تبعات أخطاء وخطايا إدارة دولة عظمى
::cck::2571::/cck::
::introtext::
أكثر الظواهر التي تطغى على أقوال وأفعال وتصرفات وإيماءات أجساد أركان إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش بعد هجمات 11 سبتمبر 2001 هي الكذب والخداع والتزييف والتبجح. فبعد حصار محكم طويل على جمهورية العراق لمدة تزيد على 12 عاماً أنهك هذا القطر كلياً، بدأ العد التنازلي المشؤوم لاجتياح العراق باستخدام كل ما في جعبة الولايات المتحدة الأمريكية من قوة سياسية ودبلوماسية وإعلامية وعسكرية واقتصادية مالية.
::/introtext::
::fulltext::
أكثر الظواهر التي تطغى على أقوال وأفعال وتصرفات وإيماءات أجساد أركان إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش بعد هجمات 11 سبتمبر 2001 هي الكذب والخداع والتزييف والتبجح. فبعد حصار محكم طويل على جمهورية العراق لمدة تزيد على 12 عاماً أنهك هذا القطر كلياً، بدأ العد التنازلي المشؤوم لاجتياح العراق باستخدام كل ما في جعبة الولايات المتحدة الأمريكية من قوة سياسية ودبلوماسية وإعلامية وعسكرية واقتصادية مالية. كان المبرر المعلن الأول هو نزع أسلحة الدمار الشامل العراقية والذي سرعان ما ثبت بُطلانه. ثم مضت الإدارة الأمريكية في استخفافها بعقول البشر عبر العالم بالزعم أن الحرب على العراق هي امتداد لحرب تلك الإدارة على الإرهاب، وأن هنالك شواهد تشير إلى حدوث أدبيات غزل بين زعماء تنظيم القاعدة ونظام الحكم في العراق. وأتبعت الإدارة الأمريكية ذلك بزعم كاذب جديد هو إنقاذ العراق مما هو فيه تحت حكم الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، حتى إن عملية اجتياح العراق عسكرياً واحتلاله بأكمله حملت الرمز التضليلي (عملية تحرير العراق). وتلك المبررات زعم جديد هو نشر الديمقراطية وإنقاذ حقوق الإنسان وتحرير المرأة العراقية، لكن لا يخفى على مطلع أو جاهل أو عاقل أن أكثر الضحايا تأثراً بالحملة العسكرية الأنجلو-أمريكية كانت تلك التي زعمت الإدارة الأمريكية أنها جاءت لإنقاذها وتحريرها. وأخيراً وبعد إدخال الفتن العرقية والمذهبية والسياسية الطائفية ذهبت إدارة السيد جورج بوش بعيداً إلى الزعم الأخرق بأنها ماضية في إنقاذ السنة من الشيعة والعكس بالعكس، وإنقاذ الأكراد من العرب والعكس بالعكس كذلك، وأن تلك المفخخات العمياء التي تحصد الأرواح بلا تمييز ما هي إلا من صنع أحقاد تلك الفئات المتصارعة.ثم تلا المبررات والخزعبلات السابقة تلك زعم الإدارة الأمريكية الأكبر في نشر الديمقراطية في الشرق الأوسط الكبير، مشروع لا يكاد ينجو منه أحد يتمتع بميزات شرق أوسطية بالاسم أو العنوان أو الشكل الخارجي، ناهيك عن الفكر الداخلي. وبسبب حملات الإعلام الأمريكي المحمومة الهوجاء المصاحبة للحملة العسكرية على بلاد العرب عامةً والعراق خاصةً بات كل من يتمتع بملامح شرق أوسطية من لون بشرة وشعر رأس وذقن كثيف مطلوباً، بشكل استفزازي مباشر أو ماكر غير مباشر وغير معلن، على كل معبر حدودي أو مطار أو ميناء بحري. على الشخص الشرق أوسطي والحال هذه أن يفتح جيوبه وحافظة نقوده أمام ضابط الأمن ليعد له ما فيها من نقود مصحوبة بأسئلة تحقيق ليتأكد أنها ليست ملكاً لشبكة (إرهابية) مزعومة. هذا بالنسبة للجيوب على الحدود، أما الأرصدة العربية في المصارف والمؤسسات المالية في الدول الغربية فقد بات مصيرها في علم الغيب وتحت رحمة قرارات الإدارة الأمريكية. ما يزعم به السيد جورج بوش في محاولته لتحرير الشعوب أوقعها في أيدي مؤسسات أمنية تُموّل من وزارة الدفاع الأمريكية، وتعمل لمصلحة فئة من الناس لا تشبع ولا ترتوي مالاً وخيرات وسيطرة على الآخرين.قبل 11 سبتمبر 2001 كان من الندرة بمكان أن ترى مثقفاً سياسياً عربياً واحداً لا يعتقد إلا بقيادة إسرائيل للولايات المتحدة الأمريكية في الشأن السياسي الخارجي، خاصةً اتجاه الشرق الأوسط؛ ظاهرياً عن طريق اللوبي الصهيوني المتخندق في مواقع صنع القرار الرئيسية في الولايات المتحدة. وبعد الاجتياح الأمريكي للعراق ثبت أن إسرائيل هي التي كانت تنفذ قدر استطاعتها طموحات ووصايا الساسة الأمريكيين المشبعة بالحقد والكراهية والتحيز والانتقام ضد العرب والمسلمين. حيث إن المطلع على الإجراءات الأمريكية ضد بلدات وضواحي وأحياء المدن العراقية الفقيرة تحت الاحتلال الأنجلو-أمريكي يرى أن الإجراءات الإسرائيلية ضد نظيرات العراقية من المواقع الفلسطينية تشكل صورة مستنسخة ومصغرة مما هو في التصور الأصل للإدارة الأمريكية. وعلى المرء ألا يجهد نفسه كثيراً في المقارنة عندما يرى الأسوار والجدران العازلة بين الطوائف والأعراق أصبحت ظاهرة في العاصمة بغداد والمدن والبلدات الرئيسية الأخرى.منذ البداية تم تقسيم مدن العراق إلى كانتونات وشبه منعزلات قريبة الشكل والتخطيط مما كان يفعله قدامى المستوطنين الأمريكيين بالهنود الحمر، وما فعله النازيون بالأقليات العرقية في الدول التي كان ينجح الجيش النازي الألماني في احتلالها، إنه استخفاف مطلق بكافة حقوق الإنسان، خاصة النساء والأطفال والشيوخ.واللافت للنظر أكثر في المشهد العراقي هو ركون القيادات الطائفية إلى الأقوال وبعض الإجراءات الشكلية الزائفة الخادعة الأمريكية، وممارسة تلك القيادات سياسة التخندق الطائفي والمذهبي السياسي والتي تصر على أتباعها السير في ذلك النهج التدميري بعيد المدى. لقد انقسم الشعب العراقي فعلاً على نفسه، وأصبح هم الكثيرين منه الرجوع في التاريخ إلى مئات السنين الماضية والبدء من هناك بحياكة مسار التاريخ من جديد، لا بل البدء بمحاكمة من يعتقد أنه خرج عن نهج الطريق القويم وإرسال من يمكن إرساله إلى جحيم أو جنة العدالة الطائفية المستشرية الجديدة. وفي ذلك قدّم السياسيون العراقيون خدمة جليلة أثلجت صدور قيادات الاحتلال الأنجلو-الأمريكي العسكرية والسياسية، وبات هؤلاء الطائفيون على استعداد لتقديم كافة التنازلات الممكنة، وحتى غير الممكنة لإرضاء المحرِّرين الجدد؛ تنازلات عن النفط وإنشاء القواعد العسكرية الأمريكية الدائمة والتحكم بل السيطرة على أدق تفاصيل الأمور الداخلية والسياسة الخارجية للعراق.إقليمياً، فإن البركان الداخلي العراقي أصبح بقدرته على الانفجار يهدد الجوار القريب والبعيد بالويلات والثبور، مع الاستمرار في عمليات الشحن الطائفي الذي يعبّق أمواج الأثير ليلاً نهاراً. إن ذلك سيجبر بقية أنظمة وشعوب العرب على التهافت لإرضاء المحتل الجديد الطامع في السيطرة على الشرق الأوسط الكبير انطلاقاً من نجاح خطة السيد نوري المالكي العسكرية الأمنية في (فرض القانون) في بغداد.لقد أوقع الاحتلال الأنجلو-أمريكي للعراق كافة العرب، وفي منطقة الخليج العربي خاصة، بين فكي كماشة الاحتلال الغربي المباشر وبين الطموحات الإيرانية من جهة الشرق في أجزاء واسعة وحساسة أمنياً واقتصادياً من العالم العربي، وتساعد الفتنة السياسية المستحدثة بفعل الاحتلال الأنجلو-أمريكي للعراق الإدارة الأمريكية على ابتزاز العرب والإيرانيين المعنيين في المنطقة، ويسري ذلك الابتزاز على أصدقاء أمريكا والمناوئين لها والمحافظين والمعتدلين والليبراليين وعلى حد سواء؛ ولا عجب في ذلك في السياسة الأمريكية الخارجية، فحفظ ورعاية المصالح الأمريكية فوق كل اعتبار. ويشمل الابتزاز الأمريكي الجديد الأمور السياسية والعسكرية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية والجيو-استراتيجية. ولكبح جماح كل مجموعة ضد الأخرى عليهم جميعاً دفع فاتورة مرتفعة من الحسابات كمّاً ونوعاً تبدأ ولا تنتهي، تنتهي ربما بإذابة الشخصية والوجود لكل منهما وتقريبها لتلائم التعايش كل على حدة مع الدولة العبرية في مقدمة لقبولها في المجتمع الدولي.إحدى أكثر الضحايا تأثراً بالهجمة الأنجلو-أمريكية هي الثقافة العربية والإسلامية التي وبسبب الإعلام الغربي والناطق بالعربية أصبح يُنظر إليها على أنها عناوين للتخلف الحضاري والإرهاب الفكري والمعنوي. ولا يخفى على المتتبع للحملة العسكرية الأنجلو-أمريكية أن الهدف الأوسع منها هو كسر العمود الفقري للثقافة والشخصية العربية والإسلامية وجعلها محل سخرية واستهتار وشعور بعدم الثقة بها أمام الأمم الأخرى. وبسرعة تحل الثقافة الغربية التي تركز على الأمور المادية المتمثلة في النهم المتصاعد نحو استهلاك الطعام وممارسة الألعاب والجنس محل ثقافة الزهد والتسامي الأخلاقي والروحي. وشيئاً فشيئاً تتقدم تلك المفاهيم في المجتمع، وتساعد بل تسارع في انحلاله الفكري والأخلاقي وفي جنوحه نحو المادية الجشعة. ونتساءل ما الذي تريده الإدارة الأمريكية خاصةً والغربية عامةً من العرب خاصةً والمسلمين عامةً، كلٌّ على التوالي؟ ينظر الغرب الحديث إلى المشكلات المترسبة من الماضي والحاضر والقابلة للتضخيم في المستقبل على أن مصدرها الأصلي هو العقيدة الدينية وبالذات الإسلامية. وفي نظر معظم الساسة الغربيين فإن الإسلام السياسي والعسكري هو مصدر تهديد حقيقي للكيانات الغربية إلى جانب التهديد المتمثل بالنمو التراكمي للكتل البشرية الإسلامية في مواطنها الأصلية وفي مواطن الهجرة في بلاد الغرب. وإذا ما بقيت الأمور على أحوالها فإنه خلال المستقبل المنظور ستصبح الأقلية الإسلامية في بلاد الغرب تنافس السكان الأصليين في العدد والقوة السياسية. وإذا ما استمر الفكر الإسلامي الأصولي والعسكري في السيطرة على عقول الأجيال فإن موازين القوى ستميل بسرعة وبشكل جارف إلى جانب المد الإسلامي، الذي يشكل غزواً سلمياً بطيئاً لديار الغرب. ولذلك بات المحللون والمفكرون الاستراتيجيون في سباق بل صراع مع الزمن في محاولة إحداث تغيير جوهري في الكيانات العربية والإسلامية بحيث تنشأ أجيال تقبل بالمفاهيم الغربية في طرق العيش والتعايش مع الآخرين.ومن خلال التجربة التاريخية للشعوب والأمم التي خضعت للهيمنة الغربية بشكل عام والأمريكية بشكل خاص لن يساهم الاحتلال الأمريكي الجديد للمنطقة في جلب الازدهار الاقتصادي والثقافي والاجتماعي والتقني للمنطقة. لكن على العكس من ذلك كل ما يمكن أن ينضح من وعاء الاحتلال الأمريكي لأي شعب هو التبعية للأجنبي والخنوع لشروط وإملاءات الخارج، وفي الوضع الإقليمي والعربي والعراقي خاصة الاستمرار في حالة الاحتقان الداخلي بين مختلف الفئات والطوائف. وعلى المدى البعيد ستنشأ كتل طائفية سياسية متناحرة حتى النخاع تتخذ المذهبية والعرقية قاعدة وحافزاً لاستمرار التفكك والفوضى في منطقة هي آخر ما تحتاج إليه بسبب طبيعتها الديموغرافية الخاصة. إن المنطقة بحاجة ماسة إلى عقليات أبنائها وإلى بقاء قرارها السياسي والإداري بيدها وليست بحاجة إلى أن تفقد استقلالها، ولو الشكلي، لتعود إلى أيام الاستعمار المباشر من جديد. وفي هذا الصدد ينظر الساسة الأمريكيون إلى الدول الأخرى كـ (جمهوريات موز) بما لدى تلك الدول من خيرات طبيعية من السهولة بمكان إعادة السيطرة عليها.ومن أجل هذا والكثير الأعظم مما خفي بات على شعوب وحكام المنطقة المهددة بالنكبة الاستعمارية من جديد أن يتوحدوا ويقولوا كلمتهم التي ترفض الوجود الاستعماري على أراضيهم حتى لو أرضى ذلك الوجود بعضاً من تلك الفئات ضد البعض الآخر كتكتيك استعماري قديم. وبصريح العبارة لم يأت الاحتلال الأنجلو-أمريكي إلى المنطقة لإنقاذ الشيعة من السنة ولا الأكراد ولا الفرس من العرب، وقطعاً لا العكس هو الصحيح. إذ إن تلك المزاعم ما هي إلا ترّهات إعلامية تصلح فقط غذاءً فكرياً للدهماء ومختلف قادة النظريات الطائفية الضيقة المتخلفة. فآخر ما يفكر به الساسة الأمريكيون هو نشر الديمقراطية وحماية حقوق الإنسان وتحرير المرأة خارج حدود بلادهم، فالأهمية الأولى والأخيرة هي للمصالح التي في جلها يعتمد على نهب الخيرات وسلب إرادة الغير. ولم يفت الأوان بعد على جميع الكتل المهددة بخطر الاجتياح الأمريكي في المنطقة كي تجلس مع نفسها، ومع الآخرين حول طاولة مستديرة، وتتدارك أمرها وتعرف حدودها، وتلتزم بها حفاظاً على مصالح الجميع في المنطقة.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2571::/cck::
::introtext::
أكثر الظواهر التي تطغى على أقوال وأفعال وتصرفات وإيماءات أجساد أركان إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش بعد هجمات 11 سبتمبر 2001 هي الكذب والخداع والتزييف والتبجح. فبعد حصار محكم طويل على جمهورية العراق لمدة تزيد على 12 عاماً أنهك هذا القطر كلياً، بدأ العد التنازلي المشؤوم لاجتياح العراق باستخدام كل ما في جعبة الولايات المتحدة الأمريكية من قوة سياسية ودبلوماسية وإعلامية وعسكرية واقتصادية مالية.
::/introtext::
::fulltext::
أكثر الظواهر التي تطغى على أقوال وأفعال وتصرفات وإيماءات أجساد أركان إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش بعد هجمات 11 سبتمبر 2001 هي الكذب والخداع والتزييف والتبجح. فبعد حصار محكم طويل على جمهورية العراق لمدة تزيد على 12 عاماً أنهك هذا القطر كلياً، بدأ العد التنازلي المشؤوم لاجتياح العراق باستخدام كل ما في جعبة الولايات المتحدة الأمريكية من قوة سياسية ودبلوماسية وإعلامية وعسكرية واقتصادية مالية. كان المبرر المعلن الأول هو نزع أسلحة الدمار الشامل العراقية والذي سرعان ما ثبت بُطلانه. ثم مضت الإدارة الأمريكية في استخفافها بعقول البشر عبر العالم بالزعم أن الحرب على العراق هي امتداد لحرب تلك الإدارة على الإرهاب، وأن هنالك شواهد تشير إلى حدوث أدبيات غزل بين زعماء تنظيم القاعدة ونظام الحكم في العراق. وأتبعت الإدارة الأمريكية ذلك بزعم كاذب جديد هو إنقاذ العراق مما هو فيه تحت حكم الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، حتى إن عملية اجتياح العراق عسكرياً واحتلاله بأكمله حملت الرمز التضليلي (عملية تحرير العراق). وتلك المبررات زعم جديد هو نشر الديمقراطية وإنقاذ حقوق الإنسان وتحرير المرأة العراقية، لكن لا يخفى على مطلع أو جاهل أو عاقل أن أكثر الضحايا تأثراً بالحملة العسكرية الأنجلو-أمريكية كانت تلك التي زعمت الإدارة الأمريكية أنها جاءت لإنقاذها وتحريرها. وأخيراً وبعد إدخال الفتن العرقية والمذهبية والسياسية الطائفية ذهبت إدارة السيد جورج بوش بعيداً إلى الزعم الأخرق بأنها ماضية في إنقاذ السنة من الشيعة والعكس بالعكس، وإنقاذ الأكراد من العرب والعكس بالعكس كذلك، وأن تلك المفخخات العمياء التي تحصد الأرواح بلا تمييز ما هي إلا من صنع أحقاد تلك الفئات المتصارعة.ثم تلا المبررات والخزعبلات السابقة تلك زعم الإدارة الأمريكية الأكبر في نشر الديمقراطية في الشرق الأوسط الكبير، مشروع لا يكاد ينجو منه أحد يتمتع بميزات شرق أوسطية بالاسم أو العنوان أو الشكل الخارجي، ناهيك عن الفكر الداخلي. وبسبب حملات الإعلام الأمريكي المحمومة الهوجاء المصاحبة للحملة العسكرية على بلاد العرب عامةً والعراق خاصةً بات كل من يتمتع بملامح شرق أوسطية من لون بشرة وشعر رأس وذقن كثيف مطلوباً، بشكل استفزازي مباشر أو ماكر غير مباشر وغير معلن، على كل معبر حدودي أو مطار أو ميناء بحري. على الشخص الشرق أوسطي والحال هذه أن يفتح جيوبه وحافظة نقوده أمام ضابط الأمن ليعد له ما فيها من نقود مصحوبة بأسئلة تحقيق ليتأكد أنها ليست ملكاً لشبكة (إرهابية) مزعومة. هذا بالنسبة للجيوب على الحدود، أما الأرصدة العربية في المصارف والمؤسسات المالية في الدول الغربية فقد بات مصيرها في علم الغيب وتحت رحمة قرارات الإدارة الأمريكية. ما يزعم به السيد جورج بوش في محاولته لتحرير الشعوب أوقعها في أيدي مؤسسات أمنية تُموّل من وزارة الدفاع الأمريكية، وتعمل لمصلحة فئة من الناس لا تشبع ولا ترتوي مالاً وخيرات وسيطرة على الآخرين.قبل 11 سبتمبر 2001 كان من الندرة بمكان أن ترى مثقفاً سياسياً عربياً واحداً لا يعتقد إلا بقيادة إسرائيل للولايات المتحدة الأمريكية في الشأن السياسي الخارجي، خاصةً اتجاه الشرق الأوسط؛ ظاهرياً عن طريق اللوبي الصهيوني المتخندق في مواقع صنع القرار الرئيسية في الولايات المتحدة. وبعد الاجتياح الأمريكي للعراق ثبت أن إسرائيل هي التي كانت تنفذ قدر استطاعتها طموحات ووصايا الساسة الأمريكيين المشبعة بالحقد والكراهية والتحيز والانتقام ضد العرب والمسلمين. حيث إن المطلع على الإجراءات الأمريكية ضد بلدات وضواحي وأحياء المدن العراقية الفقيرة تحت الاحتلال الأنجلو-أمريكي يرى أن الإجراءات الإسرائيلية ضد نظيرات العراقية من المواقع الفلسطينية تشكل صورة مستنسخة ومصغرة مما هو في التصور الأصل للإدارة الأمريكية. وعلى المرء ألا يجهد نفسه كثيراً في المقارنة عندما يرى الأسوار والجدران العازلة بين الطوائف والأعراق أصبحت ظاهرة في العاصمة بغداد والمدن والبلدات الرئيسية الأخرى.منذ البداية تم تقسيم مدن العراق إلى كانتونات وشبه منعزلات قريبة الشكل والتخطيط مما كان يفعله قدامى المستوطنين الأمريكيين بالهنود الحمر، وما فعله النازيون بالأقليات العرقية في الدول التي كان ينجح الجيش النازي الألماني في احتلالها، إنه استخفاف مطلق بكافة حقوق الإنسان، خاصة النساء والأطفال والشيوخ.واللافت للنظر أكثر في المشهد العراقي هو ركون القيادات الطائفية إلى الأقوال وبعض الإجراءات الشكلية الزائفة الخادعة الأمريكية، وممارسة تلك القيادات سياسة التخندق الطائفي والمذهبي السياسي والتي تصر على أتباعها السير في ذلك النهج التدميري بعيد المدى. لقد انقسم الشعب العراقي فعلاً على نفسه، وأصبح هم الكثيرين منه الرجوع في التاريخ إلى مئات السنين الماضية والبدء من هناك بحياكة مسار التاريخ من جديد، لا بل البدء بمحاكمة من يعتقد أنه خرج عن نهج الطريق القويم وإرسال من يمكن إرساله إلى جحيم أو جنة العدالة الطائفية المستشرية الجديدة. وفي ذلك قدّم السياسيون العراقيون خدمة جليلة أثلجت صدور قيادات الاحتلال الأنجلو-الأمريكي العسكرية والسياسية، وبات هؤلاء الطائفيون على استعداد لتقديم كافة التنازلات الممكنة، وحتى غير الممكنة لإرضاء المحرِّرين الجدد؛ تنازلات عن النفط وإنشاء القواعد العسكرية الأمريكية الدائمة والتحكم بل السيطرة على أدق تفاصيل الأمور الداخلية والسياسة الخارجية للعراق.إقليمياً، فإن البركان الداخلي العراقي أصبح بقدرته على الانفجار يهدد الجوار القريب والبعيد بالويلات والثبور، مع الاستمرار في عمليات الشحن الطائفي الذي يعبّق أمواج الأثير ليلاً نهاراً. إن ذلك سيجبر بقية أنظمة وشعوب العرب على التهافت لإرضاء المحتل الجديد الطامع في السيطرة على الشرق الأوسط الكبير انطلاقاً من نجاح خطة السيد نوري المالكي العسكرية الأمنية في (فرض القانون) في بغداد.لقد أوقع الاحتلال الأنجلو-أمريكي للعراق كافة العرب، وفي منطقة الخليج العربي خاصة، بين فكي كماشة الاحتلال الغربي المباشر وبين الطموحات الإيرانية من جهة الشرق في أجزاء واسعة وحساسة أمنياً واقتصادياً من العالم العربي، وتساعد الفتنة السياسية المستحدثة بفعل الاحتلال الأنجلو-أمريكي للعراق الإدارة الأمريكية على ابتزاز العرب والإيرانيين المعنيين في المنطقة، ويسري ذلك الابتزاز على أصدقاء أمريكا والمناوئين لها والمحافظين والمعتدلين والليبراليين وعلى حد سواء؛ ولا عجب في ذلك في السياسة الأمريكية الخارجية، فحفظ ورعاية المصالح الأمريكية فوق كل اعتبار. ويشمل الابتزاز الأمريكي الجديد الأمور السياسية والعسكرية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية والجيو-استراتيجية. ولكبح جماح كل مجموعة ضد الأخرى عليهم جميعاً دفع فاتورة مرتفعة من الحسابات كمّاً ونوعاً تبدأ ولا تنتهي، تنتهي ربما بإذابة الشخصية والوجود لكل منهما وتقريبها لتلائم التعايش كل على حدة مع الدولة العبرية في مقدمة لقبولها في المجتمع الدولي.إحدى أكثر الضحايا تأثراً بالهجمة الأنجلو-أمريكية هي الثقافة العربية والإسلامية التي وبسبب الإعلام الغربي والناطق بالعربية أصبح يُنظر إليها على أنها عناوين للتخلف الحضاري والإرهاب الفكري والمعنوي. ولا يخفى على المتتبع للحملة العسكرية الأنجلو-أمريكية أن الهدف الأوسع منها هو كسر العمود الفقري للثقافة والشخصية العربية والإسلامية وجعلها محل سخرية واستهتار وشعور بعدم الثقة بها أمام الأمم الأخرى. وبسرعة تحل الثقافة الغربية التي تركز على الأمور المادية المتمثلة في النهم المتصاعد نحو استهلاك الطعام وممارسة الألعاب والجنس محل ثقافة الزهد والتسامي الأخلاقي والروحي. وشيئاً فشيئاً تتقدم تلك المفاهيم في المجتمع، وتساعد بل تسارع في انحلاله الفكري والأخلاقي وفي جنوحه نحو المادية الجشعة. ونتساءل ما الذي تريده الإدارة الأمريكية خاصةً والغربية عامةً من العرب خاصةً والمسلمين عامةً، كلٌّ على التوالي؟ ينظر الغرب الحديث إلى المشكلات المترسبة من الماضي والحاضر والقابلة للتضخيم في المستقبل على أن مصدرها الأصلي هو العقيدة الدينية وبالذات الإسلامية. وفي نظر معظم الساسة الغربيين فإن الإسلام السياسي والعسكري هو مصدر تهديد حقيقي للكيانات الغربية إلى جانب التهديد المتمثل بالنمو التراكمي للكتل البشرية الإسلامية في مواطنها الأصلية وفي مواطن الهجرة في بلاد الغرب. وإذا ما بقيت الأمور على أحوالها فإنه خلال المستقبل المنظور ستصبح الأقلية الإسلامية في بلاد الغرب تنافس السكان الأصليين في العدد والقوة السياسية. وإذا ما استمر الفكر الإسلامي الأصولي والعسكري في السيطرة على عقول الأجيال فإن موازين القوى ستميل بسرعة وبشكل جارف إلى جانب المد الإسلامي، الذي يشكل غزواً سلمياً بطيئاً لديار الغرب. ولذلك بات المحللون والمفكرون الاستراتيجيون في سباق بل صراع مع الزمن في محاولة إحداث تغيير جوهري في الكيانات العربية والإسلامية بحيث تنشأ أجيال تقبل بالمفاهيم الغربية في طرق العيش والتعايش مع الآخرين.ومن خلال التجربة التاريخية للشعوب والأمم التي خضعت للهيمنة الغربية بشكل عام والأمريكية بشكل خاص لن يساهم الاحتلال الأمريكي الجديد للمنطقة في جلب الازدهار الاقتصادي والثقافي والاجتماعي والتقني للمنطقة. لكن على العكس من ذلك كل ما يمكن أن ينضح من وعاء الاحتلال الأمريكي لأي شعب هو التبعية للأجنبي والخنوع لشروط وإملاءات الخارج، وفي الوضع الإقليمي والعربي والعراقي خاصة الاستمرار في حالة الاحتقان الداخلي بين مختلف الفئات والطوائف. وعلى المدى البعيد ستنشأ كتل طائفية سياسية متناحرة حتى النخاع تتخذ المذهبية والعرقية قاعدة وحافزاً لاستمرار التفكك والفوضى في منطقة هي آخر ما تحتاج إليه بسبب طبيعتها الديموغرافية الخاصة. إن المنطقة بحاجة ماسة إلى عقليات أبنائها وإلى بقاء قرارها السياسي والإداري بيدها وليست بحاجة إلى أن تفقد استقلالها، ولو الشكلي، لتعود إلى أيام الاستعمار المباشر من جديد. وفي هذا الصدد ينظر الساسة الأمريكيون إلى الدول الأخرى كـ (جمهوريات موز) بما لدى تلك الدول من خيرات طبيعية من السهولة بمكان إعادة السيطرة عليها.ومن أجل هذا والكثير الأعظم مما خفي بات على شعوب وحكام المنطقة المهددة بالنكبة الاستعمارية من جديد أن يتوحدوا ويقولوا كلمتهم التي ترفض الوجود الاستعماري على أراضيهم حتى لو أرضى ذلك الوجود بعضاً من تلك الفئات ضد البعض الآخر كتكتيك استعماري قديم. وبصريح العبارة لم يأت الاحتلال الأنجلو-أمريكي إلى المنطقة لإنقاذ الشيعة من السنة ولا الأكراد ولا الفرس من العرب، وقطعاً لا العكس هو الصحيح. إذ إن تلك المزاعم ما هي إلا ترّهات إعلامية تصلح فقط غذاءً فكرياً للدهماء ومختلف قادة النظريات الطائفية الضيقة المتخلفة. فآخر ما يفكر به الساسة الأمريكيون هو نشر الديمقراطية وحماية حقوق الإنسان وتحرير المرأة خارج حدود بلادهم، فالأهمية الأولى والأخيرة هي للمصالح التي في جلها يعتمد على نهب الخيرات وسلب إرادة الغير. ولم يفت الأوان بعد على جميع الكتل المهددة بخطر الاجتياح الأمريكي في المنطقة كي تجلس مع نفسها، ومع الآخرين حول طاولة مستديرة، وتتدارك أمرها وتعرف حدودها، وتلتزم بها حفاظاً على مصالح الجميع في المنطقة.
::/fulltext::
::cck::2571::/cck::
