الحاجة إلى تصحيح الاستراتيجية المتبعة في أفغانستان
::cck::3060::/cck::
::introtext::
تدل زيارة وزير الدفاع الأمريكي روبرت غيتس إلى باكستان على حجم القلق الذي يسود أوساط قوات التحالف الغربية حول الوضع المتدهور في أفغانستان. فقد كشفت المقاومة في أفغانستان مؤخراً عن أشد وجوهها دموية منذ إسقاط نظام طالبان في عام 2001، وهي تمثل اليوم قنبلة موقوتة تنذر بانهيار السياسات الأمريكية في أفغانستان. وكانت لتداعيات السياسة الأمريكية المنتهجة بشأن العراق آثار ملموسة في كل أنحاء المنطقة، وخاصة في أفغانستان التي شنت فيها فلول قوات طالبان سلسلة من الهجمات ضد القوات التي تتألف منها قوة المساعدة الأمنية الدولية (إيساف).
::/introtext::
::fulltext::
تدل زيارة وزير الدفاع الأمريكي روبرت غيتس إلى باكستان على حجم القلق الذي يسود أوساط قوات التحالف الغربية حول الوضع المتدهور في أفغانستان. فقد كشفت المقاومة في أفغانستان مؤخراً عن أشد وجوهها دموية منذ إسقاط نظام طالبان في عام 2001، وهي تمثل اليوم قنبلة موقوتة تنذر بانهيار السياسات الأمريكية في أفغانستان. وكانت لتداعيات السياسة الأمريكية المنتهجة بشأن العراق آثار ملموسة في كل أنحاء المنطقة، وخاصة في أفغانستان التي شنت فيها فلول قوات طالبان سلسلة من الهجمات ضد القوات التي تتألف منها قوة المساعدة الأمنية الدولية (إيساف).
ثمة حقيقة واضحة، وهي أن الحالة الأفغانية تُعَد اختباراً لمدى صدقية حلف شمالي الأطلسي (الناتو). فقوة المساعدة الأمنية الدولية (إيساف) التابعة للحلف، والمجهزة جيداً وقوامها خمسة وثلاثون ألف فرد، والتي تنتشر حالياً في أفغانستان، تحاول جاهدة استباق أي هجوم طالباني مؤثر خلال أشهر الربيع المقبلة. وستلي زيارة الوزير الأمريكي غيتس إلى باكستان زيارة أخرى سيقوم بها الأمين العام لحلف الناتو ياب دي هوب شيفر إلى باكستان خلال الأسابيع المقبلة. وبينما تدرك القيادة العليا لحلف الناتو الصعوبات الماثلة في هذا الصدد وتعمل على تنسيق استراتيجيتها في أفغانستان مع باكستان المجاورة لها، هناك حاجة إلى مراجعة السياسات المتبعة حالياً في أفغانستان.
لقد اعترف وزير الدفاع الأمريكي روبرت غيتس بأن الولايات المتحدة ارتكبت خطأً عندما أهملت الشأن الأفغاني بعد انسحاب الاتحاد السوفييتي السابق من هذا البلد. وأدى ذلك الفراغ إلى نمو بؤر التطرف في أفغانستان، والتي انطلقت منها هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001. وكان الخطأ الفادح الذي ارتكبته الولايات المتحدة أنها لم تستثمر حجم التعاطف والنيات الحسنة الهائل الذي عبرت عنه مختلف المجموعات والحركات الجهادية في أفغانستان في ذلك الوقت تجاه الغرب والولايات المتحدة لكي تنفذ برنامجاً ضخماً لإعادة الإعمار الاقتصادي في هذا البلد الذي دمرته الحرب، وإنما تركت الفصائل المتحاربة تتقاتل وتعمل على ترسيخ قواعد قوتها الفردية، وكان الهدف من هذه السياسة هو استنـزاف أسلحة هذه الفصائل، وبالتالي التخلص مما لديها من ترسانة القوة المسلحة المؤثرة.
