في ضوء الحرب العالمية على الإرهاب: كيف ينظر المستشرقون الجدد إلى الإسلام السياسي المعاصر؟
::cck::2723::/cck::
::introtext::
يعيش عالمنا المعاصر إثر أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 حرباً شعواء على الإرهاب، وهي حرب بقدر ما كانت ميدانية لاحقت الولايات المتحدة الأمريكية والدول المنخرطة في سياساتها خلاياها وتكويناتها المنتشرة في غير مكان من العالم، كانت أيضاً (حرب أفكار)، على حد وصف وزير الدفاع الأمريكي المستقيل دونالد رامسفيلد، ما يعني أن النظر الفكري له أهميته في خطابات الجماعات التي توصف بأنها إرهابية، بينما توصف من قبل باحثين غربيين آخرين بأنها تشكيلات إسلامية تتخذ اليوم اسم (الإسلاموية).
::/introtext::
::fulltext::
يعيش عالمنا المعاصر إثر أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 حرباً شعواء على الإرهاب، وهي حرب بقدر ما كانت ميدانية لاحقت الولايات المتحدة الأمريكية والدول المنخرطة في سياساتها خلاياها وتكويناتها المنتشرة في غير مكان من العالم، كانت أيضاً (حرب أفكار)، على حد وصف وزير الدفاع الأمريكي المستقيل دونالد رامسفيلد، ما يعني أن النظر الفكري له أهميته في خطابات الجماعات التي توصف بأنها إرهابية، بينما توصف من قبل باحثين غربيين آخرين بأنها تشكيلات إسلامية تتخذ اليوم اسم (الإسلاموية).
كانت التغيرات التي طرأت على الممارسات والخطابات الإسلامية في عقد التسعينات قد أدّت ببعض الملاحظين إلى صنع مقولة (ما بعد الإسلاموية). وبصفتها نعتاً لعهد أيديولوجي جديد في بلاد الإسلام، تحيل هذه المقولة، في نظرهم، إلى سلسلة من المنظومات والفعاليات التي انتهت إلى التخلي عن المشروع الأول للحركة الإسلامية وفكرة بناء الدولة الإسلامية على الخصوص. فبروز مثقفين إسلاميين جدد بفضل تطور أدوات الاتصال وظهور خطابات تمجِّد النجاح الفردي وقيم اقتصاد السوق تدلُّ عندهم على أفول الإسلام السياسي لصالح (تأسلُم) المجتمعات بأشكال جديدة أكثر ثراء.
أنْ تكون هذه الظواهر الناتجة في بعض مظاهرها عن العولمة أو المواكبة لها، فهذا مما لاشك فيه. أما أن تُفسِّر مقولة (ما بعد الإسلاموية) كل الظواهر الدينية والسياسية الحالية في العالم الإسلامي فهو شيء غير مؤكَّد بالمرَّة، بل إن عموميتها من شأنها أن تخفي ما يمتاز به مسار المجتمعات الإسلامية من تعقيد وازدواجية. ولكن كيف ولد هذا المفهوم؟ وما هي أنماطه؟ وما علاقته بالاستشراق؟ هذه الأسئلة وغيرها توجَّهنا بها إلى الباحث الفرنسي آلان روسيون، المتخصص في الإسلاميات المعاصرة، والمدير في (مركز الدراسات والوثائق الاقتصادية والقانونية والاجتماعية) بالقاهرة، والذي حاورناه في بيروت على هامش ورشة العمل الفكرية التي عقدت في بيروت تحت رعاية معهد السلام الأمريكي وبالتعاون مع مؤسسة مخزومي خلال يومي 21 ـ 22 من شهر نوفمبر 2006.
* قلائل أولئك الباحثين الذين يستخدمون مصطلح (ما بعد الإسلاموية). كيف تحوَّل هذا المصطلح إلى (مَفهمة) جديدة في دراسة حركات الإسلام السياسي المعاصرة في الشرق الأوسط، بل وفي العالم؟ وما هي مراحله؟
– منذ بروزه في ثلاثينات القرن العشرين، أو عودته إلى الظهور في سبعيناته، مرَّ الإسلام السياسي في نظر مراقبيه في أوروبا والولايات المتحدة بثلاث مراحل يمكن تشخيصها في شبه نماذج إرشادية (paradigms) مزعومة تُهيكل أُطر تحليلهم للظاهرة الإسلامية بصرف النظر عن مواقفهم الموالية أو المعادية لها. فنكون قد شاهدنا أولاً (عودة أو صحوة الإسلام) مع بروز عدد من النشطاء في منتصف السبعينات أعادوا إلى الأذهان ما أعلنه (حسن البنّا) في نهاية العشرينات، وأكَّده بشكل راديكالي (سيد قطب) في الستينات من أن حياة المسلم في مجتمعه أصبحت مستحيلة، وصاغوا في ضوء ذلك برامج سياسية واجتماعية جعلتهم يتصادمون مع الدولة أو السلطة السياسية، فاستنتج بعض المراقبين (عودة المكبوت) في سياقات فشلت فيها المشاريع التنموية ذات النزعة القومية، وأصبحت فيها أزمة الشرعية ظاهرة عامة. بينما أكَّد مراقبون آخرون أو المراقبون أنفسهم أحياناً تفاقم الإقصاء الاقتصادي والسياسي الذي طال قطاعات واسعة ومتعلِّمة في المجتمع نتيجة لسياسات الإصلاح الهيكلي التي اتبعتها الأنظمة القائمة.
ولكن، وفي كلتا الحالتين، يُفهم أن هذه التحوُّلات أدّت إلى انقلاب عقلي في سياقات تبدو فيها (المرجعية الدينية) كملاذ أخير للشرعية، والمعارضة على حدٍّ سواء، واللغة الوحيدة التي يمكن أن تُخاطب عبرها النخبة الحاكمة أو المعارضة الجماهير المستاءة.
* ألا يذكرنا هذا الكلام بما ظنه يوماً الباحث الفرنسي (جيل كيبل) أنه عثر على الصيغة السحرية؟
– نعم، هكذا ظن (جيل كيبل) أنه عثر على الصيغة السحرية التي تحل لغز اللحظة التاريخية بزعمه أن المعارضة الإسلامية للأنظمة القائمة لا يمكن أن تصل إلى تقويض هذه الأنظمة وإقامة (حكم إسلامي) إلا حيث أمكن تحالف (البورجوازية المتدينة) مع شباب المدن الفقراء والمثقفين الإسلاميين، وهذا لم يحدث إلا في إيران، وعلى نحو أقل في السودان، حيث يُستخدم الإسلام السياسي كقناع للدكتاتورية العسكرية الشمالية، وبشكل كاريكاتيري في أفغانستان الطالبانية.
* لكن (كيبل) كتب لاحقاً عن فشل أو نهاية الإسلاموية!
– هذا ما أريد أن أتحدَّث عنه، وهو ما يتعلَّق ببداية المرحلة الثانية في مطلع التسعينات حيثُ ظهور مقولة (فشل الإسلام السياسي) أو (تراجع الإسلاموية). ويبدو هذا الفشل مُضاعفاً، من حيث:
أولاً: فشل الإسلاميين في إعادة تطبيق (الأنموذج الإيراني)، كما حصل في مصر والجزائر، حيث انتهى الصِدام المسلَّح إلى صالح الأنظمة المناوئة للإسلاميين، وذلك بمساعدة الغربيين الخائفين على مصالحهم من العدوى الإسلامية في المناطق الحيوية المنتجة للطاقة.
ثانياً: فشل الإسلاميين في العثور على صيغة سياسية إسلامية تجمع بين السياسة والدين كبديل عن القومية أو للأنظمة الإقطاعية (الثيروقراطية) الحاكمة في المنطقة العربية. وكان (أوليفيه روي) من أوائل الذين سجلوا، في عام 1992، ما بدا له أعراضاً لخيبة الأمل في المعقل الإيراني، حيث وصل الأمر ببعض رجال الدين وبعض المثقفين الذين أيدوا الثورة الإسلامية إلى شجب هذه الشراكة بين الدين والسياسة، التي من شأنها أن تنزع، بعد حين، الشرعية عن الدين، وتجعل ممارسة السياسة ممارسة رصينة شبه مستحيلة.
* المعروف أن (جيل كيبل) قدَّم رؤية تفاؤلية عندما ربط بين الإسلاميين وتطبيقات الحداثة التكنولوجية!
– بل هو الذي قدَّم الفرضية الأشد تفاؤلاً، والأقرب إلى إرضاء الجميع مفادها أنه بحلول القرن الواحد والعشرين سنشهد بزوغ عهد جديد نرى العالم الإسلامي فيه يدخل الحداثة من أبوابها عبر اندماجات غير معهودة في العالم الغربي، خصوصاً عن طريق الهجرة وآثارها وثورة الاتصالات والإعلام. بعبارة أخرى يصبح الإسلام السياسي قابلاً للذوبان في السوق والإنترنت والديمقراطية. ومما يلفت النظر أن هجمات 11 سبتمبر الإرهابية لم تغير شيئاً يُذكر على مقولة (ما بعد الإسلاموية) التي تبدو كمساهمة فرنسية في النقاش الدائر في حلبة ما أُسميه (الاستشراق الجديد). فمن ناحية يبدو الاتجاه الجهادي في إطار عولمته وتحويل عملياته إلى خارج أراضيه بشيء من المفارقة كتعبير أخير عن (ما بعد الإسلاموية)، مقطوع الصلة عن الأغراض التي تشكَّل من أجلها الإسلام السياسي، وهي (الاستيلاء على السُّلطة)، و(إقامة الدولة الإسلامية).
وبهذا يَكون المُنزلق الإرهابي لـ (القاعدة) وأنصارها، قد أدّى بالجماعات الإسلامية في مختلف الأقطار إلى مطالبة الدول القائمة بتطبيع وجودها السياسي بعد أن تكون قد أعلنت عدولها على نحو رسمي عن ممارسة العنف واعترافها بالتعدُّدية، وتقديم نفسها كنصير متحمِّس للديمقراطية.
من ناحية أخرى، نرى بعض الملاحظين وهم يقصدون تجنب الخلط بين (الإسلام) و(تجلياته الأشد إزعاجاً) في نظر الرأي العام الغربي، يولون اهتمامهم للمظاهر الجديدة المعبِّرة عن (كيف يكون المرء مسلماً؟).
وهنا، يجمع الكل على أن بروز (ما بعد الإسلاموية) لا يعني أن المجتمعات أو العاملين فيها قد تخلوا عن رغبتهم في أن يكونوا مسلمين، بل لا يعني تراجع الخيال الاجتماعي السياسي المبني على المرجعية الدينية، وكما يقول أوليفيه روي إن تراجع الإسلام السياسي يتزامن مع صعود الإسلام كظاهرة اجتماعية.
* في ضوء ذلك ما هي خصائص أنماط ما بعد الإسلاموية؟
– بشيء من التبسيط، ولغرض تشخيص حالة (ما بعد الإسلاموية)، يُشار إلى ثلاث خصائص تُوصف بها الطرق والرهانات المواكبة لبروز الناشطين والمناهج الذين يمثلونها. إذ يُشار أولاً إلى ظهور (المثقفين الإسلاميين الجدد)؛ فبعد المسيحية واليهودية جاء دور الإسلام للخضوع من الداخل، ولو بشكل لا يزال مهمشاً، لمناهج وأسئلة العلوم الإنسانية والاجتماعية المتمثلة في استخدام علوم تأويلية جديدة تقوم على مقاربات نقدية للنصوص المقدَّسة، و(القرآن) على نحو خاص، إحياء المنهج الاجتهادي، واللجوء إلى التاريخ لتحليل المثل السياسية مثل (الخلافة، الإمامة، والجهاد) الموروثة عن السلف الصالح، ما يؤدي إلى إضعاف شأن مركزية الشريعة لصالح الأبعاد الحضارية والثقافية للانتماء للإسلام، ورد الاعتبار للتعدُّدية الدينية، والانفتاح على إشكالية حقوق الإنسان، وتوفير الشروط الضرورية لإرساء حوار حقيقي بين الأديان.
ثم يأتي التأكيد على ظهور أنماط نشاط جديدة في المجالين الاقتصادي والاجتماعي، وكأن عولمة الأسواق والتبادلات، بما فيها الجامعية، قد أسفرت عن دعم اقتصاد اجتماعي يجمع بين فضائل (حسن الإدارة)، والنجاح الشخصي، والغنى الفردي، بل حتى النمط الاستهلاكي طالما أن كل ذلك مرَّ بمرحلة التطهير التي يضمنها احترام قواعد أخلاقية أو اقتصادية إسلامية مفترضة ترفض الاحتكار والربا، ولكن لا تمنع الاستغلال الرأسمالي للعمل، واقتصاد اجتماعي قادر على دعم صيغ جديدة للتعبئة والنشاط تمارسها (المجتمعات المدنية الإسلامية)، واستقلال متزايد عن الدولة وبارتباط وثيق مع شبكات الإعلام والاتصال الدولية.
وأخيراً، يُلجأ إلى ظهور أنماط قانونية وأخلاقية جديدة؛ فالتأكيد على الأمر القطعي القاضي باحترام الفروض الدينية يقلِّص من خاصية تطبيقها، ومن ناحية أخرى لفتح المجال أمام تأكيد الذات للأفراد، وحق الفصل بين الشأنين العام والخاص في الأمور الدينية.
* من هنا، هل يمكن القول إننا نرى قوة إيهام الذات ببروز (نسوية إسلامية) سواء في المجتمعات الإسلامية ذاتها أو في الجاليات المسلمة في أوروبا والولايات المتحدة، وكأنها تجسِّد بشكل ملموس ذلك التجديد الطارئ على المنظومة القانونية الأخلاقية، كما تنبهت إلى ذلك مختلف النزعات النسوية الغربية بمناسبة معركة الحجاب الفرنسية.
– إن المبالغة في استعمال الجُمل الشرطية والمزدوجات لم يكن هدفها التشكيك في وجود ظواهر غير مسبوقة بل وعميقة الجدَّة في مسألة كيف يكون المرء مسلماً؟ فالمثقفون الإسلاميون الجُدد موجودون، ويمكن لقاؤهم كما يمكن لقاء ناشطات إسلاميات ذوات نزعة نسوية في تركيا وحتى في إيران، ولو تم انتخاب رئيس راديكالي خليفة لمحمد خاتمي لكانت ستوجد قوى سياسية تتلمَّس طريق (الديمقراطية الإسلامية) على غرار (الديمقراطية المسيحية)، وشركات مثل (مكة كولا) بدأت تطبِّق أحدث تقنيات التسويق لترويج نمط استهلاكي لا يخفي هويته الإسلامية.
* ما الهدف من ذلك برأيك؟
– كان الهدف من هذا الأسلوب هو إبراز الالتباس الجوهري لمقولة (ما بعد الإسلاموية) وحدودها كما تبدو لي؛ هذا الالتباس، وتلك الحدود التي تشاركها فيها مقولات أخرى مبنية على النسق نفسه مثل (ما بعد الحداثة)، (ما بعد الشيوعية) و(ما بعد الدولة الوطنية).
ويشير المحلل السياسي المصري (ضياء رشوان) ومعه آخرون إلى أن الذين يلجأون إلى مثل هذه المقولات يوحون ضمناً أو علناً بأن بعض الظواهر يستمر وجودها بعد اضمحلال العالم القديم من دون أن يوضحوا معالم العالم الجديد الذي يعتقدون أنه حل محل القديم. ومن دون أن نذهب مذهبه في نعت هذا النمط من التفكير (الذي يخلط بين الرغبة والواقع) نقول إنه يمكن تحديد بعض المؤشرات الكفيلة بالحدِّ من وجاهة مقولة (نهاية الإسلام السياسي)، وذلك في الميادين نفسها التي يبنون عليها فرضيتهم.
بدايةً، إن (المثقفين الإسلاميين الجدد) موجودون، وهم يتميزون بتعدد الأصول من ناحية وبتوحد المناهج والأهداف من ناحية أخرى، فتبلغ الجرأة ببعض الملاحظين إلى وصف المرحلة الراهنة بأنها (مرحلة تشبه في عمق التغييرات التي تحدثها في العالم الإسلامي ما أحدثه الإصلاح البروتستانتي بالنسبة للعالم المسيحي). وأن هذا العهد الجديد يتميز بتجدد التفكير العقلاني في الإسلام بفضل وسائل الاتصال الجديدة، الإنترنت، الأقمار الصناعية، التي أنتجت طائفة من (صغار المثقفين)، وأتاحت له فرصة الاتصال بأوسع جماهير الأمة. وما من شك في ذلك، غير أنه يبقى أن غالبيتهم محكوم عليها بالعيش في المنفى، مثل: الإيراني عبد الكريم سروش، وفريد اسحق (من جنوب إفريقيا)، والمصري نصر حامد أبو زيد، والسوداني عبد الله النعيم، الذين يعملون كلهم في مؤسسات أوروبية أو شمال أمريكية، ويلجأون إلى اللغة الانجليزية كلغة رئيسية في الحوارات التي يديرونها. وتعود أسباب نفيهم غالباً إلى صعود فئة العلماء بمناسبة الصراع العنيف الذي دار بين الحركات الإسلامية والأنظمة القائمة، وتمكُّن هذه الفئة من اكتساب المزيد من الاستقلال، وممارسة رقابة متشددة على مجمل المنتجات الفكرية والفنية. ومما يدعونا إلى التساؤل، وإن بشيء من المبالغة، عمّا إذا لم يكن المحاورون الرئيسيون لهؤلاء المثقفين الإسلاميين الجُدد هم الملاحظون الغربيون أنفسهم الذين أضفوا عليهم هذه الصفة؟
* كيف تفهم تأثير الإنترنت مثلاً في علاقة الإسلام بالحداثة؟
– بتسهيل ظهور ما يسميه أولفييه روي ودي إيكلمان (الأمة الاحتمالية) التي لا وطن لها، لاشك في أن الإنترنت ساهمت في عولمة رؤية المشكلات الناتجة عن التفاعلات بين الإسلام والحداثة. ويكفى الاطلاع على بعض المواقع المهمومة بـ (إسلام القرن الواحد والعشرين) لاكتشاف ما يبدو لنا قلباً كاملاً للمفاهيم؛ فبينما كانت المعايير السائدة في المجتمعات الإسلامية، أقصد داخل هذه المجتمعات الأم، هي النماذج التي تفرض نفسها على الجاليات المسلمة المهاجرة أو على الأقل هي التي توجهها، نجد الآن عبر الإنترنت، أن الإشكاليات الخاصة التي تواجه هذه الجاليات ـ أي تلك التي تتعلق بتفاعلها مع الحداثة ـ هي التي تنتج المعايير الجديدة، حتى في المجتمعات ذات الأغلبية المسلمة؛ فإنتاج أنماط سلوكية جديدة تجمع بين (الإسلام) و(الحداثة) هو الهدف المُعلن لدعوة طارق رمضان إلى (إسلام أوروبي) يكون بمثابة معمل تجريبي لتجديد الدين الإسلامي.
والمشكلة هنا هي التقلبات التي تعترض الجاليات الإسلامية في مختلف المجتمعات، والتي لا مجال للخوض فيها هنا، بيد أنه لا يمكن إنكار تأثيرها في التغييرات الجارية داخل الحركات الإسلامية في بلاد الإسلام، كما بينت ذلك (قضية الحجاب في فرنسا).
أخيراً وليس آخراً، لئن تأكد أن من بين التطوُّرات الحاسمة التي طرأت في السنوات الأخيرة هو عدول عدد كبير من نشطاء الحركات الإسلامية عن مطلب (الدولة الإسلامية)، وتراجع مطلب (تطبيق الشريعة)، فإن التخلي عن هذه المطالب حلَّ محلَّه، في المقابل، المطالبة المُلحة، لهذه الجماعات، بمشاركة رسمية في الحياة السياسية على أساس الانتماء العقائدي، مما قد يترتَّب عليه خلط بين الأخلاق والسياسة والحياة العامة والشأن الخاص. ويكون ضحية هذا الخلط مختلف الأقليات، كما شاهدنا ذلك على سبيل المثال بمناسبة حملة القمع التي شنتها السلطة على (المثليين) في مصر عام 2001. كعربون وفاء للرأي العام المتديّن.
* أخيراً هل هناك خلط واضح في شأن مقولة ما بعد الإسلاموية؟
– إن استعمال مقولة (ما بعد الإسلاموية)، التي صاغها ملاحظون غربيون كما صاغوا من قبلها مقولة (الإسلاموية)، قد يتعرض للصعوبات والنواقص نفسها التي تعرَّضت لها الأولى. وبعد مرور مدة على استعمالها يمكن القول، من وجهة نظري، إن الضعف التكويني لمقولة (ما بعد الاسلاموية) هو الخلط الواسع بين معضلات المجتمعات الإسلامية في ربع القرن الأخير ـ وهي معضلات النمو السكاني والهجرة الريفية، ومشكلة التعليم، وغياب العدالة الاجتماعية، والانغلاق السياسي ـ وبين الخطاب الذي يلجأ إليه الفاعلون للتعبير عن هذه المعضلات ورهاناتها، ويختزلون الخطاب في شيء اسمه (حقيقة الإسلام)، ثابتة وشاملة وصالحة من غرب العالم الإسلامي إلى شرقه. وتترتب على ذلك صعوبة تحليل التفاعلات الجارية بين مختلف الفئات الفاعلة والمتنافسة على المرجعية الإسلامية، أي العلماء، وأجهزة الدول. وهكذا فإن مقولة (ما بعد الإسلاموية)، والتحليلات المبنية عليها، من شأنها أن توقعنا في المعتقد (الثقافوي) المبتذل نفسه الذي يقوم عليه الاستشراق القديم والجديد ألا وهو الطابع الاستثنائي للمجتمعات الإسلامية واستعصاؤها على كل تحليل.
مصطلح الإسلاموية
هو مصطلح اجتهادي ظهر في الأدبيات الفرنسية الجديدة التي تتناول بالبحث والدراسة الحركات الإسلامية في منطقة الشرق الأوسط. ويلجأ مستخدمو هذا المصطلح إلى تعبير (L’islamisme )، في اللغة الفرنسية، للتعبير عن النزعة الإسلامية التي تتخذ مقابلها في اللغة الإنكليزية بمصطلح (Islamism)، لكنه يترجم إلى العربية ـ حسب اشتغالات عدد من الباحثين الفرنسيين المعنيين بالوضع الإسلامي في حراكه السياسي ـ إلى مصطلح (إسلاموية)، وهي الترجمة التي ظهرت لدى المترجمين المغاربة، وعدد من المترجمين والباحثين اللبنانيين، ويبدو أن آلان روسيون ركب الموجة وهو يكتب باللغة العربية لأنه يجيد الكتابة والتحدُّث باللغة العربية. والأفضل أن يعتمد المصطلح الفرنسي الآتي كمقابل لمصطلح (ما بعد الإسلاموية) وهو (Le post-islamisme).
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2723::/cck::
::introtext::
يعيش عالمنا المعاصر إثر أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 حرباً شعواء على الإرهاب، وهي حرب بقدر ما كانت ميدانية لاحقت الولايات المتحدة الأمريكية والدول المنخرطة في سياساتها خلاياها وتكويناتها المنتشرة في غير مكان من العالم، كانت أيضاً (حرب أفكار)، على حد وصف وزير الدفاع الأمريكي المستقيل دونالد رامسفيلد، ما يعني أن النظر الفكري له أهميته في خطابات الجماعات التي توصف بأنها إرهابية، بينما توصف من قبل باحثين غربيين آخرين بأنها تشكيلات إسلامية تتخذ اليوم اسم (الإسلاموية).
::/introtext::
::fulltext::
يعيش عالمنا المعاصر إثر أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 حرباً شعواء على الإرهاب، وهي حرب بقدر ما كانت ميدانية لاحقت الولايات المتحدة الأمريكية والدول المنخرطة في سياساتها خلاياها وتكويناتها المنتشرة في غير مكان من العالم، كانت أيضاً (حرب أفكار)، على حد وصف وزير الدفاع الأمريكي المستقيل دونالد رامسفيلد، ما يعني أن النظر الفكري له أهميته في خطابات الجماعات التي توصف بأنها إرهابية، بينما توصف من قبل باحثين غربيين آخرين بأنها تشكيلات إسلامية تتخذ اليوم اسم (الإسلاموية).
كانت التغيرات التي طرأت على الممارسات والخطابات الإسلامية في عقد التسعينات قد أدّت ببعض الملاحظين إلى صنع مقولة (ما بعد الإسلاموية). وبصفتها نعتاً لعهد أيديولوجي جديد في بلاد الإسلام، تحيل هذه المقولة، في نظرهم، إلى سلسلة من المنظومات والفعاليات التي انتهت إلى التخلي عن المشروع الأول للحركة الإسلامية وفكرة بناء الدولة الإسلامية على الخصوص. فبروز مثقفين إسلاميين جدد بفضل تطور أدوات الاتصال وظهور خطابات تمجِّد النجاح الفردي وقيم اقتصاد السوق تدلُّ عندهم على أفول الإسلام السياسي لصالح (تأسلُم) المجتمعات بأشكال جديدة أكثر ثراء.
أنْ تكون هذه الظواهر الناتجة في بعض مظاهرها عن العولمة أو المواكبة لها، فهذا مما لاشك فيه. أما أن تُفسِّر مقولة (ما بعد الإسلاموية) كل الظواهر الدينية والسياسية الحالية في العالم الإسلامي فهو شيء غير مؤكَّد بالمرَّة، بل إن عموميتها من شأنها أن تخفي ما يمتاز به مسار المجتمعات الإسلامية من تعقيد وازدواجية. ولكن كيف ولد هذا المفهوم؟ وما هي أنماطه؟ وما علاقته بالاستشراق؟ هذه الأسئلة وغيرها توجَّهنا بها إلى الباحث الفرنسي آلان روسيون، المتخصص في الإسلاميات المعاصرة، والمدير في (مركز الدراسات والوثائق الاقتصادية والقانونية والاجتماعية) بالقاهرة، والذي حاورناه في بيروت على هامش ورشة العمل الفكرية التي عقدت في بيروت تحت رعاية معهد السلام الأمريكي وبالتعاون مع مؤسسة مخزومي خلال يومي 21 ـ 22 من شهر نوفمبر 2006.
* قلائل أولئك الباحثين الذين يستخدمون مصطلح (ما بعد الإسلاموية). كيف تحوَّل هذا المصطلح إلى (مَفهمة) جديدة في دراسة حركات الإسلام السياسي المعاصرة في الشرق الأوسط، بل وفي العالم؟ وما هي مراحله؟
– منذ بروزه في ثلاثينات القرن العشرين، أو عودته إلى الظهور في سبعيناته، مرَّ الإسلام السياسي في نظر مراقبيه في أوروبا والولايات المتحدة بثلاث مراحل يمكن تشخيصها في شبه نماذج إرشادية (paradigms) مزعومة تُهيكل أُطر تحليلهم للظاهرة الإسلامية بصرف النظر عن مواقفهم الموالية أو المعادية لها. فنكون قد شاهدنا أولاً (عودة أو صحوة الإسلام) مع بروز عدد من النشطاء في منتصف السبعينات أعادوا إلى الأذهان ما أعلنه (حسن البنّا) في نهاية العشرينات، وأكَّده بشكل راديكالي (سيد قطب) في الستينات من أن حياة المسلم في مجتمعه أصبحت مستحيلة، وصاغوا في ضوء ذلك برامج سياسية واجتماعية جعلتهم يتصادمون مع الدولة أو السلطة السياسية، فاستنتج بعض المراقبين (عودة المكبوت) في سياقات فشلت فيها المشاريع التنموية ذات النزعة القومية، وأصبحت فيها أزمة الشرعية ظاهرة عامة. بينما أكَّد مراقبون آخرون أو المراقبون أنفسهم أحياناً تفاقم الإقصاء الاقتصادي والسياسي الذي طال قطاعات واسعة ومتعلِّمة في المجتمع نتيجة لسياسات الإصلاح الهيكلي التي اتبعتها الأنظمة القائمة.
ولكن، وفي كلتا الحالتين، يُفهم أن هذه التحوُّلات أدّت إلى انقلاب عقلي في سياقات تبدو فيها (المرجعية الدينية) كملاذ أخير للشرعية، والمعارضة على حدٍّ سواء، واللغة الوحيدة التي يمكن أن تُخاطب عبرها النخبة الحاكمة أو المعارضة الجماهير المستاءة.
* ألا يذكرنا هذا الكلام بما ظنه يوماً الباحث الفرنسي (جيل كيبل) أنه عثر على الصيغة السحرية؟
– نعم، هكذا ظن (جيل كيبل) أنه عثر على الصيغة السحرية التي تحل لغز اللحظة التاريخية بزعمه أن المعارضة الإسلامية للأنظمة القائمة لا يمكن أن تصل إلى تقويض هذه الأنظمة وإقامة (حكم إسلامي) إلا حيث أمكن تحالف (البورجوازية المتدينة) مع شباب المدن الفقراء والمثقفين الإسلاميين، وهذا لم يحدث إلا في إيران، وعلى نحو أقل في السودان، حيث يُستخدم الإسلام السياسي كقناع للدكتاتورية العسكرية الشمالية، وبشكل كاريكاتيري في أفغانستان الطالبانية.
* لكن (كيبل) كتب لاحقاً عن فشل أو نهاية الإسلاموية!
– هذا ما أريد أن أتحدَّث عنه، وهو ما يتعلَّق ببداية المرحلة الثانية في مطلع التسعينات حيثُ ظهور مقولة (فشل الإسلام السياسي) أو (تراجع الإسلاموية). ويبدو هذا الفشل مُضاعفاً، من حيث:
أولاً: فشل الإسلاميين في إعادة تطبيق (الأنموذج الإيراني)، كما حصل في مصر والجزائر، حيث انتهى الصِدام المسلَّح إلى صالح الأنظمة المناوئة للإسلاميين، وذلك بمساعدة الغربيين الخائفين على مصالحهم من العدوى الإسلامية في المناطق الحيوية المنتجة للطاقة.
ثانياً: فشل الإسلاميين في العثور على صيغة سياسية إسلامية تجمع بين السياسة والدين كبديل عن القومية أو للأنظمة الإقطاعية (الثيروقراطية) الحاكمة في المنطقة العربية. وكان (أوليفيه روي) من أوائل الذين سجلوا، في عام 1992، ما بدا له أعراضاً لخيبة الأمل في المعقل الإيراني، حيث وصل الأمر ببعض رجال الدين وبعض المثقفين الذين أيدوا الثورة الإسلامية إلى شجب هذه الشراكة بين الدين والسياسة، التي من شأنها أن تنزع، بعد حين، الشرعية عن الدين، وتجعل ممارسة السياسة ممارسة رصينة شبه مستحيلة.
* المعروف أن (جيل كيبل) قدَّم رؤية تفاؤلية عندما ربط بين الإسلاميين وتطبيقات الحداثة التكنولوجية!
– بل هو الذي قدَّم الفرضية الأشد تفاؤلاً، والأقرب إلى إرضاء الجميع مفادها أنه بحلول القرن الواحد والعشرين سنشهد بزوغ عهد جديد نرى العالم الإسلامي فيه يدخل الحداثة من أبوابها عبر اندماجات غير معهودة في العالم الغربي، خصوصاً عن طريق الهجرة وآثارها وثورة الاتصالات والإعلام. بعبارة أخرى يصبح الإسلام السياسي قابلاً للذوبان في السوق والإنترنت والديمقراطية. ومما يلفت النظر أن هجمات 11 سبتمبر الإرهابية لم تغير شيئاً يُذكر على مقولة (ما بعد الإسلاموية) التي تبدو كمساهمة فرنسية في النقاش الدائر في حلبة ما أُسميه (الاستشراق الجديد). فمن ناحية يبدو الاتجاه الجهادي في إطار عولمته وتحويل عملياته إلى خارج أراضيه بشيء من المفارقة كتعبير أخير عن (ما بعد الإسلاموية)، مقطوع الصلة عن الأغراض التي تشكَّل من أجلها الإسلام السياسي، وهي (الاستيلاء على السُّلطة)، و(إقامة الدولة الإسلامية).
وبهذا يَكون المُنزلق الإرهابي لـ (القاعدة) وأنصارها، قد أدّى بالجماعات الإسلامية في مختلف الأقطار إلى مطالبة الدول القائمة بتطبيع وجودها السياسي بعد أن تكون قد أعلنت عدولها على نحو رسمي عن ممارسة العنف واعترافها بالتعدُّدية، وتقديم نفسها كنصير متحمِّس للديمقراطية.
من ناحية أخرى، نرى بعض الملاحظين وهم يقصدون تجنب الخلط بين (الإسلام) و(تجلياته الأشد إزعاجاً) في نظر الرأي العام الغربي، يولون اهتمامهم للمظاهر الجديدة المعبِّرة عن (كيف يكون المرء مسلماً؟).
وهنا، يجمع الكل على أن بروز (ما بعد الإسلاموية) لا يعني أن المجتمعات أو العاملين فيها قد تخلوا عن رغبتهم في أن يكونوا مسلمين، بل لا يعني تراجع الخيال الاجتماعي السياسي المبني على المرجعية الدينية، وكما يقول أوليفيه روي إن تراجع الإسلام السياسي يتزامن مع صعود الإسلام كظاهرة اجتماعية.
* في ضوء ذلك ما هي خصائص أنماط ما بعد الإسلاموية؟
– بشيء من التبسيط، ولغرض تشخيص حالة (ما بعد الإسلاموية)، يُشار إلى ثلاث خصائص تُوصف بها الطرق والرهانات المواكبة لبروز الناشطين والمناهج الذين يمثلونها. إذ يُشار أولاً إلى ظهور (المثقفين الإسلاميين الجدد)؛ فبعد المسيحية واليهودية جاء دور الإسلام للخضوع من الداخل، ولو بشكل لا يزال مهمشاً، لمناهج وأسئلة العلوم الإنسانية والاجتماعية المتمثلة في استخدام علوم تأويلية جديدة تقوم على مقاربات نقدية للنصوص المقدَّسة، و(القرآن) على نحو خاص، إحياء المنهج الاجتهادي، واللجوء إلى التاريخ لتحليل المثل السياسية مثل (الخلافة، الإمامة، والجهاد) الموروثة عن السلف الصالح، ما يؤدي إلى إضعاف شأن مركزية الشريعة لصالح الأبعاد الحضارية والثقافية للانتماء للإسلام، ورد الاعتبار للتعدُّدية الدينية، والانفتاح على إشكالية حقوق الإنسان، وتوفير الشروط الضرورية لإرساء حوار حقيقي بين الأديان.
ثم يأتي التأكيد على ظهور أنماط نشاط جديدة في المجالين الاقتصادي والاجتماعي، وكأن عولمة الأسواق والتبادلات، بما فيها الجامعية، قد أسفرت عن دعم اقتصاد اجتماعي يجمع بين فضائل (حسن الإدارة)، والنجاح الشخصي، والغنى الفردي، بل حتى النمط الاستهلاكي طالما أن كل ذلك مرَّ بمرحلة التطهير التي يضمنها احترام قواعد أخلاقية أو اقتصادية إسلامية مفترضة ترفض الاحتكار والربا، ولكن لا تمنع الاستغلال الرأسمالي للعمل، واقتصاد اجتماعي قادر على دعم صيغ جديدة للتعبئة والنشاط تمارسها (المجتمعات المدنية الإسلامية)، واستقلال متزايد عن الدولة وبارتباط وثيق مع شبكات الإعلام والاتصال الدولية.
وأخيراً، يُلجأ إلى ظهور أنماط قانونية وأخلاقية جديدة؛ فالتأكيد على الأمر القطعي القاضي باحترام الفروض الدينية يقلِّص من خاصية تطبيقها، ومن ناحية أخرى لفتح المجال أمام تأكيد الذات للأفراد، وحق الفصل بين الشأنين العام والخاص في الأمور الدينية.
* من هنا، هل يمكن القول إننا نرى قوة إيهام الذات ببروز (نسوية إسلامية) سواء في المجتمعات الإسلامية ذاتها أو في الجاليات المسلمة في أوروبا والولايات المتحدة، وكأنها تجسِّد بشكل ملموس ذلك التجديد الطارئ على المنظومة القانونية الأخلاقية، كما تنبهت إلى ذلك مختلف النزعات النسوية الغربية بمناسبة معركة الحجاب الفرنسية.
– إن المبالغة في استعمال الجُمل الشرطية والمزدوجات لم يكن هدفها التشكيك في وجود ظواهر غير مسبوقة بل وعميقة الجدَّة في مسألة كيف يكون المرء مسلماً؟ فالمثقفون الإسلاميون الجُدد موجودون، ويمكن لقاؤهم كما يمكن لقاء ناشطات إسلاميات ذوات نزعة نسوية في تركيا وحتى في إيران، ولو تم انتخاب رئيس راديكالي خليفة لمحمد خاتمي لكانت ستوجد قوى سياسية تتلمَّس طريق (الديمقراطية الإسلامية) على غرار (الديمقراطية المسيحية)، وشركات مثل (مكة كولا) بدأت تطبِّق أحدث تقنيات التسويق لترويج نمط استهلاكي لا يخفي هويته الإسلامية.
* ما الهدف من ذلك برأيك؟
– كان الهدف من هذا الأسلوب هو إبراز الالتباس الجوهري لمقولة (ما بعد الإسلاموية) وحدودها كما تبدو لي؛ هذا الالتباس، وتلك الحدود التي تشاركها فيها مقولات أخرى مبنية على النسق نفسه مثل (ما بعد الحداثة)، (ما بعد الشيوعية) و(ما بعد الدولة الوطنية).
ويشير المحلل السياسي المصري (ضياء رشوان) ومعه آخرون إلى أن الذين يلجأون إلى مثل هذه المقولات يوحون ضمناً أو علناً بأن بعض الظواهر يستمر وجودها بعد اضمحلال العالم القديم من دون أن يوضحوا معالم العالم الجديد الذي يعتقدون أنه حل محل القديم. ومن دون أن نذهب مذهبه في نعت هذا النمط من التفكير (الذي يخلط بين الرغبة والواقع) نقول إنه يمكن تحديد بعض المؤشرات الكفيلة بالحدِّ من وجاهة مقولة (نهاية الإسلام السياسي)، وذلك في الميادين نفسها التي يبنون عليها فرضيتهم.
بدايةً، إن (المثقفين الإسلاميين الجدد) موجودون، وهم يتميزون بتعدد الأصول من ناحية وبتوحد المناهج والأهداف من ناحية أخرى، فتبلغ الجرأة ببعض الملاحظين إلى وصف المرحلة الراهنة بأنها (مرحلة تشبه في عمق التغييرات التي تحدثها في العالم الإسلامي ما أحدثه الإصلاح البروتستانتي بالنسبة للعالم المسيحي). وأن هذا العهد الجديد يتميز بتجدد التفكير العقلاني في الإسلام بفضل وسائل الاتصال الجديدة، الإنترنت، الأقمار الصناعية، التي أنتجت طائفة من (صغار المثقفين)، وأتاحت له فرصة الاتصال بأوسع جماهير الأمة. وما من شك في ذلك، غير أنه يبقى أن غالبيتهم محكوم عليها بالعيش في المنفى، مثل: الإيراني عبد الكريم سروش، وفريد اسحق (من جنوب إفريقيا)، والمصري نصر حامد أبو زيد، والسوداني عبد الله النعيم، الذين يعملون كلهم في مؤسسات أوروبية أو شمال أمريكية، ويلجأون إلى اللغة الانجليزية كلغة رئيسية في الحوارات التي يديرونها. وتعود أسباب نفيهم غالباً إلى صعود فئة العلماء بمناسبة الصراع العنيف الذي دار بين الحركات الإسلامية والأنظمة القائمة، وتمكُّن هذه الفئة من اكتساب المزيد من الاستقلال، وممارسة رقابة متشددة على مجمل المنتجات الفكرية والفنية. ومما يدعونا إلى التساؤل، وإن بشيء من المبالغة، عمّا إذا لم يكن المحاورون الرئيسيون لهؤلاء المثقفين الإسلاميين الجُدد هم الملاحظون الغربيون أنفسهم الذين أضفوا عليهم هذه الصفة؟
* كيف تفهم تأثير الإنترنت مثلاً في علاقة الإسلام بالحداثة؟
– بتسهيل ظهور ما يسميه أولفييه روي ودي إيكلمان (الأمة الاحتمالية) التي لا وطن لها، لاشك في أن الإنترنت ساهمت في عولمة رؤية المشكلات الناتجة عن التفاعلات بين الإسلام والحداثة. ويكفى الاطلاع على بعض المواقع المهمومة بـ (إسلام القرن الواحد والعشرين) لاكتشاف ما يبدو لنا قلباً كاملاً للمفاهيم؛ فبينما كانت المعايير السائدة في المجتمعات الإسلامية، أقصد داخل هذه المجتمعات الأم، هي النماذج التي تفرض نفسها على الجاليات المسلمة المهاجرة أو على الأقل هي التي توجهها، نجد الآن عبر الإنترنت، أن الإشكاليات الخاصة التي تواجه هذه الجاليات ـ أي تلك التي تتعلق بتفاعلها مع الحداثة ـ هي التي تنتج المعايير الجديدة، حتى في المجتمعات ذات الأغلبية المسلمة؛ فإنتاج أنماط سلوكية جديدة تجمع بين (الإسلام) و(الحداثة) هو الهدف المُعلن لدعوة طارق رمضان إلى (إسلام أوروبي) يكون بمثابة معمل تجريبي لتجديد الدين الإسلامي.
والمشكلة هنا هي التقلبات التي تعترض الجاليات الإسلامية في مختلف المجتمعات، والتي لا مجال للخوض فيها هنا، بيد أنه لا يمكن إنكار تأثيرها في التغييرات الجارية داخل الحركات الإسلامية في بلاد الإسلام، كما بينت ذلك (قضية الحجاب في فرنسا).
أخيراً وليس آخراً، لئن تأكد أن من بين التطوُّرات الحاسمة التي طرأت في السنوات الأخيرة هو عدول عدد كبير من نشطاء الحركات الإسلامية عن مطلب (الدولة الإسلامية)، وتراجع مطلب (تطبيق الشريعة)، فإن التخلي عن هذه المطالب حلَّ محلَّه، في المقابل، المطالبة المُلحة، لهذه الجماعات، بمشاركة رسمية في الحياة السياسية على أساس الانتماء العقائدي، مما قد يترتَّب عليه خلط بين الأخلاق والسياسة والحياة العامة والشأن الخاص. ويكون ضحية هذا الخلط مختلف الأقليات، كما شاهدنا ذلك على سبيل المثال بمناسبة حملة القمع التي شنتها السلطة على (المثليين) في مصر عام 2001. كعربون وفاء للرأي العام المتديّن.
* أخيراً هل هناك خلط واضح في شأن مقولة ما بعد الإسلاموية؟
– إن استعمال مقولة (ما بعد الإسلاموية)، التي صاغها ملاحظون غربيون كما صاغوا من قبلها مقولة (الإسلاموية)، قد يتعرض للصعوبات والنواقص نفسها التي تعرَّضت لها الأولى. وبعد مرور مدة على استعمالها يمكن القول، من وجهة نظري، إن الضعف التكويني لمقولة (ما بعد الاسلاموية) هو الخلط الواسع بين معضلات المجتمعات الإسلامية في ربع القرن الأخير ـ وهي معضلات النمو السكاني والهجرة الريفية، ومشكلة التعليم، وغياب العدالة الاجتماعية، والانغلاق السياسي ـ وبين الخطاب الذي يلجأ إليه الفاعلون للتعبير عن هذه المعضلات ورهاناتها، ويختزلون الخطاب في شيء اسمه (حقيقة الإسلام)، ثابتة وشاملة وصالحة من غرب العالم الإسلامي إلى شرقه. وتترتب على ذلك صعوبة تحليل التفاعلات الجارية بين مختلف الفئات الفاعلة والمتنافسة على المرجعية الإسلامية، أي العلماء، وأجهزة الدول. وهكذا فإن مقولة (ما بعد الإسلاموية)، والتحليلات المبنية عليها، من شأنها أن توقعنا في المعتقد (الثقافوي) المبتذل نفسه الذي يقوم عليه الاستشراق القديم والجديد ألا وهو الطابع الاستثنائي للمجتمعات الإسلامية واستعصاؤها على كل تحليل.
مصطلح الإسلاموية
هو مصطلح اجتهادي ظهر في الأدبيات الفرنسية الجديدة التي تتناول بالبحث والدراسة الحركات الإسلامية في منطقة الشرق الأوسط. ويلجأ مستخدمو هذا المصطلح إلى تعبير (L’islamisme )، في اللغة الفرنسية، للتعبير عن النزعة الإسلامية التي تتخذ مقابلها في اللغة الإنكليزية بمصطلح (Islamism)، لكنه يترجم إلى العربية ـ حسب اشتغالات عدد من الباحثين الفرنسيين المعنيين بالوضع الإسلامي في حراكه السياسي ـ إلى مصطلح (إسلاموية)، وهي الترجمة التي ظهرت لدى المترجمين المغاربة، وعدد من المترجمين والباحثين اللبنانيين، ويبدو أن آلان روسيون ركب الموجة وهو يكتب باللغة العربية لأنه يجيد الكتابة والتحدُّث باللغة العربية. والأفضل أن يعتمد المصطلح الفرنسي الآتي كمقابل لمصطلح (ما بعد الإسلاموية) وهو (Le post-islamisme).
::/fulltext::
::cck::2723::/cck::
