مأزق البرنامج النووي الإيراني
::cck::1594::/cck::
::introtext::
تتراوح تقديرات الفترة الزمنية التي قد تتمكن إيران خلالها من إنتاج اليورانيوم المخصب لأغراض تطوير أسلحة نووية من سنتين إلى عشر سنوات، وذلك على افتراض توفر الإرادة السياسية والقدرة على تجاوز المشكلات الفنية. لقد رفضت طهران الالتزام بقرارات مجلس الأمن الدولي وقامت بتسريع وتيرة تنفيذ برنامجها الخاص بتخصيب اليورانيوم.
::/introtext::
::fulltext::
الكاتب: تيم غولدمان
المصدر: المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية
مجلة سيرفايفل Survival ، المجلد، 49، العدد 3 سبتمبر 2007
تتراوح تقديرات الفترة الزمنية التي قد تتمكن إيران خلالها من إنتاج اليورانيوم المخصب لأغراض تطوير أسلحة نووية من سنتين إلى عشر سنوات، وذلك على افتراض توفر الإرادة السياسية والقدرة على تجاوز المشكلات الفنية. لقد رفضت طهران الالتزام بقرارات مجلس الأمن الدولي وقامت بتسريع وتيرة تنفيذ برنامجها الخاص بتخصيب اليورانيوم. وتهدف السياسة الإيرانية الحالية بشأن البرنامج النووي، على الأرجح، إلى بناء موقف تفاوضي قوي يفضي إلى التوصل لترتيبات ملائمة في نهاية المطاف تحترم مكانة إيران كقوة إقليمية، وتحقيق الاعتراف الكامل بالنظام القائم. غير أن مثل هذه التوقعات تصطدم مع السياسة الأمريكية بفرض مزيد من العزلة على إيران، ولذلك يظل احتمال تصعيد الأزمة قائماً. إن مثل هذا التصعيد يمنح النظام الإيراني الفرصة لكي يتبنى خياراً شبيهاً (بالخيار الكوبي)، وهو تبرير حالة الجمود والقمع الداخلي بأعذار المواجهة ضد عدو خارجي. وليس هناك فرصة لحدوث اختراق يمهد للتوصل إلى حل فعلي لهذه القضية قبل عام 2009. ولكن، لو تمت تهدئة التوترات وتفادي حدوث المزيد من التصعيد في المدى القصير، في ظل حكومة أمريكية جديدة، وربما في وجود حكومة تكنوقراط جديدة في إيران، فقد تنفتح نافذة أمل لمعالجة قضية البرنامج النووي الإيراني.
ما أهداف طهران؟
يتمتع البرنامج النووي بدعم وتأييد واسع داخل إيران، فالتحدي الإيراني للأسرة الدولية يعبر عن الثقافة السياسية السائدة في هذا البلد الذي يرى أن العالم الخارجي مهدد لها. إن القضية الرئيسية هنا: هل يعتزم الإيرانيون حقاً بناء قنبلة نووية؟ من المفترض أنه عندما واصلت إيران تنفيذ برنامجها النووي الذي كان قائماً خلال مرحلة ما قبل عام 1979م وخلال فترة الحرب الإيرانية ـ العراقية في مطلع ثمانينيات القرن العشرين، كانت أهداف ذلك البرنامج عسكرية. ولكن بعد نجاح التحالف الذي قادته الولايات المتحدة في إسقاط نظام صدام حسين في العراق، وشعور النظام الإيراني بخطر إمكانية توسيع نطاق العمل العسكري ليشمل تغيير النظام في إيران، قامت إيران بفتح برنامجها النووي وعززت التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ودخلت في مفاوضات مع الاتحاد الأوروبي وطبقت البروتوكول الإضافي الصادر عن الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وذلك خلال الفترة الممتدة من نهاية عام 2003 وحتى مطلع عام 2006. وفي عام 2004 أكد علي خامنئي المرشد الأعلى للثورة الإسلامية، وهو أعلى سلطة في إيران، الهدف السلمي للبرنامج النووي الإيراني والذي ينحصر في إنتاج الطاقة.
واليوم، فإن الهدف الأرجح للنظام هو التوصل إلى امتلاك خيار القدرة العسكرية ولكن ليس بناء القنبلة النووية نفسها أو إجراء اختبار نووي. أما الهدف الأساسي فهو إتقان استخدام تقنيات تخصيب اليورانيوم. ومنذ عام 2003، خلال فترة المفاوضات الدولية، لم يكن هناك أي مؤشر مهم يدل على استعداد إيران للتخلي عن هذا الهدف أو مقايضته بأي حوافز أخرى مقدمة من الدول الغربية.
إن سوء فهم هذه النقطة المهمة من قبل المفاوضين الأوروبيين كان أحد أسباب فشلهم في العملية التفاوضية. وكان التنازل الوحيد الذي قدمته إيران في هذا الخصوص هو تعليق أنشطة تخصيب اليورانيوم في عام 2003 في انتظار التوصل إلى اتفاق شامل، وهو الأمر الذي فسره الطرف الإيراني بأنه مواصلة شكل من أشكال إلغاء الإجراء الخاص بتعليق أنشطة التخصيب في مطلع عام 2006.
وفي 25 مايو 2007، أكدت الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن إيران كانت على وشك التوصل إلى هدفها الفوري المتمثل في امتلاك ثلاثة الآف وحدة من أجهزة الطرد المركزي اللازمة لتخصيب اليورانيوم. ومن الواضح أن تعزيز قدرات التخصيب قد قلص الفترة اللازمة حتى تكون إيران قد تمكنت ربما من امتلاك كمية كافية من اليورانيوم الصالح لتصنيع سلاح نووي. غير أن هذا التطور يتوقف على مدى الجودة الفنية لأجهزة الطرد المركزي والأهداف السياسية لإيران. وهناك مؤشرات تدل على وجود مشكلات فنية كبيرة. ويبدو أن إيران تتفادى إجراءات الاختبارات الطبيعية وتقوم بتركيب أكبر عدد من أجهزة الطرد المركزي خلال أسرع فترة ممكنة، ومن ثم تتعامل مع المشكلات الحتمية الناجمة عن ذلك بأفضل السبل الممكنة. وفي ظل هذه الظروف، يمكن أن نتوقع ارتفاع معدلات حدوث أعطال في المكائن وأجهزة الربط والتوصيل وتدني في مستوى أداء الفنيين.
إن تصريحات الرئيس محمود أحمدي نجاد في إبريل 2007 والأنشطة التي تمت مؤخراً تعد مؤشراً يدل على اتخاذ قرار سياسي بتسريع وتيرة تنفيذ البرنامج النووي. غير أن طهران عرضت في نهاية شهر يونيو الماضي معالجة القضايا الرئيسية المتعلقة بالأنشطة غير المعلنة سابقاً وذلك بالتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية. ففي الثامن من يوليو قال الدكتور محمد البرادعي ، المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، إنه تمت ملاحظة إبطاء كبير في وتيرة تركيب أجهزة طرد مركزي إضافية.
ومن المرجح أن يكون الهدف من زيادة النشاط الذي طرأ مؤخراً هو تعزيز قدرة إيران التفاوضية، ففي ضوء الأزمة الدائرة في العراق والجدل الداخلي بشأن الحرب على العراق في الولايات المتحدة نفسها، ترى إيران أن مخاطر احتمالات تنفيذ ضربة عسكرية أمريكية وفرض عقوبات فاعلة ضدها لا تزال محدودة، وبالتالي فهي تفترض أن الضغوط الدولية للتوصل إلى حل تفاوضي لقضية البرنامج النووي سوف تزداد. وفي هذه الظروف، ترغب إيران في تعزيز موقفها عن طريق التوسع السريع في قدرات التخصيب التي ترقى ظاهراً إلى حجم إنتاج صناعي، ولكن من دون إتقان تقنية التخصيب.
وعلى الرغم من تزايد حدة التوترات السياسية في دوائر النظام الإيراني، إلاّ أنه يبدو أن هناك إجماعاً سياسياً عاماً على مواصلة تنفيذ البرنامج النووي وفقاً لهذه الأسس. وكان الرئيس هاشمي رفسنجاني والإصلاحيون وحتى علي أردشير لاريجاني ، كبير مفاوضي الملف النووي الإيراني قد انتقدوا مواقف الرئيس أحمدي نجاد الاستفزازية، غير أنهم لم ينتقدوا البرنامج النووي نفسه. فالبرنامج النووي يتمتع بتأييد شعبي واسع وهو يطرح ويلقى قبولاً شعبياً بوصفه انجازاً وطنياً مهماً في مجال التقنية.
لقد ركز النقاش الدولي حول مآلات البرنامج النووي الإيراني على الأهداف العسكرية المفترضة، وهذا يتناقض بشدة مع طبيعة الجدل السياسي الداخلي حول هذا الموضوع في إيران. ويتأثر المفهوم الداخلي لهذه القضية بمشاعر الافتخار والعظمة، وبالأيدلوجية المتجذرة في التمسك باستقلال البلاد، وفوق كل ذلك بالرغبة في تحقيق تقدم في مجال يعد مهماً لمستقبل امدادات الطاقة. وهناك انطباع سائد على نطاق واسع في إيران بأن الغرب يحاول الحيلولة دون تقدم البلاد في مجال العلوم والتكنولوجيا.
وينظر إلى الموقف الدولي من هذه القضية على أساس أنه يتعامل بكياسة ولكن بأسلوب استعلائي يهدف إلى تكريس الاعتماد على الغير والتبعية للآخرين. وبوسع النظام الإيراني أن يستند إلى الدعم الشعبي الواسع في حجته التي يقول فيها إن إيران لديها الحق بوصفها دولة موقعة على معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية في تطوير صناعتها النووية الذاتية للأغراض المدنية السلمية، إلى جانب حقها في الحصول على التقنية النووية وذلك طبقاً لنص المادة الرابعة من المعاهدة نفسها. ويشعر الإيرانيون بأنهم مستهدفون وأنهم يعاقبون في ظل هذه الانتقائية، وذلك بالمقارنة مع الدول غير الموقعة على معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، مثل إسرائيل والهند وباكستان، وهي دول لم تتم معاقبتها، بل حظيت بالمحاباة، بالرغم من امتلاكها لأسلحة نووية. وعلى الرغم من الضغوط الدولية، المتمثلة في سلسلة من القرارات الصادرة عن الوكالة الدولية للطاقة الذرية وثلاثة قرارات من مجلس الأمن الدولي والعقوبات الأممية والأحادية والتهديد بشن هجوم عسكري من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل، فإن الإيرانيين لم يظهروا أي مرونة في تصميمهم وتمسكهم بمواصلة أنشطة تخصيب اليورانيوم. وتتحدى إيران الالتزامات الدولية التي يفرضها مجلس الأمن، على الرغم من أنها تعلن استعدادها للتفاوض من دون شروط مسبقة. غير أنه، بينما أشارت إيران في أغسطس 2006 إلى إمكانية طرح تعليق أنشطة التخصيب على أجندة التفاوض، فقد كان الموقف الرسمي في يوليو 2007 هو أن التعليق لم يعد قابلاً للتفاوض.
الثقافة السياسية الإيرانية
إن عدم المرونة هذا لا يمكن تفسيره بالاعتقاد الإيراني الذي يرى أن إيران في موقف قوة. كما أن اعتقاد الدول الغربية بأن إيران تكتسب مزيداً من النفوذ وأنها قد تحقق مزيداً من المكاسب من تصعيد النـزاعات الإقليمية يعد خاطئاً. إن الميزة الوحيدة التي ستجنيها طهران هو أن تردي الأوضاع في العراق قد مهد لعقد أول اجتماع رسمي على المستوى الثنائي مع الولايات المتحدة منذ سقوط نظام الشاه. ولكن بصفة عامة، فإن اتساع دائرة عدم الاستقرار في العراق وفي أماكن أخرى من المنطقة يسبب مشكلات جمة لإيران، وأهمها حدة التوتر مع جيرانها من الدول العربية. ومن المفترض أن النظام الإيراني يتفهم هذه المشكلات، على الرغم من نزعة العناصر المتطرفة، خاصة المقربين من الرئيس أحمدي نجاد، الذين يعملون على استغلال ظروف هذه المواجهة مع الغرب لتعزيز وترسيخ أوضاعهم الداخلية. ولكن بصفة عامة، فإن عدم المرونة التي يبديها الطرف الإيراني بشأن الأزمة النووية يمكن تفسيرها على أفضل نحو ليس من منطلق مراعاة المصالح الوطنية الحيوية للبلاد، وإنما من خلال الثقافة السياسية السائدة في إيران ونظامها السياسي.
يستند أحد الجوانب المهمة في الثقافة السياسية الإيرانية إلى تقاليد طائفة الشيعة. فمعركة كربلاء التي وقعت عام 680م في العراق الحديث، والتي قتل فيها الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب وهو صهر النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) في القتال الذي دار ضد قوات أكثر تفوقاً، أضحت هذه المعركة حدثاً رمزياً مهماً لهوية الشيعة في البلاد، وهي من أهم مرتكزاتهم الثقافية. فقد أضحت المعاناة التي تتجسد في أن يكون الفرد ضحية لقوة غاشمة وغير شرعية ولظلم جائر من جهة ظالمة، أضحت الفكرة الأساسية التي تطغى على معتقدات الشيعة. وهنا يعمد الشيعة إلى إبراز فكرة الظلم وليس الوقوف في وجهه. ويحتفي الشيعة بطقوس تلك المعاناة خلال أيام الحداد (عاشوراء). ويشعر الإيرانيون بانعدام الثقة العميق تجاه العالم الخارجي، ويستصحبون في ذاكرتهم تاريخاً طويلاً من التهديدات والاعتداءات الأجنبية المتواصلة تمتد من عهود المغول والروس والبريطانيين والأمريكان والعراقيين، وذلك امتداداً حتى التهديدات العسكرية الحالية الموجهة إليهم من إسرائيل. والإيرانيون على قناعة تامة بشرعية موقفهم وعدم مشروعية العمل العدائي الذي قد يوجه من أطراف خارجية ضدهم. وساعد هذا الاعتقاد على تكوين رغبة قوية في الاعتماد على الذات والتمسك بالاستقلال، وهو الشعور الذي عززته الثورة الإسلامية عام 1979م.
وترى إيران في نفسها تجسيداً لحضارة عريقة، وهي ترغب أن يعاملها الآخرون باحترام انطلاقاً من مقتضيات هذه المكانة. إن هذا الاعتداد بالنفس والمطالبة بالاحترام تعد عناصر رئيسية في تطلعات إيران التي تطالب بأن تعامل بوصفها قوة إقليمية ولاعباً رئيسياً في العالم الإسلامي. إن إصرار إيران على ضرورة الاحترام الدولي يدعمه الشعور الوطني القوي بالعراقة والافتخار بالوطن في أوساط الشعب. فقد أضحت عبارة (بالاحترام المتبادل) شرطاً مسبقاً لتحقيق أي تحسن في العلاقات الأمريكية ـ الإيرانية. وما دامت الإدارة الأمريكية تصر على تصنيف النظام الإيراني ضمن (محور الشر)، وما دام تغيير النظام هو هدف السياسة الأمريكية، فإن طهران ليست مستعدة لتسوية قضية البرنامج النووي الإيراني أو أية قضايا إقليمية أخرى مع الدول الغربية.
إن إصرار إيران على استعادة قضية ملفها النووي من أروقة مجلس الأمن الدولي إلى الوكالة الدولية للطاقة الذرية يعبر عن شعور إيران بالاعتداء على شرفها الوطني، ورفضها أن تعامل بوصفها مجرماً مداناً بدلاً من أن تكون شريكاً أصيلاً في المفاوضات. إن الاحترام والشرف سوف يشكلان الشرط المسبق للتوصل إلى أي حل، ونعني الحل الذي يتيح لإيران حفظ ماء وجهها وعدم فرض الحلول عليها بضغوط من الخارج. وبالطبع فإن النظام الإيراني لن يستسلم مطلقاً، غير أنه سوف يتجنب الدخول في مواجهة مفتوحة وسيتخذ مواقف تتسم بالغموض للإبقاء على جميع خياراته مفتوحة.
يضم النظام الحالي مجموعات مختلفة تتنافس بصورة دائمة من أجل الحصول على السلطة والنفوذ. والسياسة المتبعة في معظمها هي نتاج عملية إصلاح تدريجي تسعى لترسيخ الإجماع الداخلي، ولكنها ليست نتيجة قرار واضح من قبل القائد الأعلى للبلاد. وبالتالي فإن من الصعب اتخاذ قرارات استراتيجية لتغيير السياسة الوطنية، حتى ولو كان ذلك يصب في المصلحة القومية للبلاد. لقد أصبح البرنامج النووي قضية رئيسية في لعبة السلطة الداخلية، وليس من الممكن للنظام أن يخضع للضغوط الدولية ويستسلم لقرارات مجلس الأمن. إن شروط الاتفاق الدولي، أو حتى شروط الدخول في مفاوضات جادة لابد من أن تضم تعهدات باحترام موقف إيران، وذلك لكي تفسح المجال للنظام لكي يتخذ خطوات جادة في هذا الخصوص. غير أن ظهور مثل هذا التوجه مستبعد في القريب العاجل، سواء من قبل الولايات المتحدة أو من قبل القادة الجدد في فرنسا وبريطانيا.
المأزق والتصعيد واحتمالات المواجهة
أصبحت سياسة احتواء إيران سمة رئيسية للسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، حيث أضحت النظرة لهذا النظام وبرنامجه النووي أنهما يشكلان المهدد الرئيسي للاستقرار في المنطقة، وفوق كل ذلك، أنهما يهددان أمن إسرائيل. وتتبنى واشنطن ثلاثة أهداف متزامنة ومتداخلة في الوقت نفسه، وهي احتواء ما تعتبره تطلعات إيران في الهيمنة على المنطقة، وايقاف البرنامج النووي لإيران، وتغيير النظام من خلال العمل من أجل (إيران حرة وديمقراطية).
ويظل تنفيذ ضربة عسكرية لإيقاف البرنامج النووي خياراً صريحاً، يقبله من حيث المبدأ الديمقراطيون وأغلبية أعضاء الكونجرس. وهناك احتمال ضئيل بحدوث تغيير جوهري في سياسة واشنطن إزاء طهران خلال الفترة المتبقية من فترة إدارة الرئيس بوش، وذلك على الرغم من أن الحوار الثنائي الذي جرى مؤخراً بشأن العراق يشير إلى حدوث بعض المرونة الجديدة في منطقة تعد من مجالات المصالح الأمريكية المهمة. وحتى لو تم التوصل إلى تفاهم محدود بشأن العراق، فإنه لن يؤثر في المقاربة العامة الخاصة بسياسة الاحتواء، وذلك على الأقل حتى تتسلم الإدارة الأمريكية الجديدة مقاليد الحكم في مطلع عام 2009. إن إعلان الرئيس بوش اعتزامه عدم ترك مشكلة البرنامج النووي الإيراني للرئيس الذي سيخلفه في المنصب توحي لنا باحتمال حدوث المزيد من التصعيد في إطار هذه المقاربة.
ولكن، ليس هناك من حل لأزمة البرنامج النووي من دون مشاركة الولايات المتحدة. فأي ترتيبات تتم عبر التفاوض لا بد أن تحظى بدعم فاعل من قبل واشنطن والأعضاء الدائمين في مجلس الأمن. ومن خلال القرارات التي أصدرها مجلس الأمن، فإن المطالبة بإيقاف أنشطة التخصيب بوصفها شرطاً مسبقاً لأي اتفاق مستقبلي قد أضحت من مسلمات القانون الدولي. وعلى الرغم من أن العقوبات التي فرضها مجلس الأمن لا تضم أي إجراءات تشكل تأثيراً جدياً في إيران، إلى جانب الضغوط الأمريكية على البنوك والشركات في أوروبا وآسيا، فإنها من دون شك قد تسببت في إحداث تدهور عام في مناخ الاستثمار وأعمال القطاع الخاص داخل إيران. وكانت البنوك الدولية الرئيسية مثل بنك كريدي سويس Credit Suisse وكوميرزبانك Comerzbank قد توقفت عن إجراء أنشطة المقاصة لصادرات النفط الإيرانية.
ويواجه المستوردون الإيرانيون صعوبات متزايدة في فتح خطابات اعتماد في البنوك الأجنبية، كما تم تقييد ضمانات الصادرات التي تقدمها المؤسسات المالية في الدول الغربية إلى حد كبير. إن تدهور ظروف التجارة الخارجية قد أدى إلى مزيد من السوء في محنة الاقتصاد الداخلي الذي كان يعاني أصلاً في ظل السياسات الاقتصادية الكارثية التي انتهجتها حكومة الرئيس أحمدي نجاد.
ولم تتمكن الحكومة من تحويل الدخل الناجم عن استمرار ارتفاع أسعار النفط ليؤثر في تحسين الظروف المعيشية للسكان بصفة عامة. وكان الريع الضخم الذي ضخته أموال النفط قد امتصته مؤسسات الاحتكار الحكومية وشبه الحكومية (المؤسسات الإسلامية)، والإنفاق على المؤسسات الاجتماعية الجماهيرية والتدخل العشوائي من قبل الدولة في الاقتصاد، مثل فرض نسب فائدة منخفضة على القروض الصغيرة التي أجبرت البنوك على تقديمها، بالاضافة إلى ارتفاع حجم واردات البلاد من السلع الاستهلاكية نظراً لتحرير التجارة. كما تعطل إنشاء سوق للأوراق المالية بسبب القيود الحكومية. وهذا يؤدي إلى استفحال التضخم وإعاقة تدفق الاستثمارات في القطاع الخاص الضعيف. ويتناقض سوء الأحوال المعيشية لأغلبية السكان مع حالة تنامي الاستهلاك البذخي الذي تنعم به الأقلية المحظية في إيران. أما وعود الرئيس أحمدي نجاد بشعاراته الشعوبية الجامحة فإنها ذهبت أدراج الرياح ولن يستطيع الإيفاء بها وتحقيقها على أرض الواقع.
ومن جهة أخرى تزايدت حدة التوترات بين طهران وجاراتها من الدول العربية، التي تنظر إلى أنشطة طهران النووية بوصفها أداة لتحقيق تطلعات الهيمنة الشيعية والفارسية على المنطقة. فقد أعلنت مصر ودول مجلس التعاون الخليجي والمملكة العربية السعودية وتركيا والأردن اعتزامها تطوير الطاقة النووية التي تزعم أنها لخدمة أهداف مدنية. وأدت التطورات في العراق ولبنان إلى زيادة حدة النـزاع بين السنة والشيعة. وكانت هذه التوترات مع العالم العربي، التي زادتها الجهود الأمريكية لتعزيز قيام جبهة إقليمية معادية لإيران، قد أدت إلى تزايد المخاوف الإيرانية من احتمالات العزلة، والتي انعكست في جدل داخلي جديد وقوي حول أهمية الوحدة الإسلامية والحوار بين الشيعة والسنة.
وطالما استمر تماسك الإجماع الدولي في مجلس الأمن حول كيفية معالجة قضية الملف النووي الإيراني، فإن طهران سوف تواجه صعوبة في تصوير الضغوط الدولية بوصفها ضرباً من الإمبريالية الغربية. وكانت السياسة التي انتهجها الرئيس الإيراني السابق محمد خاتمي بالتزام الحوار والوفاق قد ساعدت إيران على فك طوق عزلتها الخارجية، ولكنها تركت العلاقات مع الولايات المتحدة كأهم مشكلة عالقة. غير أن أزمة الملف النووي والمعالجة الاستفزازية لها من قبل الرئيس أحمدي نجاد أدت إلى تغيير اتجاه ذلك التطور إلى العكس.
وهناك مؤشرات تدل على أن سياسة الرئيس نجاد الشعوبية المتطرفة أضحت تفتقر إلى التأييد. فجولاته الواسعة في أنحاء إيران المختلفة، على الرغم من أنه لا يزال يعمل على تعبئة الشعب، لا يمكن أن تستمر في الحفاظ على ما حققته من نجاح في المرحلة الأولى. وكان تقلص شعبيته قد أدى إلى هزيمة مؤيديه في الانتخابات البلدية وانتخابات اختيار (مجلس الخبراء) في إيران (الذي ينتخب ويشرف على القائد الأعلى) والتي جرت في 15 ديسمبر 2006.
وكان الرئيسان السابقان خاتمي ورافسنجاني قد ظهرا سوياً للإدلاء بصوتيهما في صندوق الاقتراع خلال تلك الانتخابات. غير أن جميع السياسيين الرئيسيين هم جزء لا يتجزأ من منظومة النظام نفسه، ومن الصعب جداً التوصل إلى بديل موثوق أو صياغة تحالف مؤثر ضد أحمدي نجاد. فالشعب يعتبر الانتقادات الصادرة عن خصومة من داخل النظام غير فاعلة، والرئيس السابق خاتمي نفسه يؤيد الرئيس نجاد صراحة لأنه أصبح مستقلاً إلى حد كبير عن قبضة نفوذ القائد الأعلى للثورة الإسلامية. ومن خلال مراسيمه وتصريحاته الموجهة لخدمة سياساته الشعوبية، فإن أحمدي نجاد يتحدى على نحو مكشوف ويتجاوز مؤسسات الدولة الأخرى مثل القضاء والبرلمان والبنك المركزي، كما أنه يثير غضب رجال الدين. وكان فوز الرئيس نجاد في انتخابات عام 2005 هو رسالة احتجاج من قبل الشعب، غير أن عقارب الساعة لن تعود إلى الوراء لتأتي برئيس آخر. وإذا أخذنا في الحسبان الطريقة التي يسير بها الاقتصاد الإيراني وتطوره المستقبلي فإن من المستبعد بشدة أن يفوز الرئيس أحمدي نجاد بفترة رئاسية ثانية في عام 2009، بشرط أن تكون الانتخابات التي ستنظمها وزارة الداخلية في حكومته ملتزمة بأقل المعايير الديمقراطية. وفي ظل الظروف الحالية التي يسودها نظام ينتهج جزءاً من الممارسة الديمقراطية، فإن البديل الواقعي الوحيد لنظام الرئيس أحمدي نجاد هو حكومة تكنوقراط تأتي تلبية لرد فعل براجماتي من قبل الناخبين الذين حرموا من الخيار الديمقراطي الحقيقي.
وينبغي عدم توقع حدوث أي تغييرات كبيرة أو تقديم تنازلات رئيسية من النظام الإيراني خلال العامين المقبلين على صعيد الملف النووي، غير أن هناك فرصة لحدوث انفراج. فإذا استمر انخراط النظام في الحوار حول العراق وقضية الملف النووي، فإن طهران قد تنتهج مساراً أكثر اعتدالاً في سياستها الخارجية، ومن ثم تميل إلى تجنب المواجهة المكشوفة والتعرض إلى مزيد من العزلة. إن النجاح الإيراني في اتفاق تقنيات تخصيب اليورانيوم قد يؤدي أيضاً إلى إفساح مساحة أوسع في ساحة السياسة الداخلية للتوصل إلى تسوية مقبولة لدى جميع الأطراف. كما أن موقف الأسرة الدولية هو الذي سيحدد ما إذا كان هذا السيناريو التفاؤلي ممكناً أم غير ذلك، وسيقتضي الأمر التخلي على الأقل عن اتخاذ المزيد من الخطوات التي تزيد من عبء الضغوط على إيران بسبب تعنتها وعدم التزامها بقرارات مجلس الأمن الدولي.
ولكن في أسوأ الحالات، وخاصة إذا زادت التهديدات والضغوط الأمريكية، فإن التحدي الإيراني (للعداء الأجنبي) سوف يزداد. ومن ثم يكون بالإمكان التصرف بإلقاء اللوم على (الإمبريالية الأمريكية) التي تسببت في تزايد حجم المصاعب الاقتصادية والاجتماعية الداخلية، وبالتالي يكون بوسع النظام أن يدعو الشعب إلى الوحدة والتلاحم الداخلي في مواجهة هذه المعاناة التي تحاول أطرافاً خارجية فرضها عليه.
وقد بدأ النظام بالفعل في تبرير الافتقار إلى الاستثمارات المنتجة على أساس أنه نتيجة للاجراءات التي اتخذتها أطراف أجنبية ضد إيران، كما جرى اعتقال بعض الناشطين لاتهامهم بما سماه النظام (إجراء اتصالات مع العدو). وفي ظل ظروف سيناريو كهذا، فإن من المرجح أن يعمل النظام على مواصلة تنفيذ البرنامج النووي بسرعة أكبر.
إن خطر مثل هذا السيناريو لا يقف عند حد أنه يجعل التوصل إلى حل لمعضلة البرنامج النووي الإيراني مستحيلاً، بل إنه يعني ضمناً تصعيد حدة النـزاع مع الولايات المتحدة، مع ما يحمله ذلك من احتمالات وقوع حوادث خطيرة ذات عواقب وخيمة لا يمكن التنبؤ بمآلاتها في العراق وفي أماكن أخرى من العالم. وقد يؤدي مثل هذا التصعيد إلى إثارة خيار شن ضربة عسكرية أمريكية ضد المنشآت النووية الإيرانية والتي ستكون عواقبها كارثية على المنطقة كلها.
إن الصراع الخارجي هو آخر مصادر الشرعية الداخلية لنظام فقد سنده الشعبي الذي كان يتمتع به في ظروف اندلاع الثورة الإسلامية، وخلال فترة الحرب ضد العراق والسنوات الأولى من فترة حكم الرئيس خاتمي.
إن الخيار الكوبي الخاص بتبرير الجمود الداخلي بأنه نتاج لجهود مواجهة عدو خارجي يعد مخرجاً ملائماً يساعد النظام الإيراني على البقاء، كما يساعده بالطبع ما يجنيه النظام نفسه من ريع النفط الذي يبلغ انتاجه أربعة ملايين برميل يومياً.
ما الذي يمكن عمله؟
خلال السنوات الأربع الأخيرة من الجدل الدولي المكثف حول برنامج إيران النووي، تواصل تصاعد حدة هذا النـزاع بعد أن استمر فشل المطالبات العاجلة والعديد من الانذارات وفرض المهلة النهائية لفترات قصيرة، حيث لم تحقق جميعها أية نتائج إيجابية. ولن يشهد العامان المقبلان ظهور قنبلة نووية إيرانية ولا حدوث أي اختراق نحو التوصل إلى حل حقيقي لهذه القضية. فما الذي بيد الغرب أن يفعله إزاء هذا الوضع؟ لا تزال هناك فرصة لتصحيح الوضع الداخلي، فهناك إمكانية لإيقاف سياسة أحمدي نجاد التصعيدية، ولكن ذلك لا يتم إلا على أيدي الإيرانيين أنفسهم. والجهود التي تبذلها أطراف خارجية للتأثير في الساحة السياسية الداخلية في إيران سوف تستغل من قبل المتطرفين. ويظل الأسلوب الأفضل الذي يمكن للأطراف الخارجية أن تدعم به الإصلاحات الداخلية هو تهدئة التوترات الدولية، عن طريق العمل على خيارات محدودة في العراق وإبداء مزيد من المرونة في التعاطي مع النـزاع القائم حول الملف النووي.
ولكي يتم مثل هذا الحوار البناء حول الملف النووي، ينبغي تجنب إصدار المزيد من قرارات مجلس الأمن، كما أن استصدار قرارات بعقوبات جديدة على إيران لن يحل هذه الأزمة ولن يضيف أي قيمة حقيقية للعقوبات السارية حالياً. وسيكون على العالم الغربي أن يتعايش مع حقيقة أن إيران سوف تحقق تقدماً في اتجاه الخيار العسكري في برنامجها النووي، وفي أفضل الأحوال يمكن إبطاء وتيرة هذا التقدم فقط.
غير أنه وبعد سنتين من الآن، ستأتي إدارة أمريكية جديدة، وبوسعنا أن نأمل من جهة أخرى في أن تأتي حكومة تكنوقراط جديدة إلى سدة الحكم في إيران. وإذا أضحى بالامكان تهدئة التوترات، أو على الأقل تجنب المزيد من التصعيد خلال السنتين القادمتين، فسوف تنفتح نافذة أمل جديدة في عام 2009 لإعادة التفكير بهدوء في أمر العلاقات الأمريكية ـ الإيرانية، ومن ثم التوصل إلى مقاربة جديدة لحل قضية الملف النووي. وتعتمد لعبة الانتظار هذه على مدى المرونة الأمريكية في التعاطي مع إيران والتعامل معها بشأن ما يجري في العراق. وفوق كل ذلك سيعتمد الأمر أيضاً على الأطراف الدولية المعنية بهذا الملف كالاتحاد الأوروبي وروسيا والصين. فهل ستنجر هذه الأطراف نحو مواجهة إيرانية ـ أمريكية متنامية، أم ستكتفي بموقف المتفرج السلبي، أم يا ترى ستعمل جاهدة من أجل المشاركة الفاعلة في تهدئة حدة التوترات القائمة؟
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::1594::/cck::
::introtext::
تتراوح تقديرات الفترة الزمنية التي قد تتمكن إيران خلالها من إنتاج اليورانيوم المخصب لأغراض تطوير أسلحة نووية من سنتين إلى عشر سنوات، وذلك على افتراض توفر الإرادة السياسية والقدرة على تجاوز المشكلات الفنية. لقد رفضت طهران الالتزام بقرارات مجلس الأمن الدولي وقامت بتسريع وتيرة تنفيذ برنامجها الخاص بتخصيب اليورانيوم.
::/introtext::
::fulltext::
الكاتب: تيم غولدمان
المصدر: المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية
مجلة سيرفايفل Survival ، المجلد، 49، العدد 3 سبتمبر 2007
تتراوح تقديرات الفترة الزمنية التي قد تتمكن إيران خلالها من إنتاج اليورانيوم المخصب لأغراض تطوير أسلحة نووية من سنتين إلى عشر سنوات، وذلك على افتراض توفر الإرادة السياسية والقدرة على تجاوز المشكلات الفنية. لقد رفضت طهران الالتزام بقرارات مجلس الأمن الدولي وقامت بتسريع وتيرة تنفيذ برنامجها الخاص بتخصيب اليورانيوم. وتهدف السياسة الإيرانية الحالية بشأن البرنامج النووي، على الأرجح، إلى بناء موقف تفاوضي قوي يفضي إلى التوصل لترتيبات ملائمة في نهاية المطاف تحترم مكانة إيران كقوة إقليمية، وتحقيق الاعتراف الكامل بالنظام القائم. غير أن مثل هذه التوقعات تصطدم مع السياسة الأمريكية بفرض مزيد من العزلة على إيران، ولذلك يظل احتمال تصعيد الأزمة قائماً. إن مثل هذا التصعيد يمنح النظام الإيراني الفرصة لكي يتبنى خياراً شبيهاً (بالخيار الكوبي)، وهو تبرير حالة الجمود والقمع الداخلي بأعذار المواجهة ضد عدو خارجي. وليس هناك فرصة لحدوث اختراق يمهد للتوصل إلى حل فعلي لهذه القضية قبل عام 2009. ولكن، لو تمت تهدئة التوترات وتفادي حدوث المزيد من التصعيد في المدى القصير، في ظل حكومة أمريكية جديدة، وربما في وجود حكومة تكنوقراط جديدة في إيران، فقد تنفتح نافذة أمل لمعالجة قضية البرنامج النووي الإيراني.
ما أهداف طهران؟
يتمتع البرنامج النووي بدعم وتأييد واسع داخل إيران، فالتحدي الإيراني للأسرة الدولية يعبر عن الثقافة السياسية السائدة في هذا البلد الذي يرى أن العالم الخارجي مهدد لها. إن القضية الرئيسية هنا: هل يعتزم الإيرانيون حقاً بناء قنبلة نووية؟ من المفترض أنه عندما واصلت إيران تنفيذ برنامجها النووي الذي كان قائماً خلال مرحلة ما قبل عام 1979م وخلال فترة الحرب الإيرانية ـ العراقية في مطلع ثمانينيات القرن العشرين، كانت أهداف ذلك البرنامج عسكرية. ولكن بعد نجاح التحالف الذي قادته الولايات المتحدة في إسقاط نظام صدام حسين في العراق، وشعور النظام الإيراني بخطر إمكانية توسيع نطاق العمل العسكري ليشمل تغيير النظام في إيران، قامت إيران بفتح برنامجها النووي وعززت التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ودخلت في مفاوضات مع الاتحاد الأوروبي وطبقت البروتوكول الإضافي الصادر عن الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وذلك خلال الفترة الممتدة من نهاية عام 2003 وحتى مطلع عام 2006. وفي عام 2004 أكد علي خامنئي المرشد الأعلى للثورة الإسلامية، وهو أعلى سلطة في إيران، الهدف السلمي للبرنامج النووي الإيراني والذي ينحصر في إنتاج الطاقة.
واليوم، فإن الهدف الأرجح للنظام هو التوصل إلى امتلاك خيار القدرة العسكرية ولكن ليس بناء القنبلة النووية نفسها أو إجراء اختبار نووي. أما الهدف الأساسي فهو إتقان استخدام تقنيات تخصيب اليورانيوم. ومنذ عام 2003، خلال فترة المفاوضات الدولية، لم يكن هناك أي مؤشر مهم يدل على استعداد إيران للتخلي عن هذا الهدف أو مقايضته بأي حوافز أخرى مقدمة من الدول الغربية.
إن سوء فهم هذه النقطة المهمة من قبل المفاوضين الأوروبيين كان أحد أسباب فشلهم في العملية التفاوضية. وكان التنازل الوحيد الذي قدمته إيران في هذا الخصوص هو تعليق أنشطة تخصيب اليورانيوم في عام 2003 في انتظار التوصل إلى اتفاق شامل، وهو الأمر الذي فسره الطرف الإيراني بأنه مواصلة شكل من أشكال إلغاء الإجراء الخاص بتعليق أنشطة التخصيب في مطلع عام 2006.
وفي 25 مايو 2007، أكدت الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن إيران كانت على وشك التوصل إلى هدفها الفوري المتمثل في امتلاك ثلاثة الآف وحدة من أجهزة الطرد المركزي اللازمة لتخصيب اليورانيوم. ومن الواضح أن تعزيز قدرات التخصيب قد قلص الفترة اللازمة حتى تكون إيران قد تمكنت ربما من امتلاك كمية كافية من اليورانيوم الصالح لتصنيع سلاح نووي. غير أن هذا التطور يتوقف على مدى الجودة الفنية لأجهزة الطرد المركزي والأهداف السياسية لإيران. وهناك مؤشرات تدل على وجود مشكلات فنية كبيرة. ويبدو أن إيران تتفادى إجراءات الاختبارات الطبيعية وتقوم بتركيب أكبر عدد من أجهزة الطرد المركزي خلال أسرع فترة ممكنة، ومن ثم تتعامل مع المشكلات الحتمية الناجمة عن ذلك بأفضل السبل الممكنة. وفي ظل هذه الظروف، يمكن أن نتوقع ارتفاع معدلات حدوث أعطال في المكائن وأجهزة الربط والتوصيل وتدني في مستوى أداء الفنيين.
إن تصريحات الرئيس محمود أحمدي نجاد في إبريل 2007 والأنشطة التي تمت مؤخراً تعد مؤشراً يدل على اتخاذ قرار سياسي بتسريع وتيرة تنفيذ البرنامج النووي. غير أن طهران عرضت في نهاية شهر يونيو الماضي معالجة القضايا الرئيسية المتعلقة بالأنشطة غير المعلنة سابقاً وذلك بالتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية. ففي الثامن من يوليو قال الدكتور محمد البرادعي ، المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، إنه تمت ملاحظة إبطاء كبير في وتيرة تركيب أجهزة طرد مركزي إضافية.
ومن المرجح أن يكون الهدف من زيادة النشاط الذي طرأ مؤخراً هو تعزيز قدرة إيران التفاوضية، ففي ضوء الأزمة الدائرة في العراق والجدل الداخلي بشأن الحرب على العراق في الولايات المتحدة نفسها، ترى إيران أن مخاطر احتمالات تنفيذ ضربة عسكرية أمريكية وفرض عقوبات فاعلة ضدها لا تزال محدودة، وبالتالي فهي تفترض أن الضغوط الدولية للتوصل إلى حل تفاوضي لقضية البرنامج النووي سوف تزداد. وفي هذه الظروف، ترغب إيران في تعزيز موقفها عن طريق التوسع السريع في قدرات التخصيب التي ترقى ظاهراً إلى حجم إنتاج صناعي، ولكن من دون إتقان تقنية التخصيب.
وعلى الرغم من تزايد حدة التوترات السياسية في دوائر النظام الإيراني، إلاّ أنه يبدو أن هناك إجماعاً سياسياً عاماً على مواصلة تنفيذ البرنامج النووي وفقاً لهذه الأسس. وكان الرئيس هاشمي رفسنجاني والإصلاحيون وحتى علي أردشير لاريجاني ، كبير مفاوضي الملف النووي الإيراني قد انتقدوا مواقف الرئيس أحمدي نجاد الاستفزازية، غير أنهم لم ينتقدوا البرنامج النووي نفسه. فالبرنامج النووي يتمتع بتأييد شعبي واسع وهو يطرح ويلقى قبولاً شعبياً بوصفه انجازاً وطنياً مهماً في مجال التقنية.
لقد ركز النقاش الدولي حول مآلات البرنامج النووي الإيراني على الأهداف العسكرية المفترضة، وهذا يتناقض بشدة مع طبيعة الجدل السياسي الداخلي حول هذا الموضوع في إيران. ويتأثر المفهوم الداخلي لهذه القضية بمشاعر الافتخار والعظمة، وبالأيدلوجية المتجذرة في التمسك باستقلال البلاد، وفوق كل ذلك بالرغبة في تحقيق تقدم في مجال يعد مهماً لمستقبل امدادات الطاقة. وهناك انطباع سائد على نطاق واسع في إيران بأن الغرب يحاول الحيلولة دون تقدم البلاد في مجال العلوم والتكنولوجيا.
وينظر إلى الموقف الدولي من هذه القضية على أساس أنه يتعامل بكياسة ولكن بأسلوب استعلائي يهدف إلى تكريس الاعتماد على الغير والتبعية للآخرين. وبوسع النظام الإيراني أن يستند إلى الدعم الشعبي الواسع في حجته التي يقول فيها إن إيران لديها الحق بوصفها دولة موقعة على معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية في تطوير صناعتها النووية الذاتية للأغراض المدنية السلمية، إلى جانب حقها في الحصول على التقنية النووية وذلك طبقاً لنص المادة الرابعة من المعاهدة نفسها. ويشعر الإيرانيون بأنهم مستهدفون وأنهم يعاقبون في ظل هذه الانتقائية، وذلك بالمقارنة مع الدول غير الموقعة على معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، مثل إسرائيل والهند وباكستان، وهي دول لم تتم معاقبتها، بل حظيت بالمحاباة، بالرغم من امتلاكها لأسلحة نووية. وعلى الرغم من الضغوط الدولية، المتمثلة في سلسلة من القرارات الصادرة عن الوكالة الدولية للطاقة الذرية وثلاثة قرارات من مجلس الأمن الدولي والعقوبات الأممية والأحادية والتهديد بشن هجوم عسكري من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل، فإن الإيرانيين لم يظهروا أي مرونة في تصميمهم وتمسكهم بمواصلة أنشطة تخصيب اليورانيوم. وتتحدى إيران الالتزامات الدولية التي يفرضها مجلس الأمن، على الرغم من أنها تعلن استعدادها للتفاوض من دون شروط مسبقة. غير أنه، بينما أشارت إيران في أغسطس 2006 إلى إمكانية طرح تعليق أنشطة التخصيب على أجندة التفاوض، فقد كان الموقف الرسمي في يوليو 2007 هو أن التعليق لم يعد قابلاً للتفاوض.
الثقافة السياسية الإيرانية
إن عدم المرونة هذا لا يمكن تفسيره بالاعتقاد الإيراني الذي يرى أن إيران في موقف قوة. كما أن اعتقاد الدول الغربية بأن إيران تكتسب مزيداً من النفوذ وأنها قد تحقق مزيداً من المكاسب من تصعيد النـزاعات الإقليمية يعد خاطئاً. إن الميزة الوحيدة التي ستجنيها طهران هو أن تردي الأوضاع في العراق قد مهد لعقد أول اجتماع رسمي على المستوى الثنائي مع الولايات المتحدة منذ سقوط نظام الشاه. ولكن بصفة عامة، فإن اتساع دائرة عدم الاستقرار في العراق وفي أماكن أخرى من المنطقة يسبب مشكلات جمة لإيران، وأهمها حدة التوتر مع جيرانها من الدول العربية. ومن المفترض أن النظام الإيراني يتفهم هذه المشكلات، على الرغم من نزعة العناصر المتطرفة، خاصة المقربين من الرئيس أحمدي نجاد، الذين يعملون على استغلال ظروف هذه المواجهة مع الغرب لتعزيز وترسيخ أوضاعهم الداخلية. ولكن بصفة عامة، فإن عدم المرونة التي يبديها الطرف الإيراني بشأن الأزمة النووية يمكن تفسيرها على أفضل نحو ليس من منطلق مراعاة المصالح الوطنية الحيوية للبلاد، وإنما من خلال الثقافة السياسية السائدة في إيران ونظامها السياسي.
يستند أحد الجوانب المهمة في الثقافة السياسية الإيرانية إلى تقاليد طائفة الشيعة. فمعركة كربلاء التي وقعت عام 680م في العراق الحديث، والتي قتل فيها الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب وهو صهر النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) في القتال الذي دار ضد قوات أكثر تفوقاً، أضحت هذه المعركة حدثاً رمزياً مهماً لهوية الشيعة في البلاد، وهي من أهم مرتكزاتهم الثقافية. فقد أضحت المعاناة التي تتجسد في أن يكون الفرد ضحية لقوة غاشمة وغير شرعية ولظلم جائر من جهة ظالمة، أضحت الفكرة الأساسية التي تطغى على معتقدات الشيعة. وهنا يعمد الشيعة إلى إبراز فكرة الظلم وليس الوقوف في وجهه. ويحتفي الشيعة بطقوس تلك المعاناة خلال أيام الحداد (عاشوراء). ويشعر الإيرانيون بانعدام الثقة العميق تجاه العالم الخارجي، ويستصحبون في ذاكرتهم تاريخاً طويلاً من التهديدات والاعتداءات الأجنبية المتواصلة تمتد من عهود المغول والروس والبريطانيين والأمريكان والعراقيين، وذلك امتداداً حتى التهديدات العسكرية الحالية الموجهة إليهم من إسرائيل. والإيرانيون على قناعة تامة بشرعية موقفهم وعدم مشروعية العمل العدائي الذي قد يوجه من أطراف خارجية ضدهم. وساعد هذا الاعتقاد على تكوين رغبة قوية في الاعتماد على الذات والتمسك بالاستقلال، وهو الشعور الذي عززته الثورة الإسلامية عام 1979م.
وترى إيران في نفسها تجسيداً لحضارة عريقة، وهي ترغب أن يعاملها الآخرون باحترام انطلاقاً من مقتضيات هذه المكانة. إن هذا الاعتداد بالنفس والمطالبة بالاحترام تعد عناصر رئيسية في تطلعات إيران التي تطالب بأن تعامل بوصفها قوة إقليمية ولاعباً رئيسياً في العالم الإسلامي. إن إصرار إيران على ضرورة الاحترام الدولي يدعمه الشعور الوطني القوي بالعراقة والافتخار بالوطن في أوساط الشعب. فقد أضحت عبارة (بالاحترام المتبادل) شرطاً مسبقاً لتحقيق أي تحسن في العلاقات الأمريكية ـ الإيرانية. وما دامت الإدارة الأمريكية تصر على تصنيف النظام الإيراني ضمن (محور الشر)، وما دام تغيير النظام هو هدف السياسة الأمريكية، فإن طهران ليست مستعدة لتسوية قضية البرنامج النووي الإيراني أو أية قضايا إقليمية أخرى مع الدول الغربية.
إن إصرار إيران على استعادة قضية ملفها النووي من أروقة مجلس الأمن الدولي إلى الوكالة الدولية للطاقة الذرية يعبر عن شعور إيران بالاعتداء على شرفها الوطني، ورفضها أن تعامل بوصفها مجرماً مداناً بدلاً من أن تكون شريكاً أصيلاً في المفاوضات. إن الاحترام والشرف سوف يشكلان الشرط المسبق للتوصل إلى أي حل، ونعني الحل الذي يتيح لإيران حفظ ماء وجهها وعدم فرض الحلول عليها بضغوط من الخارج. وبالطبع فإن النظام الإيراني لن يستسلم مطلقاً، غير أنه سوف يتجنب الدخول في مواجهة مفتوحة وسيتخذ مواقف تتسم بالغموض للإبقاء على جميع خياراته مفتوحة.
يضم النظام الحالي مجموعات مختلفة تتنافس بصورة دائمة من أجل الحصول على السلطة والنفوذ. والسياسة المتبعة في معظمها هي نتاج عملية إصلاح تدريجي تسعى لترسيخ الإجماع الداخلي، ولكنها ليست نتيجة قرار واضح من قبل القائد الأعلى للبلاد. وبالتالي فإن من الصعب اتخاذ قرارات استراتيجية لتغيير السياسة الوطنية، حتى ولو كان ذلك يصب في المصلحة القومية للبلاد. لقد أصبح البرنامج النووي قضية رئيسية في لعبة السلطة الداخلية، وليس من الممكن للنظام أن يخضع للضغوط الدولية ويستسلم لقرارات مجلس الأمن. إن شروط الاتفاق الدولي، أو حتى شروط الدخول في مفاوضات جادة لابد من أن تضم تعهدات باحترام موقف إيران، وذلك لكي تفسح المجال للنظام لكي يتخذ خطوات جادة في هذا الخصوص. غير أن ظهور مثل هذا التوجه مستبعد في القريب العاجل، سواء من قبل الولايات المتحدة أو من قبل القادة الجدد في فرنسا وبريطانيا.
المأزق والتصعيد واحتمالات المواجهة
أصبحت سياسة احتواء إيران سمة رئيسية للسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، حيث أضحت النظرة لهذا النظام وبرنامجه النووي أنهما يشكلان المهدد الرئيسي للاستقرار في المنطقة، وفوق كل ذلك، أنهما يهددان أمن إسرائيل. وتتبنى واشنطن ثلاثة أهداف متزامنة ومتداخلة في الوقت نفسه، وهي احتواء ما تعتبره تطلعات إيران في الهيمنة على المنطقة، وايقاف البرنامج النووي لإيران، وتغيير النظام من خلال العمل من أجل (إيران حرة وديمقراطية).
ويظل تنفيذ ضربة عسكرية لإيقاف البرنامج النووي خياراً صريحاً، يقبله من حيث المبدأ الديمقراطيون وأغلبية أعضاء الكونجرس. وهناك احتمال ضئيل بحدوث تغيير جوهري في سياسة واشنطن إزاء طهران خلال الفترة المتبقية من فترة إدارة الرئيس بوش، وذلك على الرغم من أن الحوار الثنائي الذي جرى مؤخراً بشأن العراق يشير إلى حدوث بعض المرونة الجديدة في منطقة تعد من مجالات المصالح الأمريكية المهمة. وحتى لو تم التوصل إلى تفاهم محدود بشأن العراق، فإنه لن يؤثر في المقاربة العامة الخاصة بسياسة الاحتواء، وذلك على الأقل حتى تتسلم الإدارة الأمريكية الجديدة مقاليد الحكم في مطلع عام 2009. إن إعلان الرئيس بوش اعتزامه عدم ترك مشكلة البرنامج النووي الإيراني للرئيس الذي سيخلفه في المنصب توحي لنا باحتمال حدوث المزيد من التصعيد في إطار هذه المقاربة.
ولكن، ليس هناك من حل لأزمة البرنامج النووي من دون مشاركة الولايات المتحدة. فأي ترتيبات تتم عبر التفاوض لا بد أن تحظى بدعم فاعل من قبل واشنطن والأعضاء الدائمين في مجلس الأمن. ومن خلال القرارات التي أصدرها مجلس الأمن، فإن المطالبة بإيقاف أنشطة التخصيب بوصفها شرطاً مسبقاً لأي اتفاق مستقبلي قد أضحت من مسلمات القانون الدولي. وعلى الرغم من أن العقوبات التي فرضها مجلس الأمن لا تضم أي إجراءات تشكل تأثيراً جدياً في إيران، إلى جانب الضغوط الأمريكية على البنوك والشركات في أوروبا وآسيا، فإنها من دون شك قد تسببت في إحداث تدهور عام في مناخ الاستثمار وأعمال القطاع الخاص داخل إيران. وكانت البنوك الدولية الرئيسية مثل بنك كريدي سويس Credit Suisse وكوميرزبانك Comerzbank قد توقفت عن إجراء أنشطة المقاصة لصادرات النفط الإيرانية.
ويواجه المستوردون الإيرانيون صعوبات متزايدة في فتح خطابات اعتماد في البنوك الأجنبية، كما تم تقييد ضمانات الصادرات التي تقدمها المؤسسات المالية في الدول الغربية إلى حد كبير. إن تدهور ظروف التجارة الخارجية قد أدى إلى مزيد من السوء في محنة الاقتصاد الداخلي الذي كان يعاني أصلاً في ظل السياسات الاقتصادية الكارثية التي انتهجتها حكومة الرئيس أحمدي نجاد.
ولم تتمكن الحكومة من تحويل الدخل الناجم عن استمرار ارتفاع أسعار النفط ليؤثر في تحسين الظروف المعيشية للسكان بصفة عامة. وكان الريع الضخم الذي ضخته أموال النفط قد امتصته مؤسسات الاحتكار الحكومية وشبه الحكومية (المؤسسات الإسلامية)، والإنفاق على المؤسسات الاجتماعية الجماهيرية والتدخل العشوائي من قبل الدولة في الاقتصاد، مثل فرض نسب فائدة منخفضة على القروض الصغيرة التي أجبرت البنوك على تقديمها، بالاضافة إلى ارتفاع حجم واردات البلاد من السلع الاستهلاكية نظراً لتحرير التجارة. كما تعطل إنشاء سوق للأوراق المالية بسبب القيود الحكومية. وهذا يؤدي إلى استفحال التضخم وإعاقة تدفق الاستثمارات في القطاع الخاص الضعيف. ويتناقض سوء الأحوال المعيشية لأغلبية السكان مع حالة تنامي الاستهلاك البذخي الذي تنعم به الأقلية المحظية في إيران. أما وعود الرئيس أحمدي نجاد بشعاراته الشعوبية الجامحة فإنها ذهبت أدراج الرياح ولن يستطيع الإيفاء بها وتحقيقها على أرض الواقع.
ومن جهة أخرى تزايدت حدة التوترات بين طهران وجاراتها من الدول العربية، التي تنظر إلى أنشطة طهران النووية بوصفها أداة لتحقيق تطلعات الهيمنة الشيعية والفارسية على المنطقة. فقد أعلنت مصر ودول مجلس التعاون الخليجي والمملكة العربية السعودية وتركيا والأردن اعتزامها تطوير الطاقة النووية التي تزعم أنها لخدمة أهداف مدنية. وأدت التطورات في العراق ولبنان إلى زيادة حدة النـزاع بين السنة والشيعة. وكانت هذه التوترات مع العالم العربي، التي زادتها الجهود الأمريكية لتعزيز قيام جبهة إقليمية معادية لإيران، قد أدت إلى تزايد المخاوف الإيرانية من احتمالات العزلة، والتي انعكست في جدل داخلي جديد وقوي حول أهمية الوحدة الإسلامية والحوار بين الشيعة والسنة.
وطالما استمر تماسك الإجماع الدولي في مجلس الأمن حول كيفية معالجة قضية الملف النووي الإيراني، فإن طهران سوف تواجه صعوبة في تصوير الضغوط الدولية بوصفها ضرباً من الإمبريالية الغربية. وكانت السياسة التي انتهجها الرئيس الإيراني السابق محمد خاتمي بالتزام الحوار والوفاق قد ساعدت إيران على فك طوق عزلتها الخارجية، ولكنها تركت العلاقات مع الولايات المتحدة كأهم مشكلة عالقة. غير أن أزمة الملف النووي والمعالجة الاستفزازية لها من قبل الرئيس أحمدي نجاد أدت إلى تغيير اتجاه ذلك التطور إلى العكس.
وهناك مؤشرات تدل على أن سياسة الرئيس نجاد الشعوبية المتطرفة أضحت تفتقر إلى التأييد. فجولاته الواسعة في أنحاء إيران المختلفة، على الرغم من أنه لا يزال يعمل على تعبئة الشعب، لا يمكن أن تستمر في الحفاظ على ما حققته من نجاح في المرحلة الأولى. وكان تقلص شعبيته قد أدى إلى هزيمة مؤيديه في الانتخابات البلدية وانتخابات اختيار (مجلس الخبراء) في إيران (الذي ينتخب ويشرف على القائد الأعلى) والتي جرت في 15 ديسمبر 2006.
وكان الرئيسان السابقان خاتمي ورافسنجاني قد ظهرا سوياً للإدلاء بصوتيهما في صندوق الاقتراع خلال تلك الانتخابات. غير أن جميع السياسيين الرئيسيين هم جزء لا يتجزأ من منظومة النظام نفسه، ومن الصعب جداً التوصل إلى بديل موثوق أو صياغة تحالف مؤثر ضد أحمدي نجاد. فالشعب يعتبر الانتقادات الصادرة عن خصومة من داخل النظام غير فاعلة، والرئيس السابق خاتمي نفسه يؤيد الرئيس نجاد صراحة لأنه أصبح مستقلاً إلى حد كبير عن قبضة نفوذ القائد الأعلى للثورة الإسلامية. ومن خلال مراسيمه وتصريحاته الموجهة لخدمة سياساته الشعوبية، فإن أحمدي نجاد يتحدى على نحو مكشوف ويتجاوز مؤسسات الدولة الأخرى مثل القضاء والبرلمان والبنك المركزي، كما أنه يثير غضب رجال الدين. وكان فوز الرئيس نجاد في انتخابات عام 2005 هو رسالة احتجاج من قبل الشعب، غير أن عقارب الساعة لن تعود إلى الوراء لتأتي برئيس آخر. وإذا أخذنا في الحسبان الطريقة التي يسير بها الاقتصاد الإيراني وتطوره المستقبلي فإن من المستبعد بشدة أن يفوز الرئيس أحمدي نجاد بفترة رئاسية ثانية في عام 2009، بشرط أن تكون الانتخابات التي ستنظمها وزارة الداخلية في حكومته ملتزمة بأقل المعايير الديمقراطية. وفي ظل الظروف الحالية التي يسودها نظام ينتهج جزءاً من الممارسة الديمقراطية، فإن البديل الواقعي الوحيد لنظام الرئيس أحمدي نجاد هو حكومة تكنوقراط تأتي تلبية لرد فعل براجماتي من قبل الناخبين الذين حرموا من الخيار الديمقراطي الحقيقي.
وينبغي عدم توقع حدوث أي تغييرات كبيرة أو تقديم تنازلات رئيسية من النظام الإيراني خلال العامين المقبلين على صعيد الملف النووي، غير أن هناك فرصة لحدوث انفراج. فإذا استمر انخراط النظام في الحوار حول العراق وقضية الملف النووي، فإن طهران قد تنتهج مساراً أكثر اعتدالاً في سياستها الخارجية، ومن ثم تميل إلى تجنب المواجهة المكشوفة والتعرض إلى مزيد من العزلة. إن النجاح الإيراني في اتفاق تقنيات تخصيب اليورانيوم قد يؤدي أيضاً إلى إفساح مساحة أوسع في ساحة السياسة الداخلية للتوصل إلى تسوية مقبولة لدى جميع الأطراف. كما أن موقف الأسرة الدولية هو الذي سيحدد ما إذا كان هذا السيناريو التفاؤلي ممكناً أم غير ذلك، وسيقتضي الأمر التخلي على الأقل عن اتخاذ المزيد من الخطوات التي تزيد من عبء الضغوط على إيران بسبب تعنتها وعدم التزامها بقرارات مجلس الأمن الدولي.
ولكن في أسوأ الحالات، وخاصة إذا زادت التهديدات والضغوط الأمريكية، فإن التحدي الإيراني (للعداء الأجنبي) سوف يزداد. ومن ثم يكون بالإمكان التصرف بإلقاء اللوم على (الإمبريالية الأمريكية) التي تسببت في تزايد حجم المصاعب الاقتصادية والاجتماعية الداخلية، وبالتالي يكون بوسع النظام أن يدعو الشعب إلى الوحدة والتلاحم الداخلي في مواجهة هذه المعاناة التي تحاول أطرافاً خارجية فرضها عليه.
وقد بدأ النظام بالفعل في تبرير الافتقار إلى الاستثمارات المنتجة على أساس أنه نتيجة للاجراءات التي اتخذتها أطراف أجنبية ضد إيران، كما جرى اعتقال بعض الناشطين لاتهامهم بما سماه النظام (إجراء اتصالات مع العدو). وفي ظل ظروف سيناريو كهذا، فإن من المرجح أن يعمل النظام على مواصلة تنفيذ البرنامج النووي بسرعة أكبر.
إن خطر مثل هذا السيناريو لا يقف عند حد أنه يجعل التوصل إلى حل لمعضلة البرنامج النووي الإيراني مستحيلاً، بل إنه يعني ضمناً تصعيد حدة النـزاع مع الولايات المتحدة، مع ما يحمله ذلك من احتمالات وقوع حوادث خطيرة ذات عواقب وخيمة لا يمكن التنبؤ بمآلاتها في العراق وفي أماكن أخرى من العالم. وقد يؤدي مثل هذا التصعيد إلى إثارة خيار شن ضربة عسكرية أمريكية ضد المنشآت النووية الإيرانية والتي ستكون عواقبها كارثية على المنطقة كلها.
إن الصراع الخارجي هو آخر مصادر الشرعية الداخلية لنظام فقد سنده الشعبي الذي كان يتمتع به في ظروف اندلاع الثورة الإسلامية، وخلال فترة الحرب ضد العراق والسنوات الأولى من فترة حكم الرئيس خاتمي.
إن الخيار الكوبي الخاص بتبرير الجمود الداخلي بأنه نتاج لجهود مواجهة عدو خارجي يعد مخرجاً ملائماً يساعد النظام الإيراني على البقاء، كما يساعده بالطبع ما يجنيه النظام نفسه من ريع النفط الذي يبلغ انتاجه أربعة ملايين برميل يومياً.
ما الذي يمكن عمله؟
خلال السنوات الأربع الأخيرة من الجدل الدولي المكثف حول برنامج إيران النووي، تواصل تصاعد حدة هذا النـزاع بعد أن استمر فشل المطالبات العاجلة والعديد من الانذارات وفرض المهلة النهائية لفترات قصيرة، حيث لم تحقق جميعها أية نتائج إيجابية. ولن يشهد العامان المقبلان ظهور قنبلة نووية إيرانية ولا حدوث أي اختراق نحو التوصل إلى حل حقيقي لهذه القضية. فما الذي بيد الغرب أن يفعله إزاء هذا الوضع؟ لا تزال هناك فرصة لتصحيح الوضع الداخلي، فهناك إمكانية لإيقاف سياسة أحمدي نجاد التصعيدية، ولكن ذلك لا يتم إلا على أيدي الإيرانيين أنفسهم. والجهود التي تبذلها أطراف خارجية للتأثير في الساحة السياسية الداخلية في إيران سوف تستغل من قبل المتطرفين. ويظل الأسلوب الأفضل الذي يمكن للأطراف الخارجية أن تدعم به الإصلاحات الداخلية هو تهدئة التوترات الدولية، عن طريق العمل على خيارات محدودة في العراق وإبداء مزيد من المرونة في التعاطي مع النـزاع القائم حول الملف النووي.
ولكي يتم مثل هذا الحوار البناء حول الملف النووي، ينبغي تجنب إصدار المزيد من قرارات مجلس الأمن، كما أن استصدار قرارات بعقوبات جديدة على إيران لن يحل هذه الأزمة ولن يضيف أي قيمة حقيقية للعقوبات السارية حالياً. وسيكون على العالم الغربي أن يتعايش مع حقيقة أن إيران سوف تحقق تقدماً في اتجاه الخيار العسكري في برنامجها النووي، وفي أفضل الأحوال يمكن إبطاء وتيرة هذا التقدم فقط.
غير أنه وبعد سنتين من الآن، ستأتي إدارة أمريكية جديدة، وبوسعنا أن نأمل من جهة أخرى في أن تأتي حكومة تكنوقراط جديدة إلى سدة الحكم في إيران. وإذا أضحى بالامكان تهدئة التوترات، أو على الأقل تجنب المزيد من التصعيد خلال السنتين القادمتين، فسوف تنفتح نافذة أمل جديدة في عام 2009 لإعادة التفكير بهدوء في أمر العلاقات الأمريكية ـ الإيرانية، ومن ثم التوصل إلى مقاربة جديدة لحل قضية الملف النووي. وتعتمد لعبة الانتظار هذه على مدى المرونة الأمريكية في التعاطي مع إيران والتعامل معها بشأن ما يجري في العراق. وفوق كل ذلك سيعتمد الأمر أيضاً على الأطراف الدولية المعنية بهذا الملف كالاتحاد الأوروبي وروسيا والصين. فهل ستنجر هذه الأطراف نحو مواجهة إيرانية ـ أمريكية متنامية، أم ستكتفي بموقف المتفرج السلبي، أم يا ترى ستعمل جاهدة من أجل المشاركة الفاعلة في تهدئة حدة التوترات القائمة؟
::/fulltext::
::cck::1594::/cck::