غير أن الولايات المتحدة ترتكب الآن خطأً آخر بمساعدتها لحركة طالبان على التحول إلى قوة تحرير وطنية، وذلك بدعم أمريكا للحكومة القائمة في كابول التي تهيمن عليها أقلية تُسمى التحالف الشمالي. وعلى الرغم من أن الرئيس حامد كرزاي ينتمي إلى عرقية البشتون، فإن البشتون أنفسهم مهمشون بقدر كبير في الحكومة الأفغانية. وهناك إحساس بأن جهود إعادة الإعمار لم تتطور على النحو الفاعل، وذلك بسبب ضعف أداء الحكومة المركزية التي لم تستطع بسط وإحكام سيطرتها الفاعلة على أنحاء البلاد.
إن الولايات المتحدة بحاجة إلى إصلاح هذا الخلل الذي ظل يمثل الآليات الاستراتيجية التي تحكم سيناريو التطور السياسي في أفغانستان. وقد ارتكبت الولايات المتحدة خطأً كبيراً بتهميشها للبشتون وتنفيرها لهم، فهم قوم معروفون بقوة العزيمة والشكيمة والإقدام في صد أي قوة احتلال أجنبية. ومن المعروف أن أغلبية الأفغان، وخاصة البشتون، ينظرون إلى وجود القوات الغربية على أرض بلادهم على أساس أنه شبيه بالاحتلال السوفييتي، وهم يرون أن قوات الدول الغربية دخلت أفغانستان كقوات احتلال وليست كقوات تحرير. وأدى هذا الابتعاد إلى لجوء البشتون إلى تقديم الدعم غير المباشر لقوات طالبان، لأنها تقف في واجهة قيادة المقاومة ضد القوات الغربية والحكومة الأفغانية المدعومة من الغرب.
وتتضمن التدابير الفورية التي ينبغي للولايات المتحدة اتخاذها لمعالجة هذا الوضع ما يلي:
1- التمييز بين عناصر طالبان المتشددة ذات الارتباطات المحتملة بتنظيم القاعدة من جهة والأغلبية العظمى من البشتون الذين يخوضون حرب مقاومة حقيقية، ولكنهم قد يقومون بدعم طالبان ضمن ما يرونه من حاجة إلى تشكيل تحالفات ضد القوات الأجنبية الموجودة على أراضي بلادهم.
2- مراجعة وإعادة هيكلة الإصلاحات الاجتماعية الرئيسية طبقاً لرؤاهم لكي لا تثير حفيظة وغضب مجتمع البشتون التقليدي، فكلما زادت محاولات الغربيين فرض أجندتهم الذاتية على هذا المجتمع المحافظ، أدى ذلك إلى المزيد من دفع الشعب الأفغاني نحو التعاطف مع طالبان ودعمها.
3- إضافة إلى ذلك، فإن البشتون بحاجة إلى التعامل معهم بصورة منصفة في ترتيبات تقاسم السلطة في الحكومة بدلاً من الإصرار على عزلهم ومعاقبتهم. ويمكن القيام بذلك طبقاً لنظام تقليدي معروف في أوساط قبائل البشتون (يتم بموجبه تقاسم السلطة طبقاً للتمثيل النسبي للقبائل وفروعها وأفخاذها، كل بحسب حجمه ويُسمى (نيكت Nikat بلغة البشتون). وكان هذا النظام التقليدي يعمل بصورة جيدة في عصور ما قبل الغزو السوفييتي لأفغانستان.
4- تتمثل المشكلات الكبرى التي تواجهها أفغانستان حالياً بالافتقار إلى المؤسسات القوية الراسخة وغياب الحكومة المركزية الفاعلة، وتفشي الفساد واستمرار إنتاج المخدرات بكميات ضخمة تكرس بدورها الدائرة المفرغة وتغذي المقاومة، وفوق كل ذلك، عدم وجود مؤسسة عسكرية وطنية قوية. بيد أن إنشاء مؤسسة عسكرية قوية لن يتحقق إلا في ظل وجود حكومة قوية، ولن يُقدِم أبناء الشعب على التطوع للتجنيد في هذه القوة العسكرية الوطنية من تلقاء نفسهم إلا إذا شعروا بأنهم بالتحاقهم بهذه القوة سوف يمثلون حكومة أفغانية حقيقية، وليس مجرد نظام ضعيف لا يستطيع البقاء في سدة الحكم إلا بالاعتماد على القوات الأجنبية.
5- إن من الضروري لنجاح أي سياسة استراتيجية في أفغانستان أن تتفهم النظام القبلي القائم وتعمل في إطاره.
6- هنالك إجراء آخر فائق الأهمية، وهو ضرورة إعادة توطين ثلاثة ملايين لاجئ أفغاني يعيشون في باكستان حالياً وتمكينهم من العودة للعيش في بلادهم على الفور، حيث لا تستطيع باكستان، بل ينبغي ألا ننتظر منها أن تتحمل هذه المسؤولية منفردة.
لقد أكد الرئيس برويز مشرف، خلال زيارة وزير الدفاع الأمريكي روبرت غيتس، التزام باكستان بالقضية المطروحة، غير أنه طلب المساعدة من أجل تنسيق وصياغة إطار استراتيجي واسع يمكن أن تنصب الجهود الجماعية المشتركة فيه، على ألا يقتصر هذا الجهد على باكستان فقط، وإنما يجب أن يتم بمساهمة فاعلة من الحكومة الأفغانية والقوات الأمريكية وقوة المساعدة الأمنية الدولية (إيساف). إن لباكستان دوراً مهماً في إعادة إعمار أفغانستان. وكانت هناك اتهامات بأن عناصر معينة داخل باكستان تحرض فلول طالبان على المقاومة وتوفر لها المأوى الآمن وتمدها بالموارد والإمكانيات اللازمة، غير أن الحقيقة تقول إن باكستان فقدت سبعمائة جندي من ضباط وأفراد قواتها المسلحة الذين يقاتلون فلول طالبان والقاعدة في المناطق الحدودية المتاخمة لأفغانستان. وكانت المعاهدة القبلية التي توصلت إليها الحكومة الباكستانية مع أعيان قبائل منطقة وزيرستان في سبتمبر 2006 مهمة، لأنها أسندت المسؤولية إلى أعيان القبائل لحماية مصالحهم ومراعاة مصالح البلاد العليا، وتشمل تلك الاتفاقية مراقبة كل التحركات التي تقوم بها عناصر أجنبية في تلك المنطقة.
وفي مواجهة الانتقادات المتواصلة من قبل الحكومة الأفغانية، اقترحت باكستان زرع الألغام وإنشاء سور على امتداد حدودها الممتدة مع أفغانستان، والتي يبلغ طولها 1400 ميل. ولكن، بعد اعتراضات على هذا الاقتراح، قررت باكستان اللجوء إلى تسوير مناطق معينة من الحدود لتحسين مستوى مراقبة عبور الحدود من قبل فلول طالبان والقاعدة. واعترف الرئيس مشرف مؤخراً بأنه نظراً للصعوبات التي تواجهها القوات والأجهزة الأمنية الباكستانية في مراقبة الحدود، فإن من المحتمل أن تكون فلول طالبان قد استغلت هذا الوضع. وعلى الرغم من أن باكستان قد أنشأت 980 مركزاً أمنياً وقامت بنشر أكثر من ثمانين ألفاً من قواتها على حدودها مع أفغانستان، فإنها لا تستطيع ضمان عدم وقوع أي انتهاكات لعبور هذه الحدود الشاسعة.
وأخيراً، فإن تبعات السياسات الأمريكية في العراق كان لها تأثير واسع النطاق، حيث انتشرت انعكاساتها عبر أنحاء المنطقة بأكملها، وكان منها تقليد بعض تكتيكات خوض هذا الصراع وتبنيها في أفغانستان. فمن جهة، أدت السياسة الأمريكية إلى إثارة صراع قبلي استغلته عناصر تنظيم القاعدة واستفادت منه. ومن جهة ثانية، لقد أصبحت أفغانستان، ومن بعدها باكستان بصورة متزايدة، هدفاً لعدد من الهجمات الانتحارية، وهي ظاهرة جديدة، لم يكن لها أي وجود حتى خلال فترة الغزو السوفييتي لأفغانستان. كما أن استخدام (التوليفات) والقنابل البدائية في التفجيرات يُعَد تطوراً جديداً، وإن تزايد معدلات هذه التكتيكات يعود إلى فاعليتها وتأثيرها الكبيرين. وسواء نبعت هذه الأنشطة من منطلقات وقناعات دينية أو أنها كانت لمجرد حماية شرف القبيلة وصون هيبتها أو كانت وليدة الشعور العام بالإحباط والفقر المدقع، فإن المجتمع الأفغاني أصبح راديكالياً ومتطرفاً إلى الحد الذي سهّل على قادة التمرد الحصول على العدد الكافي من الأشخاص المستعدين لتنفيذ الهجمات الانتحارية الناجحة والمؤثرة.
أخيراً إن المسار الذي تنتهجه الولايات المتحدة وقوات المساعدة الأمنية الدولية (إيساف) في أفغانستان أصبح مشوباً بخطر الوقوع في براثن مأزق عميق لا يمكن الخروج منه إلا بمراجعة جماعية للسياسات والاستراتيجية المتبعة حالياً. وهناك حاجة ماسة إلى الانعتاق من أسر هذه السياسة السلبية على نحو لا يؤدي إلى تنفير قبائل البشتون وتهميشهم، وإنما ينبغي العمل على استيعابهم ضمن نظام مركزي يستطيع الاعتماد على نفسه في الاستمرار، ولا يكون معتمداً فقط على الدعم الذي تقدمه له القوات الغربية من أجل البقاء. علاوة على ذلك، فإن القوات الغربية بحاجة إلى معالجة قضية إقامة حكومة مركزية قوية في أفغانستان وتنفيذ آلية أمنية جماعية بتعاون تام من الحكومتين الباكستانية والأفغانية، وذلك للوقوف في وجه فلول طالبان والعناصر الإرهابية الأخرى.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::3060::/cck::
::introtext::
تدل زيارة وزير الدفاع الأمريكي روبرت غيتس إلى باكستان على حجم القلق الذي يسود أوساط قوات التحالف الغربية حول الوضع المتدهور في أفغانستان. فقد كشفت المقاومة في أفغانستان مؤخراً عن أشد وجوهها دموية منذ إسقاط نظام طالبان في عام 2001، وهي تمثل اليوم قنبلة موقوتة تنذر بانهيار السياسات الأمريكية في أفغانستان. وكانت لتداعيات السياسة الأمريكية المنتهجة بشأن العراق آثار ملموسة في كل أنحاء المنطقة، وخاصة في أفغانستان التي شنت فيها فلول قوات طالبان سلسلة من الهجمات ضد القوات التي تتألف منها قوة المساعدة الأمنية الدولية (إيساف).
::/introtext::
::fulltext::
تدل زيارة وزير الدفاع الأمريكي روبرت غيتس إلى باكستان على حجم القلق الذي يسود أوساط قوات التحالف الغربية حول الوضع المتدهور في أفغانستان. فقد كشفت المقاومة في أفغانستان مؤخراً عن أشد وجوهها دموية منذ إسقاط نظام طالبان في عام 2001، وهي تمثل اليوم قنبلة موقوتة تنذر بانهيار السياسات الأمريكية في أفغانستان. وكانت لتداعيات السياسة الأمريكية المنتهجة بشأن العراق آثار ملموسة في كل أنحاء المنطقة، وخاصة في أفغانستان التي شنت فيها فلول قوات طالبان سلسلة من الهجمات ضد القوات التي تتألف منها قوة المساعدة الأمنية الدولية (إيساف).
ثمة حقيقة واضحة، وهي أن الحالة الأفغانية تُعَد اختباراً لمدى صدقية حلف شمالي الأطلسي (الناتو). فقوة المساعدة الأمنية الدولية (إيساف) التابعة للحلف، والمجهزة جيداً وقوامها خمسة وثلاثون ألف فرد، والتي تنتشر حالياً في أفغانستان، تحاول جاهدة استباق أي هجوم طالباني مؤثر خلال أشهر الربيع المقبلة. وستلي زيارة الوزير الأمريكي غيتس إلى باكستان زيارة أخرى سيقوم بها الأمين العام لحلف الناتو ياب دي هوب شيفر إلى باكستان خلال الأسابيع المقبلة. وبينما تدرك القيادة العليا لحلف الناتو الصعوبات الماثلة في هذا الصدد وتعمل على تنسيق استراتيجيتها في أفغانستان مع باكستان المجاورة لها، هناك حاجة إلى مراجعة السياسات المتبعة حالياً في أفغانستان.
لقد اعترف وزير الدفاع الأمريكي روبرت غيتس بأن الولايات المتحدة ارتكبت خطأً عندما أهملت الشأن الأفغاني بعد انسحاب الاتحاد السوفييتي السابق من هذا البلد. وأدى ذلك الفراغ إلى نمو بؤر التطرف في أفغانستان، والتي انطلقت منها هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001. وكان الخطأ الفادح الذي ارتكبته الولايات المتحدة أنها لم تستثمر حجم التعاطف والنيات الحسنة الهائل الذي عبرت عنه مختلف المجموعات والحركات الجهادية في أفغانستان في ذلك الوقت تجاه الغرب والولايات المتحدة لكي تنفذ برنامجاً ضخماً لإعادة الإعمار الاقتصادي في هذا البلد الذي دمرته الحرب، وإنما تركت الفصائل المتحاربة تتقاتل وتعمل على ترسيخ قواعد قوتها الفردية، وكان الهدف من هذه السياسة هو استنـزاف أسلحة هذه الفصائل، وبالتالي التخلص مما لديها من ترسانة القوة المسلحة المؤثرة.
غير أن الولايات المتحدة ترتكب الآن خطأً آخر بمساعدتها لحركة طالبان على التحول إلى قوة تحرير وطنية، وذلك بدعم أمريكا للحكومة القائمة في كابول التي تهيمن عليها أقلية تُسمى التحالف الشمالي. وعلى الرغم من أن الرئيس حامد كرزاي ينتمي إلى عرقية البشتون، فإن البشتون أنفسهم مهمشون بقدر كبير في الحكومة الأفغانية. وهناك إحساس بأن جهود إعادة الإعمار لم تتطور على النحو الفاعل، وذلك بسبب ضعف أداء الحكومة المركزية التي لم تستطع بسط وإحكام سيطرتها الفاعلة على أنحاء البلاد.
إن الولايات المتحدة بحاجة إلى إصلاح هذا الخلل الذي ظل يمثل الآليات الاستراتيجية التي تحكم سيناريو التطور السياسي في أفغانستان. وقد ارتكبت الولايات المتحدة خطأً كبيراً بتهميشها للبشتون وتنفيرها لهم، فهم قوم معروفون بقوة العزيمة والشكيمة والإقدام في صد أي قوة احتلال أجنبية. ومن المعروف أن أغلبية الأفغان، وخاصة البشتون، ينظرون إلى وجود القوات الغربية على أرض بلادهم على أساس أنه شبيه بالاحتلال السوفييتي، وهم يرون أن قوات الدول الغربية دخلت أفغانستان كقوات احتلال وليست كقوات تحرير. وأدى هذا الابتعاد إلى لجوء البشتون إلى تقديم الدعم غير المباشر لقوات طالبان، لأنها تقف في واجهة قيادة المقاومة ضد القوات الغربية والحكومة الأفغانية المدعومة من الغرب.
وتتضمن التدابير الفورية التي ينبغي للولايات المتحدة اتخاذها لمعالجة هذا الوضع ما يلي:
1- التمييز بين عناصر طالبان المتشددة ذات الارتباطات المحتملة بتنظيم القاعدة من جهة والأغلبية العظمى من البشتون الذين يخوضون حرب مقاومة حقيقية، ولكنهم قد يقومون بدعم طالبان ضمن ما يرونه من حاجة إلى تشكيل تحالفات ضد القوات الأجنبية الموجودة على أراضي بلادهم.
2- مراجعة وإعادة هيكلة الإصلاحات الاجتماعية الرئيسية طبقاً لرؤاهم لكي لا تثير حفيظة وغضب مجتمع البشتون التقليدي، فكلما زادت محاولات الغربيين فرض أجندتهم الذاتية على هذا المجتمع المحافظ، أدى ذلك إلى المزيد من دفع الشعب الأفغاني نحو التعاطف مع طالبان ودعمها.
3- إضافة إلى ذلك، فإن البشتون بحاجة إلى التعامل معهم بصورة منصفة في ترتيبات تقاسم السلطة في الحكومة بدلاً من الإصرار على عزلهم ومعاقبتهم. ويمكن القيام بذلك طبقاً لنظام تقليدي معروف في أوساط قبائل البشتون (يتم بموجبه تقاسم السلطة طبقاً للتمثيل النسبي للقبائل وفروعها وأفخاذها، كل بحسب حجمه ويُسمى (نيكت Nikat بلغة البشتون). وكان هذا النظام التقليدي يعمل بصورة جيدة في عصور ما قبل الغزو السوفييتي لأفغانستان.
4- تتمثل المشكلات الكبرى التي تواجهها أفغانستان حالياً بالافتقار إلى المؤسسات القوية الراسخة وغياب الحكومة المركزية الفاعلة، وتفشي الفساد واستمرار إنتاج المخدرات بكميات ضخمة تكرس بدورها الدائرة المفرغة وتغذي المقاومة، وفوق كل ذلك، عدم وجود مؤسسة عسكرية وطنية قوية. بيد أن إنشاء مؤسسة عسكرية قوية لن يتحقق إلا في ظل وجود حكومة قوية، ولن يُقدِم أبناء الشعب على التطوع للتجنيد في هذه القوة العسكرية الوطنية من تلقاء نفسهم إلا إذا شعروا بأنهم بالتحاقهم بهذه القوة سوف يمثلون حكومة أفغانية حقيقية، وليس مجرد نظام ضعيف لا يستطيع البقاء في سدة الحكم إلا بالاعتماد على القوات الأجنبية.
5- إن من الضروري لنجاح أي سياسة استراتيجية في أفغانستان أن تتفهم النظام القبلي القائم وتعمل في إطاره.
6- هنالك إجراء آخر فائق الأهمية، وهو ضرورة إعادة توطين ثلاثة ملايين لاجئ أفغاني يعيشون في باكستان حالياً وتمكينهم من العودة للعيش في بلادهم على الفور، حيث لا تستطيع باكستان، بل ينبغي ألا ننتظر منها أن تتحمل هذه المسؤولية منفردة.
لقد أكد الرئيس برويز مشرف، خلال زيارة وزير الدفاع الأمريكي روبرت غيتس، التزام باكستان بالقضية المطروحة، غير أنه طلب المساعدة من أجل تنسيق وصياغة إطار استراتيجي واسع يمكن أن تنصب الجهود الجماعية المشتركة فيه، على ألا يقتصر هذا الجهد على باكستان فقط، وإنما يجب أن يتم بمساهمة فاعلة من الحكومة الأفغانية والقوات الأمريكية وقوة المساعدة الأمنية الدولية (إيساف). إن لباكستان دوراً مهماً في إعادة إعمار أفغانستان. وكانت هناك اتهامات بأن عناصر معينة داخل باكستان تحرض فلول طالبان على المقاومة وتوفر لها المأوى الآمن وتمدها بالموارد والإمكانيات اللازمة، غير أن الحقيقة تقول إن باكستان فقدت سبعمائة جندي من ضباط وأفراد قواتها المسلحة الذين يقاتلون فلول طالبان والقاعدة في المناطق الحدودية المتاخمة لأفغانستان. وكانت المعاهدة القبلية التي توصلت إليها الحكومة الباكستانية مع أعيان قبائل منطقة وزيرستان في سبتمبر 2006 مهمة، لأنها أسندت المسؤولية إلى أعيان القبائل لحماية مصالحهم ومراعاة مصالح البلاد العليا، وتشمل تلك الاتفاقية مراقبة كل التحركات التي تقوم بها عناصر أجنبية في تلك المنطقة.
وفي مواجهة الانتقادات المتواصلة من قبل الحكومة الأفغانية، اقترحت باكستان زرع الألغام وإنشاء سور على امتداد حدودها الممتدة مع أفغانستان، والتي يبلغ طولها 1400 ميل. ولكن، بعد اعتراضات على هذا الاقتراح، قررت باكستان اللجوء إلى تسوير مناطق معينة من الحدود لتحسين مستوى مراقبة عبور الحدود من قبل فلول طالبان والقاعدة. واعترف الرئيس مشرف مؤخراً بأنه نظراً للصعوبات التي تواجهها القوات والأجهزة الأمنية الباكستانية في مراقبة الحدود، فإن من المحتمل أن تكون فلول طالبان قد استغلت هذا الوضع. وعلى الرغم من أن باكستان قد أنشأت 980 مركزاً أمنياً وقامت بنشر أكثر من ثمانين ألفاً من قواتها على حدودها مع أفغانستان، فإنها لا تستطيع ضمان عدم وقوع أي انتهاكات لعبور هذه الحدود الشاسعة.
وأخيراً، فإن تبعات السياسات الأمريكية في العراق كان لها تأثير واسع النطاق، حيث انتشرت انعكاساتها عبر أنحاء المنطقة بأكملها، وكان منها تقليد بعض تكتيكات خوض هذا الصراع وتبنيها في أفغانستان. فمن جهة، أدت السياسة الأمريكية إلى إثارة صراع قبلي استغلته عناصر تنظيم القاعدة واستفادت منه. ومن جهة ثانية، لقد أصبحت أفغانستان، ومن بعدها باكستان بصورة متزايدة، هدفاً لعدد من الهجمات الانتحارية، وهي ظاهرة جديدة، لم يكن لها أي وجود حتى خلال فترة الغزو السوفييتي لأفغانستان. كما أن استخدام (التوليفات) والقنابل البدائية في التفجيرات يُعَد تطوراً جديداً، وإن تزايد معدلات هذه التكتيكات يعود إلى فاعليتها وتأثيرها الكبيرين. وسواء نبعت هذه الأنشطة من منطلقات وقناعات دينية أو أنها كانت لمجرد حماية شرف القبيلة وصون هيبتها أو كانت وليدة الشعور العام بالإحباط والفقر المدقع، فإن المجتمع الأفغاني أصبح راديكالياً ومتطرفاً إلى الحد الذي سهّل على قادة التمرد الحصول على العدد الكافي من الأشخاص المستعدين لتنفيذ الهجمات الانتحارية الناجحة والمؤثرة.
أخيراً إن المسار الذي تنتهجه الولايات المتحدة وقوات المساعدة الأمنية الدولية (إيساف) في أفغانستان أصبح مشوباً بخطر الوقوع في براثن مأزق عميق لا يمكن الخروج منه إلا بمراجعة جماعية للسياسات والاستراتيجية المتبعة حالياً. وهناك حاجة ماسة إلى الانعتاق من أسر هذه السياسة السلبية على نحو لا يؤدي إلى تنفير قبائل البشتون وتهميشهم، وإنما ينبغي العمل على استيعابهم ضمن نظام مركزي يستطيع الاعتماد على نفسه في الاستمرار، ولا يكون معتمداً فقط على الدعم الذي تقدمه له القوات الغربية من أجل البقاء. علاوة على ذلك، فإن القوات الغربية بحاجة إلى معالجة قضية إقامة حكومة مركزية قوية في أفغانستان وتنفيذ آلية أمنية جماعية بتعاون تام من الحكومتين الباكستانية والأفغانية، وذلك للوقوف في وجه فلول طالبان والعناصر الإرهابية الأخرى.
::/fulltext::
::cck::3060::/cck::
