زيارة شيراك للمملكة العربية السعودية.. نحو عالم متعدد الأقطاب

::cck::3308::/cck::
::introtext::

أخفق العالم في إيجاد توازن في توزيع القوى عقب نهاية الحرب الباردة، وتولت الولايات المتحدة صياغة العالم بالقوة والانفراد بقيادته، ولم تستفد من الفترة التي سبقت نهاية الحرب الباردة التي اعتمدت على صياغة مبادرات بعيدة الأمد للاستقرار والنمو والتعاون بين الدول، فأنشأت مؤسسات عديدة تحفظ أمن واستقرار العالم مثل مؤسسات (بريتون وودز) التي أقيمت بعد الحرب العالمية الثانية وكذلك الناتو، وتمكنت هذه المؤسسات وعلى مدار خمسين عاماً من تحقيق إطار عمل مؤسساتي يساعد الولايات المتحدة على صياغة العالم بعيداً عن اللجوء إلى القوة العسكرية.

::/introtext::
::fulltext::

أخفق العالم في إيجاد توازن في توزيع القوى عقب نهاية الحرب الباردة، وتولت الولايات المتحدة صياغة العالم بالقوة والانفراد بقيادته، ولم تستفد من الفترة التي سبقت نهاية الحرب الباردة التي اعتمدت على صياغة مبادرات بعيدة الأمد للاستقرار والنمو والتعاون بين الدول، فأنشأت مؤسسات عديدة تحفظ أمن واستقرار العالم مثل مؤسسات (بريتون وودز) التي أقيمت بعد الحرب العالمية الثانية وكذلك الناتو، وتمكنت هذه المؤسسات وعلى مدار خمسين عاماً من تحقيق إطار عمل مؤسساتي يساعد الولايات المتحدة على صياغة العالم بعيداً عن اللجوء إلى القوة العسكرية.
إن النقاش الذي يدور في العالم حالياً هو بين اتجاه اليسار الذي يرى أن الأمم المتحدة هي البديل الوحيد مقابل سعي يمني إلى ما يسمى تحالف الإرادة. وفي ظل واقع يتطلب استراتيجية تعدد الأقطاب أو الجوانب، خصوصاً في ظل عدد من المتغيرات في العالم منها التحولات الصاخبة نسبياً بين الاقتصادات المتطورة والناشئة لاسيما في الصين والهند بسبب تحول الصناعة إلى العالمية، وهو ما من شأنه أن يمكّن المزيد من الدول على نطاق العالم من المساهمة وفقاً لما لديها من مهارات وإمكانيات.
لقد دخل العالم مرحلة ما بين التعددية التجارية والاتفاقيات الثنائية، وأصبح يعاني حالة من الظلم الاجتماعي المزعوم والحقيقي من الرأسمالية الأنجلوساكسونية حتى من أقرب الأقرباء من أوروبا. فبعدما أعلنت كوندوليزا رايس في جامعة هارفارد عام 1999 انتصار أمريكا في الحرب العالمية الثالثة الباردة مما أهلها لحكم العالم، وقفت في 18 من يناير عام 2006 في جامعة جورج تاون في محاضرة تعترف فيها بعكس ما قالته في جامعة هارفارد عام 1999 بأن أمريكا لم تعد الدولة القطب الأوحد في الأرض، وبالتالي لا تنفرد بالسلطة الدولية التي أخذت تحاول أن تمارسها بعد أحداث 11 سبتمبر عام 2001 من خلال إعلان الحرب العالمية على الإرهاب، وتعترف أيضاً بأنه ثبت منذ النصف الثاني من عام 2004 أن واشنطن أخذت تسبح في فراغ سياسي على المستوى الدولي بعد ظهور تعدد الأقطاب الدولية الذي فرض محدودية القوة المفرطة للولايات المتحدة، وفرض عليها أن تتعايش مع الواقع الجديد إما بالتعاون تارة معها أو بالتنافس تارة أخرى خصوصاً مع الأقطاب الدولية الجديدة التي ظهرت على المسرح الدولي، مثل التكتل الآسيوي بزعامة الصين، واليابان وروسيا إلى جانب التكتل اللاتيني العربي الذي شمل دول العالم الثالث وعقدت قمته في البرازيل. ونجحت هذه التكتلات في إقامة تعددية أقطاب اعترفت بها وزيرة الخارجية الأمريكية، وطلبت التعاون معها من خلال منطق المصالح المتبادلة وليس من خلال القوة المفرطة كما كان سائداً من قبل، فأصبحت أمريكا تتحرك الآن تحت مظلة استراتيجية تعدد الأقطاب الدولية.
شيراك في الرياض
تعاني منطقة الخليج في الوقت الحاضر من العديد من القضايا والملفات الشائكة والعالقة التي تحتاج إلى مجهود وتعاون دولي لمعالجة تلك القضايا ومن بينها الملف النووي الإيراني، وفوز حركة (حماس)، والأزمة اللبنانية وبضمنها الأزمة السورية – اللبنانية، والوضع المتفجر في العراق والمتناقض في السودان.
وجاء التحرك الأمريكي بزيارة رايس إلى بعض الدول العربية من أجل تخويفها من خطر النووي الإيراني والمساهمة في الحصار الاقتصادي المرتقب أو المشاركة في أي عمل تقوم به أمريكا، إلى جانب وقف المساعدات عن حماس لإجبارها على الاعتراف بإسرائيل. إلا أن التحرك الأمريكي قابله تحرك أوروبي تمثل بزيارة الرئيس الفرنسي جاك شيراك للمملكة العربية السعودية، وجاءت هذه الزيارة لتعزز الدور الذي يمكن أن تلعبه السعودية وفرنسا إقليمياً ودولياً.
ففرنسا بثقلها في الاتحاد الأوروبي تشكل مركزاً موجهاً للسياسة الأوروبية وما ينبني عليها من علاقات ومصالح تربط أوروبا بدول العالم. هذا إلى جانب استقلالية السياسة الفرنسية ورفضها السير وفق أهواء القطب الواحد ووقوفها موقفاً جريئاً وواضحاً تجاه العديد من القضايا وتقليص هيمنة الولايات المتحدة على مجلس الأمن خصوصاً في ما يتعلق بقضية غزو الولايات المتحدة للعراق. هذه السياسة جعلت فرنسا تقترب في الكثير من المواقف أو تقف إلى جانب القضايا العربية مما مكنها من الحفاظ على الكثير من مصالحها في العالم العربي مؤهلة إياها أن تكون الشريك الاقتصادي الأقوى في المنطقة وخصوصاً مع دولة تتربع على ربع احتياطي العالم من النفط.
إن زيارة شيراك إلى المملكة العربية السعودية ذات أبعاد عديدة لا تقتصر على البعدين السياسي والاقتصادي فقط، بل تمتد إلى تعزيز الشراكة في جميع المجالات واحتواء التوتر الذي تمر به المنطقة ومحاولة الوصول إلى حلول مناسبة وعادله للكثير من القضايا العالقة والمستجدة. فالدولتان تستغلان الصداقة العريقة بينهما لتشكل قاعدة راسخة لشراكة اقتصادية سياسية بين البلدين ترسخها الزيارات المتبادلة بين زعيمي الدولتين. كما تزامنت زيارة شيراك إلى المملكة مع جهود دولية لعقد ندوات حول ضرورة تعزيز مبدأ تحالف الحضارات، في وقت يشهد الجميع انزلاقاً نحو المواجهة بين الغرب والإسلام، وكان من أبرز هذه الجهود عقد (منتدى تحالف الحضارات) في الدوحة، الذي انتهى ببيان ثلاثي للأمم المتحدة وجامعة الدول العربية والمؤتمر الإسلامي يدعو إلى إنهاء أجواء التحريض واعتماد الحوار بين الحضارات، وفي التوقيت ذاته عقد وزراء خارجية دول الاتحاد الأوروبي اجتماعاً في بروكسل دعوا فيه إلى تعزيز الحوار بين الاتحاد الأوروبي والعديد من دول جنوب المتوسط وشمال إفريقيا والشرق الأوسط ودعم الاجتماع المبادرة التركية – الإسبانية من أجل تحالف الحضارات.
ويأتي هذا التحرك الفرنسي بعد قيام خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبدالعزيز بجولة فاعلة زار فيها الصين والهند وباكستان وهونغ كونغ وماليزيا فسرها بعض المراقبين بأنها بداية نوايا لتحول وجهة المملكة عن الشركاء الغربيين في التجارة نتيجة طبيعة الظروف المحيطة.
البعد الاقتصادي لزيارة شيراك
الجانب الآخر نشرته وكالة الأنباء (رويترز) التي ذكرت بأن الرئيس شيراك يخوض صراعاً ضارياً هذه الأيام من أجل حصول شركات فرنسية على نصيب أكبر من كعكة المشروعات الاقتصادية المتنامية في المملكة العربية السعودية، حيث تتمتع الشركات الأمريكية والبريطانية بموطئ قدم قوية.
وقال دبلوماسي فرنسي للوكالة نفسها (الحصول على عقود من الدولة صاحبة أكبر اقتصاد في العالم العربي قد يساعد الاقتصاد الفرنسي المتعثر في الآونة الأخيرة والذي يعاني من بطء في النمو ومن معدلات بطالة عالية).
وتعتبر فرنسا أن العلاقة الاقتصادية بين البلدين مهمة وتقليدية بحيث تستمد وجودها من الطابع الحيوي الذي يتميز به الاقتصاد السعودي والجهد الاستثنائي في مجال الاستثمارات الحكومية للاستجابة لمتطلبات التطور الاقتصادي والاجتماعي والديموغرافي. لذا تأتي زيارة شيراك تكريساً للشراكة الاستراتيجية بين البلدين خصوصاً أن الزيارة أثمرت عن تطابق في الآراء بجميع القضايا التي تمت معالجتها، وتمت مقاربة الموضوعات بالكثير من التفصيل والتركيز على السلام والاستقرار إقليمياً ودولياً لا سيما اللجوء إلى الدبلوماسية لحل النزاعات.
فالمملكة العربية السعودية تحرص في المجال الدولي على إقامة علاقات متكافئة مع القوى الكبرى التي ارتبطت معها بشبكة من المصالح التي يمكن وصفها بأنها جاءت انعكاساً لدورها المحوري المتنامي في العالمين العربي والإسلامي، وسعت من خلالهما إلى توسيع دائرة التحرك السعودي على صعيد المجتمع الدولي، لذا تحاول المملكة أن تتفاعل مع مراكز الثقل والتأثير في السياسة الدولية آخذة في الحسبان كل ما يترتب على هذه السياسة من تبعات ومسؤوليات، وتنبذ في الوقت ذاته سياسة المحاور والأحلاف التي تخل بالأمن والسلم الدوليين، وتلتزم بمبدأ عدم الانحياز مع الإيمان بحق الشعوب في تقرير المصير وحقها في الدفاع عن النفس.
ونظراً للثقل الذي تمثله السعودية كأحد أكبر المنتجين للنفط، وتمتلك أكبر احتياطي نفطي في العالم فإنها تطبق سياسة متزنة ومتوازنة في مجال إنتاج وتسويق النفط والحرص على استقرار أسواق النفط العالمية.
وتدرك المملكة العربية السعودية أن هناك جبهة مشتركة جديدة بين باريس وواشنطن ضد إيران، وقاد شيراك تنديد أوروبا لتهديد طهران لإسرائيل ولعب دوراً أساسياً في تحويل تحديها النووي إلى مجلس الأمن الدولي.
أما فرنسا عام 2006 فهي دولة مختلفة تماماً من ناحية سياستها الخارجية عما كانت عليه فرنسا التي كانت تريد أن تقود أوروبا ومعظم دول العالم ضد أمريكا عام 2003 خصوصاً بعد مجيء أنجيلا ميركل التي لا تشاطر سلفها شرويدر قوة رغبته في بيع الأسلحة للصين وهو ما دعا فرنسا إلى السلوك نفسه.
ووجدت فرنسا أن دولاً أخرى في الاتحاد الأوروبي تحولت إلى قصص نجاح اقتصادي، وذلك لتبنيها أسلوب السوق الحرة على الطريقة الأمريكية، ما جعل شيراك يتجه حذو تلك الدول في إقامة شراكات جديدة وخصوصاً مع السعودية.
وبدورها المملكة العربية السعودية تتعامل مع جميع دول العالم من منطلق تعدد وجهات النظر والمصالح المشتركة، مما يعزز علاقاتها مع مجموعة كبيرة من دول العالم من دون أن تقيد نفسها بشراكات محددة لتتخلص من التبعية والهيمنة.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::3308::/cck::
::introtext::

أخفق العالم في إيجاد توازن في توزيع القوى عقب نهاية الحرب الباردة، وتولت الولايات المتحدة صياغة العالم بالقوة والانفراد بقيادته، ولم تستفد من الفترة التي سبقت نهاية الحرب الباردة التي اعتمدت على صياغة مبادرات بعيدة الأمد للاستقرار والنمو والتعاون بين الدول، فأنشأت مؤسسات عديدة تحفظ أمن واستقرار العالم مثل مؤسسات (بريتون وودز) التي أقيمت بعد الحرب العالمية الثانية وكذلك الناتو، وتمكنت هذه المؤسسات وعلى مدار خمسين عاماً من تحقيق إطار عمل مؤسساتي يساعد الولايات المتحدة على صياغة العالم بعيداً عن اللجوء إلى القوة العسكرية.

::/introtext::
::fulltext::

أخفق العالم في إيجاد توازن في توزيع القوى عقب نهاية الحرب الباردة، وتولت الولايات المتحدة صياغة العالم بالقوة والانفراد بقيادته، ولم تستفد من الفترة التي سبقت نهاية الحرب الباردة التي اعتمدت على صياغة مبادرات بعيدة الأمد للاستقرار والنمو والتعاون بين الدول، فأنشأت مؤسسات عديدة تحفظ أمن واستقرار العالم مثل مؤسسات (بريتون وودز) التي أقيمت بعد الحرب العالمية الثانية وكذلك الناتو، وتمكنت هذه المؤسسات وعلى مدار خمسين عاماً من تحقيق إطار عمل مؤسساتي يساعد الولايات المتحدة على صياغة العالم بعيداً عن اللجوء إلى القوة العسكرية.
إن النقاش الذي يدور في العالم حالياً هو بين اتجاه اليسار الذي يرى أن الأمم المتحدة هي البديل الوحيد مقابل سعي يمني إلى ما يسمى تحالف الإرادة. وفي ظل واقع يتطلب استراتيجية تعدد الأقطاب أو الجوانب، خصوصاً في ظل عدد من المتغيرات في العالم منها التحولات الصاخبة نسبياً بين الاقتصادات المتطورة والناشئة لاسيما في الصين والهند بسبب تحول الصناعة إلى العالمية، وهو ما من شأنه أن يمكّن المزيد من الدول على نطاق العالم من المساهمة وفقاً لما لديها من مهارات وإمكانيات.
لقد دخل العالم مرحلة ما بين التعددية التجارية والاتفاقيات الثنائية، وأصبح يعاني حالة من الظلم الاجتماعي المزعوم والحقيقي من الرأسمالية الأنجلوساكسونية حتى من أقرب الأقرباء من أوروبا. فبعدما أعلنت كوندوليزا رايس في جامعة هارفارد عام 1999 انتصار أمريكا في الحرب العالمية الثالثة الباردة مما أهلها لحكم العالم، وقفت في 18 من يناير عام 2006 في جامعة جورج تاون في محاضرة تعترف فيها بعكس ما قالته في جامعة هارفارد عام 1999 بأن أمريكا لم تعد الدولة القطب الأوحد في الأرض، وبالتالي لا تنفرد بالسلطة الدولية التي أخذت تحاول أن تمارسها بعد أحداث 11 سبتمبر عام 2001 من خلال إعلان الحرب العالمية على الإرهاب، وتعترف أيضاً بأنه ثبت منذ النصف الثاني من عام 2004 أن واشنطن أخذت تسبح في فراغ سياسي على المستوى الدولي بعد ظهور تعدد الأقطاب الدولية الذي فرض محدودية القوة المفرطة للولايات المتحدة، وفرض عليها أن تتعايش مع الواقع الجديد إما بالتعاون تارة معها أو بالتنافس تارة أخرى خصوصاً مع الأقطاب الدولية الجديدة التي ظهرت على المسرح الدولي، مثل التكتل الآسيوي بزعامة الصين، واليابان وروسيا إلى جانب التكتل اللاتيني العربي الذي شمل دول العالم الثالث وعقدت قمته في البرازيل. ونجحت هذه التكتلات في إقامة تعددية أقطاب اعترفت بها وزيرة الخارجية الأمريكية، وطلبت التعاون معها من خلال منطق المصالح المتبادلة وليس من خلال القوة المفرطة كما كان سائداً من قبل، فأصبحت أمريكا تتحرك الآن تحت مظلة استراتيجية تعدد الأقطاب الدولية.
شيراك في الرياض
تعاني منطقة الخليج في الوقت الحاضر من العديد من القضايا والملفات الشائكة والعالقة التي تحتاج إلى مجهود وتعاون دولي لمعالجة تلك القضايا ومن بينها الملف النووي الإيراني، وفوز حركة (حماس)، والأزمة اللبنانية وبضمنها الأزمة السورية – اللبنانية، والوضع المتفجر في العراق والمتناقض في السودان.
وجاء التحرك الأمريكي بزيارة رايس إلى بعض الدول العربية من أجل تخويفها من خطر النووي الإيراني والمساهمة في الحصار الاقتصادي المرتقب أو المشاركة في أي عمل تقوم به أمريكا، إلى جانب وقف المساعدات عن حماس لإجبارها على الاعتراف بإسرائيل. إلا أن التحرك الأمريكي قابله تحرك أوروبي تمثل بزيارة الرئيس الفرنسي جاك شيراك للمملكة العربية السعودية، وجاءت هذه الزيارة لتعزز الدور الذي يمكن أن تلعبه السعودية وفرنسا إقليمياً ودولياً.
ففرنسا بثقلها في الاتحاد الأوروبي تشكل مركزاً موجهاً للسياسة الأوروبية وما ينبني عليها من علاقات ومصالح تربط أوروبا بدول العالم. هذا إلى جانب استقلالية السياسة الفرنسية ورفضها السير وفق أهواء القطب الواحد ووقوفها موقفاً جريئاً وواضحاً تجاه العديد من القضايا وتقليص هيمنة الولايات المتحدة على مجلس الأمن خصوصاً في ما يتعلق بقضية غزو الولايات المتحدة للعراق. هذه السياسة جعلت فرنسا تقترب في الكثير من المواقف أو تقف إلى جانب القضايا العربية مما مكنها من الحفاظ على الكثير من مصالحها في العالم العربي مؤهلة إياها أن تكون الشريك الاقتصادي الأقوى في المنطقة وخصوصاً مع دولة تتربع على ربع احتياطي العالم من النفط.
إن زيارة شيراك إلى المملكة العربية السعودية ذات أبعاد عديدة لا تقتصر على البعدين السياسي والاقتصادي فقط، بل تمتد إلى تعزيز الشراكة في جميع المجالات واحتواء التوتر الذي تمر به المنطقة ومحاولة الوصول إلى حلول مناسبة وعادله للكثير من القضايا العالقة والمستجدة. فالدولتان تستغلان الصداقة العريقة بينهما لتشكل قاعدة راسخة لشراكة اقتصادية سياسية بين البلدين ترسخها الزيارات المتبادلة بين زعيمي الدولتين. كما تزامنت زيارة شيراك إلى المملكة مع جهود دولية لعقد ندوات حول ضرورة تعزيز مبدأ تحالف الحضارات، في وقت يشهد الجميع انزلاقاً نحو المواجهة بين الغرب والإسلام، وكان من أبرز هذه الجهود عقد (منتدى تحالف الحضارات) في الدوحة، الذي انتهى ببيان ثلاثي للأمم المتحدة وجامعة الدول العربية والمؤتمر الإسلامي يدعو إلى إنهاء أجواء التحريض واعتماد الحوار بين الحضارات، وفي التوقيت ذاته عقد وزراء خارجية دول الاتحاد الأوروبي اجتماعاً في بروكسل دعوا فيه إلى تعزيز الحوار بين الاتحاد الأوروبي والعديد من دول جنوب المتوسط وشمال إفريقيا والشرق الأوسط ودعم الاجتماع المبادرة التركية – الإسبانية من أجل تحالف الحضارات.
ويأتي هذا التحرك الفرنسي بعد قيام خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبدالعزيز بجولة فاعلة زار فيها الصين والهند وباكستان وهونغ كونغ وماليزيا فسرها بعض المراقبين بأنها بداية نوايا لتحول وجهة المملكة عن الشركاء الغربيين في التجارة نتيجة طبيعة الظروف المحيطة.
البعد الاقتصادي لزيارة شيراك
الجانب الآخر نشرته وكالة الأنباء (رويترز) التي ذكرت بأن الرئيس شيراك يخوض صراعاً ضارياً هذه الأيام من أجل حصول شركات فرنسية على نصيب أكبر من كعكة المشروعات الاقتصادية المتنامية في المملكة العربية السعودية، حيث تتمتع الشركات الأمريكية والبريطانية بموطئ قدم قوية.
وقال دبلوماسي فرنسي للوكالة نفسها (الحصول على عقود من الدولة صاحبة أكبر اقتصاد في العالم العربي قد يساعد الاقتصاد الفرنسي المتعثر في الآونة الأخيرة والذي يعاني من بطء في النمو ومن معدلات بطالة عالية).
وتعتبر فرنسا أن العلاقة الاقتصادية بين البلدين مهمة وتقليدية بحيث تستمد وجودها من الطابع الحيوي الذي يتميز به الاقتصاد السعودي والجهد الاستثنائي في مجال الاستثمارات الحكومية للاستجابة لمتطلبات التطور الاقتصادي والاجتماعي والديموغرافي. لذا تأتي زيارة شيراك تكريساً للشراكة الاستراتيجية بين البلدين خصوصاً أن الزيارة أثمرت عن تطابق في الآراء بجميع القضايا التي تمت معالجتها، وتمت مقاربة الموضوعات بالكثير من التفصيل والتركيز على السلام والاستقرار إقليمياً ودولياً لا سيما اللجوء إلى الدبلوماسية لحل النزاعات.
فالمملكة العربية السعودية تحرص في المجال الدولي على إقامة علاقات متكافئة مع القوى الكبرى التي ارتبطت معها بشبكة من المصالح التي يمكن وصفها بأنها جاءت انعكاساً لدورها المحوري المتنامي في العالمين العربي والإسلامي، وسعت من خلالهما إلى توسيع دائرة التحرك السعودي على صعيد المجتمع الدولي، لذا تحاول المملكة أن تتفاعل مع مراكز الثقل والتأثير في السياسة الدولية آخذة في الحسبان كل ما يترتب على هذه السياسة من تبعات ومسؤوليات، وتنبذ في الوقت ذاته سياسة المحاور والأحلاف التي تخل بالأمن والسلم الدوليين، وتلتزم بمبدأ عدم الانحياز مع الإيمان بحق الشعوب في تقرير المصير وحقها في الدفاع عن النفس.
ونظراً للثقل الذي تمثله السعودية كأحد أكبر المنتجين للنفط، وتمتلك أكبر احتياطي نفطي في العالم فإنها تطبق سياسة متزنة ومتوازنة في مجال إنتاج وتسويق النفط والحرص على استقرار أسواق النفط العالمية.
وتدرك المملكة العربية السعودية أن هناك جبهة مشتركة جديدة بين باريس وواشنطن ضد إيران، وقاد شيراك تنديد أوروبا لتهديد طهران لإسرائيل ولعب دوراً أساسياً في تحويل تحديها النووي إلى مجلس الأمن الدولي.
أما فرنسا عام 2006 فهي دولة مختلفة تماماً من ناحية سياستها الخارجية عما كانت عليه فرنسا التي كانت تريد أن تقود أوروبا ومعظم دول العالم ضد أمريكا عام 2003 خصوصاً بعد مجيء أنجيلا ميركل التي لا تشاطر سلفها شرويدر قوة رغبته في بيع الأسلحة للصين وهو ما دعا فرنسا إلى السلوك نفسه.
ووجدت فرنسا أن دولاً أخرى في الاتحاد الأوروبي تحولت إلى قصص نجاح اقتصادي، وذلك لتبنيها أسلوب السوق الحرة على الطريقة الأمريكية، ما جعل شيراك يتجه حذو تلك الدول في إقامة شراكات جديدة وخصوصاً مع السعودية.
وبدورها المملكة العربية السعودية تتعامل مع جميع دول العالم من منطلق تعدد وجهات النظر والمصالح المشتركة، مما يعزز علاقاتها مع مجموعة كبيرة من دول العالم من دون أن تقيد نفسها بشراكات محددة لتتخلص من التبعية والهيمنة.

::/fulltext::
::cck::3308::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *