موسكو وواشنطن: من الحرب الباردة إلى السلام البارد
::cck::2482::/cck::
::introtext::
دفع تصاعد وتيرة التصريحات الإعلامية بين الرئيس الأمريكي بوش والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في الأونة الأخيرة، الرئيس بوش إلى القول إن الحرب الباردة انتهت ونحن في الآن في القرن الحادي والعشرين وعلينا مواجهة التهديدات الحقيقية، منوهاً بالإرهاب وانتشار الأسلحة النووية. لكن الرئيس بوتين قلق من سياسة الرئيس بوش بشأن نشر درع الدفاع الاستراتيجي في بولندا والتشيك، اذ أعلن الرئيس بوتين أن سياسة بوش في نشر الدروع تجعل أوروبا برميل بارود، وأن ملئها بأسلحة جديدة أمر خطر وضار.
::/introtext::
::fulltext::
دفع تصاعد وتيرة التصريحات الإعلامية بين الرئيس الأمريكي بوش والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في الأونة الأخيرة، الرئيس بوش إلى القول إن الحرب الباردة انتهت ونحن في الآن في القرن الحادي والعشرين وعلينا مواجهة التهديدات الحقيقية، منوهاً بالإرهاب وانتشار الأسلحة النووية. لكن الرئيس فلاديمير بوتين قلق من سياسة الرئيس جورج بوش بشأن نشر درع الدفاع الاستراتيجي في بولندا والتشيك، اذ أعلن الرئيس بوتين أن سياسة بوش في نشر الدروع تجعل أوروبا برميل بارود، وأن ملئها بأسلحة جديدة أمر خطر وضار.
وجاء رد الرئيس الروسي بإجراء تجربة صاروخية ناجحة، حيث أعلن المتحدث باسم سلاح الصواريخ الاستراتيجية الروسي، أن تجربة اطلاق الصاروخ RS-24 كانت ناجحة، وهو من الصواريخ العابرة للقارات ICBM، والذي سيحل محل الصاروخين الحاليين SS-18, SS-19، كما صرح نائب رئيس الوزراء الروسي سيرجي إيفانوف أن الصاروخ الجديد بمقدوره خرق أي درع صاروخية ويصل مداه إلى 3400 ميل (5470 كيلومتراً)، تعد التجربة رسالة موجهة إلى واشنطن بأن روسيا تعيد التوازن الاستراتيجي العالمي، وأن روسيا تستطيع تهديد العمق الاستراتيجي الأمريكي. وكان الرئيس بوتين قد أعلن في نوفمبر الماضي تخصيص 200 مليار دولار لبرنامج تحديث المعدات العسكرية الروسية على مدى عشر سنوات مقبلة.
إن تحذير الرئيس بوتين لواشنطن يعتبر الثالث منذ فبراير الماضي، عندما شن هجوماً لاذعاً على بوش في مؤتمر ميونيخ للأمن، ثم في بداية مايو الماضي شن هجوماً ثانياً على سياسة واشنطن، وقد جاء التحذير الأخير مع نهاية مايو وإجراء التجربة الصاروخية في 29 مايو ليعكس جدية الرسالة الموجهة إلى بوش.
ولن يكون تحذير سباق التسلح موجهاً إلى واشنطن فقط، بل أيضاً إلى الصين الشعبية، الجارة لروسيا والدولة العظمى القادمة، من أن روسيا لا تزال تملك قدرة الضربة الأولى والضربة الثانية، وأنه رغم العلاقات الوطيدة مع بكين وتجربة الأخيرة للصاروخ الاعتراضي في الفضاء Anti-Satellite Weapon والذي تم بنجاح، فإن موسكو تملك التوازن الاستراتيجي والدور العالمي في القرن الحادي والعشرين.
غير أن حقيقة الأمر أن رد الفعل الروسي له أبعاده الداخلية والخارجية، فالرئيس بوتين يريد أن يعزز الدور الروسي عالمياً ويعيد المواطن الروسي إلى أمجاد الإمبراطورية السوفيتية عندما كان لها دورها في ظل نظام ثنائي القطبية في زمن الحرب الباردة، والتي يهيئ الرأي العام الروسي لها في ظل الانتخابات البرلمانية القادمة (الدوما) والانتخابات الرئاسية في بداية عام 2008، لذا فإن خطاب بوتين موجه للرأي العام الداخلي في روسيا، فضلاً عن الرأي العام العالمي في ظل الكره الذي يجتاح العالم ضد سياسة الرئيس الأمريكي بوش من أمريكا اللاتينية وإفريقيا وآسيا.
وقد تكون سياسة الرئيس بوش دفعت بوتين لشن الهجمات السياسية على واشنطن لأسباب تتعلق بالاستراتيجية الأمريكية اتجاه روسيا وبتوسع الناتو والقواعد الأمريكية في آسيا الوسطى ونشر الدرع الصاروخية، ولكن لفهم هذه الخلافات لا بد من التذكير بسياسة واشنطن عند سقوط الاتحاد السوفيتي وانهيار اقتصاده وحاجته للاستثمارات والقروض لبناء الاقتصاد والنهوض بروسيا من أزمتها، ثم سياسة الرئيس الراحل بورس يلتسن التي كانت تتجه نحو أوروبا، ولا بد من الاشارة إلى أن خلفية بوتين تختلف عن يلتسن كما أن الظروف الدولية والإقليمية قد تغيرت.
عندما انهار الاتحاد السوفيتي كانت روسيا الوريث له في حالة أزمة اقتصادية، ولذلك كانت بحاجة للقروض والاستثمار الأوروبي، ولكن روسيا في عهد بوتين قد خرجت من كبوتها الاقتصادية، وبسبب ارتفاع أسعار البترول استطاعت بناء اقتصادها الذي تحول من اقتصاد منهار وضعيف إلى اقتصاد قوي، وكما يقول بعض الخبراء الروس، إن روسيا أصبحت مستقلة اقتصادياً وهي في نظرهم أكثر استقراراً من الولايات المتحدة، وإنها ليست بحاجة ملحة للرأسمال الغربي والاستثمارات الغربية، وقد دفعت ديونها قبل وقتها، وإن هذا النمو الاقتصادي قد عزز الثقة بالنفس في روسيا التي أصبحت في الآونة الأخيرة تهدد باستعمال الطاقة كورقة ضغط سياسي وخصوصاً الدول التي انضمت إلى حلف الناتو والاتحاد الأوروبي. ولعل واشنطن لم تستطع أن تفرق بين عهد بورس يلتسن وعهد بوتين القادم من خلفية الحقبة الأمنية السوفيتية KGB.
إن الاستقلال والبناء الاقتصاديين اللذين تحققا في روسيا لهما انعكاساتهما السياسية والاستراتيجية، وإذا كانت حقبة يلتسن قد سمحت بالخضوع للضغوط الغربية وأدت إلى انشاء قواعد عسكرية أمريكية في آسيا الوسطى وتغاضت عن توسع الناتو شرقا، فإن روسيا الآن بصدد الوقوف في وجه توسع الناتو الذي يريد تطويق روسيا ويعيد سياسة الاحتواء التي مارستها واشنطن في الحرب الباردة.
لقد تأسس الناتو عام 1949 لمقاومة النفوذ السوفيتي، ورغم نهاية حلف وارسو الذي شكله السوفيت في مواجهة الناتو عام 1955، إلا أن الولايات المتحدة أكدت استمرارية حلف الناتو رغم نهاية الخطر السوفيتي، ولطمأنة موسكو تم ايجاد صيغ من التعاون المؤسسي بين روسيا والناتو، مثل تأسيس المجلس المشترك لحلف الناتو وروسيا PJC والذي تحول عام 2002 إلى المجلس الروسي-الناتو NRC، إلا أن توسع الناتو ليضم بعض دول شرق أوروبا التي كانت ضمن منظومة حلف وارسو أقلق بوتين، ودفع بغيوم عدم الثقة لتسود سماء العلاقات بين موسكو وواشنطن، فالولايات المتحدة أرادت توسيع مجال الناتو الذي كان مقتصراً على أوروبا، وحاولت، كما تدعي، ملء الفراغ الاستراتيجي بعد انهيار السوفيت، ولكن موسكو رأت في التوسع والاقتراب من حدودها الغربية تهديداً لها، حيث إن أوروبا الشرقية ضمن المجال الحيوي الروسي مع آسيا الوسطى، لذلك رغم محاولة طمأنة روسيا فقد كانت موسكو قلقة، خصوصاً مع بروز الخلافات السياسية بين روسيا ودول البلطيق وبولندا وكذلك الخلافات الروسية مع أوكرانيا وجورجيا.
وإذا نظرنا لهذا القلق من منظار جيوبولتيكي، فإن واشنطن تريد تعزيز علاقاتها مع أوروبا الشرقية التي تعتبر دولاً عازلة بين ألمانيا وروسيا، خصوصاً أن واشنطن قلقة من التقارب بين موسكو وبرلين، باعتبار أن هذا التقارب، إذا حدث، يهدد النفوذ الأمريكي في القارة الأوروبية. فلا شك في أن واشنطن تريد أن تكون موسكو خطراً ماثلاً أمام أوروبا من أجل وجودها في القارة الأوروبية، فالعدو الخارجي يعتبر دائماً مبرراً للوجود الأمريكي، ولعل هذه السياسة تقلق روسيا التي تريد علاقات قوية مع أوروبا بعيداً عن الوصاية الأمريكية، وخصوصاً في الجمهوريات السوفيتية السابقة التي تثير الحساسيات مع موسكو لدرجة أن الرئيس بوش قد صرح مؤخراً، أن بعض دول أوروبا الشرقية العضو في الناتو والاتحاد الأوروبي تريد إيجاد توتر بين موسكو وواشنطن.
وإذا كانت قضية الناتو والتوسع شرقاً مقلقة للرئيس بوتين، فإن الوجود الأمريكي في آسيا الوسطى مقلق بدوره، حيث استغلت واشنطن ضعف روسيا مع سقوط الاتحاد السوفيتي، وقامت بتوسيع علاقاتها في آسيا الوسطى وذلك للسيطرة على بترول بحر قزوين، وكانت مبررات واشنطن في وجودها في آسيا الوسطى مواجهة ما تسميه (حركات التطرف الإسلامي)، وكانت روسيا قلقة من أحداث الشيشان، ولكن موسكو تنبهت لهذا الوجود الذي يمثل خطراً على أمنها القومي، خصوصاً بعد أن استطاعت واشنطن الدفع بحلف الناتو الى ان يرسل القوات إلى أفغانستان، مما جعلها سابقة خطرة بتوريط الناتو خارج أوروبا، هذا التورط الذي وصفه الكاتب الأمريكي ويليام فاف بـ (مقبرة للناتو)، والمغامرة (الأفغانية والتي قد تمثل بداية النهاية لحلف الناتو لأن أعضاءه الأوروبيين سمحوا له بأن يتحول من تحالف دفاعي إلى قوة مساعدة للسياسة الخارجية الأمريكية)، ويحاول بوتين أن يستغل مأزق الناتو في أفغانستان لإيجاد ثغرة في العلاقات الأوروبية-الأمريكية للنفاذ منها لتعزيز الدور الروسي في القارة.
ولكن لا بد من الإشارة إلى أن التصعيد الأمريكي مع موسكو ونشر درع الدفاع الاستراتيجي في أوروبا الغربية محاولة لتضخيم الخطر الروسي، للانضواء تحت المظلة الأمريكية، ومن جهة أخرى فإن الولايات المتحدة ستشهد انتخابات رئاسية في نوفمبر 2008، وبما أن سياسة بوش مرتبطة بالرأي العام الأمريكي في ظل الانتخابات، فإن التوتر مع روسيا يعد فرصة للرئيس الامريكي بوش للفت الرأي العام الأمريكي لمنطقة توتر أخرى، بعد فشل واشنطن في أفغانستان والعراق واقتراب الاستحقاق الانتخابي، حيث يمكن أن يساء التذكير بحقبة الحرب الباردة لتمرير ميزانية الدفاع الأمريكي التي تتجاوز 400 مليار دولار مقابل ميزانية روسيا التي لا تتجاوز 30 مليار دولار
وحيث إن آسيا الوسطى مرتبطة بذهنية أمن الطاقة في واشنطن، فإن موسكو تعد هذه المنطقة التي كانت ضمن الاتحاد السوفيتي حيوية لها، وحاولت روسيا إيجاد نوع من الترابط من خلال رابطة الدول المستقلة لدول الاتحاد السوفيتي الأسبق، وعندما لم تحقق الأهداف منها، شرعت موسكو مع بكين في تشكيل منظمة تعاون شنغهاي SCO من أجل تحجيم النفوذ الأمريكي وإخراجه من آسيا الوسطى، بالاضافة إلى محاولة الحد من النفوذ الأمريكي في منطقة بحر قزوين ذات البترول والغاز الطبيعي.
ولا يقتصر قلق موسكو من نشر درع الدفاع الاستراتيجي الأمريكي، بل هو مرتبط بقضايا أخرى متعلقة، بالناتو وتوسيع دوره خارج أوروبا كما أشرنا، وآسيا الوسطى، وأيضا بسياسة واشنطن الأحادية الجانب، فإسقاط حركة طالبان رغم موافقة موسكو على ذلك إلا أنها ضد تنصيب نظام يخدم واشنطن، إذ كان الاتفاق على اسقاط حكومة الحركة، ولكن الاختلاف ظهر على النظام الذي يحكم في كابول وضرورة ألا يكون مطية في يد واشنطن يهدد مصالح روسيا، وإذا أخذنا تاريخ الصدام الروسي – البريطاني في المنطقة في القرن التاسع عشر، حيث أدت لأن تكون أفغانستان منطقة عازلة، فان موسكو لا تريد قواعد أمريكية في أفغانستان وهذا يفسر سر السلاح المتوفر بيد المقاومة الأفغانية.
ويبقى الأمر مرتبطاً أيضاً بقلق موسكو من الغزو الأمريكي للعراق واحتلاله، فالعراق منطقة استراتيجية تشرف على الخليج العربي وقريبة من إيران ذات الأهمية الاستراتيجية لموسكو، بالاضافة لغنى العراق بالنفط، وهذا يقلق روسيا أيضا التي تخشى من الهيمنة على الموقع الاستراتيجي والبترول والاقتراب من إيران التي تعتبرها مجالاً حيوياً بين النفوذ الأمريكي والروسي، وتبقى المصالح الروسية والدور الروسي العالمي والإقليمي هي التي تدفع بالصراع بين موسكو وواشنطن، وإذا لم يصل العراق إلى مستوى الحرب الباردة كما كان في العهد السوفيتي، فإنه الآن أشبه بسلام بارد، لأن أوروبا الآن ليست أوروبا الحرب الباردة وليس من مصلحتها تطوير النزاع مع موسكو.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2482::/cck::
::introtext::
دفع تصاعد وتيرة التصريحات الإعلامية بين الرئيس الأمريكي بوش والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في الأونة الأخيرة، الرئيس بوش إلى القول إن الحرب الباردة انتهت ونحن في الآن في القرن الحادي والعشرين وعلينا مواجهة التهديدات الحقيقية، منوهاً بالإرهاب وانتشار الأسلحة النووية. لكن الرئيس بوتين قلق من سياسة الرئيس بوش بشأن نشر درع الدفاع الاستراتيجي في بولندا والتشيك، اذ أعلن الرئيس بوتين أن سياسة بوش في نشر الدروع تجعل أوروبا برميل بارود، وأن ملئها بأسلحة جديدة أمر خطر وضار.
::/introtext::
::fulltext::
دفع تصاعد وتيرة التصريحات الإعلامية بين الرئيس الأمريكي بوش والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في الأونة الأخيرة، الرئيس بوش إلى القول إن الحرب الباردة انتهت ونحن في الآن في القرن الحادي والعشرين وعلينا مواجهة التهديدات الحقيقية، منوهاً بالإرهاب وانتشار الأسلحة النووية. لكن الرئيس فلاديمير بوتين قلق من سياسة الرئيس جورج بوش بشأن نشر درع الدفاع الاستراتيجي في بولندا والتشيك، اذ أعلن الرئيس بوتين أن سياسة بوش في نشر الدروع تجعل أوروبا برميل بارود، وأن ملئها بأسلحة جديدة أمر خطر وضار.
وجاء رد الرئيس الروسي بإجراء تجربة صاروخية ناجحة، حيث أعلن المتحدث باسم سلاح الصواريخ الاستراتيجية الروسي، أن تجربة اطلاق الصاروخ RS-24 كانت ناجحة، وهو من الصواريخ العابرة للقارات ICBM، والذي سيحل محل الصاروخين الحاليين SS-18, SS-19، كما صرح نائب رئيس الوزراء الروسي سيرجي إيفانوف أن الصاروخ الجديد بمقدوره خرق أي درع صاروخية ويصل مداه إلى 3400 ميل (5470 كيلومتراً)، تعد التجربة رسالة موجهة إلى واشنطن بأن روسيا تعيد التوازن الاستراتيجي العالمي، وأن روسيا تستطيع تهديد العمق الاستراتيجي الأمريكي. وكان الرئيس بوتين قد أعلن في نوفمبر الماضي تخصيص 200 مليار دولار لبرنامج تحديث المعدات العسكرية الروسية على مدى عشر سنوات مقبلة.
إن تحذير الرئيس بوتين لواشنطن يعتبر الثالث منذ فبراير الماضي، عندما شن هجوماً لاذعاً على بوش في مؤتمر ميونيخ للأمن، ثم في بداية مايو الماضي شن هجوماً ثانياً على سياسة واشنطن، وقد جاء التحذير الأخير مع نهاية مايو وإجراء التجربة الصاروخية في 29 مايو ليعكس جدية الرسالة الموجهة إلى بوش.
ولن يكون تحذير سباق التسلح موجهاً إلى واشنطن فقط، بل أيضاً إلى الصين الشعبية، الجارة لروسيا والدولة العظمى القادمة، من أن روسيا لا تزال تملك قدرة الضربة الأولى والضربة الثانية، وأنه رغم العلاقات الوطيدة مع بكين وتجربة الأخيرة للصاروخ الاعتراضي في الفضاء Anti-Satellite Weapon والذي تم بنجاح، فإن موسكو تملك التوازن الاستراتيجي والدور العالمي في القرن الحادي والعشرين.
غير أن حقيقة الأمر أن رد الفعل الروسي له أبعاده الداخلية والخارجية، فالرئيس بوتين يريد أن يعزز الدور الروسي عالمياً ويعيد المواطن الروسي إلى أمجاد الإمبراطورية السوفيتية عندما كان لها دورها في ظل نظام ثنائي القطبية في زمن الحرب الباردة، والتي يهيئ الرأي العام الروسي لها في ظل الانتخابات البرلمانية القادمة (الدوما) والانتخابات الرئاسية في بداية عام 2008، لذا فإن خطاب بوتين موجه للرأي العام الداخلي في روسيا، فضلاً عن الرأي العام العالمي في ظل الكره الذي يجتاح العالم ضد سياسة الرئيس الأمريكي بوش من أمريكا اللاتينية وإفريقيا وآسيا.
وقد تكون سياسة الرئيس بوش دفعت بوتين لشن الهجمات السياسية على واشنطن لأسباب تتعلق بالاستراتيجية الأمريكية اتجاه روسيا وبتوسع الناتو والقواعد الأمريكية في آسيا الوسطى ونشر الدرع الصاروخية، ولكن لفهم هذه الخلافات لا بد من التذكير بسياسة واشنطن عند سقوط الاتحاد السوفيتي وانهيار اقتصاده وحاجته للاستثمارات والقروض لبناء الاقتصاد والنهوض بروسيا من أزمتها، ثم سياسة الرئيس الراحل بورس يلتسن التي كانت تتجه نحو أوروبا، ولا بد من الاشارة إلى أن خلفية بوتين تختلف عن يلتسن كما أن الظروف الدولية والإقليمية قد تغيرت.
عندما انهار الاتحاد السوفيتي كانت روسيا الوريث له في حالة أزمة اقتصادية، ولذلك كانت بحاجة للقروض والاستثمار الأوروبي، ولكن روسيا في عهد بوتين قد خرجت من كبوتها الاقتصادية، وبسبب ارتفاع أسعار البترول استطاعت بناء اقتصادها الذي تحول من اقتصاد منهار وضعيف إلى اقتصاد قوي، وكما يقول بعض الخبراء الروس، إن روسيا أصبحت مستقلة اقتصادياً وهي في نظرهم أكثر استقراراً من الولايات المتحدة، وإنها ليست بحاجة ملحة للرأسمال الغربي والاستثمارات الغربية، وقد دفعت ديونها قبل وقتها، وإن هذا النمو الاقتصادي قد عزز الثقة بالنفس في روسيا التي أصبحت في الآونة الأخيرة تهدد باستعمال الطاقة كورقة ضغط سياسي وخصوصاً الدول التي انضمت إلى حلف الناتو والاتحاد الأوروبي. ولعل واشنطن لم تستطع أن تفرق بين عهد بورس يلتسن وعهد بوتين القادم من خلفية الحقبة الأمنية السوفيتية KGB.
إن الاستقلال والبناء الاقتصاديين اللذين تحققا في روسيا لهما انعكاساتهما السياسية والاستراتيجية، وإذا كانت حقبة يلتسن قد سمحت بالخضوع للضغوط الغربية وأدت إلى انشاء قواعد عسكرية أمريكية في آسيا الوسطى وتغاضت عن توسع الناتو شرقا، فإن روسيا الآن بصدد الوقوف في وجه توسع الناتو الذي يريد تطويق روسيا ويعيد سياسة الاحتواء التي مارستها واشنطن في الحرب الباردة.
لقد تأسس الناتو عام 1949 لمقاومة النفوذ السوفيتي، ورغم نهاية حلف وارسو الذي شكله السوفيت في مواجهة الناتو عام 1955، إلا أن الولايات المتحدة أكدت استمرارية حلف الناتو رغم نهاية الخطر السوفيتي، ولطمأنة موسكو تم ايجاد صيغ من التعاون المؤسسي بين روسيا والناتو، مثل تأسيس المجلس المشترك لحلف الناتو وروسيا PJC والذي تحول عام 2002 إلى المجلس الروسي-الناتو NRC، إلا أن توسع الناتو ليضم بعض دول شرق أوروبا التي كانت ضمن منظومة حلف وارسو أقلق بوتين، ودفع بغيوم عدم الثقة لتسود سماء العلاقات بين موسكو وواشنطن، فالولايات المتحدة أرادت توسيع مجال الناتو الذي كان مقتصراً على أوروبا، وحاولت، كما تدعي، ملء الفراغ الاستراتيجي بعد انهيار السوفيت، ولكن موسكو رأت في التوسع والاقتراب من حدودها الغربية تهديداً لها، حيث إن أوروبا الشرقية ضمن المجال الحيوي الروسي مع آسيا الوسطى، لذلك رغم محاولة طمأنة روسيا فقد كانت موسكو قلقة، خصوصاً مع بروز الخلافات السياسية بين روسيا ودول البلطيق وبولندا وكذلك الخلافات الروسية مع أوكرانيا وجورجيا.
وإذا نظرنا لهذا القلق من منظار جيوبولتيكي، فإن واشنطن تريد تعزيز علاقاتها مع أوروبا الشرقية التي تعتبر دولاً عازلة بين ألمانيا وروسيا، خصوصاً أن واشنطن قلقة من التقارب بين موسكو وبرلين، باعتبار أن هذا التقارب، إذا حدث، يهدد النفوذ الأمريكي في القارة الأوروبية. فلا شك في أن واشنطن تريد أن تكون موسكو خطراً ماثلاً أمام أوروبا من أجل وجودها في القارة الأوروبية، فالعدو الخارجي يعتبر دائماً مبرراً للوجود الأمريكي، ولعل هذه السياسة تقلق روسيا التي تريد علاقات قوية مع أوروبا بعيداً عن الوصاية الأمريكية، وخصوصاً في الجمهوريات السوفيتية السابقة التي تثير الحساسيات مع موسكو لدرجة أن الرئيس بوش قد صرح مؤخراً، أن بعض دول أوروبا الشرقية العضو في الناتو والاتحاد الأوروبي تريد إيجاد توتر بين موسكو وواشنطن.
وإذا كانت قضية الناتو والتوسع شرقاً مقلقة للرئيس بوتين، فإن الوجود الأمريكي في آسيا الوسطى مقلق بدوره، حيث استغلت واشنطن ضعف روسيا مع سقوط الاتحاد السوفيتي، وقامت بتوسيع علاقاتها في آسيا الوسطى وذلك للسيطرة على بترول بحر قزوين، وكانت مبررات واشنطن في وجودها في آسيا الوسطى مواجهة ما تسميه (حركات التطرف الإسلامي)، وكانت روسيا قلقة من أحداث الشيشان، ولكن موسكو تنبهت لهذا الوجود الذي يمثل خطراً على أمنها القومي، خصوصاً بعد أن استطاعت واشنطن الدفع بحلف الناتو الى ان يرسل القوات إلى أفغانستان، مما جعلها سابقة خطرة بتوريط الناتو خارج أوروبا، هذا التورط الذي وصفه الكاتب الأمريكي ويليام فاف بـ (مقبرة للناتو)، والمغامرة (الأفغانية والتي قد تمثل بداية النهاية لحلف الناتو لأن أعضاءه الأوروبيين سمحوا له بأن يتحول من تحالف دفاعي إلى قوة مساعدة للسياسة الخارجية الأمريكية)، ويحاول بوتين أن يستغل مأزق الناتو في أفغانستان لإيجاد ثغرة في العلاقات الأوروبية-الأمريكية للنفاذ منها لتعزيز الدور الروسي في القارة.
ولكن لا بد من الإشارة إلى أن التصعيد الأمريكي مع موسكو ونشر درع الدفاع الاستراتيجي في أوروبا الغربية محاولة لتضخيم الخطر الروسي، للانضواء تحت المظلة الأمريكية، ومن جهة أخرى فإن الولايات المتحدة ستشهد انتخابات رئاسية في نوفمبر 2008، وبما أن سياسة بوش مرتبطة بالرأي العام الأمريكي في ظل الانتخابات، فإن التوتر مع روسيا يعد فرصة للرئيس الامريكي بوش للفت الرأي العام الأمريكي لمنطقة توتر أخرى، بعد فشل واشنطن في أفغانستان والعراق واقتراب الاستحقاق الانتخابي، حيث يمكن أن يساء التذكير بحقبة الحرب الباردة لتمرير ميزانية الدفاع الأمريكي التي تتجاوز 400 مليار دولار مقابل ميزانية روسيا التي لا تتجاوز 30 مليار دولار
وحيث إن آسيا الوسطى مرتبطة بذهنية أمن الطاقة في واشنطن، فإن موسكو تعد هذه المنطقة التي كانت ضمن الاتحاد السوفيتي حيوية لها، وحاولت روسيا إيجاد نوع من الترابط من خلال رابطة الدول المستقلة لدول الاتحاد السوفيتي الأسبق، وعندما لم تحقق الأهداف منها، شرعت موسكو مع بكين في تشكيل منظمة تعاون شنغهاي SCO من أجل تحجيم النفوذ الأمريكي وإخراجه من آسيا الوسطى، بالاضافة إلى محاولة الحد من النفوذ الأمريكي في منطقة بحر قزوين ذات البترول والغاز الطبيعي.
ولا يقتصر قلق موسكو من نشر درع الدفاع الاستراتيجي الأمريكي، بل هو مرتبط بقضايا أخرى متعلقة، بالناتو وتوسيع دوره خارج أوروبا كما أشرنا، وآسيا الوسطى، وأيضا بسياسة واشنطن الأحادية الجانب، فإسقاط حركة طالبان رغم موافقة موسكو على ذلك إلا أنها ضد تنصيب نظام يخدم واشنطن، إذ كان الاتفاق على اسقاط حكومة الحركة، ولكن الاختلاف ظهر على النظام الذي يحكم في كابول وضرورة ألا يكون مطية في يد واشنطن يهدد مصالح روسيا، وإذا أخذنا تاريخ الصدام الروسي – البريطاني في المنطقة في القرن التاسع عشر، حيث أدت لأن تكون أفغانستان منطقة عازلة، فان موسكو لا تريد قواعد أمريكية في أفغانستان وهذا يفسر سر السلاح المتوفر بيد المقاومة الأفغانية.
ويبقى الأمر مرتبطاً أيضاً بقلق موسكو من الغزو الأمريكي للعراق واحتلاله، فالعراق منطقة استراتيجية تشرف على الخليج العربي وقريبة من إيران ذات الأهمية الاستراتيجية لموسكو، بالاضافة لغنى العراق بالنفط، وهذا يقلق روسيا أيضا التي تخشى من الهيمنة على الموقع الاستراتيجي والبترول والاقتراب من إيران التي تعتبرها مجالاً حيوياً بين النفوذ الأمريكي والروسي، وتبقى المصالح الروسية والدور الروسي العالمي والإقليمي هي التي تدفع بالصراع بين موسكو وواشنطن، وإذا لم يصل العراق إلى مستوى الحرب الباردة كما كان في العهد السوفيتي، فإنه الآن أشبه بسلام بارد، لأن أوروبا الآن ليست أوروبا الحرب الباردة وليس من مصلحتها تطوير النزاع مع موسكو.
::/fulltext::
::cck::2482::/cck::
