالنسبة لهم منحصرة في ثلاث قضايا: تحرير وطنهم، استرداد فلسطين، وتحقيق الوحدة (الغادري).
وشارك السعوديون في حرب 1948 (عائشة المسند)، وفرضوا بحث قضية فلسطين في مؤتمر دول عدم الانحياز في باندونج. ووقفوا إلى جانب مصر في العدوان الثلاثي عام 1956، فبعث الملك سعود رسالة إلى آيزنهاور لوقف العدوان، وأيدوا قيام منظمة التحرير الفلسطينية وساندوا العمل الفدائي، حيث قام الملك فيصل، الذي كانت فلسطين محور سياساته (عنان)، بمباركة تأسيس منظمة (فتح) 1964 إثر لقاء جمعه بياسر عرفات في جنيف. وساهم السعوديون مالياً في تغذية العمل الفلسطيني بأشكاله، وبذلوا جهوداً دبلوماسية لإنقاذ العمل الفدائي من المحن التي مر بها. ولما وقعت نكسة 1967، ومن تداعياتها أصبح من العسير تحرير فلسطين تحريراً كاملاً، علاوة على حرص القوى العظمى على أمن وسلامة إسرائيل، فقد رأى السعوديون القيام بتشجيع العمل الفلسطيني المستقل وإمداده وتقويته لمشاغلة إسرائيل، وتقوية العلاقات العربية-العربية والارتقاء بها إلى مستوى المواجهة تدريجياً. ومن خلال مؤتمرات القمة العربية طرحوا تصوراً لسياسة عربية مشتركة تقوم على تجاوز الهزيمة بتحقيق التضامن العربي والعمل على تحرير فلسطين من خلال بناء قوة عربية ذاتية (الغادري). وظل السعوديون يشاركون بقواتهم في خط المواجهة الأردني منذ عام 1967، وشاركوا مشاركة كاملة في حرب 1973 بالنفط والمال والقوة العسكرية (الغادري) وبعث الملك فيصل رسالة إلى نيكسون (1973) محذراً من مغبة استمرار الدعم الأمريكي لإسرائيل في عدوانها على العرب (أبوطالب). وقامت المملكة العربية السعودية ودول الخليج بدور في استقلال القرار الفلسطيني والحفاظ على وحدة المقاومة ومنع تمزقها والتوفيق بين فصائلها ومعالجة الانشقاقات والخلافات داخلها وإجراء مصالحة بينها وبين الدول العربية التي تحدث معها أزمات، فتوصلت في قمة الرياض المصغرة (16-18/10/1976) إلى شكل محدود من التسوية حول معالجة مشكلة منظمة التحرير مع سوريا ولبنان (المري).
ورفض السعوديون زيارة السادات لإسرائيل (11/1977) وما تبعها من اتفاقيات ثنائية في واشنطن وكامب ديفيد (1978)، معتبرين أن ذلك لم يحقق الحد الأدنى المطلوب من عناصر إقرار السلام الحقيقي، فهي تسوية تسقط الحق الفلسطيني في العودة والاستقلال، وتهمل مدينة القدس، وتتجاهل منظمة التحرير، وتكرس الوجود العسكري الإسرائيلي في الضفة الغربية وقطاع غزة، وتبقي على المستوطنات وتشجع إسرائيل على بناء المزيد منها، وتعطي لإسرائيل حقاً قانونياً في استمرار السيطرة على الأرض والمياه، وتتنكر لأكثر من نصف الشعب الفلسطيني الذي يعيش في المنفى، وتنشئ حكماً ذاتياً صورياً ومحدوداً. وأكدت السعودية في مؤتمر بغداد (1979) التزامها بواجباتها تجاه القضية الفلسطينية، وتحمل القسط الأوفر من قرارات المقاطعة والالتزام المالي، داعية إلى استعادة القدس ولو باللجوء للحرب، وأوضح الملك فهد بن عبد العزيز مراراً بأن السلام مع إسرائيل وهم، ولا بد من تحرير الأرض العربية وإقامة الدولة الفلسطينية (الغادري).
ومع خروج مصر عن الصف العربي وتحييدها عن الصراع، والحرب اللبنانية، والانقسام العربي، واستحالة تحرير فلسطين، قدم الملك فهد مشروعه (1981) لتسوية النزاع بانسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة عام 1967 بما فيها القدس، واعتمده العرب كأساس لمشروع فاس للسلام (الغادري). لكن إسرائيل ردت عليه فيما بعد باجتياح لبنان، وأعلنت دول مجلس التعاون تضامنها مع منظمة التحرير إبان الحصار الإسرائيلي لبيروت، ووقفت إلى جانب المقاومة الفلسطينية في محنتها التي انتهت بخروجها نهائياً من لبنان، وقد جعل هذا الموضوع محور اهتمام القمة الخليجية الرابعة في الدوحة عام 1983. وأكدت المملكة ودول مجلس التعاون حرصها على التوصل إلى الوفاق الأردني الفلسطيني عام 1985، وتمسكها بمساندة الشعب الفلسطيني في انتفاضته الكبرى، مؤكدة ذلك في بيان القمة الخليجية الثامنة في الرياض (12/1987) الذي دانت فيه ضم إسرائيل للقدس (المري).
ومن الملاحظ على توجهات السياسة الخارجية السعودية منذ البداية أنها لم تقف موقفاً مؤثراً إزاء الولايات المتحدة، وفصلت بين القضية الفلسطينية وبين علاقاتها الثنائية (أبوطالب)، وارتباط مصالحها وأمنها مع القوة العظمى، الأمر الذي جعل الموقف السعودي رغم عطائه غير حازم (إبراهيم أبو الهيجاء، العرب والدولة الفلسطينية-رؤى متباينة).
الموقف الكويتي:
يعود الاهتمام الكويتي بالقضية الفلسطينية إلى العشرينات من هذا القرن، عندما زار مفتي القدس الكويت عام 1922 لجمع التبرعات لتجديد عمارة المسجد الأقصى، وعندما تلقى الشيخ أحمد الجابر الصباح أمير الكويت رسالة من زعماء فلسطين (6/1936) يطلبون فيها الدعم والتأييد (ناجي صادق شُرّاب، البعد العربي في السياسة الخارجية لدولة الإمارات العربية المتحدة)، واستقبلت الفلسطينيين للعمل لديها، وخاصة بعد نكبة 1948 ونكسة 1967، حتى أصبحوا ثاني أكبر تجمع سكاني بعد الكويتيين شغل أبناؤه وظائف رفيعة وعملوا كمستشارين، مما أدى إلى تعرف الكويتيين على حقيقة ما يجري في فلسطين، لذلك مدوا يد العون لإخوانهم الفلسطينيين، فشكلوا لجنة لدراسة القضية الفلسطينية وأخرى لجمع التبرعات لمساعدتهم على مقاومة الاحتلال، وقدموا لهم كل أشكال الدعم المادي والمعنوي ، وسمحوا لهم بإنشاء مؤسسات سياسية ومعسكرات تدريب. وشاركت الكويت في حرب 1967 بلواء اليرموك الذي أرسلته إلى الجبهة المصرية في 30/5/1967، وأعلنت حرباً دفاعية ضد إسرائيل، وجمعت المتطوعين، ونظمت حملات للتبرع بالدم والمال، وفي 6/6/1967 قرر مجلس الوزراء الكويتي وقف شحن النفط إلى بريطانيا والولايات المتحدة بسبب دعمها لإسرائيل، ورفضت الكويت القرار 242 الذي اعتبر الفلسطينيين مجرد لاجئين. وعقب النكسة قدمت الدعم الكامل لدول المواجهة، وساندت الفلسطينيين في محنهم حتى في مواجهة أشقائهم الأردنيين (1970)، واتخذت مواقف مؤيدة للمقاطعة العربية ضد إسرائيل منذ عام 1950، لدرجة أن الولايات المتحدة احتجت على طلب الكويت من الشركات الأمريكية تدقيق صحة علاقتها مع الشركات الإسرائيلية. وفي حرب 1973 أرسلت وحدتين عسكريتين إلى الجبهتين المصرية والسورية، وقامت بدور فعال في إصدار أوابك (اجتماع الكويت، 10/1973) قراراً برفع أسعار النفط وتخفيض إنتاجه، فخفضت الكويت إنتاجها من 3.7 مليون برميل يومياً إلى 3 مللايين ثم إلى 2.5 مليون.
وعبرت السياسة الخارجية الكويتية عن مناصرتها وتأييدها الدائم للقضية الفلسطينية في العديد من المحافل الدولية، فجمدت مع المملكة العربية السعودية قرضاً للبنك الدولي بسبب رفضه منح منظمة التحرير وضع مراقب فيه، وقطعت علاقاتها الدبلوماسية مع ألمانيا عام 1965 لاعترافها بإسرائيل، ومع كوستاريكا لنقلها سفارتها إلى القدس وزائير لإعادة علاقاتها الدبلوماسية مع إسرائيل (1982)، واستدعت سفيرها في مدريد عندما اعترفت إسبانيا بإسرائيل (1/1986)، ورفضت تعيين براندون جروف الابن سفيراً للولايات المتحدة لدى الكويت لأنه خدم كقنصل لبلاده في القدس مما أثار خلافاً دبلوماسياً مع الولايات المتحدة، مبررة قرارها بأنه تعبير عن موقفها القومي تجاه القضية الفلسطينية، وقامت الكويت منذ عام 1980 بدور الوساطة تجاه إزالة الخصومات بين الفلسطينيين، وتضامنت معهم في انتفاضتهم الكبرى عام 1987، فدعا مجلس الوزراء الكويتي إلى إضراب عام تعاطفاً، وسمح بمظاهرات التأييد، واقتطع مرتب يوم واحد من موظفي الدولة لتحويله كإعانة مالية للانتفاضة الفلسطينية، حتى اشتكت إسرائيل للأمم المتحدة من دعم الكويت المفتوح للمقاومة الفلسطينية (عبد الرضا علي أسيري، الكويت في السياسة الدولية المعاصرة).
الموقف الإماراتي:
تعود مساندة ودعم الإماراتيين لأشقائهم الفلسطينيين إلى عام 1937، فرغم الاحتلال البريطاني وظروف الحياة القاسية تبرعوا بالأموال، وعقدوا الاجتماعات، وألقوا الخطب السياسية والقصائد الشعرية عن أحوال فلسطين. ومع تولي الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان مقاليد الحكم حظيت القضية الفلسطينية بنصيب وافر من اهتمام السياسة الخارجية الإماراتية، وجعلها محور مباحثاته وتصريحاته ولقاءاته. واعتبرت آراؤه وأفكاره وجهوده محدداً رئيسياً لتوجهات دولة الإمارات إزاء الصراع العربي-الإسرائيلي. فزايد يرى أن إسرائيل دولة استعمارية وعلى أبناء فلسطين أن يقاوموها بشتى الوسائل لاستعادة أرضهم المحتلة التي هي عنده كل أرض فلسطين، متعهداً بالتأييد والدعم المستمر للعمل الفدائي ومساندة جبهات القتال ضد إسرائيل، ووعد منذ قيام الإمارات بالالتزام التام بالمسؤولية القومية تجاه تحرير كامل الأرض العربية، فسياسة دولته تقوم على الحرص على القضية الفلسطينية كحرصها على نفسها (أحمد عبد الله بن سعيد، السياسة الخارجية لدولة الإمارات تجاه الوطن العربي). وتعد قضية فلسطين، من وجهة نظر الشيخ زايد، قضية كل العرب وليست قضية دول المواجهة وحدها، لذلك دعا إلى ضرورة وقوفهم جميعاً لمجابهة إسرائيل مشترطاً تحقيق الوحدة والتضامن كأساس لنجاح أي مواجهة أو تحرك، وأشار إلى أن الحروب بين العرب وإسرائيل لن تنتهي قبل أن تتحرر الأرض العربية كاملة، وأن العداء لإسرائيل سيستمر طالما لم يسترد الفلسطينيون أرضهم وحقوقهم. وأكد الشيخ زايد على وجود علاقة وثيقة بين أمن الخليج والقضية الفلسطينية، وأن وجود إسرائيل يشكل خطراً حقيقياً على المنطقة (شُرّاب).
ضمن هذا الإطار تحركت حكومة الإمارات وتتبعت كل تطورات القضية ولم تتأخر يوماً عن مساندتها وتأييدها (عبد الرحمن يوسف بن حارب، السياسة الخارجية لدولة الإمارات)، فقدمت دعمها المادي والمعنوي للشعب الفلسطيني في شكل مخصصات سنوية ومساعدات للاجئين وضرائب تفرضها تُستقطع وتحول إلى منظمة التحرير (شُرّاب). وساندت دولة الإمارات المقاومة الفلسطينية ودول المواجهة، وخاصة في حرب 1973، حيث قامت بدور فعال، وأعلنت استعدادها لتغطية الجزء الأكبر من نفقات المعركة (ابن سعيد)، ورأى الشيخ زايد أن قرار تخفيض إنتاج النفط ليس حكيماً، واتخذ قراراً تاريخياً جريئاً (18/10/1973) بحظر تصديره إلى الولايات المتحدة وهولندا وكل الدول المساندة لإسرائيل، متحملاً كل الصعاب. وبفضل الشيخ زايد وصلت القضية الفلسطينية إلى المحافل الدولية حيث جعلها قضية في كافة مباحثاته مع قادة الدول، فقد أعلن في مؤتمر عدم الانحياز (18/6/1976) وقوفه بقوة إلى جانب منظمة التحرير بقيادة ياسرعرفات، واعترض على الدعوة الدولية للفلسطينيين للاعتراف بإسرائيل، لأنه اعتراف بشرعية الاحتلال، كما رفض معاهدة السلام المصرية-الإسرائيلية واتفاقات كامب ديفيد، لكنه أشاد بمشروع فهد (19/10/1981) الذي وافقت عليه القمة الأولى لدول مجلس التعاون (1981) (نايف علي عبيد، السياسة الخارجية لدولة الإمارات العربية المتحدة بين النظرية والتطبيق). ودانت الإمارات مراراً أثناء حضورها اجتماعات الجمعية العامة السياسات العدوانية الإسرائيلية بحق الشعب الفلسطيني، معتبرة أنها تشكل تهديداً للسلم والأمن الدوليين ودلالة على عدم جدية إسرائيل في السلام، في ظل استمرار احتلالها وبنائها للمستوطنات ومصادرة الأراضي وتفريغ الأرض من سكانها. وانتقد الشيخ زايد في 26/12/1987 فكرة المؤتمر الدولي القائمة على حرص الولايات المتحدة على الإجحاف بحق العرب والتحيز لإسرائيل ووصف ذلك بأنه غير مقبول، وعبر عن تأييده ودعمه ومساندته للانتفاضة الكبرى داعياً إلى استمرارها (شُرّاب)، معتبراً أنها جاءت رداً على العدوان الإسرائيلي المستمر منذ نكبة 1948 ونكسة 1967، في مواجهة شعب أعزل من السلاح يرفض العبودية ويتوق إلى التحرر والتمتع بحقوقه الإنسانية (ابن سعيد).
الموقف القطري والبحريني والعماني:
استأثرت القضية الفلسطينية بموقف الدبلوماسية القطرية، وجعلتها المنطلق الذي تحدد على أساسه علاقاتها بالدول الأخرى، وساندت القرارات التي تنصف الحق الفلسطيني في الهيئات والمنظمات الإقليمية والدولية، واهتمت بالقرارات المتعلقة بمكتب مقاطعة إسرائيل ومقاطعة الشركات العالمية التي تتعامل معها. ولم تتوان قطر عن مناصرة الشعب الفلسطيني وانتفاضاته المتكررة وتقديم المساعدات المادية والمعنوية له والوقوف إلى جانب منظمة التحرير، وتقديم المساعدات الاقتصادية لدول المواجهة للنهوض من أعباء حالة الحرب، وحرصت في المقابل على قطع معوناتها عن الدول المساندة لإسرائيل وتقف موقف العداء من العرب (يوسف عبيدان، المؤسسات السياسية في دولة قطر). ونالت القضية الفلسطينية أيضاً اهتمام سلطنة عُمان ومملكة البحرين اللتين اتبعتا النهج الخليجي نفسه وإن بنسب متفاوتة.
التوجهات المفروضة:
حدثان أحدهما عالمي مفاجئ ومدهش جسده انهيار الاتحاد السوفييتي 1988، تزامنت معه ولادة نظام دولي أحادي القطبية يجمع بين العولمة والأمركة والصهينة، إن صح التعبير، عرف بالنظام الدولي الجديد، والآخر حدث إقليمي غريب عكسه احتلال صدام للكويت عام 1990 وجَلبِهِ للتدخل العسكري الأمريكي في ظل عجز عربي عن مواجهة الكارثة، ساهمت تداعياتهما في إحداث تحول قسري خارج عن الإرادة في توجهات السياسة الخارجية لدول مجلس التعاون الخليجي تجاه القضية الفلسطينية شأنها في ذلك شأن الدول العربية الأخرى، على الأرجح أنها لم تكن لترغب فيه لولا تبعات هذين الحدثين اللذين شكلا حداً فاصلاً بين التوجهات الفعلية المعبرة عن الإرادة الكاملة، والتوجهات المفروضة بفعل الضغوط الخارجية التي لا تحتمل. وجاءت تداعيات حدثين آخرين أشد حدة ليساهما أكثر في إضعاف التوجهات الخليجية وتقليص دورها التاريخي إزاء فلسطين، هما: تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر 2001، والاحتلال الأمريكي للعراق 2003.
هذه المتغيرات الإقليمية والدولية الأربعة، وهي بحق كوارث على المنطقة والعالم، جاءت بالطبع معاكسة للتوجهات الفعلية لدول مجلس التعاون الخليجي، إذ فرضت عليها القبول طوعاً أو كرهاً بالتعامل مع قضايا مرتبطة بالصراع العربي-الإسرائيلي حرصت في السابق أن تكون بمنأى عنها، لكنها اضطرت إليها استجابة لضغوط القوة العظمى التي تكفل لها أمنها القومي في مواجهة تهديدات قوى إقليمية وصل بها الأمر إلى الإقدام على احتلال أراضيها رغم الرابط القومي والديني والمصير المشترك، وأذعنت لها لتدرأ عن نفسها مخاطر الاصطدام بمتطلبات العولمة الأمريكية التي هي في غنى عنها، بعد أن سبقها إلى السير في هذا الاتجاه الدولة العربية الأم مصر في عهد السادات ثم صاحبة القضية منظمة التحرير الفلسطينية تحت قيادة عرفات.
ويأتي في طليعة هذه القضايا التي خلفتها الكوارث الأربع: دخول دول مجلس التعاون في التسوية السلمية، وتطبيع علاقاتها مع إسرائيل، ولأن كارثة احتلال صدام للكويت أثرت سلباً في العلاقات الخليجية-الفلسطينية بنسب متفاوتة كانت أشدها العلاقات الكويتية-الفلسطينية، فمن الضروري التعرف إلى التوجهات الخليجية إزاء القيادة الفلسطينية وتطور العلاقات بين الطرفين خلال الخمسة عشر عاماً الماضية. وإذا كانت مرحلة التوجهات الفعلية في السياسة الخارجية قد شهدت وجود اتفاق وتطابق بين الموقفين الرسمي والشعبي في دول الخليج إزاء القضية الفلسطينية، فإن الأمر اختلف بالنسبة لمرحلة التوجهات المفروضة، إذ لوحظ، مع تطور وسائل الاتصال وزيادة مساحة الحرية والديمقراطية، وجود رفض شعبي معلن أحياناً وغير معلن أحياناً أخرى إزاء الدخول في عملية التسوية السلمية أو تطبيع العلاقات مع إسرائيل أو الإذعان لأي تداعيات سلبية تطرأ على المنطقة بسبب هذه الكوارث.
الكارثة الأولى: انهيار الاتحاد السوفييتي:
إنها كارثة للعالم بأسره، ليس لأن الاتحاد السوفييتي قوة عظمى مثالية تعمل لصالح البشرية، وإنما لأن بقاءها يحقق توازناً للقوى في النظام الدولي بين قطبين يحد كل قطب من تجاوزات الآخر، ويمنع تسلطه على الدول القومية الضعيفة التي من الممكن لو انفرد بها أن تصبح لقمة سائغة، وهنا يؤكد القرآن الكريم هذه الحقيقة في قوله تعالى: (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين) (البقرة-251)، ولذلك فوجود قطب واحد لا يكون إلا استثناءً وفي فترة زمنية محدودة لا تتجاوز بضع سنوات. وأدى ذلك إلى تربع الولايات المتحدة على عرش العالم بسبب انهيار القوة العظمى المناوئة لها، وخاصة مع تولي إدارة يمينية متطرفة يقودها المحافظون الجدد واللوبي الصهيوني جعلها تمعن في إحكام سيطرتها على المنطقة والعالم، وتصبح النظم الخليجية والعربية أكثر طاعة لها وخاصة مع اغتنامها لكوارث أخرى حصلت في المنطقة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، الأمر الذي يحتم على دول مجلس التعاون إحداث تحول في توجهاتها لتتوافق أكثر مع المصالح الأمريكية وعلى رأسها دمج إسرائيل في المنطقة.
الكارثة الثانية: غزو صدام للكويت:
خلّفت هذه الكارثة مرارة لدى شعوب الخليج وخاصة الكويتيين لأن التهديد أتاهم من حاكم دولة شقيقة، والعون الأكبر جاء من الولايات المتحدة التي تهددت مصالحها، فحولتها إلى فرصة مواتية للاستثمار، استجابت على أثرها دول الخليج العربية للدعوات الأمريكية لحل الصراع العربي-الإسرائيلي، ودفعها إلى ذلك الموقف الفلسطيني الرسمي غير الواضح مما فعله صدام. ولم يجد الخليجيون والعرب والفلسطينيون سوى الإذعان لذلك بقبول السلام كخيار استراتيجي لتسوية الصراع، وبدء التفاوض مع إسرائيل، وإنهاء المقاطعة من الدرجتين الثانية والثالثة معها، الأمر الذي دفع قطر وعُمان إلى تطبيع العلاقات مع إسرائيل بصورة محدودة. ومن أهم تداعيات هذه الكارثة على المستوى الخليجي السعي لتجزئة الصراع إلى قسمين: أحدهما يخص الفلسطينيين والإسرائيليين وحدهم، والآخر يخص الخليجيين والإسرائيليين دون سواهم، وذلك بهدف عزل الخليجيين عن القضية الفلسطينية (المري).
الكارثة الثالثة: أحداث سبتمبر:
نجحت إسرائيل في توظيف أحداث سبتمبر ضد دول مجلس التعاون بدفع الأمريكيين لممارسة ضغوطهم على الخليجيين لوقف مساندتهم ودعمهم للفلسطينيين، الذين تعتبر إسرائيل حربها ضدهم تندرج ضمن الحرب الأمريكية على الإرهاب. كما نجح اللوبي الصهيوني في قيادة حملة ضد دول المجلس وخاصة السعودية وضد ثقافة الشعوب الخليجية ومناهج التعليم والتربية، بالحديث أن الخليج يصدّر النفط والإرهاب معاً، الأمر الذي فرض على دول المجلس التعاطي مع القضية الفلسطينية بمنظور مختلف ينفي ما تروجه وسائل الإعلام الصهيوني في الولايات المتحدة، وجاءت ضمن هذا السياق عدم استجابة دول مجلس التعاون لدعوات حظر النفط بعد اجتياح شارون لمناطق السلطة وشنه حرباً مدمرة ضد الشعب الفلسطيني ومؤسسات سلطته الوطنية من ناحية، واستجابة خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز-عندما كان ولياً للعهد- عبر طرح مبادرة سلام عربية لحل الصراع أيدتها دول مجلس التعاون من ناحية أخرى. وأتاحت أحداث سبتمبر الفرصة لإسرائيل أن تخترق جدار التطبيع مع دول مجلس التعاون (أشرف سعد العيسوي، التطبيع الخليجي-الإسرائيلي-المظاهر والدلالات).
الكارثة الرابعة: الاحتلال الأمريكي للعراق:
عمقت هذه الكارثة مكاسب إسرائيل في المنطقة، فحاولت الاستفادة منها في تحييد دول الخليج عن القضية الفلسطينية وعملية السلام، على اعتبار أن الشأن الخليجي وفق المنظور الأمريكي الصهيوني ينبغي أن يكون منفصلاً تماماً عن الشأن الفلسطيني. ومع توقع حمل الولايات المتحدة الحكومة العراقية على إقامة علاقات مع إسرائيل في المستقبل القريب، فإن ذلك سيساعد على دفع الخليجيين أكثر من ذي قبل كي يحذوا حذو العراق، الأمر الذي سيكون له صداه على دول مجلس التعاون وخاصة من جانب قطر وعُمان والبحرين التي كثفت علاقاتها العسكرية مع الولايات المتحدة، مما يتوقع أن يحدث انقسام في الموقف الخليجي إزاء القضية الفلسطينية كأحد تداعيات الوضع في العراق (العيسوي).
القضية الأولى: الدخول في التسوية السلمية:
عقب الانتهاء من تحرير الكويت، دخل العرب شبه مرغمين في تفاوض مع إسرائيل بشروط أمريكية اقترحها جيمس بيكر تستند إلى تجزئة الموقف العربي إلى ثلاثة مسارات ثم إلى أربعة (سوري، لبناني، أردني، فلسطيني)، مما أدى إلى إضعاف الوضع التفاوضي للعرب بهذا الفصل الذي أدى إلى انفراد إسرائيل بكل دولة على حدة. ولم يكن أمام دول الخليج سوى تأييد التفاوض ودعم عملية السلام، والمشاركة من خلال مجلس التعاون كمراقب في مؤتمر مدريد (10/1991)، ثم حضور مؤتمر المفاوضات متعددة الأطراف (1992) لمناقشة القضايا الإقليمية في ظل مشاركة إسرائيل (د. عبد المنعم سعيد، أمن دول الخليج العربية وتسوية الصراع العربي-الإسرائيلي). وقبلت دول مجلس التعاون إعلان المبادئ واتفاقات أوسلو وجميع الاتفاقيات الفلسطينية-الإسرائيلية التي تلتها، وقامت بطرح مبادرات سلمية لحل الصراع كالتي قدمها الملك عبد الله بن عبد العزيز-عندما كان ولياً للعهد- لكن شارون رد عليها بشن الحرب على الشعب الفلسطيني وحصار عرفات في رام الله وتدمير البنية التحتية الفلسطينية، فلم يكتب لها النجاح. وقام مجلس التعاون بدور دولي في التصدي لمحاولة شارون طرد عرفات. وأيدت دول المجلس المبادرات الأمريكية وآخرها (خارطة الطريق)، فوافقت عليها في اجتماع المجلس (5/2003)، وشاركت المملكة العربية السعودية ومملكة البحرين في قمة شرم الشيخ (2005) لإدانة ممارسات شارون الوحشية (د. عصام سليم الشنطي، مواقف دول المجلس تجاه تطورات الصراع العربي-الإسرائيلي).
القضية الثانية: تطبيع العلاقات مع إسرائيل:
بعد قيام علاقات قطرية-عمانية محدودة مع إسرائيل، دفعت الولايات المتحدة وتيرة التطبيع الخليجي-الإسرائيلي تدريجياً ولاتزال بإلحاح إسرائيلي متكرر، وقد لوحظ مع كل كارثة تحل بالمنطقة تكون الفرصة مواتية ليمارس الأمريكيون ضغوطهم الناجمة عن الانكشاف الاستراتيجي الذي يعاني منه الخليج بسبب الكارثة الثانية (الغفلي)، لحمل الخليجيين على التطبيع تلبية لطلب الإسرائيليين، حيث إن اختراق إسرائيل لجدار التطبيع ينتعش ويحرز تقدماً ملموساً مع الأزمات الدولية والإقليمية، وهذا فيه نوع من الإجبار أو الفرض غير المباشر، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى تحاول إسرائيل اغتنام فرص أخرى فيها نوع من الإقناع أمريكياً بأنها جديرة بمكافأة التطبيع الكامل مع دول الخليج، وظهر ذلك بوضوح لدى انسحابها من قطاع غزة وإزالتها للمستوطنات.
وبوجه عام أخذ التطبيع الخليجي-الإسرائيلي على المستويين الرسمي وغير الرسمي مظاهر محدودة منذ بداية التسعينات، بذريعة القيام بدور مساوم لتحقيق بعض المكاسب، ولم تتبلور هذه المظاهر في صورة أنشطة أو مؤسسات يعتد بها (د. علي الغفلي، الخليج ومسارات التسوية والتطبيع)، وإنما شملت فقط: لقاءات ثنائية على هامش اجتماعات دولية (حول هذه اللقاءات راجع: الشنطي)، توجيه دعوات إلى مسؤولين إسرائيليين لحضور فعاليات دولية في إحدى دول الخليج، توجيه مسؤولين خليجيين دعوات إلى إسرائيل من على منبر سياسي أمريكي، إعادة فتح المكاتب التمثيلية التي أغلقت، المشاركة الإسرائيلية في معارض دولية تنظمها دولة خليجية، تنامي العلاقات التجارية بين الطرفين، تخفيف إجراءات الحظر الاقتصادي، إنهاء المقاطعة غير المباشرة (10/1994)، إلغاء المقاطعة الاقتصادية، الالتزام بقواعد منظمة التجارة العالمية بالتعامل مع جميع أعضائها ومنهم إسرائيل، بناء على ضغط أمريكي متكرر، إقامة علاقات تجارية سرية برعاية عدد من رجال الأعمال، إعادة النظر في قضية التطبيع من قبل الكتاب والمثقفين تمهيداً لإقامة علاقات طبيعية، تغيير مناهج التعليم لنشر ثقافة السلام (لمزيد من التفصيل انظر: العيسوي).
لكن رغم هذا التقدم، فإن إصرار الشعوب الخليجية على المقاطعة وتعاطفها مع انتفاضة الأقصى وغضبها من الممارسات الوحشية الإسرائيلية وقوة وازعها القومي والديني، حال دون ذلك حتى الآن. وقد ظهر التناقض واضحاً بين الموقفين الرسمي والشعبي (العيسوي) في دول المجلس التي أقامت علاقات محدودة مع إسرائيل أو التقى قادتها بمسؤولين إسرائيليين في المحافل الدولية. وبوجه عام، فإن تكاملاً اقتصادياً عربياً وثقافة عربية مرنة (د. تركي الحمد، قراءة أولية لبعض الآثار المحتملة للسلم العربي-الإسرائيلي في المنطقة) يدفعان إلى بناء القوة وتحقيق الوحدة أفضل السبل لمواجهة محاولات التطبيع المتكررة.
القضية الثالثة: العلاقات الخليجية-الفلسطينية:
تدهورت العلاقات الفلسطينية الخليجية بشكل كبير مع وقوع الكارثة الثانية، وشهدت العلاقات الفلسطينية الكويتية بالتحديد انقطاعاً شاملاً، بسبب الموقف الفلسطيني المؤيد لصدام في ضرب إسرائيل، الذي تلقفته وسائل الإعلام الأمريكية والصهيونية لتظهره على أنه تأييد لكل ما يفعله صدام. لكن هذا لا يرفع اللوم عن ياسر عرفات الذي لم يتخذ موقفاً واضحاً وحازماً من صدام في فعلته المشينة، بحق شعب يضرب به المثل في مساندة الشعب الفلسطيني منذ العام 1922، فكان أقل ما ينبغي قيام عرفات به بعد فشل الوساطة هو قطع العلاقات مع صدام، لكن فردية صنع القرار وغياب المؤسسية والتقدير غير الدقيق للأمور والانسياق وراء ضرب صدام لإسرائيل وعدم مراعاة مصالح الشعب الفلسطيني الذي يتلقى الدعم الأكبر من الأشقاء في الخليج، كما أسلفنا، وعدم حساب ما ستقوم به آلة الإعلام الصهيوني من تشويه للموقف الفلسطيني، كل ذلك أدى إلى نشوء هذه المشكلة التي تضرر الشعب الفلسطيني من ورائها كثيراً.
وبمرور الزمن، عادت العلاقات الفلسطينية-الخليجية تدريجياً إلى سابق عهدها، فساند الخليجيون ياسر عرفات في محنته الأخيرة، ودعموا جهود محمود عباس لإصلاح وضع السلطة عند توليه أول منصب رئيس وزراء فلسطيني، لكن الموقف الكويتي لايزال متأثراً بالرغم من اعتذار محمود عباس رسمياً، وأجل لقاء معه بطلب من الكويت (الشنطي). إلا أن هذا لم يمنع دول مجلس التعاون، بما فيها الكويت، من مواصلة دعمها للشعب الفلسطيني وقواه السياسية ومؤسساته الاجتماعية وسلطته الوطنية، فقد أعربت دول المجلس عن ترحيبها بفوز حركة حماس في الانتخابات التشريعية الأخيرة ورئاسة الحكومة، وتقديرها لنجاح التجربة الديمقراطية واحترامها لخيار الشعب الفلسطيني. ويبقى سؤال يطرح نفسه: في ظل الرفض الأمريكي-الأوروبي للتعامل مع حماس ما لم تعترف بإسرائيل وتتخلى عن المقاومة وحمل الدول العربية على السلوك نفسه، ومع حرص حماس على إصلاح الوضع الفلسطيني برمته ومعالجة الفساد وإعادة القضية الفلسطينية إلى سابق عهدها بعد مسلسل التنازلات التي تمت منذ مؤتمر مدريد، كيف سيتعامل الخليجيون مع الوضع الفلسطيني؟ هل سيساندون السلطة الفلسطينية بقيادة حماس المنتخبة ديمقراطياً من شعبها كي تحقق طموحاتها وتطبق برنامجها الإصلاحي، وتعيد القضية الفلسطينية إلى خطها الصحيح؟ أم أنهم سيؤجلون التعامل معها إلى أن يلتزموا بالشروط الأمريكية؟ أم أنهم سيمسكون العصا من الوسط، ويحاولون القيام بدور دبلوماسي بين الطرفين؟ هذا ما ستبينه الفترة المقبلة، لكن الخبرة التاريخية أثبتت أن توجه الخليجيين الراسخ هو مساندة القضية الفلسطينية ودعم الشعب الفلسطيني وقيادته دائماً، وليس كما تشير بعض التوقعات إلى أنهم سيقللون من اهتمامهم باطراد (المري)، وتظل تداعيات المتغيرات الدولية مؤقتاً تزول بزوال تأثيرها.

::/fulltext::
::cck::3307::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *