هل الليبرالية قدر العالم المعاصر؟

::cck::2722::/cck::
::introtext::

الليبرالية مذهب رأسمالي ينادي بالحرية المطلقة في الميدانين الاقتصادي والسياسي، ولكن هذا المذهب اقترن بالثورة الصناعية وظهور صراع هذه الطبقة الجديدة مع القوى التقليدية، ولذلك فإن مطالب الليبراليين ارتبطت في بدايات ظهور هذا الفكر الجديد بالطبقات العليا في المجتمع الأوروبي، ثم اتسع هذا المفهوم بعد نضال طويل ولم يأت تلقائياً. وهي تلك الفترة التي شهدت التوسع الاستعماري وتكوين الإمبراطوريات، واستغلال شعوب المستعمرات من قبل الدول الرأسمالية الليبرالية.

::/introtext::
::fulltext::

الليبرالية مذهب رأسمالي ينادي بالحرية المطلقة في الميدانين الاقتصادي والسياسي، ولكن هذا المذهب اقترن بالثورة الصناعية وظهور صراع هذه الطبقة الجديدة مع القوى التقليدية، ولذلك فإن مطالب الليبراليين ارتبطت في بدايات ظهور هذا الفكر الجديد بالطبقات العليا في المجتمع الأوروبي، ثم اتسع هذا المفهوم بعد نضال طويل ولم يأت تلقائياً. وهي تلك الفترة التي شهدت التوسع الاستعماري وتكوين الإمبراطوريات، واستغلال شعوب المستعمرات من قبل الدول الرأسمالية الليبرالية.
لقد مرّت الليبرالية بثلاث مراحل منذ القرن السابع عشر وهي مرحلة: الليبرالية المطلقة ومرحلة الليبرالية المنظمة ومرحلة الليبرالية الطائشة، وهذه الأخيرة – كما يقول د. رمزي زكي – (هي الفترة التي امتدت ما بين بداية السبعينات وحتى الآن. حيث (صعدت الليبرالية الجديدة. وهي عبارة عن رؤية اقتصادية واجتماعية وسياسية، هدفها الرئيسي الدفاع عن مصالح أصحاب رؤوس الأموال، إلى الحد الذي دفع بعض أنصارها للقول إن حق الملكية له الأولوية على أي حقوق عامة أخرى بما فيها حق الحياة. ولا عجب، إذن أن تنادي هذه الليبرالية بالعودة إلى المفاهيم والمقولات الكلاسيكية المبكرة لليبرالية، فهي تؤمن إيماناً راسخاً بقدرة النظام الرأسمالي على النمو المستمر وعلى تحقيق التوظيف الكامل، وأنه قادر على تصحيح أزماته بشكل تلقائي، لو عادت له الحرية المطلقة (ونقاوة) السوق وابتعدت الدولة عن التدخل في سير العجلة الاقتصادية).
ولكن هذه المثاليات التي يطرحها الليبراليون الجدد لم تعد في الواقع، إلا شعاراً يرفع يذكرنا بالسياسات التي كانت مطبقة في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر فترة (الليبرالية المتوحشة)، حيث كانت الحرية الرأسمالية مطلقة من أي قيود وسلاحاً جاهزاً بيد الأقوى اقتصادياً من دون ضوابط لحركتهم، لأن الناس ما داموا متفاوتين في حظوظهم من المواهب الفكرية والجسدية والفرص الطبيعية، فمن الضروري أن يختلفوا في أسلوب الاستفادة من الحرية الاقتصادية الكاملة التي يوفرها المذهب الرأسمالي الليبرالي لهم، ولذلك فإن هذا الاختلاف الموجود في طبائع البشر وفي درجات قدراتهم، يمكن أن تصبح الحرية معه التعبير القانوني عن حق القوي في كل شيء، بينما لا تعني بالنسبة إلى غيره شيئاً.
صحيح أن (الكينزية) استطاعت أن تقلب مفاهيم الليبرالية، وأن تحقق دولة الرفاه والازدهار في أوروبا، وأثبتت (الكينزية) أن مقولات المدرسة الليبرالية القديمة عن التوازن التلقائي أو الآلي من خلال حرية التبادل والمبادرات الفردية والحرية الاقتصادية غير المنضبطة وغير المقيدة لا تؤدي بشكل طبيعي وفق ما قالوه في شعارهم الشهير (دعه يعمل دعه يمر)، بل أصبحت الدولة مضطرة لأن تتدخل، وأن تضع الإطار القانوني الذي يضمن تطبيق المبادرات الفردية، وتمنع الاحتكارات الكبرى. وأثبت الواقع أن الدولة لا يمكن أن تكتفي بدور الحكم فقط، إذ إن تنامي النظام الرأسمالي، وحدة المطالب العمالية، ومقتضيات اقتصاد الحرب والأعمار…إلخ، حتمت على الدولة أن تتدخل وأن تكون هي المحرك والمنظم لمجمل النظام الاقتصادي.
وهذا ما عبر عنه رائد المدرسة الكينزية (جون ماينرد كينز) عندما قال (ليس صحيحاً من مبادئ الاقتصاد أن المصلحة الشخصية تصب دائماً في خانة المصلحة العامة ( وهو ما دعا بعض الدول الغربية إلى التخلي عن الليبرالية الكلاسيكية، بعد اشتداد الأزمات الاقتصادية أو ما يعرف بالكساد الكبير أو التضخم الذي عصف بالرأسمالية والأخذ بنظرية اللورد كينز، لإحداث التوازن عندما عجزت الليبرالية عن تحقيقه وضبطه.
ففي الولايات المتحدة معقل الرأسمالية الليبرالية قام الرئيس روزفلت بوضع (البرنامج الجديد) المعروف بـ (The New Deal) الذي أدخل تنظيمات اقتصادية جديدة، وتضمن قيام الدولة بنشاطات اقتصادية مباشرة لإنعاش الاقتصاد الأمريكي المنكوب بأزمة التضخم والكساد، والتخلي عن بعض الأسس الليبرالية المنفتحة، والحد من حرية العمل والتجارة رغم بقائه على الملكية الخاصة والمبادرة الفردية….. إلخ.
لكن هذه الليبرالية المجددة – إذا جاز التعبير – واجهت المعارضة والسهام لإقصائها في بداية فترتي السبعينات والثمانينات من هذا القرن من الليبراليين المحافظين، عندما برزت بعض المشكلات الاقتصادية مثل عجز الموازنات الحكومية، وزيادة حجم الاقتراض، وانهيار نظام النقد الدولي، وزيادة أسعار النفط. وطالبوا بإعادة الاعتبار لليبرالية التقليدية بوصفها الدواء السحري، للنظام الرأسمالي الغربي. ولمواجهة ذلك كله – كما يرون – تتعين العودة للأصولية الرأسمالية. (وهذه العودة تحتاج إلى تغيرات أساسية في بنية وقواعد وآليات تشغيل النظام الرأسمالي. واقترح الليبراليون في هذا الخصوص جملة من السياسات الصارمة، مثل تحجيم دور الدولة وإبعادها عن النشاط الاقتصادي، وأن تتخلى الحكومات عن هدف التوظف الكامل ودولة الرعاية الاجتماعية، وأنه لتحقيق الاستقرار الاقتصادي وعودة الدماء لتراكم رأس المال، يتعين التصدي بحزم لعجز الموازنة العامة للدولة من خلال إلغاء الدعم، وخفض المصروفات الحكومية الموجهة للخدمات الاجتماعية، وإلغاء إعانات البطالة، وزيادة أسعار الطاقة والضرائب غير المباشرة، ونقل ملكية المشروعات العامة إلى القطـاع الخــاص، وتحويل بعض الوظائف التقليدية للدولة تدريجياً للقطاع الخاص، كما طالب الليبراليون الجدد بخفض معدلات الضرائب على الدخول المرتفعة وأرباح الشركات وعلى رؤوس الأموال حتى يمكن تحفيز الطبقة الرأسمالية على زيادة الادخار والاستثمار والإنتاج. وانحصرت مطالب الليبراليين الجدد في ما يتعلق بدور الحكومة في أن تحمي حرية السوق من أي تدخلات، وأن تضع سياسة نقدية صارمة للتحكم بعرض النقود بما يتناسب وحاجة التداول. وعادوا مرة أخرى إلى مفاهيم الليبرالية الكلاسيكية في قضية التوظف الكامل من خلال المبادرة الفردية، وهي أنه إذا توفرت الحرية في المجال العملي لجميع الأفراد، فإن الإنسان في المجتمع الحر يسعى إلى تحقيق مصالحه الخاصة، التي تؤدي في النهاية إلى توفير المصالح العامة.
وتشاء الأقدار أن تسقط الأيديولوجية الماركسية بعد عقدين من الزمن على التحول الذي طرأ على الليبرالية التقليدية، وهلل نسور الرأسمالية يهتفون بالنصر المبين، وكان الأحرى بهؤلاء أن يتأملوا هذا السقوط ويدرسوه حق الدراسة بعقلية النظرة الفاحصة الثاقبة لا بنظرة التفوق والتعالي والمركزية الواحدية، وحسب تقديــر أحدهم فإن ( التاريخ ليس بلا ذاكرة، وأحداثه لا تستبطن صفحاته الصماء، وتموت بالتلاشي والتقادم، بل إن فعلها يستمر يسري كتيار كهربائي في أفكار الناس وأحلامهم وتمنياتهم في اختراق المستحيل، وصولاً إلى ما يليق بآدميتهم التي كرمهم الخالق ولم يصنها المخلوق دائماً.
كما (أن الشيوعية لم تكن نبتاً شيطانياً جاء به الجن من كوكب آخر، بل هي بعض نتاج النظام الرأسمالي ذاته الذي يقدم للعالم كله اليوم، وكأنه طريق الخلاص، بل الخلاص ذاته.
فكل نظام يخلق نقيضه، وإذا كان النظام الشيوعي الذي عاش ثلاثة أرباع القرن لم يقدم النقيض الأرقى، فإن هذا لا يعني أبداً أن النظام الرأسمالي هو غاية المنى وذروة الطموح الإنساني، بدليل بسيط هو أن الإنسان في ظله لا يزال يحلم بالتغيير ويحاول التغيير سلماً حيث ما أمكنه والثورة حيث لا تجدي أشكال الاعتراض والرفض الديمقراطي.
ويرى (المدرسي) أنه إذا كان الصراع بين نظامين يفتقران إلى احترام إنسانية الإنسان على مستوى الكرة الأرضية قد أنهك بشر القرن العشرين، فليس زوال أحدهما بشارة مطلقة، وذلك أن عالماً بلا (عكازه) أخرى سيكون عالماً فاقداً للتوازن، إنه عالم مختل، إنه عالم السيد ومليارات العبيد السعداء بكونهم قد تخلصوا من الخطر المحتمل ليموتوا في ظل الخطر الداهم الذي طالما ناضلوا ضده، إنه سيكون عالم اللون الواحد، وهو بالنتيجة عالم مستحيل، فالرأسمالية ليست هي الكمال، حتى يمكن فرضها قسراً على أمم وحضارات مختلفة الأفكار والاتجاهات والأيديولوجيات.
والإشكالية الأكبر، كما عبر عن ذلك ريتشارد نيكسون، أن الأمريكيين يعتقدون أنهم مؤهلون لعيش حياة رغيدة، وأن هزيمة الاتحاد السوفييتي تعني أننا سنعتلي صهوة العالم غير آبهين بغيرنا. فأولئك الذين أطلق عليهم يوماً لقب (المتعلمون) أصبحوا اليوم (متحجري العقول)، ومن كانوا يوماً (الحليمون) باتوا اليوم (الوسواسيون)، وما كان بالأمس (اعتدالاً) غدا الآن (تزمتا) والذي سميناه يوما بــ (اللامسؤولية)، أمسى الآن (دع الأمور تجري في أعنتها)، والذي كنيناه بــ(الانغماس الذاتي) بات اليوم (تحقيق الذات).
لقد أزيلت القيود العرفية على السلوك الشخصي أو تم تخفيفها، ومع هذا لم تزل الفكرة الطاغية هي فكرة أن مشكلات الجريمة والمخدرات ووباء الفقر، هي ولادات (المجتمع)، أي أننا نضع اللوم على المجتمع في أخطائنا بدلاً من محاسبة الذات. فإذا لم ننجز مهمتنا بإعادة تجديد أمريكا، فإن هزيمة الشيوعية لن يتبعها انتصار الحرية بل تباطؤ ومن ثم انحلال متواصل نحو الفوضوية في العالم، ودور غير سوي للولايات المتحدة.
ولذلك ينبغي أن نمنع وقوع الكارثة التي توقع بها الاقتصادي العبقري جوزيف شامبيتر قبل زهاء ستين سنة بقوله (ستضيع الرأسمالية إنجازاتها. فنجاحها شل المؤسسات الاجتماعية الحامية لها).
فهل تستطيع الليبرالية قيادة العالم ونفي التعديات الحضارية والفكرية ؟ وهل بالإمكان فرض أفكار السوق الاستهلاكية وقيام العولمة على تعديات حضارية وتنميط البشر والمجتمعات على منطق واحد أوحد؟

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::2722::/cck::
::introtext::

الليبرالية مذهب رأسمالي ينادي بالحرية المطلقة في الميدانين الاقتصادي والسياسي، ولكن هذا المذهب اقترن بالثورة الصناعية وظهور صراع هذه الطبقة الجديدة مع القوى التقليدية، ولذلك فإن مطالب الليبراليين ارتبطت في بدايات ظهور هذا الفكر الجديد بالطبقات العليا في المجتمع الأوروبي، ثم اتسع هذا المفهوم بعد نضال طويل ولم يأت تلقائياً. وهي تلك الفترة التي شهدت التوسع الاستعماري وتكوين الإمبراطوريات، واستغلال شعوب المستعمرات من قبل الدول الرأسمالية الليبرالية.

::/introtext::
::fulltext::

الليبرالية مذهب رأسمالي ينادي بالحرية المطلقة في الميدانين الاقتصادي والسياسي، ولكن هذا المذهب اقترن بالثورة الصناعية وظهور صراع هذه الطبقة الجديدة مع القوى التقليدية، ولذلك فإن مطالب الليبراليين ارتبطت في بدايات ظهور هذا الفكر الجديد بالطبقات العليا في المجتمع الأوروبي، ثم اتسع هذا المفهوم بعد نضال طويل ولم يأت تلقائياً. وهي تلك الفترة التي شهدت التوسع الاستعماري وتكوين الإمبراطوريات، واستغلال شعوب المستعمرات من قبل الدول الرأسمالية الليبرالية.
لقد مرّت الليبرالية بثلاث مراحل منذ القرن السابع عشر وهي مرحلة: الليبرالية المطلقة ومرحلة الليبرالية المنظمة ومرحلة الليبرالية الطائشة، وهذه الأخيرة – كما يقول د. رمزي زكي – (هي الفترة التي امتدت ما بين بداية السبعينات وحتى الآن. حيث (صعدت الليبرالية الجديدة. وهي عبارة عن رؤية اقتصادية واجتماعية وسياسية، هدفها الرئيسي الدفاع عن مصالح أصحاب رؤوس الأموال، إلى الحد الذي دفع بعض أنصارها للقول إن حق الملكية له الأولوية على أي حقوق عامة أخرى بما فيها حق الحياة. ولا عجب، إذن أن تنادي هذه الليبرالية بالعودة إلى المفاهيم والمقولات الكلاسيكية المبكرة لليبرالية، فهي تؤمن إيماناً راسخاً بقدرة النظام الرأسمالي على النمو المستمر وعلى تحقيق التوظيف الكامل، وأنه قادر على تصحيح أزماته بشكل تلقائي، لو عادت له الحرية المطلقة (ونقاوة) السوق وابتعدت الدولة عن التدخل في سير العجلة الاقتصادية).
ولكن هذه المثاليات التي يطرحها الليبراليون الجدد لم تعد في الواقع، إلا شعاراً يرفع يذكرنا بالسياسات التي كانت مطبقة في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر فترة (الليبرالية المتوحشة)، حيث كانت الحرية الرأسمالية مطلقة من أي قيود وسلاحاً جاهزاً بيد الأقوى اقتصادياً من دون ضوابط لحركتهم، لأن الناس ما داموا متفاوتين في حظوظهم من المواهب الفكرية والجسدية والفرص الطبيعية، فمن الضروري أن يختلفوا في أسلوب الاستفادة من الحرية الاقتصادية الكاملة التي يوفرها المذهب الرأسمالي الليبرالي لهم، ولذلك فإن هذا الاختلاف الموجود في طبائع البشر وفي درجات قدراتهم، يمكن أن تصبح الحرية معه التعبير القانوني عن حق القوي في كل شيء، بينما لا تعني بالنسبة إلى غيره شيئاً.
صحيح أن (الكينزية) استطاعت أن تقلب مفاهيم الليبرالية، وأن تحقق دولة الرفاه والازدهار في أوروبا، وأثبتت (الكينزية) أن مقولات المدرسة الليبرالية القديمة عن التوازن التلقائي أو الآلي من خلال حرية التبادل والمبادرات الفردية والحرية الاقتصادية غير المنضبطة وغير المقيدة لا تؤدي بشكل طبيعي وفق ما قالوه في شعارهم الشهير (دعه يعمل دعه يمر)، بل أصبحت الدولة مضطرة لأن تتدخل، وأن تضع الإطار القانوني الذي يضمن تطبيق المبادرات الفردية، وتمنع الاحتكارات الكبرى. وأثبت الواقع أن الدولة لا يمكن أن تكتفي بدور الحكم فقط، إذ إن تنامي النظام الرأسمالي، وحدة المطالب العمالية، ومقتضيات اقتصاد الحرب والأعمار…إلخ، حتمت على الدولة أن تتدخل وأن تكون هي المحرك والمنظم لمجمل النظام الاقتصادي.
وهذا ما عبر عنه رائد المدرسة الكينزية (جون ماينرد كينز) عندما قال (ليس صحيحاً من مبادئ الاقتصاد أن المصلحة الشخصية تصب دائماً في خانة المصلحة العامة ( وهو ما دعا بعض الدول الغربية إلى التخلي عن الليبرالية الكلاسيكية، بعد اشتداد الأزمات الاقتصادية أو ما يعرف بالكساد الكبير أو التضخم الذي عصف بالرأسمالية والأخذ بنظرية اللورد كينز، لإحداث التوازن عندما عجزت الليبرالية عن تحقيقه وضبطه.
ففي الولايات المتحدة معقل الرأسمالية الليبرالية قام الرئيس روزفلت بوضع (البرنامج الجديد) المعروف بـ (The New Deal) الذي أدخل تنظيمات اقتصادية جديدة، وتضمن قيام الدولة بنشاطات اقتصادية مباشرة لإنعاش الاقتصاد الأمريكي المنكوب بأزمة التضخم والكساد، والتخلي عن بعض الأسس الليبرالية المنفتحة، والحد من حرية العمل والتجارة رغم بقائه على الملكية الخاصة والمبادرة الفردية….. إلخ.
لكن هذه الليبرالية المجددة – إذا جاز التعبير – واجهت المعارضة والسهام لإقصائها في بداية فترتي السبعينات والثمانينات من هذا القرن من الليبراليين المحافظين، عندما برزت بعض المشكلات الاقتصادية مثل عجز الموازنات الحكومية، وزيادة حجم الاقتراض، وانهيار نظام النقد الدولي، وزيادة أسعار النفط. وطالبوا بإعادة الاعتبار لليبرالية التقليدية بوصفها الدواء السحري، للنظام الرأسمالي الغربي. ولمواجهة ذلك كله – كما يرون – تتعين العودة للأصولية الرأسمالية. (وهذه العودة تحتاج إلى تغيرات أساسية في بنية وقواعد وآليات تشغيل النظام الرأسمالي. واقترح الليبراليون في هذا الخصوص جملة من السياسات الصارمة، مثل تحجيم دور الدولة وإبعادها عن النشاط الاقتصادي، وأن تتخلى الحكومات عن هدف التوظف الكامل ودولة الرعاية الاجتماعية، وأنه لتحقيق الاستقرار الاقتصادي وعودة الدماء لتراكم رأس المال، يتعين التصدي بحزم لعجز الموازنة العامة للدولة من خلال إلغاء الدعم، وخفض المصروفات الحكومية الموجهة للخدمات الاجتماعية، وإلغاء إعانات البطالة، وزيادة أسعار الطاقة والضرائب غير المباشرة، ونقل ملكية المشروعات العامة إلى القطـاع الخــاص، وتحويل بعض الوظائف التقليدية للدولة تدريجياً للقطاع الخاص، كما طالب الليبراليون الجدد بخفض معدلات الضرائب على الدخول المرتفعة وأرباح الشركات وعلى رؤوس الأموال حتى يمكن تحفيز الطبقة الرأسمالية على زيادة الادخار والاستثمار والإنتاج. وانحصرت مطالب الليبراليين الجدد في ما يتعلق بدور الحكومة في أن تحمي حرية السوق من أي تدخلات، وأن تضع سياسة نقدية صارمة للتحكم بعرض النقود بما يتناسب وحاجة التداول. وعادوا مرة أخرى إلى مفاهيم الليبرالية الكلاسيكية في قضية التوظف الكامل من خلال المبادرة الفردية، وهي أنه إذا توفرت الحرية في المجال العملي لجميع الأفراد، فإن الإنسان في المجتمع الحر يسعى إلى تحقيق مصالحه الخاصة، التي تؤدي في النهاية إلى توفير المصالح العامة.
وتشاء الأقدار أن تسقط الأيديولوجية الماركسية بعد عقدين من الزمن على التحول الذي طرأ على الليبرالية التقليدية، وهلل نسور الرأسمالية يهتفون بالنصر المبين، وكان الأحرى بهؤلاء أن يتأملوا هذا السقوط ويدرسوه حق الدراسة بعقلية النظرة الفاحصة الثاقبة لا بنظرة التفوق والتعالي والمركزية الواحدية، وحسب تقديــر أحدهم فإن ( التاريخ ليس بلا ذاكرة، وأحداثه لا تستبطن صفحاته الصماء، وتموت بالتلاشي والتقادم، بل إن فعلها يستمر يسري كتيار كهربائي في أفكار الناس وأحلامهم وتمنياتهم في اختراق المستحيل، وصولاً إلى ما يليق بآدميتهم التي كرمهم الخالق ولم يصنها المخلوق دائماً.
كما (أن الشيوعية لم تكن نبتاً شيطانياً جاء به الجن من كوكب آخر، بل هي بعض نتاج النظام الرأسمالي ذاته الذي يقدم للعالم كله اليوم، وكأنه طريق الخلاص، بل الخلاص ذاته.
فكل نظام يخلق نقيضه، وإذا كان النظام الشيوعي الذي عاش ثلاثة أرباع القرن لم يقدم النقيض الأرقى، فإن هذا لا يعني أبداً أن النظام الرأسمالي هو غاية المنى وذروة الطموح الإنساني، بدليل بسيط هو أن الإنسان في ظله لا يزال يحلم بالتغيير ويحاول التغيير سلماً حيث ما أمكنه والثورة حيث لا تجدي أشكال الاعتراض والرفض الديمقراطي.
ويرى (المدرسي) أنه إذا كان الصراع بين نظامين يفتقران إلى احترام إنسانية الإنسان على مستوى الكرة الأرضية قد أنهك بشر القرن العشرين، فليس زوال أحدهما بشارة مطلقة، وذلك أن عالماً بلا (عكازه) أخرى سيكون عالماً فاقداً للتوازن، إنه عالم مختل، إنه عالم السيد ومليارات العبيد السعداء بكونهم قد تخلصوا من الخطر المحتمل ليموتوا في ظل الخطر الداهم الذي طالما ناضلوا ضده، إنه سيكون عالم اللون الواحد، وهو بالنتيجة عالم مستحيل، فالرأسمالية ليست هي الكمال، حتى يمكن فرضها قسراً على أمم وحضارات مختلفة الأفكار والاتجاهات والأيديولوجيات.
والإشكالية الأكبر، كما عبر عن ذلك ريتشارد نيكسون، أن الأمريكيين يعتقدون أنهم مؤهلون لعيش حياة رغيدة، وأن هزيمة الاتحاد السوفييتي تعني أننا سنعتلي صهوة العالم غير آبهين بغيرنا. فأولئك الذين أطلق عليهم يوماً لقب (المتعلمون) أصبحوا اليوم (متحجري العقول)، ومن كانوا يوماً (الحليمون) باتوا اليوم (الوسواسيون)، وما كان بالأمس (اعتدالاً) غدا الآن (تزمتا) والذي سميناه يوما بــ (اللامسؤولية)، أمسى الآن (دع الأمور تجري في أعنتها)، والذي كنيناه بــ(الانغماس الذاتي) بات اليوم (تحقيق الذات).
لقد أزيلت القيود العرفية على السلوك الشخصي أو تم تخفيفها، ومع هذا لم تزل الفكرة الطاغية هي فكرة أن مشكلات الجريمة والمخدرات ووباء الفقر، هي ولادات (المجتمع)، أي أننا نضع اللوم على المجتمع في أخطائنا بدلاً من محاسبة الذات. فإذا لم ننجز مهمتنا بإعادة تجديد أمريكا، فإن هزيمة الشيوعية لن يتبعها انتصار الحرية بل تباطؤ ومن ثم انحلال متواصل نحو الفوضوية في العالم، ودور غير سوي للولايات المتحدة.
ولذلك ينبغي أن نمنع وقوع الكارثة التي توقع بها الاقتصادي العبقري جوزيف شامبيتر قبل زهاء ستين سنة بقوله (ستضيع الرأسمالية إنجازاتها. فنجاحها شل المؤسسات الاجتماعية الحامية لها).
فهل تستطيع الليبرالية قيادة العالم ونفي التعديات الحضارية والفكرية ؟ وهل بالإمكان فرض أفكار السوق الاستهلاكية وقيام العولمة على تعديات حضارية وتنميط البشر والمجتمعات على منطق واحد أوحد؟

::/fulltext::
::cck::2722::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *