المجتمع المدني حقل دراسة في النظم السياسية

::cck::1689::/cck::
::introtext::

المجتمع المدني كمفهوم غربي ليس بالحديث، ويعود في جذوره إلى ما يسمى فترة (النهضة الأوروبية) وارتباطه بالأفكار ذات الصلة وخاصة أفكار نظرية العقد الاجتماعي لهوبز ولوك وروسو وأطروحاتها وصولاً إلى الثورة الفرنسية وصعود البرجوازية الغربية في القرن الثامن عشر، مروراً بالتطورات في القرن التاسع عشر وحتى أوائل القرن العشرين. 

::/introtext::
::fulltext::

المجتمع المدني كمفهوم غربي ليس بالحديث، ويعود في جذوره إلى ما يسمى فترة (النهضة الأوروبية) وارتباطه بالأفكار ذات الصلة وخاصة أفكار نظرية العقد الاجتماعي لهوبز ولوك وروسو وأطروحاتها وصولاً إلى الثورة الفرنسية وصعود البرجوازية الغربية في القرن الثامن عشر، مروراً بالتطورات في القرن التاسع عشر وحتى أوائل القرن العشرين.

على الرغم من شيوع مفهوم (المجتمع المدني) في الأدبيات الأجنبية والعربية، إلا أن هناك تفاوتاً في تحديد العناصر والقوى التي يتشكل منها ما يسمى المجتمع المدني، وبالتالي هناك تنوعات عديدة من التحديدات والتعريفات لمفهوم المجتمع المدني.

والباحث عن تعريف لمفهوم المجتمع المدني يجد أن هذا المفهوم يخضع كغيره من المفاهيم إلى العديد من التفسيرات، حيث يفسره كل حسب رؤيته وحسب التوجهات السياسية لكل مجتمع ووفقاً للظروف الداخلية أو الدولية المحيطة أو وفقاً لهوى وتطلعات الحكام والمفكرين والفلاسفة وأصحاب الفكر والعقائد المختلفة.

ولغوياً كلمة (المجتمع) مشتقة من فعل (جمعَ يجمعُ)، والمجتمع: الهيئة أو الحالة الحاصلة من اجتماع مجموعة من البشر يعيشون في بيئة واحدة، ويجمع بينهم الترابط من جهة القيم والأنظمة والقوانين والتقاليد والآداب والحوائج والأشغال والمصالح المشتركة لتنتج عنهم حياة اجتماعية، وأن الحياة الاجتماعية من الأمور الفطرية المودعة في كينونة المخلوق البشري، فالإنسان اجتماعي ومدني بالخلقة، أي أنها ميزة خلقية طبيعية لا تتولد عن الاضطرار أو الاختيار أو التعاقد، فالإنسان إنسان بالقوة على حد التعبير الفلسفي، أي استعداد إنساني محض، وإنما تخرج إنسانيته إلى الفعل والتحقق من خلال المجتمع.

اعتبر البعض أن المجتمع المدني فاعل بقدر ما يعتمد مفاهيم التعدد واحترام حق الاختلاف

ويحدد المجتمع المدني بأنه مجموعة المؤسسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي تعمل في ميادينها المختلفة في استقلال عن سلطة الدولة لتحقيق أغراض متعددة، قد تكون سياسية كالمشاركة في صنع القرار على المستوى القومي ومنها الأحزاب السياسية، وقد تكون أغراضاً نقابية كالدفاع عن المصالح الاقتصادية لأعضاء النقابة، ومنها أغراض مهنية كالنقابات للارتفاع بمستوى المهنة والدفاع عن مصالح أعضائها، وقد تكون أغراضاً اجتماعية للإسهام في العمل الاجتماعي لتحقيق التنمية، وبالتالي يمكن القول إن الأمثلة البارزة لمؤسسات المجتمع المدني هي الأحزاب السياسية والنقابات العمالية والنقابات المهنية والجمعيات الاجتماعية والثقافية.

ويتمثل المجتمع المدني بالمؤسسات والمنظمات الطوعية غير الرسمية (النقابات، الأحزاب، الاتحادات والجمعيات المهنية)، التي تعمل باستقلال عن سيطرة الدولة التي اعتادت أن تفرض هيمنتها على المجتمع بالسيطرة على هذه المؤسسات وغيرها، حديثة كانت أو تقليدية، لذلك اعتبر البعض أن المجتمع المدني فاعلاً بقدر ما يعتمد مفاهيم التعدد واحترام حق الاختلاف والمبادرات الخاصة والتعايش بين مختلف القوى المتصارعة، وأن المطالبة بتنشيط المجتمع المدني، هي باختصار رد فعل لسلطوية النظام والدولة على المجتمع، ودعوة إلى قيام النظام الديمقراطي التعددي.

وهناك من يعرف (المجتمع المدني) بدلالة عناصره، حيث ينطوي هذا المفهوم على العناصر التالية: 

العنصر الأول: فكرة (الطوعية) باعتبارها إحدى الأفكار التي تشير إلى مجموعة من الظواهر المهمة في تكوين التشكيلات الاجتماعية المختلفة.

العنصر الثاني: فكرة (المؤسسية) وما تشير إليه من فكرة المؤسسات الوسيطة التي تشير بدورها إلى ضرورة توظيفها في سياق العلاقة السياسية والعلاقة الاجتماعية.

العنصر الثالث: يتعلق بـ (الغاية والدور) فهذه التكوينات يجب أن تتسم بالاستقلال عن السلطة السياسية، إلى جانب الجمعية، فالعمل الجماعي يعد أقوى تأثيراً وأكثر فاعلية من العمل الفردي.

العنصر الرابع: المجتمع المدني باعتباره (منظومة) إضافة إلى كونه مفهوماً حضارياً وفق التصور الذي يجعل منه رافداً ضمن المشروع الحضاري.

يجب أن يستند المجتمع المدني إلى صيغة سياسية تسمح للقوى بالتعبير عن آرائها بطريقة سلمية ومنظمة 

 وهناك من يعتبر أن إشاعة استخدام مفهوم المجتمع المدني تعين على إصابة الهدفين التاليين: 

الهدف الأول: الدفاع عن الطابع التعاقدي للدولة، وهو عمل يقتضي الدفاع عن مطلب المشاركة والتبادل بالصورة التي تؤدي إلى تقليص آلية السيطرة والإكراه التي يمارسها الكثير من الدول والنظم. 

الهدف الثاني: إن ترسيخ كل ما يسمح بتوسيع دائرة المجتمع المدني في مجال الذهنيات ومجال الممارسة الاجتماعية يعد وسيلة للمساهمة في استبعاد كل ما يمكن أن يحول النسبي إلى المطلق والتاريخي إلى الطوباوي.

ويمكن القول، إن مفهوم المجتمع المدني يتغير مع تغير الموقف الأيديولوجي للنظام السياسي، فالمفهوم الليبرالي لهذا المصطلح يختلف عن الفهم الاشتراكي الديمقراطي، وعن الديمقراطي الراديكالي، وعن المفهوم الإسلامي له. كما أنه يتخذ في دول عالم الجنوب أشكالاً تختلف عنه في أوروبا الغربية والولايات المتحدة، حيث تحققت أنماط من الديمقراطية الليبرالية، وحيث يتخذ النقاش منحى يحدد تميز المجتمع المدني من مجرد الديمقراطية، ويجري البحث عن أشكال للمشاركة السياسية أكثر مباشرة من البرلمانات، خاصة على مستوى المبادرات المحلية للمواطنين، أو منظمات حماية البيئة، أو على مستوى التنظيمات غير الحكومية المتخصصة في مجالات مختلفة.

لقد بات المجتمع المدني في المرحلة الراهنة يقدم إجابة جاهزة عن العديد من المسائل، فهو الرد على سلطة الحزب الواحد في الدول الشيوعية بإيجاد مرجعية اجتماعية خارج الدولة، وهو الرد على بيروقراطية وتمركز عملية اتخاذ القرار في الدول الليبرالية، وهو الرد على سيطرة اقتصاد السوق على الحياة الاجتماعية والصحة والثقافة والفن، وهو أيضاً الرد على دكتاتوريات عالم الجنوب من جهة، وعلى البنى العضوية والتقليدية فيه من جهة أخرى، ويبدو أن هذا الانتشار والتنوع في استخدام المجتمع المدني، هما بحد ذاتهما تعبير عن أزمة سياسية عند حركات التغيير والقوى النقدية بعد هزيمة الإجابات الجاهزة غير المشتقة من تحليلات تاريخية اقتصادية وسياسية عينية، وإنما من آفاق فلسفية ويوتوبيات وغير ذلك.

وفي ضوء ما تقدم، يمكن القول إن مفهوم (المجتمع المدني) لا يخلو من ميل أيديولوجي، ومن غايات عملية سياسية ـ توظيف سياسي ـ وإنه لم يشكل في تطوره الحديث كلاً واحداً ومنسجماً. والمهم في الأمر ليس تكويناته فقط سواء كانت تقليدية أو حديثة، إنما هو بالدرجة الأولى قيم سلوكية تنطوي على قبول الاختلاف، وحق الآخرين في تكوين منظمات أو مؤسسات تحقق مصالحهم المادية والمعنوية وتحميها وتدافع عنها، والالتزام في إدارة الخلاف بالوسائل السلمية المتحضرة، أي ينبغي أن تسود قيم المجتمع المدني، وهي: الاحترام والتسامح والتعاون والتكامل والتنافس الشريف والصراع السلمي.

ويجب أن يستند المجتمع المدني إلى صيغة سياسية تسمح للقوى بالتعبير عن آرائها ومصالحها بطريقة سلمية ومنظمة، وتعد الديمقراطية أنسب طريقة لضمان وتنامي المجتمع المدني التي يقوم جوهرها على أساس التعدد السياسي والفكري وحرية إقامة التنظيمات والمؤسسات السياسية وغير السياسية، ومبدأ تداول السلطة والرقابة السياسية، وتوفير بعض الضمانات لاحترام حقوق وحريات المواطنين. إذاً المجتمع المدني ما هو إلا الأرضية التي ترتكز عليها الصيغة الديمقراطية بقيمها ومؤسساتها وعلاقاتها.

وأخيراً يمكن القول، إن المجتمع المدني يمثل نمطاً من التنظيم الاجتماعي والسياسي والثقافي خارجاً قليلاً أو كثيراً على سلطة الدولة، وتمثل هذه التنظيمات في مختلف مستوياتها وسائط تعبير ومعارضة بالنسبة إلى المجتمع تجاه كل سلطة قائمة. فهو إذاً مجمل البنى والتنظيمات والمؤسسات التي تمثل مرتكز الحياة الرمزية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي لا تخضع مباشرة لهيمنة السلطة، إنه هامش يضيق ويتسع بحسب السياق، ينتج فيه الفرد ذاته وتضامناته ومقدساته وإبداعاته، فثمة دائماً هوامش من الحصانة الفردية والجماعية ومسافات تفصل بين المستويين الاجتماعي والسياسي، وهذه الهوامش هي التي يمكن تسميتها بالمجتمع المدني. 

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::1689::/cck::
::introtext::

المجتمع المدني كمفهوم غربي ليس بالحديث، ويعود في جذوره إلى ما يسمى فترة (النهضة الأوروبية) وارتباطه بالأفكار ذات الصلة وخاصة أفكار نظرية العقد الاجتماعي لهوبز ولوك وروسو وأطروحاتها وصولاً إلى الثورة الفرنسية وصعود البرجوازية الغربية في القرن الثامن عشر، مروراً بالتطورات في القرن التاسع عشر وحتى أوائل القرن العشرين. 

::/introtext::
::fulltext::

المجتمع المدني كمفهوم غربي ليس بالحديث، ويعود في جذوره إلى ما يسمى فترة (النهضة الأوروبية) وارتباطه بالأفكار ذات الصلة وخاصة أفكار نظرية العقد الاجتماعي لهوبز ولوك وروسو وأطروحاتها وصولاً إلى الثورة الفرنسية وصعود البرجوازية الغربية في القرن الثامن عشر، مروراً بالتطورات في القرن التاسع عشر وحتى أوائل القرن العشرين.

على الرغم من شيوع مفهوم (المجتمع المدني) في الأدبيات الأجنبية والعربية، إلا أن هناك تفاوتاً في تحديد العناصر والقوى التي يتشكل منها ما يسمى المجتمع المدني، وبالتالي هناك تنوعات عديدة من التحديدات والتعريفات لمفهوم المجتمع المدني.

والباحث عن تعريف لمفهوم المجتمع المدني يجد أن هذا المفهوم يخضع كغيره من المفاهيم إلى العديد من التفسيرات، حيث يفسره كل حسب رؤيته وحسب التوجهات السياسية لكل مجتمع ووفقاً للظروف الداخلية أو الدولية المحيطة أو وفقاً لهوى وتطلعات الحكام والمفكرين والفلاسفة وأصحاب الفكر والعقائد المختلفة.

ولغوياً كلمة (المجتمع) مشتقة من فعل (جمعَ يجمعُ)، والمجتمع: الهيئة أو الحالة الحاصلة من اجتماع مجموعة من البشر يعيشون في بيئة واحدة، ويجمع بينهم الترابط من جهة القيم والأنظمة والقوانين والتقاليد والآداب والحوائج والأشغال والمصالح المشتركة لتنتج عنهم حياة اجتماعية، وأن الحياة الاجتماعية من الأمور الفطرية المودعة في كينونة المخلوق البشري، فالإنسان اجتماعي ومدني بالخلقة، أي أنها ميزة خلقية طبيعية لا تتولد عن الاضطرار أو الاختيار أو التعاقد، فالإنسان إنسان بالقوة على حد التعبير الفلسفي، أي استعداد إنساني محض، وإنما تخرج إنسانيته إلى الفعل والتحقق من خلال المجتمع.

اعتبر البعض أن المجتمع المدني فاعل بقدر ما يعتمد مفاهيم التعدد واحترام حق الاختلاف

ويحدد المجتمع المدني بأنه مجموعة المؤسسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي تعمل في ميادينها المختلفة في استقلال عن سلطة الدولة لتحقيق أغراض متعددة، قد تكون سياسية كالمشاركة في صنع القرار على المستوى القومي ومنها الأحزاب السياسية، وقد تكون أغراضاً نقابية كالدفاع عن المصالح الاقتصادية لأعضاء النقابة، ومنها أغراض مهنية كالنقابات للارتفاع بمستوى المهنة والدفاع عن مصالح أعضائها، وقد تكون أغراضاً اجتماعية للإسهام في العمل الاجتماعي لتحقيق التنمية، وبالتالي يمكن القول إن الأمثلة البارزة لمؤسسات المجتمع المدني هي الأحزاب السياسية والنقابات العمالية والنقابات المهنية والجمعيات الاجتماعية والثقافية.

ويتمثل المجتمع المدني بالمؤسسات والمنظمات الطوعية غير الرسمية (النقابات، الأحزاب، الاتحادات والجمعيات المهنية)، التي تعمل باستقلال عن سيطرة الدولة التي اعتادت أن تفرض هيمنتها على المجتمع بالسيطرة على هذه المؤسسات وغيرها، حديثة كانت أو تقليدية، لذلك اعتبر البعض أن المجتمع المدني فاعلاً بقدر ما يعتمد مفاهيم التعدد واحترام حق الاختلاف والمبادرات الخاصة والتعايش بين مختلف القوى المتصارعة، وأن المطالبة بتنشيط المجتمع المدني، هي باختصار رد فعل لسلطوية النظام والدولة على المجتمع، ودعوة إلى قيام النظام الديمقراطي التعددي.

وهناك من يعرف (المجتمع المدني) بدلالة عناصره، حيث ينطوي هذا المفهوم على العناصر التالية: 

العنصر الأول: فكرة (الطوعية) باعتبارها إحدى الأفكار التي تشير إلى مجموعة من الظواهر المهمة في تكوين التشكيلات الاجتماعية المختلفة.

العنصر الثاني: فكرة (المؤسسية) وما تشير إليه من فكرة المؤسسات الوسيطة التي تشير بدورها إلى ضرورة توظيفها في سياق العلاقة السياسية والعلاقة الاجتماعية.

العنصر الثالث: يتعلق بـ (الغاية والدور) فهذه التكوينات يجب أن تتسم بالاستقلال عن السلطة السياسية، إلى جانب الجمعية، فالعمل الجماعي يعد أقوى تأثيراً وأكثر فاعلية من العمل الفردي.

العنصر الرابع: المجتمع المدني باعتباره (منظومة) إضافة إلى كونه مفهوماً حضارياً وفق التصور الذي يجعل منه رافداً ضمن المشروع الحضاري.

يجب أن يستند المجتمع المدني إلى صيغة سياسية تسمح للقوى بالتعبير عن آرائها بطريقة سلمية ومنظمة 

 وهناك من يعتبر أن إشاعة استخدام مفهوم المجتمع المدني تعين على إصابة الهدفين التاليين: 

الهدف الأول: الدفاع عن الطابع التعاقدي للدولة، وهو عمل يقتضي الدفاع عن مطلب المشاركة والتبادل بالصورة التي تؤدي إلى تقليص آلية السيطرة والإكراه التي يمارسها الكثير من الدول والنظم. 

الهدف الثاني: إن ترسيخ كل ما يسمح بتوسيع دائرة المجتمع المدني في مجال الذهنيات ومجال الممارسة الاجتماعية يعد وسيلة للمساهمة في استبعاد كل ما يمكن أن يحول النسبي إلى المطلق والتاريخي إلى الطوباوي.

ويمكن القول، إن مفهوم المجتمع المدني يتغير مع تغير الموقف الأيديولوجي للنظام السياسي، فالمفهوم الليبرالي لهذا المصطلح يختلف عن الفهم الاشتراكي الديمقراطي، وعن الديمقراطي الراديكالي، وعن المفهوم الإسلامي له. كما أنه يتخذ في دول عالم الجنوب أشكالاً تختلف عنه في أوروبا الغربية والولايات المتحدة، حيث تحققت أنماط من الديمقراطية الليبرالية، وحيث يتخذ النقاش منحى يحدد تميز المجتمع المدني من مجرد الديمقراطية، ويجري البحث عن أشكال للمشاركة السياسية أكثر مباشرة من البرلمانات، خاصة على مستوى المبادرات المحلية للمواطنين، أو منظمات حماية البيئة، أو على مستوى التنظيمات غير الحكومية المتخصصة في مجالات مختلفة.

لقد بات المجتمع المدني في المرحلة الراهنة يقدم إجابة جاهزة عن العديد من المسائل، فهو الرد على سلطة الحزب الواحد في الدول الشيوعية بإيجاد مرجعية اجتماعية خارج الدولة، وهو الرد على بيروقراطية وتمركز عملية اتخاذ القرار في الدول الليبرالية، وهو الرد على سيطرة اقتصاد السوق على الحياة الاجتماعية والصحة والثقافة والفن، وهو أيضاً الرد على دكتاتوريات عالم الجنوب من جهة، وعلى البنى العضوية والتقليدية فيه من جهة أخرى، ويبدو أن هذا الانتشار والتنوع في استخدام المجتمع المدني، هما بحد ذاتهما تعبير عن أزمة سياسية عند حركات التغيير والقوى النقدية بعد هزيمة الإجابات الجاهزة غير المشتقة من تحليلات تاريخية اقتصادية وسياسية عينية، وإنما من آفاق فلسفية ويوتوبيات وغير ذلك.

وفي ضوء ما تقدم، يمكن القول إن مفهوم (المجتمع المدني) لا يخلو من ميل أيديولوجي، ومن غايات عملية سياسية ـ توظيف سياسي ـ وإنه لم يشكل في تطوره الحديث كلاً واحداً ومنسجماً. والمهم في الأمر ليس تكويناته فقط سواء كانت تقليدية أو حديثة، إنما هو بالدرجة الأولى قيم سلوكية تنطوي على قبول الاختلاف، وحق الآخرين في تكوين منظمات أو مؤسسات تحقق مصالحهم المادية والمعنوية وتحميها وتدافع عنها، والالتزام في إدارة الخلاف بالوسائل السلمية المتحضرة، أي ينبغي أن تسود قيم المجتمع المدني، وهي: الاحترام والتسامح والتعاون والتكامل والتنافس الشريف والصراع السلمي.

ويجب أن يستند المجتمع المدني إلى صيغة سياسية تسمح للقوى بالتعبير عن آرائها ومصالحها بطريقة سلمية ومنظمة، وتعد الديمقراطية أنسب طريقة لضمان وتنامي المجتمع المدني التي يقوم جوهرها على أساس التعدد السياسي والفكري وحرية إقامة التنظيمات والمؤسسات السياسية وغير السياسية، ومبدأ تداول السلطة والرقابة السياسية، وتوفير بعض الضمانات لاحترام حقوق وحريات المواطنين. إذاً المجتمع المدني ما هو إلا الأرضية التي ترتكز عليها الصيغة الديمقراطية بقيمها ومؤسساتها وعلاقاتها.

وأخيراً يمكن القول، إن المجتمع المدني يمثل نمطاً من التنظيم الاجتماعي والسياسي والثقافي خارجاً قليلاً أو كثيراً على سلطة الدولة، وتمثل هذه التنظيمات في مختلف مستوياتها وسائط تعبير ومعارضة بالنسبة إلى المجتمع تجاه كل سلطة قائمة. فهو إذاً مجمل البنى والتنظيمات والمؤسسات التي تمثل مرتكز الحياة الرمزية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي لا تخضع مباشرة لهيمنة السلطة، إنه هامش يضيق ويتسع بحسب السياق، ينتج فيه الفرد ذاته وتضامناته ومقدساته وإبداعاته، فثمة دائماً هوامش من الحصانة الفردية والجماعية ومسافات تفصل بين المستويين الاجتماعي والسياسي، وهذه الهوامش هي التي يمكن تسميتها بالمجتمع المدني. 

::/fulltext::
::cck::1689::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *