مبادرة أبوظبي لإنشاء (مدينة خضراء). خطوة في الاتجاه الصحيح
::cck::1852::/cck::
::introtext::
(لا يزال العالم أسير الفكرة القديمة القائلة إن علينا الاختيار بين النمو الاقتصادي والحفاظ على الموارد. وفي الحقيقة، لا يمكن للنمو الاقتصادي أن يستمر من دون الحفاظ على الموارد). كوفي أنان (دبي، السادس من فبراير 2006).
::/introtext::
::fulltext::
(لا يزال العالم أسير الفكرة القديمة القائلة إن علينا الاختيار بين النمو الاقتصادي والحفاظ على الموارد. وفي الحقيقة، لا يمكن للنمو الاقتصادي أن يستمر من دون الحفاظ على الموارد). كوفي أنان (دبي، السادس من فبراير 2006).
في مايو 2007، وكجزء من رؤية جديدة، أعلنت شركة (مصدر) المملوكة لحكومة أبوظبي أنها تعتزم بناء (مدينة خضراء) خالية من الكربون وتتمتع بتكامل فريد، حيث يتوقع أن يوفر حرم الطاقة والتقنية (الأخضر) بيئة حياتية مستدامة تتمتع بأحدث المرافق ومراكز الأبحاث، وتعتمد على موارد وتقنيات التنمية النظيفة في مجالات البناء وتحلية مياه البحر والوقود البيولوجي، ووسائل النقل المستدامة ومعالجة المياه وإدارة مياه الصرف الصحي والتبريد بالطاقة الشمسية وتقنيات الري المستدام، وسواها من الجوانب المتجددة.
وتعتزم شركة (مصدر) أيضاً إطلاق مشروع لتطوير (آلية التنمية النظيفة) في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا من أجل تشغيل وصيانة المصادر التي تولد انبعاثات كربونية، إضافة إلى إنشاء إدارة محفظة كبيرة للكربون وتطوير وحدة جديدة لمعالجة الانبعاثات الكربونية في حقبة ما بعد كيوتو (أي بعد عام 2012)، وستركز هذه الوحدة بشكل خاص على تحسين عملية جمع وتخزين انبعاثات ثاني أوكسيد الكربون من أجل الارتقاء بسلامة وكفاءة إنتاج واستخدام النفط.
لا شك في أن إمارة أبوظبي اتخذت قراراً جريئاً وتاريخياً عبر تبني تقنيات الطاقة المتجددة والمستدامة
لا شك في أن إمارة أبوظبي اتخذت قراراً جريئاً وتاريخياً عبر تبني تقنيات الطاقة المتجددة والمستدامة. ونظراً لأنها أول منتج رئيسي للهيدروكربونات يتخذ مثل هذه الخطوة، فقد أسست إمارة أبوظبي لنفسها موقعاً قيادياً عالمياً عبر إطلاق مبادرة شركة (مصدر) المذكورة أعلاه والتي ستعمل كمرفق للتعاون العالمي يتيح الانخراط المفتوح في البحث عن حلول لبعض أكثر قضايا البشرية إلحاحاً، مثل أمن الطاقة وتغير المناخ والتنمية الإنسانية المستدامة الحقيقية.
وتُمثل مبادرة شركة مصدر برنامجاً شاملاً للتنمية الاقتصادية تبلغ ميزانيته بضعة مليارات من الدولارات ويعتمد على موارد إمارة أبوظبي المالية الضخمة وخبرتها في مجال الطاقة، من أجل إيجاد حلول إبداعية لإنتاج طاقة أنظف وأكثر استدامة، فضلاً عن الحفاظ على الموارد الطبيعية. وهناك هدف رئيسي آخر لمبادرة شركة مصدر هو تحويل إمارة أبوظبي إلى مرفق بحث وتطوير عالمي لتقنيات الطاقة النظيفة. وتتمثل إحدى غايات هذا الهدف في دفع تسويق وتبني هذه التقنيات وسواها من تقنيات الطاقة المستدامة وإدارة الكربون واستخدام المياه.
وعلى الرغم من صعوبة التنبؤ الدقيق بالإنجازات المحتملة لهذا المشروع، إلا أنه من المتوقع أن يحقق النتائج المباشرة التالية بحلول عام 2015:
ـ عشرة آلاف وظيفة جديدة رفيعة المستوى في قطاع الطاقة النظيفة والتقنيات المستدامة بإمارة أبوظبي.
ـ 800 طالب من طلاب درجتي الماجستير والدكتوراه الملتزمين بالدوام الكامل في (معهد مصدر) المتخصص في مجالات الطاقة النظيفة والتقنيات المستدامة.
ـ رفد اقتصاد أبوظبي غير النفطي بمليارات الدولارات.
ـ إنشاء أول مرفق علمي وبحثي عالمي في منطقة الخليج قادر على التحول إلى مركز عالمي لأنشطة وصناعات أخرى قائمة على المعرفة، إلى جانب مجال الطاقة النظيفة.
وكجزء من مجمل هذا المشروع، هناك أيضاً صندوق شركة مصدر للتقنيات النظيفة برأسمال قدره 250 مليون دولار، ويُساهم في هذا الصندوق عدد من الشركات الاستثمارية التي تسعى إلى إنشاء محفظة أموال مخصصة لاستخدام وتطوير التقنيات النظيفة، وتمويل مشاريع استثمارية مشتركة في مجال الطاقة النظيفة، وهناك أيضاً خطط لعقد قمة الطاقة العالمية الأولى في أبوظبي في عام 2008.
ومن المؤكد أن المقاربة التي اقترحتها شركة (مصدر) ستجلب منافع مهمة، بدءاً بالرؤية المتعلقة بإنشاء مدينة يخلو هواؤها من الكربون، وتعتمد فيها وسائط النقل العام وآلاف البيوت على التيار الكهربائي المولد من أشعة الشمس، وذلك بهدف دعم تطوير المباني الصديقة للبيئة التي بات من المعروف أنها ترفع إنتاجية العمال والموظفين بمعدلات تتراوح بين 6 في المائة إلى 26 في المائة، وتُحسن أوضاعهم الصحية وترفع روحهم المعنوية، وتخفض معدلات تغيبهم عن العمل بنحو 15 في المائة. وأظهرت الدراسات أن المباني التي تتمتع بمواصفات بيئية عامة جيدة يُمكنها على المدى البعيد تخفيض التكاليف وتقليص احتمال إصابة قاطنيها بأمراض جهاز التنفس والحساسية والربو. وأظهرت الدراسات أيضاً أن العديد من مواد البناء المستخدَمة في المباني القائمة حالياً تُطلق غازات سامة قد تترك آثاراً سلبية على صحة وإنتاجية سكانها.
ويسعى مهندسو المباني الصديقة للبيئة في الغالب إلى المزاوجة بين التناغم البيئي والانسجام الجمالي بين كل مبنى ومحيطه الطبيعي والمعماري. ولذلك، ربما يتعذر التمييز بين المساكن والمباني المستدامة والأقل استدامة من حيث الشكل الهندسي والمظهر الخارجي.
لقد صنف البعض ظاهرة تغير المناخ على أنها مشكلة عالمية مزمنة يتجاوز حلها قدرات وحدود مسؤوليات الحكومات المحلية، لكن عندما يعي المرء تلك الأمور التي تجعل منطقة الخليج فريدة ومتميزة، فإنه يبدأ بفهم وإدراك حقيقةَ أن تغير المناخ العالمي قضية محلية في جوهرها بحكم أسبابها ونتائجها. ففي الواقع، يُولد التلوث البيئي الذي يُسبب ارتفاع حرارة الأرض داخل الأحياء والمدن نفسها التي تُقاد فيها السيارات وتُنتَج فيها الطاقة الكهربائية. وبالتالي، فإن خيارات الفرد إزاء إمدادات واستهلاك الطاقة ووسائل النقل والنفايات الصلبة وسُبل استغلال الأراضي، هي التي ستُحدد طبيعة المسار المستقبلي لظاهرة الاحتباس الحراري.
ولا ريب في أن إعلان شركة (مصدر) والمبادرة التي اشتملت عليها يُمثلان خطوة في الاتجاه الصحيح، وتكمن أهم فائدة مباشرة لهذه الخطوة في قدرتها على المساعدة على تقليص الانبعاثات الكربونية وتقديم نموذج يُحتذى به. فهذه المبادرة ستكون قادرة على تعميق الوعي وبعث الأمل في أن يُطلق أناس آخرون مبادرات مماثلة.
في الوقت نفسه، يتعين على المرء أن يكون واقعياً بشأن التوقعات المتعلقة بمبادرة شركة مصدر، فعلى الرغم من نبل الأهداف المعلنة، يجب على المرء أن يفهم أن هذه الأهداف صعبة التحقيق أيضاً لأن التوصل إلى إنشاء مدينة خالية تماماً من الانبعاثات الكربونية مسألة صعبة للغاية من الناحيتين العلمية والعملية. لذا، لا يزال من المبكر جداً الحكم على التقليص المحتمل أو الفعلي لمستويات الانبعاثات الكربونية في (المدينة الخضراء) في أبوظبي. وفي هذا السياق، سيكون من الضروري بالنسبة لشركة مصدر أن توضح لعامة الناس طبيعة الطرق والوسائل التي ستحاول من خلالها الحد من الانبعاثات الكربونية. أضف إلى ذلك أن المدينة الجديدة ستكون مدينة مسيجة، وسيكون لمثل هذا السياج حتماً بعض السلبيات البيئية، لأنه سيُمثل مانعاً اصطناعياً يعرقل الحركة الطبيعية لمختلف الكائنات الحية الموجودة في المنطقة. وربما تكون لهذا السياج عواقب اجتماعية عدة لأن البعض قد يعتبرون المدينة الخضراء منطقة خاصة تنفرد بأسلوب حياة مُترف، وهو ما قد يجعل الذين يعيشون خارج سياج المدينة الخضراء يحسدون القاطنين داخله.
أخيراً، لا شك في أن المدينة الجديدة ستُسبب بعض الأضرار البيئية التي سيكون من الضروري تحديدها وتوضيحها وتخفيفها. فكما كانت الحال دائماً في الماضي، لا يوجد أي تطور معدوم الآثار السلبية أو الإيجابية. وفي النهاية، يعتمد نجاح كل تطور على مدى القدرة على تقليص أو إزالة تداعياته السلبية وتحسين نتائجه الإيجابية، وقد يكون من المفيد منذ البداية أن تُعرب السلطات المعنية عن استعدادها لتمويل دراسات تُعنى بتحديد حجم التكاليف الإضافية، التي سيكون الناس مستعدين لتحملها من أجل العيش في المدينة الخضراء.
لقد قال المهاتما غاندي (كُن التغيير الذي تريد رؤيته في هذا العالم). وباستطاعة المشروع التجريبـي الآنف الذكر أن يبدأ بالفعل الترجمة العملية لسياسات حكومة أبوظبي الرامية إلى بناء اقتصاد متنوع قائم على أسس التنمية المستدامة. إلى ذلك، يُظهر هذا المشروع لبقية دول العالم ما يمكن فعله من أجل مكافحة ظاهرة تغير المناخ على الصعيد المحلي في دولة الإمارات، إلى جانب تعزيز موقعها كعضو مسؤول في المجتمع الدولي؛ وهو ما قد يدفع بقية كبار ملوثي البيئة ومولدي الانبعاثات الكربونية إلى اتخاذ خطوات مماثلة.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::1852::/cck::
::introtext::
(لا يزال العالم أسير الفكرة القديمة القائلة إن علينا الاختيار بين النمو الاقتصادي والحفاظ على الموارد. وفي الحقيقة، لا يمكن للنمو الاقتصادي أن يستمر من دون الحفاظ على الموارد). كوفي أنان (دبي، السادس من فبراير 2006).
::/introtext::
::fulltext::
(لا يزال العالم أسير الفكرة القديمة القائلة إن علينا الاختيار بين النمو الاقتصادي والحفاظ على الموارد. وفي الحقيقة، لا يمكن للنمو الاقتصادي أن يستمر من دون الحفاظ على الموارد). كوفي أنان (دبي، السادس من فبراير 2006).
في مايو 2007، وكجزء من رؤية جديدة، أعلنت شركة (مصدر) المملوكة لحكومة أبوظبي أنها تعتزم بناء (مدينة خضراء) خالية من الكربون وتتمتع بتكامل فريد، حيث يتوقع أن يوفر حرم الطاقة والتقنية (الأخضر) بيئة حياتية مستدامة تتمتع بأحدث المرافق ومراكز الأبحاث، وتعتمد على موارد وتقنيات التنمية النظيفة في مجالات البناء وتحلية مياه البحر والوقود البيولوجي، ووسائل النقل المستدامة ومعالجة المياه وإدارة مياه الصرف الصحي والتبريد بالطاقة الشمسية وتقنيات الري المستدام، وسواها من الجوانب المتجددة.
وتعتزم شركة (مصدر) أيضاً إطلاق مشروع لتطوير (آلية التنمية النظيفة) في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا من أجل تشغيل وصيانة المصادر التي تولد انبعاثات كربونية، إضافة إلى إنشاء إدارة محفظة كبيرة للكربون وتطوير وحدة جديدة لمعالجة الانبعاثات الكربونية في حقبة ما بعد كيوتو (أي بعد عام 2012)، وستركز هذه الوحدة بشكل خاص على تحسين عملية جمع وتخزين انبعاثات ثاني أوكسيد الكربون من أجل الارتقاء بسلامة وكفاءة إنتاج واستخدام النفط.
لا شك في أن إمارة أبوظبي اتخذت قراراً جريئاً وتاريخياً عبر تبني تقنيات الطاقة المتجددة والمستدامة
لا شك في أن إمارة أبوظبي اتخذت قراراً جريئاً وتاريخياً عبر تبني تقنيات الطاقة المتجددة والمستدامة. ونظراً لأنها أول منتج رئيسي للهيدروكربونات يتخذ مثل هذه الخطوة، فقد أسست إمارة أبوظبي لنفسها موقعاً قيادياً عالمياً عبر إطلاق مبادرة شركة (مصدر) المذكورة أعلاه والتي ستعمل كمرفق للتعاون العالمي يتيح الانخراط المفتوح في البحث عن حلول لبعض أكثر قضايا البشرية إلحاحاً، مثل أمن الطاقة وتغير المناخ والتنمية الإنسانية المستدامة الحقيقية.
وتُمثل مبادرة شركة مصدر برنامجاً شاملاً للتنمية الاقتصادية تبلغ ميزانيته بضعة مليارات من الدولارات ويعتمد على موارد إمارة أبوظبي المالية الضخمة وخبرتها في مجال الطاقة، من أجل إيجاد حلول إبداعية لإنتاج طاقة أنظف وأكثر استدامة، فضلاً عن الحفاظ على الموارد الطبيعية. وهناك هدف رئيسي آخر لمبادرة شركة مصدر هو تحويل إمارة أبوظبي إلى مرفق بحث وتطوير عالمي لتقنيات الطاقة النظيفة. وتتمثل إحدى غايات هذا الهدف في دفع تسويق وتبني هذه التقنيات وسواها من تقنيات الطاقة المستدامة وإدارة الكربون واستخدام المياه.
وعلى الرغم من صعوبة التنبؤ الدقيق بالإنجازات المحتملة لهذا المشروع، إلا أنه من المتوقع أن يحقق النتائج المباشرة التالية بحلول عام 2015:
ـ عشرة آلاف وظيفة جديدة رفيعة المستوى في قطاع الطاقة النظيفة والتقنيات المستدامة بإمارة أبوظبي.
ـ 800 طالب من طلاب درجتي الماجستير والدكتوراه الملتزمين بالدوام الكامل في (معهد مصدر) المتخصص في مجالات الطاقة النظيفة والتقنيات المستدامة.
ـ رفد اقتصاد أبوظبي غير النفطي بمليارات الدولارات.
ـ إنشاء أول مرفق علمي وبحثي عالمي في منطقة الخليج قادر على التحول إلى مركز عالمي لأنشطة وصناعات أخرى قائمة على المعرفة، إلى جانب مجال الطاقة النظيفة.
وكجزء من مجمل هذا المشروع، هناك أيضاً صندوق شركة مصدر للتقنيات النظيفة برأسمال قدره 250 مليون دولار، ويُساهم في هذا الصندوق عدد من الشركات الاستثمارية التي تسعى إلى إنشاء محفظة أموال مخصصة لاستخدام وتطوير التقنيات النظيفة، وتمويل مشاريع استثمارية مشتركة في مجال الطاقة النظيفة، وهناك أيضاً خطط لعقد قمة الطاقة العالمية الأولى في أبوظبي في عام 2008.
ومن المؤكد أن المقاربة التي اقترحتها شركة (مصدر) ستجلب منافع مهمة، بدءاً بالرؤية المتعلقة بإنشاء مدينة يخلو هواؤها من الكربون، وتعتمد فيها وسائط النقل العام وآلاف البيوت على التيار الكهربائي المولد من أشعة الشمس، وذلك بهدف دعم تطوير المباني الصديقة للبيئة التي بات من المعروف أنها ترفع إنتاجية العمال والموظفين بمعدلات تتراوح بين 6 في المائة إلى 26 في المائة، وتُحسن أوضاعهم الصحية وترفع روحهم المعنوية، وتخفض معدلات تغيبهم عن العمل بنحو 15 في المائة. وأظهرت الدراسات أن المباني التي تتمتع بمواصفات بيئية عامة جيدة يُمكنها على المدى البعيد تخفيض التكاليف وتقليص احتمال إصابة قاطنيها بأمراض جهاز التنفس والحساسية والربو. وأظهرت الدراسات أيضاً أن العديد من مواد البناء المستخدَمة في المباني القائمة حالياً تُطلق غازات سامة قد تترك آثاراً سلبية على صحة وإنتاجية سكانها.
ويسعى مهندسو المباني الصديقة للبيئة في الغالب إلى المزاوجة بين التناغم البيئي والانسجام الجمالي بين كل مبنى ومحيطه الطبيعي والمعماري. ولذلك، ربما يتعذر التمييز بين المساكن والمباني المستدامة والأقل استدامة من حيث الشكل الهندسي والمظهر الخارجي.
لقد صنف البعض ظاهرة تغير المناخ على أنها مشكلة عالمية مزمنة يتجاوز حلها قدرات وحدود مسؤوليات الحكومات المحلية، لكن عندما يعي المرء تلك الأمور التي تجعل منطقة الخليج فريدة ومتميزة، فإنه يبدأ بفهم وإدراك حقيقةَ أن تغير المناخ العالمي قضية محلية في جوهرها بحكم أسبابها ونتائجها. ففي الواقع، يُولد التلوث البيئي الذي يُسبب ارتفاع حرارة الأرض داخل الأحياء والمدن نفسها التي تُقاد فيها السيارات وتُنتَج فيها الطاقة الكهربائية. وبالتالي، فإن خيارات الفرد إزاء إمدادات واستهلاك الطاقة ووسائل النقل والنفايات الصلبة وسُبل استغلال الأراضي، هي التي ستُحدد طبيعة المسار المستقبلي لظاهرة الاحتباس الحراري.
ولا ريب في أن إعلان شركة (مصدر) والمبادرة التي اشتملت عليها يُمثلان خطوة في الاتجاه الصحيح، وتكمن أهم فائدة مباشرة لهذه الخطوة في قدرتها على المساعدة على تقليص الانبعاثات الكربونية وتقديم نموذج يُحتذى به. فهذه المبادرة ستكون قادرة على تعميق الوعي وبعث الأمل في أن يُطلق أناس آخرون مبادرات مماثلة.
في الوقت نفسه، يتعين على المرء أن يكون واقعياً بشأن التوقعات المتعلقة بمبادرة شركة مصدر، فعلى الرغم من نبل الأهداف المعلنة، يجب على المرء أن يفهم أن هذه الأهداف صعبة التحقيق أيضاً لأن التوصل إلى إنشاء مدينة خالية تماماً من الانبعاثات الكربونية مسألة صعبة للغاية من الناحيتين العلمية والعملية. لذا، لا يزال من المبكر جداً الحكم على التقليص المحتمل أو الفعلي لمستويات الانبعاثات الكربونية في (المدينة الخضراء) في أبوظبي. وفي هذا السياق، سيكون من الضروري بالنسبة لشركة مصدر أن توضح لعامة الناس طبيعة الطرق والوسائل التي ستحاول من خلالها الحد من الانبعاثات الكربونية. أضف إلى ذلك أن المدينة الجديدة ستكون مدينة مسيجة، وسيكون لمثل هذا السياج حتماً بعض السلبيات البيئية، لأنه سيُمثل مانعاً اصطناعياً يعرقل الحركة الطبيعية لمختلف الكائنات الحية الموجودة في المنطقة. وربما تكون لهذا السياج عواقب اجتماعية عدة لأن البعض قد يعتبرون المدينة الخضراء منطقة خاصة تنفرد بأسلوب حياة مُترف، وهو ما قد يجعل الذين يعيشون خارج سياج المدينة الخضراء يحسدون القاطنين داخله.
أخيراً، لا شك في أن المدينة الجديدة ستُسبب بعض الأضرار البيئية التي سيكون من الضروري تحديدها وتوضيحها وتخفيفها. فكما كانت الحال دائماً في الماضي، لا يوجد أي تطور معدوم الآثار السلبية أو الإيجابية. وفي النهاية، يعتمد نجاح كل تطور على مدى القدرة على تقليص أو إزالة تداعياته السلبية وتحسين نتائجه الإيجابية، وقد يكون من المفيد منذ البداية أن تُعرب السلطات المعنية عن استعدادها لتمويل دراسات تُعنى بتحديد حجم التكاليف الإضافية، التي سيكون الناس مستعدين لتحملها من أجل العيش في المدينة الخضراء.
لقد قال المهاتما غاندي (كُن التغيير الذي تريد رؤيته في هذا العالم). وباستطاعة المشروع التجريبـي الآنف الذكر أن يبدأ بالفعل الترجمة العملية لسياسات حكومة أبوظبي الرامية إلى بناء اقتصاد متنوع قائم على أسس التنمية المستدامة. إلى ذلك، يُظهر هذا المشروع لبقية دول العالم ما يمكن فعله من أجل مكافحة ظاهرة تغير المناخ على الصعيد المحلي في دولة الإمارات، إلى جانب تعزيز موقعها كعضو مسؤول في المجتمع الدولي؛ وهو ما قد يدفع بقية كبار ملوثي البيئة ومولدي الانبعاثات الكربونية إلى اتخاذ خطوات مماثلة.
::/fulltext::
::cck::1852::/cck::
