تحت ظلال الحرية الدينية الجديدة في روسيا..المسلمون قادمون
::cck::1850::/cck::
::introtext::
في ظل الانفتاح الذي يشهده الاتحاد الروسي حالياً منذ التحولات الأيديولوجية الكبرى التي شهدها الاتحاد السوفييتي بما سمح بالحريات الدينية لكل الأديان أصبح الإسلام في روسيا الآن يحتل المكانة الثانية بين الأديان الأربعة الرئيسية، ويقدرعدد المسلمين في روسيا بعد تفكك الاتحاد السوفييتي بنحو25 مليون مسلم، وإن كانت الباحثة الروسية ماريا بيلنكايا تقول (إن هذا التقدير قديم ويصعب التحديد الآن حيث لا يتم قيد الديانة في السجلات الحكومية، وأعتقد أن العدد أكبر بكثير الآن نظراً لزيادة الإنجاب في العائلات المسلمة مع النقص الحاد في الإنجاب لدى المسيحيين الذين لا يزيد الإنجاب عندهم في الغالب على طفل واحد).
::/introtext::
::fulltext::
في ظل الانفتاح الذي يشهده الاتحاد الروسي حالياً منذ التحولات الأيديولوجية الكبرى التي شهدها الاتحاد السوفييتي بما سمح بالحريات الدينية لكل الأديان أصبح الإسلام في روسيا الآن يحتل المكانة الثانية بين الأديان الأربعة الرئيسية، ويقدرعدد المسلمين في روسيا بعد تفكك الاتحاد السوفييتي بنحو25 مليون مسلم، وإن كانت الباحثة الروسية ماريا بيلنكايا تقول (إن هذا التقدير قديم ويصعب التحديد الآن حيث لا يتم قيد الديانة في السجلات الحكومية، وأعتقد أن العدد أكبر بكثير الآن نظراً لزيادة الإنجاب في العائلات المسلمة مع النقص الحاد في الإنجاب لدى المسيحيين الذين لا يزيد الإنجاب عندهم في الغالب على طفل واحد).
كما تتوقع الباحثة الروسية بيلنكايا أن يصل عدد المسلمين في روسيا عام 2030 إلى أكثر من خمسين مليوناً ليقتربوا من نصف عدد سكان روسيا مع التناقص الحاد للمسيحيين، وتستدل بيلنكايا على ذلك بالعدد الهائل للمساجد في روسيا، حيث كان يوجد قبل الثورة البلشفية عام 1917 في روسيا نحو 12 ألف مسجد، ولم يبق منها في العهد السوفييتي الشيوعي سوى 343 مسجداً، والآن مع الصحوة الدينية الكبيرة يوجد في روسيا نحو سبعة آلاف مسجد، منها ستة مساجد كبيرة في العاصمة موسكو التي يقدر عدد المسلمين فيها بنحو 1,6 مليون من أصل عدد سكانها الثمانية ملايين.
الحريات الدينية
لم يمض على تفكك الاتحاد السوفييتي في عام 1991 بضعة شهور حتى تحولت روسيا كلها إلى ساحة مفتوحة لكل الأديان، السماوية والأرضية، كل طوائف وكنائس ومعابد العالم توجهت إلى روسيا تبحث لها عن معتنقين جدد لتعاليمها، أكثر من ألفي كنيسة من الشرق والغرب جاءت تروج لمعتقداتها، المعابد البوذية والهندوسية وغيرها أرسلت مبشريها يوزعون نشراتهم وصحائفهم المطبوعة باللغة الروسية في شوارع المدن الروسية، طوائف يهودية متعددة جاءت تتنافس على جذب اليهود الروس إليها، وحتى بعض الطوائف والمذاهب الإسلامية جاءت بمبشريها تشتري أراضي وتؤسس مساجد ومدارس ومعاهد للمسلمين، ونظر البعض إلى هذه الظاهرة على أنها صحوة دينية بعد الحرمان الشيوعي من الدين سبعين عاماً، ولكن البعض الآخر اعتبرها فوضى، وكان من الممكن أن تؤدي هذه التحولات إلى انهيار المجتمع الروسي لولا تدخل الدولة بعد عام 2000 لتنظيم الأمور وتأسيس مجلس أعلى للديانات يضم ممثلين للأديان الأربعة الرئيسية المسيحية الأرثوذكسية والإسلام واليهودية والبوذية، باعتبار أنها الديانات الأكثر انتشاراً في العالم وفي روسيا قبل الثورة الشيوعية البلشفية عام 1917.
يقدر عدد المسلمين في روسيا بعد تفكك الاتحاد السوفييتي بنحو25 مليون مسلم
نمو عدد المسلمين
ومع التنظيم وتدخل الدولة بدأت تظهر معالم الصحوة الدينية في روسيا، حيث برزت الكنيسة الأرثوذكسية الشرقية كديانة رئيسية للدولة باعتبارها الديانة الرسمية التي كانت سائدة في روسيا القيصرية قبل الثورة عام 1917، وتقول ماريا بيلنكايا إنه (على الرغم من أن الإسلام دخل روسيا في النصف الثاني من القرن السابع الميلادي إلا أن روسيا القيصرية اعتنقت المسيحية الأرثوذكسية في أواخر القرن العاشر، وبالتحديد عام 988م، والسبب في ذلك يرجع ربما إلى عدم توغل الإسلام داخل روسيا، حيث أتى من الجنوب وانتشر في القسم الآسيوي من روسيا وبالتحديد في منطقة الفولجا واعتنقته قوميات مثل التتار والبشكير والشيشان والأنجوش والداغستان وغيرهم، ولكن هذا لم يمنع من وجود أعداد كبيرة من المسلمين الروس في موسكو وفي الجزء الأوروبي من روسيا، وبهذا أصبح الإسلام الديانة الثانية في روسيا من دون أي خلافات أو نزاعات نظراً لتفاهمه الكبير مع الكنيسة الأرثوذكسية الشرقية التي كانت ولا تزال على عداء كبير مع الكنيسة الكاثوليكية الغربية).
ورفض البرلمان الروسي مؤخراً مشروع قانون يطالب بالسماح بإنشاء أحزاب دينية في روسيا، وهذه هي المرة الثانية خلال خمسة أعوام التي يرفض فيها مثل هذا المشروع، وأيدت الكنيسة الأرثوذكسية الروسية قرار البرلمان بالرفض مؤيدة فصل الدين عن السياسة، كما أيد مفتي المسلمين في روسيا طلعت تاج الدين قرار البرلمان غير أنه قال (نريد أن نرى رجال سياسة متدينين، ولا نريد أن نرى رجال دين يشتغلونبالسياسة). ويعكس الإلحاح على المطالبة بأحزاب دينية في روسيا الصحوة الدينية الكبيرة التي تشهدها روسيا بعد الحرمان السوفييتي من الدين طيلة سبعة عقود من الشيوعية والإلحاد، هذه الصحوة التي بدأت بفوضى في التسعينات واستقرت الآن على أربع ديانات محددة هي حسب الترتيب المسيحية الأرثوذكسية والإسلام واليهودية والبوذية.
الانحياز للمسلمين
يقدر عدد اليهود في روسيا الآن بنحو مليون وثلاثمائة ألف، بينما يقدر عدد معتنقي الديانة البوذية بأكثر من عشرة ملايين يسكن معظمهم الشرق الأقصى من روسيا. وعلى الرغم من الحرية الدينية السائدة الآن في روسيا والموقف المحايد للنظام الروسي الحاكم من الأديان ورفض تدخل الدين في السياسة والعكس أيضاً، إلا أن اليهود وأيضاً المسيحيين الكاثوليك الذين لا يزيد عددهم على بضع عشرات من الآلاف يتهمون الكرملين والحكومة الروسية والكنيسة الأرثوذكسية الرسمية في روسيا بالانحياز للمسلمين، على الرغم من أن اليهود والكاثوليك يتمتعون بكل الحقوق التي يتمتع بها الأرثوذكس والمسلمون، ولكن الاهتمام بالمسلمين من قبل الكنيسة الأرثوذكسية والجهات الرسمية الروسية واضح وله مبررات كثيرة، ويقول المحلل السياسي الروسي ميخائيل ديرباسوف (إن الحملة الأمريكية على الإرهاب بعد أحداث 11 سبتمبر وما تبعها من هجوم على الإسلام والمسلمين دفعت نظام الرئيس بوتين إلى الاهتمام بالمسلمين الروس خشية استغلال بعض الجهات لهم لإثارة القلاقل والاضطرابات داخل روسيا، وخاصة الشيشان الذين أعطت بريطانيا والولايات المتحدة حق اللجوء السياسي لقادتهم الانفصاليين، ولهذا سعى الكرملين إلى التقرب من المسلمين الروس وأيضاً التقرب من دول العالم الإسلامي للتأكيد على تناقض سياسة روسيا مع السياسة الأمريكية تجاه الإسلام).
بوتين والإسلام
يقول الرئيس بوتين (مسلمو روسيا ليسوا مهاجرين بل هم من سكان روسيا الأصليين وليس لديهم وطن آخر ينتمون إليه)، ويقول أيضاً (المتطرفون والإرهابيون أتوا بتفسيرات مشوهة للقرآن العظيم وأساءوا للإسلام، وروسيا أخذت على عاتقها مسؤولية الدفاع عن الدين الإسلامي الحقيقي وعن المسلمين الحقيقيين في كل أنحاء الأرض، وأي تطرف إسلامي مرفوض في روسيا لأنه يهدف إلى تخريب ركيزة أساسية من ركائز الدولة الروسية وركائز العالم الإسلامي أيضاً). وقد أصر الرئيس الروسي بوتين على المشاركة كضيف في قمة منظمة المؤتمر الإسلامي التي انعقدت في ماليزيا في أكتوبر عام 2003، وطالب بوتين بحق روسيا في الانضمام لعضوية المنظمة باعتبار أن عدد المسلمين فيها أكبر من عددهم في الكثير من الدول الإسلامية وكذلك عدد المساجد والمؤسسات الدينية الإسلامية، وقال بوتين (من حق أكثر من عشرين مليون مسلم روسي أن يشعروا بانتمائهم للعالم الإسلامي الكبير)، وتكللت جهود الرئيس بوتين بإنجاز كبير غير مسبوق في تاريخ منظمة المؤتمر الإسلامي حيث تقرر في مؤتمر وزراء خارجية الدول أعضاء المنظمة المنعقد في اليمن في يوليو عام 2005 قبول روسيا كعضو مراقب في المنظمة، وهو استثناء غير موجود في ميثاق المنظمة منح لروسيا دون غيرها، وقال بوتين مهنئاً المسلمين في روسيا (سنتصدى بكل جهودنا لأية محاولات لتشويه صورة الإسلام وجوهره أو لاستخدامه لأغراض عدوانية)، ودان بوتين بشدة الرسوم الكاريكاتيرية المسيئة للرسول محمد عليه الصلاة والسلام ووصفها بالقبيحة، كما دان الصحف التي تداولت نشرها .
وكان للكنيسة الأرثوذكسية الروسية موقف إيجابي متميز من الإسلام والمسلمين ينعكس بوضوح في تصريحات ألكسي الثاني بطريرك عموم روسيا الذي قال (المسلمون الروس حلفاء أوفياء للكنيسة الأرثوذكسية الروسية على مر تاريخهم، ونحن حريصون على توطيد علاقاتنا بالمجتمع الإسلامي، ونرفض التطرف والإرهاب الذي يتستر تحت عباءة الدين الإسلامي والإسلام منه بريء، هذا التطرف من صناعة أعداء الإسلام)، ودان البطريرك بشدة تصريحات بابا الفاتيكان ضد الإسلام مندداً بمواقف الكنيسة الكاثوليكية الخاضعة للأهواء والتوجهات السياسية السائدة، متهماً إياها بتأجيج العداء بين الأديان.

فعاليات إسلامية
الصحوة الدينية بشكل عام في روسيا، وخاصة الصحوة الإسلامية، لا تنعكس في مواقف الحكومة ورجال السياسة والدين فقط، بل أيضاً على أرض الواقع في العديد من المؤسسات والفعاليات المستمرة على مدى الأعوام الخمسة الماضية، حيث تقرر تشكيل مجلس الأديان الروسي التابع للكرملين والذي يشارك في عضويته بالترتيب حسب الأهمية ممثلو الأديان الأربعة الأرثوذكسية المسيحية والإسلام واليهودية والبوذية، كما انتشرت الآلاف من الجمعيات والمؤسسات الإسلامية في كل أنحاء روسيا ومن أبرزها، مجلس الإفتاء الروسي الذي يتبعه ألف وخمسمائة جماعة إسلامية، والإدارة الدينية المركزية لمسلمي روسيا التي يتبعها خمسمائة جماعة، ومركز مسلمي شمال القوقاز ويتبعه ثمانمائة جماعة، ويسود التفاهم والتنسيق بين هذه الجماعات إلى حد كبير، ويعتبر المذهب السني هو الغالب على كل مسلمي روسيا، حيث يسود بينهم المذهبان الشافعي والحنفي، وتنعقد العديد من المؤتمرات والندوات الإسلامية في العاصمة موسكو وبقية المدن الروسية، وكان آخرها في نوفمبر من العام الماضي مؤتمراً بعنوان (وحدة الشعب الروسي والوفاق الوطني) نظمته إدارة الشؤون الإسلامية وحضره ممثلون عن جميع مسلمي روسيا، كما حضره ممثلون للحكومة والكنيسة الروسية، كما سبق أن نظمت وزارة الخارجية الروسية مؤتمراً دولياً في مطلع العام الجاري تحت عنوان (قضايا الإسلام في آسيا) حضره ممثلون للعديد من الدول الإسلامية، وأقيم في موسكو مؤخراً مؤتمر كبير تحت عنوان (الإسلام يدعو إلى السلام) حضره ممثلو الكنيسة ووفود من الدول العربية والإسلامية، كما عقد في إبريل الماضي في موسكو مؤتمر دولي بعنوان (روسيا والعالم الإسلامي – رؤية استراتيجية)، واختار اتحاد مسلمي أوروبا موسكو في أغسطس من العام الماضي مقراً لمؤتمره السنوي الذي حضره ممثلون للجاليات الإسلامية في مختلف الدول الأوروبية .
الحجاج الروس
كما تأسس في روسيا مجلس شؤون الحج تابع للحكومة الروسية ينظم سفر الحجاج المسلمين للأراضي المقدسة كل عام والذين يزيد عددهم على الضعف كل عام، ويصل في العام الجاري إلى 18 ألف حاج نصفهم من النساء حسب تصريحات مفوض المجلس أحمد بلالوف، وافتتح في مدينة بيلوجورد الروسية في 31 من أكتوبر المنصرم النصب التذكارية للمحاربين المسلمين الروس الذين استشهدوا في الحرب العالمية الثانية، كما يجرى تأسيس جامعة إسلامية كبيرة في موسكو تحت إشراف وزارة التعليم الروسية وبدعم كامل من الحكومة الروسية، كما احتفلت مدينة نيجنوفجراد القريبة من موسكو مؤخراً بمرور مائة عام على انعقاد أول مؤتمر لمسلمي روسيا الذي انعقد في المدينة في 15 أغسطس عام 1905، وأقيم في مدينة قازان في سبتمبر أول مهرجان دولي سينمائي إسلامي عرض فيه أكثر من 70 فيلماً من العديد من الدول الإسلامية .
وهكذا يتمتع المسلمون في روسيا بمزايا الصحوة الدينية الكبيرة التي تعيشها روسيا الآن، وربما أكثر من غيرهم من الديانات الأخرى نظراً للعوامل السياسية السائدة على الساحة الدولية في إطار الحملة الغربية المعادية للإسلام والمسلمين والتي تعطي روسيا أفضلية في التقارب مع العالمين العربي والإسلامي.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::1850::/cck::
::introtext::
في ظل الانفتاح الذي يشهده الاتحاد الروسي حالياً منذ التحولات الأيديولوجية الكبرى التي شهدها الاتحاد السوفييتي بما سمح بالحريات الدينية لكل الأديان أصبح الإسلام في روسيا الآن يحتل المكانة الثانية بين الأديان الأربعة الرئيسية، ويقدرعدد المسلمين في روسيا بعد تفكك الاتحاد السوفييتي بنحو25 مليون مسلم، وإن كانت الباحثة الروسية ماريا بيلنكايا تقول (إن هذا التقدير قديم ويصعب التحديد الآن حيث لا يتم قيد الديانة في السجلات الحكومية، وأعتقد أن العدد أكبر بكثير الآن نظراً لزيادة الإنجاب في العائلات المسلمة مع النقص الحاد في الإنجاب لدى المسيحيين الذين لا يزيد الإنجاب عندهم في الغالب على طفل واحد).
::/introtext::
::fulltext::
في ظل الانفتاح الذي يشهده الاتحاد الروسي حالياً منذ التحولات الأيديولوجية الكبرى التي شهدها الاتحاد السوفييتي بما سمح بالحريات الدينية لكل الأديان أصبح الإسلام في روسيا الآن يحتل المكانة الثانية بين الأديان الأربعة الرئيسية، ويقدرعدد المسلمين في روسيا بعد تفكك الاتحاد السوفييتي بنحو25 مليون مسلم، وإن كانت الباحثة الروسية ماريا بيلنكايا تقول (إن هذا التقدير قديم ويصعب التحديد الآن حيث لا يتم قيد الديانة في السجلات الحكومية، وأعتقد أن العدد أكبر بكثير الآن نظراً لزيادة الإنجاب في العائلات المسلمة مع النقص الحاد في الإنجاب لدى المسيحيين الذين لا يزيد الإنجاب عندهم في الغالب على طفل واحد).
كما تتوقع الباحثة الروسية بيلنكايا أن يصل عدد المسلمين في روسيا عام 2030 إلى أكثر من خمسين مليوناً ليقتربوا من نصف عدد سكان روسيا مع التناقص الحاد للمسيحيين، وتستدل بيلنكايا على ذلك بالعدد الهائل للمساجد في روسيا، حيث كان يوجد قبل الثورة البلشفية عام 1917 في روسيا نحو 12 ألف مسجد، ولم يبق منها في العهد السوفييتي الشيوعي سوى 343 مسجداً، والآن مع الصحوة الدينية الكبيرة يوجد في روسيا نحو سبعة آلاف مسجد، منها ستة مساجد كبيرة في العاصمة موسكو التي يقدر عدد المسلمين فيها بنحو 1,6 مليون من أصل عدد سكانها الثمانية ملايين.
الحريات الدينية
لم يمض على تفكك الاتحاد السوفييتي في عام 1991 بضعة شهور حتى تحولت روسيا كلها إلى ساحة مفتوحة لكل الأديان، السماوية والأرضية، كل طوائف وكنائس ومعابد العالم توجهت إلى روسيا تبحث لها عن معتنقين جدد لتعاليمها، أكثر من ألفي كنيسة من الشرق والغرب جاءت تروج لمعتقداتها، المعابد البوذية والهندوسية وغيرها أرسلت مبشريها يوزعون نشراتهم وصحائفهم المطبوعة باللغة الروسية في شوارع المدن الروسية، طوائف يهودية متعددة جاءت تتنافس على جذب اليهود الروس إليها، وحتى بعض الطوائف والمذاهب الإسلامية جاءت بمبشريها تشتري أراضي وتؤسس مساجد ومدارس ومعاهد للمسلمين، ونظر البعض إلى هذه الظاهرة على أنها صحوة دينية بعد الحرمان الشيوعي من الدين سبعين عاماً، ولكن البعض الآخر اعتبرها فوضى، وكان من الممكن أن تؤدي هذه التحولات إلى انهيار المجتمع الروسي لولا تدخل الدولة بعد عام 2000 لتنظيم الأمور وتأسيس مجلس أعلى للديانات يضم ممثلين للأديان الأربعة الرئيسية المسيحية الأرثوذكسية والإسلام واليهودية والبوذية، باعتبار أنها الديانات الأكثر انتشاراً في العالم وفي روسيا قبل الثورة الشيوعية البلشفية عام 1917.
يقدر عدد المسلمين في روسيا بعد تفكك الاتحاد السوفييتي بنحو25 مليون مسلم
نمو عدد المسلمين
ومع التنظيم وتدخل الدولة بدأت تظهر معالم الصحوة الدينية في روسيا، حيث برزت الكنيسة الأرثوذكسية الشرقية كديانة رئيسية للدولة باعتبارها الديانة الرسمية التي كانت سائدة في روسيا القيصرية قبل الثورة عام 1917، وتقول ماريا بيلنكايا إنه (على الرغم من أن الإسلام دخل روسيا في النصف الثاني من القرن السابع الميلادي إلا أن روسيا القيصرية اعتنقت المسيحية الأرثوذكسية في أواخر القرن العاشر، وبالتحديد عام 988م، والسبب في ذلك يرجع ربما إلى عدم توغل الإسلام داخل روسيا، حيث أتى من الجنوب وانتشر في القسم الآسيوي من روسيا وبالتحديد في منطقة الفولجا واعتنقته قوميات مثل التتار والبشكير والشيشان والأنجوش والداغستان وغيرهم، ولكن هذا لم يمنع من وجود أعداد كبيرة من المسلمين الروس في موسكو وفي الجزء الأوروبي من روسيا، وبهذا أصبح الإسلام الديانة الثانية في روسيا من دون أي خلافات أو نزاعات نظراً لتفاهمه الكبير مع الكنيسة الأرثوذكسية الشرقية التي كانت ولا تزال على عداء كبير مع الكنيسة الكاثوليكية الغربية).
ورفض البرلمان الروسي مؤخراً مشروع قانون يطالب بالسماح بإنشاء أحزاب دينية في روسيا، وهذه هي المرة الثانية خلال خمسة أعوام التي يرفض فيها مثل هذا المشروع، وأيدت الكنيسة الأرثوذكسية الروسية قرار البرلمان بالرفض مؤيدة فصل الدين عن السياسة، كما أيد مفتي المسلمين في روسيا طلعت تاج الدين قرار البرلمان غير أنه قال (نريد أن نرى رجال سياسة متدينين، ولا نريد أن نرى رجال دين يشتغلونبالسياسة). ويعكس الإلحاح على المطالبة بأحزاب دينية في روسيا الصحوة الدينية الكبيرة التي تشهدها روسيا بعد الحرمان السوفييتي من الدين طيلة سبعة عقود من الشيوعية والإلحاد، هذه الصحوة التي بدأت بفوضى في التسعينات واستقرت الآن على أربع ديانات محددة هي حسب الترتيب المسيحية الأرثوذكسية والإسلام واليهودية والبوذية.
الانحياز للمسلمين
يقدر عدد اليهود في روسيا الآن بنحو مليون وثلاثمائة ألف، بينما يقدر عدد معتنقي الديانة البوذية بأكثر من عشرة ملايين يسكن معظمهم الشرق الأقصى من روسيا. وعلى الرغم من الحرية الدينية السائدة الآن في روسيا والموقف المحايد للنظام الروسي الحاكم من الأديان ورفض تدخل الدين في السياسة والعكس أيضاً، إلا أن اليهود وأيضاً المسيحيين الكاثوليك الذين لا يزيد عددهم على بضع عشرات من الآلاف يتهمون الكرملين والحكومة الروسية والكنيسة الأرثوذكسية الرسمية في روسيا بالانحياز للمسلمين، على الرغم من أن اليهود والكاثوليك يتمتعون بكل الحقوق التي يتمتع بها الأرثوذكس والمسلمون، ولكن الاهتمام بالمسلمين من قبل الكنيسة الأرثوذكسية والجهات الرسمية الروسية واضح وله مبررات كثيرة، ويقول المحلل السياسي الروسي ميخائيل ديرباسوف (إن الحملة الأمريكية على الإرهاب بعد أحداث 11 سبتمبر وما تبعها من هجوم على الإسلام والمسلمين دفعت نظام الرئيس بوتين إلى الاهتمام بالمسلمين الروس خشية استغلال بعض الجهات لهم لإثارة القلاقل والاضطرابات داخل روسيا، وخاصة الشيشان الذين أعطت بريطانيا والولايات المتحدة حق اللجوء السياسي لقادتهم الانفصاليين، ولهذا سعى الكرملين إلى التقرب من المسلمين الروس وأيضاً التقرب من دول العالم الإسلامي للتأكيد على تناقض سياسة روسيا مع السياسة الأمريكية تجاه الإسلام).
بوتين والإسلام
يقول الرئيس بوتين (مسلمو روسيا ليسوا مهاجرين بل هم من سكان روسيا الأصليين وليس لديهم وطن آخر ينتمون إليه)، ويقول أيضاً (المتطرفون والإرهابيون أتوا بتفسيرات مشوهة للقرآن العظيم وأساءوا للإسلام، وروسيا أخذت على عاتقها مسؤولية الدفاع عن الدين الإسلامي الحقيقي وعن المسلمين الحقيقيين في كل أنحاء الأرض، وأي تطرف إسلامي مرفوض في روسيا لأنه يهدف إلى تخريب ركيزة أساسية من ركائز الدولة الروسية وركائز العالم الإسلامي أيضاً). وقد أصر الرئيس الروسي بوتين على المشاركة كضيف في قمة منظمة المؤتمر الإسلامي التي انعقدت في ماليزيا في أكتوبر عام 2003، وطالب بوتين بحق روسيا في الانضمام لعضوية المنظمة باعتبار أن عدد المسلمين فيها أكبر من عددهم في الكثير من الدول الإسلامية وكذلك عدد المساجد والمؤسسات الدينية الإسلامية، وقال بوتين (من حق أكثر من عشرين مليون مسلم روسي أن يشعروا بانتمائهم للعالم الإسلامي الكبير)، وتكللت جهود الرئيس بوتين بإنجاز كبير غير مسبوق في تاريخ منظمة المؤتمر الإسلامي حيث تقرر في مؤتمر وزراء خارجية الدول أعضاء المنظمة المنعقد في اليمن في يوليو عام 2005 قبول روسيا كعضو مراقب في المنظمة، وهو استثناء غير موجود في ميثاق المنظمة منح لروسيا دون غيرها، وقال بوتين مهنئاً المسلمين في روسيا (سنتصدى بكل جهودنا لأية محاولات لتشويه صورة الإسلام وجوهره أو لاستخدامه لأغراض عدوانية)، ودان بوتين بشدة الرسوم الكاريكاتيرية المسيئة للرسول محمد عليه الصلاة والسلام ووصفها بالقبيحة، كما دان الصحف التي تداولت نشرها .
وكان للكنيسة الأرثوذكسية الروسية موقف إيجابي متميز من الإسلام والمسلمين ينعكس بوضوح في تصريحات ألكسي الثاني بطريرك عموم روسيا الذي قال (المسلمون الروس حلفاء أوفياء للكنيسة الأرثوذكسية الروسية على مر تاريخهم، ونحن حريصون على توطيد علاقاتنا بالمجتمع الإسلامي، ونرفض التطرف والإرهاب الذي يتستر تحت عباءة الدين الإسلامي والإسلام منه بريء، هذا التطرف من صناعة أعداء الإسلام)، ودان البطريرك بشدة تصريحات بابا الفاتيكان ضد الإسلام مندداً بمواقف الكنيسة الكاثوليكية الخاضعة للأهواء والتوجهات السياسية السائدة، متهماً إياها بتأجيج العداء بين الأديان.

فعاليات إسلامية
الصحوة الدينية بشكل عام في روسيا، وخاصة الصحوة الإسلامية، لا تنعكس في مواقف الحكومة ورجال السياسة والدين فقط، بل أيضاً على أرض الواقع في العديد من المؤسسات والفعاليات المستمرة على مدى الأعوام الخمسة الماضية، حيث تقرر تشكيل مجلس الأديان الروسي التابع للكرملين والذي يشارك في عضويته بالترتيب حسب الأهمية ممثلو الأديان الأربعة الأرثوذكسية المسيحية والإسلام واليهودية والبوذية، كما انتشرت الآلاف من الجمعيات والمؤسسات الإسلامية في كل أنحاء روسيا ومن أبرزها، مجلس الإفتاء الروسي الذي يتبعه ألف وخمسمائة جماعة إسلامية، والإدارة الدينية المركزية لمسلمي روسيا التي يتبعها خمسمائة جماعة، ومركز مسلمي شمال القوقاز ويتبعه ثمانمائة جماعة، ويسود التفاهم والتنسيق بين هذه الجماعات إلى حد كبير، ويعتبر المذهب السني هو الغالب على كل مسلمي روسيا، حيث يسود بينهم المذهبان الشافعي والحنفي، وتنعقد العديد من المؤتمرات والندوات الإسلامية في العاصمة موسكو وبقية المدن الروسية، وكان آخرها في نوفمبر من العام الماضي مؤتمراً بعنوان (وحدة الشعب الروسي والوفاق الوطني) نظمته إدارة الشؤون الإسلامية وحضره ممثلون عن جميع مسلمي روسيا، كما حضره ممثلون للحكومة والكنيسة الروسية، كما سبق أن نظمت وزارة الخارجية الروسية مؤتمراً دولياً في مطلع العام الجاري تحت عنوان (قضايا الإسلام في آسيا) حضره ممثلون للعديد من الدول الإسلامية، وأقيم في موسكو مؤخراً مؤتمر كبير تحت عنوان (الإسلام يدعو إلى السلام) حضره ممثلو الكنيسة ووفود من الدول العربية والإسلامية، كما عقد في إبريل الماضي في موسكو مؤتمر دولي بعنوان (روسيا والعالم الإسلامي – رؤية استراتيجية)، واختار اتحاد مسلمي أوروبا موسكو في أغسطس من العام الماضي مقراً لمؤتمره السنوي الذي حضره ممثلون للجاليات الإسلامية في مختلف الدول الأوروبية .
الحجاج الروس
كما تأسس في روسيا مجلس شؤون الحج تابع للحكومة الروسية ينظم سفر الحجاج المسلمين للأراضي المقدسة كل عام والذين يزيد عددهم على الضعف كل عام، ويصل في العام الجاري إلى 18 ألف حاج نصفهم من النساء حسب تصريحات مفوض المجلس أحمد بلالوف، وافتتح في مدينة بيلوجورد الروسية في 31 من أكتوبر المنصرم النصب التذكارية للمحاربين المسلمين الروس الذين استشهدوا في الحرب العالمية الثانية، كما يجرى تأسيس جامعة إسلامية كبيرة في موسكو تحت إشراف وزارة التعليم الروسية وبدعم كامل من الحكومة الروسية، كما احتفلت مدينة نيجنوفجراد القريبة من موسكو مؤخراً بمرور مائة عام على انعقاد أول مؤتمر لمسلمي روسيا الذي انعقد في المدينة في 15 أغسطس عام 1905، وأقيم في مدينة قازان في سبتمبر أول مهرجان دولي سينمائي إسلامي عرض فيه أكثر من 70 فيلماً من العديد من الدول الإسلامية .
وهكذا يتمتع المسلمون في روسيا بمزايا الصحوة الدينية الكبيرة التي تعيشها روسيا الآن، وربما أكثر من غيرهم من الديانات الأخرى نظراً للعوامل السياسية السائدة على الساحة الدولية في إطار الحملة الغربية المعادية للإسلام والمسلمين والتي تعطي روسيا أفضلية في التقارب مع العالمين العربي والإسلامي.
::/fulltext::
::cck::1850::/cck::
