روسيا وقضايا التسلح في الشرق الأوسط (الحدود والآفاق)

::cck::1854::/cck::
::introtext::

في منتصف عشرينات القرن الماضي وبعد وصول الرئيس جوزيف ستالين إلى السلطة في الاتحاد السوفييتي السابق بعد وفاة مؤسس الدولة الشيوعية فلاديمير لينين، كان واضحاً للقيادة الجديدة وعلى رأسها ستالين ضعف الاتحاد السوفييتي التقني مقارنة بالغرب وهو ما حدا به إلى وضع استراتيجية شرسة لنقل تلك البلاد الشاسعة إلى نموذج صناعي مشابه للنموذج الأمريكي باستخدام الموارد الكبيرة المتوفرة ونظام السخرة للمواطنين الروس. 

::/introtext::
::fulltext::

في منتصف عشرينات القرن الماضي وبعد وصول الرئيس جوزيف ستالين إلى السلطة في الاتحاد السوفييتي السابق بعد وفاة مؤسس الدولة الشيوعية فلاديمير لينين ، كان واضحاً للقيادة الجديدة وعلى رأسها ستالين ضعف الاتحاد السوفييتي التقني مقارنة بالغرب وهو ما حدا به إلى وضع استراتيجية شرسة لنقل تلك البلاد الشاسعة إلى نموذج صناعي مشابه للنموذج الأمريكي باستخدام الموارد الكبيرة المتوفرة ونظام السخرة للمواطنين الروس.

ساهم في ذلك تسريب الكثير من الأسرار الصناعية من أوروبا من بعض العلماء المتعاطفين من النظام الشيوعي، كما أن الاتحاد السوفييتي استفاد كثيراً أثناء الحرب العالمية الثانية من نظام التأجير والإعارة الذي ابتدعته الولايات المتحدة الأمريكية لمساعدة أوروبا في حربها ضد ألمانيا النازية بنقل عشرات الآلاف من المعدات العسكرية من طائرات ودبابات وذخائر مباشرة من الولايات المتحدة الأمريكية ودول أوروبا الغربية والاتحاد السوفييتي وهو عامل رئيسي في نقل التكنولوجيا العسكرية إلى المصانع العسكرية الروسية البدائية.

وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وبروز دور الاتحاد السوفييتي في العالم كقوة رئيسية خاصة بعد دخوله النادي النووي ونقل العديد من العلماء الألمان من ألمانيا إلى روسيا برز تطور ملموس في صناعة الصواريخ والطائرات بعد أن بدأ ستالين بالتركيز على الصناعات العسكرية كسبيل يراه مناسباً لمواجهة الغرب أثناء الحرب الباردة، بل إنه مثلاً لم يتردد في شراء محركات (رولز رويس) البريطانية لطائرة (الميغ 15) لكي يقوم بتطوير أنظمة المحركات الروسية في نهاية الأربعينات من القرن الماضي.

وظل الاتحاد السوفييتي دائماً يرى في دول الشرق الأوسط منطقة نفوذ استراتيجي مهم لما تحويه من ثروات طبيعية وللمكانة الجغرافية المميزة والطمع في الوصول إلى المياه الدافئة وهو هدف استراتيجي وحلم من أيام القياصرة، حيث كانت المنطقة بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وارتفاع شأن المد الشيوعي تقترب من تغيير شامل في الأوضاع الجيوبولتيكية بعد انحسار دور الاستعمارين البريطاني والفرنسي وبداية الحركات الثورية واستغلال الدول المختلفة، حيث اتسمت المنطقة بالصراع على النفوذ فيها بين المعسكرين، واعتبر الغرب تلك المنطقة خطاً أحمر يجب ألا يسقط في مجال النفوذ الشيوعي.

ومثّل ظهور الرئيس جمال عبد الناصر في مصر وارتفاع المد القومي العربي والصراع العربي – الإسرائيلي والتدخلات البريطانية والفرنسية فرصاً ذهبية لارتفاع شأن ودور الاتحاد السوفييتي في المنطقة خاصة في الدول ذات التوجه الاشتراكي مثل مصر، اليمن، السودان، العراق والجزائر، حيث ارتكزت السياسة الشيوعية على دعم تلك الحركات والدول بتزويدها بالأسلحة والذخائر الروسية في سبيل تحقيق الأهداف الاستراتيجية لروسيا في المنطقة عبر المساهمة في تغيير الأنظمة التي تعتبرها موالية للغرب ولمجابهة الخطر الغربي ووقف النفوذ الأمريكي من خلال الإيحاء برغبة الاتحاد السوفييتي في مساعدة الدول النامية والمشاركة في دعم القوات المسلحة لتلك الدول ووقف التفوق العسكري الإسرائيلي .

 إن تقييماً مبدئياً للصناعات العسكرية الروسية مقارنة بالصناعات الغربية يبين أن التفوق الكمي لها لا يمكن مقارنته بالتفوق النوعي للصناعات الغربية رغم التفوق الروسي في مجال أسلحة الدفاع الجوي والصواريخ البالستية نتيجة للتجارب المريرة التي اكتسبتها روسيا من الحرب العالمية الثانية وقدرتها على الوصول إلى العديد من الأسرار الألمانية والعلماء الألمان بعد سقوط مدينة برلين عام 1945. 

كانت بداية النفوذ السوفييتي في منطقة الشرق الأوسط عام 1955 عندما قام الرئيس المصري جمال عبد الناصر بالتوقيع على صفقة أسلحة ضخمة مع الاتحاد السوفييتي عبر تشيكوسلوفاكيا وعرفت باسم صفقة (الأسلحة التشيكية) والتي بدأ من خلالها التغلغل في منطقة الشرق الأوسط من قبل العديد من دول التحالف الغربي وخاصة بعد سقوط العديد من الأنظمة في أيدي الحركات الثورية وازدياد وتأثير النفوذ الناصري في العديد من الدول العربية نتيجة للصراع العربي – الإسرائيلي، كما قام الاتحاد السوفييتي باستخدام إمدادات الأسلحة لدول الشرق الأوسط للتأثير في سياسات تلك الدول بواسطة الإيحاء بإمكانية التأثير في مسارح العمليات العسكرية ضد التفوق الإسرائيلي النوعي نظراً لأفضلية أسلحة الدفاع الجوي الروسية والتسهيلات المالية المقدمة مع تلك الأسلحة والذخائر ورخص الأسعار وسهولة الاستخدام، حيث استخدم السلاح كغاية سياسية رئيسية ليس لكسب تلك الدول إلى جانبه فقط ولكن كمحاولة لتحييد دور الدول الغربية في المنطقة.

حرب الأيام الستة في يونيو 1967 كانت أول انتكاسة حقيقية للنفوذ السوفييتي في المنطقة 

 وكانت حرب الأيام الستة في يونيو 1967 أول انتكاسة حقيقية للنفوذ السوفييتي في المنطقة، فالأسلحة الروسية الضخمة المكدسة لدى مصر وسوريا لم تستطع أن تقاوم التفوق النوعي للأسلحة الغربية التي استخدمتها إسرائيل بغض النظر عن الاستراتيجيات والتكتيكات التي استخدمها الطرفان في تلك الحرب الخاطفة، بل إن الغرب استغل الإذلال الذي عانى منه المصريون والسوريون في إظهار سوء الأسلحة الروسية وعدم استطاعتها مجابهة الأسلحة الغربية، حيث اتسمت ردود الروس باليأس في محاولة لتلميع دور منظومات الأسلحة الروسية في العديد من الانتصارات في معارك أخرى في مناطق مختلفة من العالم، وقد حاولت الاستخبارات الروسية تهريب طائرات (ميراج) لبنانية في بداية سبعينات القرن الماضي لدراسة بعض الأسرار الغربية في مجال الطيران رداً على نجاح إسرائيل في عام 1966 في تهريب طائرة (ميغ 21) عراقية قادها الطيار العراقي منير روما من العراق إلى إسرائيل.

ومثلت حرب أكتوبر 1973 بين العرب وإسرائيل الفرصة الذهبية لإعادة المجد للأسلحة الروسية عندما تمكنت القوات المصرية من عبور قناة السويس وتحطيم أسطورة خط بارليف الإسرائيلي على ضفة قناة السويس في بداية الحرب تحت مظلة شبكة متطورة من صواريخ الدفاع الجوي الروسية رغم الضعف في مجال الطائرات المقاتلة الروسية لدى الجانبين المصري والسوري، بل إن منظومات الدفاع المصرية كبدت الطيران الإسرائيلي خسائر كبيرة وفادحة في الأيام الأولى من الحرب، إضافة إلى تمكن الدبابات السورية من إعادة احتلال أجزاء مختلفة من هضبة الجولان المحتلة، إلا أن تلك السمعة بدأت في الانحسار مرة أخرى بعد أن استطاعت الآلة العسكرية الغربية تحرير الكويت عام 1991 .

وبعد انتهاء حرب أكتوبر 1973 بين العرب وإسرائيل بدأت التحولات السياسية في الشرق الأوسط كنتيجة طبيعية لازدياد التأثير الأمريكي في المنطقة بإرسال مؤشرات مقلقة للاتحاد السوفييتي رغم بعض الانتقادات العسكرية للآلة العسكرية المصرية والسورية التي استخدمت في حربها أسلحة وذخائر روسية.

ومثّل خروج مصر من دائرة النفوذ الروسي صدمة لأصحاب القرار في الاتحاد السوفييتي خاصة بعد إعلان الرئيس المصري أنور السادات الاستغناء عن الأسلحة الروسية والاتجاه إلى تسليح الجيش المصري بالأسلحة الغربية، حيث كان الاتحاد السوفييتي يعتبر مصر تاج الدول التي تستخدم منظومات الأسلحة الروسية لما تمثله من ثقل في دول العالم الثالث عامة والدول العربية خاصة.

واستطاعت الثورة العسكرية الغربية مرة أخرى تدمير سمعة الأسلحة الروسية وذلك في حرب تحرير الكويت عام 1991 عندما تم تحطيم ما اعتبر حينها رابع أكبر جيش في العالم وهو الجيش العراقي الذي يستخدم أسلحة روسية في هزيمة مدوية أثرت كثيراً على سمعة الأسلحة الروسية ونظم وتكتيكات الآلة العسكرية الروسية وأسقطت مؤقتاً أي إمكانية لتقديم رؤية جديدة لتلك المنظومات المسلحة.

وبعد سقوط الاتحاد السوفييتي عام 1991 بدأت صناعة الأسلحة الروسية في التراجع نتيجة لنقص الإمدادات المالية رغم محاولة الحكومة الروسية ضخ بعض الأموال والخبرات والاتجاه إلى نظام السوق المفتوح لمواكبة الأنظمة الغربية، بل إن الصناعة المسلحة الروسية لم تستطع اكتساب زبائن ذوي ثقل، واتجهت العديد من الدول التي كانت تمثل ثقلاً في الاستراتيجية الروسية في الشرق الأوسط إلى دول غربية في تسليح قواتها. وهو ما دعا روسيا إلى الاتجاه إلى أوروبا وأمريكا لاكتساب مهارات وخبرات وتقنيات جديدة لتطوير صناعتها المسلحة في محاولة لإعادة الثقل في منطقة الشرق الأوسط لدول كانت دائماً تحت النفوذ الروسي.

وعلى الرغم من السقوط الحاد لسمعة منظومات الأسلحة وسقوط سمعة الأسلحة الروسية في المنطقة عامة وفي منطقة الشرق الأوسط خاصة، فقد ظل الثقل الروسي موجوداً في بعض بلدان الشرق الأوسط هي الهند وإيران وسوريا والجزائر واليمن، بل إن روسيا كانت ولا تزال مورداً رئيسياً للأسلحة المختلفة للهند وساعدت إيران على تجاوز الحظر الغربي للأسلحة عليها مع استمرار تدفق الأسلحة إلى سوريا التي اعتبرت البلد الوحيد في منطقة الصراع العربي – الإسرائيلي التي لا تزال تعتمد على الأسلحة الروسية بشكل رئيسي للدفاع عن أمنها الوطني. وحاولت روسيا من خلال هذا النفوذ العسكري في تلك الدول إيجاد أهداف متعددة من أجل خلق بيئة سياسية لزيادة النفوذ الروسي ليس في تلك الدول فقط ولكن في المنطقة عامة عبر الإيحاء بالرغبة في دفع القدرات العسكرية لتلك الدول.

وكان موقف روسيا من برنامج التسليح النووي الإيراني يمثل اتجاهاً يصعب تحديد أهدافه رغم أن العقلية الروسية التقليدية كانت دائماً تنظر بريبة إلى الدور الإيراني، بل إن الأطماع الروسية في أجزاء كبيرة من الأراضي الإيرانية كانت أحد محاور الصراع المستمر بين البلدين، كما أنها لجأت إلى سوريا كحليف قوي في المنطقة كأحد الخيارات الاستراتيجية لمواجهة التطورات العالمية، بينما تمثل الهند أحد الموارد المالية المهمة للأسلحة الروسية.

لقد أصبحت روسيا بعد انتهاء الحرب الباردة أكثر حذراً وشكاً في الدور المتوقع لها والذي رسمته القوى الغربية، وحاولت التعويض عبر الدفع بالمزيد من الاتفاقيات الأمنية مع بعض دول الشرق الأوسط وزيادة دفة التعاون العسكري في محاولة لتطوير استراتيجيات عسكرية من خلال الاستخدام الموسع للأسلحة الروسية وخاصة مع الهند وإيران بقصد تفعيل تعاون عسكري روسي / شرق أوسطي رغم غياب رؤية عسكرية واضحة مع أطراف عديدة في الشرق الأوسط. لكن بناء تعاون عسكري فعال بين روسيا ودول الشرق الأوسط يظل بطيئاً ويثير الكثير من الحساسيات في العديد من تلك الدول لعوامل مختلفة لسنا في صدد الحديث عنها، كما أن العوامل المالية تظل مربكة لأصحاب القرار الروس رغم ارتفاع أسعار النفط الذي استفادت منه روسيا بنسبة كبيرة ومحاولات الرئيس الروسي بوتين إعطاء الأولويات لبناء منظومات التسليح الروسية.

وحاولت روسيا عقد اتفاقيات عسكرية وأمنية مع بعض دول الشرق الأوسط، ولكن التنافس مع قوى عسكرية أخرى في المنطقة والتفوق الكاسح لمنظومات الأسلحة الغربية وعدم توافق المعدات العسكرية الروسية مع ما هو متوفر لدى تلك الدول واختلاف العقائد العسكرية والمشكلات ذات الصلة بتوحيد المواصفات العسكرية والأساليب القتالية المشتركة وغيرها من العوامل الأخرى لا تزال تلقي بظلالها على التقدم المتوقع لمثل هذه الاتفاقيات، بل إن جهود روسيا في دفع عجلة التعاون العسكري مع دول المنطقة اتسمت بالبطء ولم تستطع الوصول إلى النتائج نفسها التي حصلت عليها الدول الغربية.

والخلاصة التي يمكن أن نصل إليها بعد عدة عقود من التعاون العسكري الروسي – الشرق الأوسطي واستخدام العديد من منظومات الأسلحة الروسية هي أن روسيا تجد صعوبة في اختراق تلك المنطقة ذات الأهمية القصوى، وتواجه عدواً تقليدياً يحاول على كافة الصعد تخفيف حضورها في المنطقة، بل إنه يتعدى ذلك بالتشكيك بفاعلية الأسلحة الروسية، ولذلك فإنها بحاجة إلى إعادة صياغة استراتيجيتها للتعامل مع دول منطقة الشرق الأوسط بناء على التجارب المكتسبة من الماضي والحاضر القريب بعد التحولات الاستراتيجية في العالم.

 

::/fulltext::

3222-2-4e8
Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::1854::/cck::
::introtext::

في منتصف عشرينات القرن الماضي وبعد وصول الرئيس جوزيف ستالين إلى السلطة في الاتحاد السوفييتي السابق بعد وفاة مؤسس الدولة الشيوعية فلاديمير لينين، كان واضحاً للقيادة الجديدة وعلى رأسها ستالين ضعف الاتحاد السوفييتي التقني مقارنة بالغرب وهو ما حدا به إلى وضع استراتيجية شرسة لنقل تلك البلاد الشاسعة إلى نموذج صناعي مشابه للنموذج الأمريكي باستخدام الموارد الكبيرة المتوفرة ونظام السخرة للمواطنين الروس. 

::/introtext::
::fulltext::

في منتصف عشرينات القرن الماضي وبعد وصول الرئيس جوزيف ستالين إلى السلطة في الاتحاد السوفييتي السابق بعد وفاة مؤسس الدولة الشيوعية فلاديمير لينين ، كان واضحاً للقيادة الجديدة وعلى رأسها ستالين ضعف الاتحاد السوفييتي التقني مقارنة بالغرب وهو ما حدا به إلى وضع استراتيجية شرسة لنقل تلك البلاد الشاسعة إلى نموذج صناعي مشابه للنموذج الأمريكي باستخدام الموارد الكبيرة المتوفرة ونظام السخرة للمواطنين الروس.

ساهم في ذلك تسريب الكثير من الأسرار الصناعية من أوروبا من بعض العلماء المتعاطفين من النظام الشيوعي، كما أن الاتحاد السوفييتي استفاد كثيراً أثناء الحرب العالمية الثانية من نظام التأجير والإعارة الذي ابتدعته الولايات المتحدة الأمريكية لمساعدة أوروبا في حربها ضد ألمانيا النازية بنقل عشرات الآلاف من المعدات العسكرية من طائرات ودبابات وذخائر مباشرة من الولايات المتحدة الأمريكية ودول أوروبا الغربية والاتحاد السوفييتي وهو عامل رئيسي في نقل التكنولوجيا العسكرية إلى المصانع العسكرية الروسية البدائية.

وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وبروز دور الاتحاد السوفييتي في العالم كقوة رئيسية خاصة بعد دخوله النادي النووي ونقل العديد من العلماء الألمان من ألمانيا إلى روسيا برز تطور ملموس في صناعة الصواريخ والطائرات بعد أن بدأ ستالين بالتركيز على الصناعات العسكرية كسبيل يراه مناسباً لمواجهة الغرب أثناء الحرب الباردة، بل إنه مثلاً لم يتردد في شراء محركات (رولز رويس) البريطانية لطائرة (الميغ 15) لكي يقوم بتطوير أنظمة المحركات الروسية في نهاية الأربعينات من القرن الماضي.

وظل الاتحاد السوفييتي دائماً يرى في دول الشرق الأوسط منطقة نفوذ استراتيجي مهم لما تحويه من ثروات طبيعية وللمكانة الجغرافية المميزة والطمع في الوصول إلى المياه الدافئة وهو هدف استراتيجي وحلم من أيام القياصرة، حيث كانت المنطقة بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وارتفاع شأن المد الشيوعي تقترب من تغيير شامل في الأوضاع الجيوبولتيكية بعد انحسار دور الاستعمارين البريطاني والفرنسي وبداية الحركات الثورية واستغلال الدول المختلفة، حيث اتسمت المنطقة بالصراع على النفوذ فيها بين المعسكرين، واعتبر الغرب تلك المنطقة خطاً أحمر يجب ألا يسقط في مجال النفوذ الشيوعي.

ومثّل ظهور الرئيس جمال عبد الناصر في مصر وارتفاع المد القومي العربي والصراع العربي – الإسرائيلي والتدخلات البريطانية والفرنسية فرصاً ذهبية لارتفاع شأن ودور الاتحاد السوفييتي في المنطقة خاصة في الدول ذات التوجه الاشتراكي مثل مصر، اليمن، السودان، العراق والجزائر، حيث ارتكزت السياسة الشيوعية على دعم تلك الحركات والدول بتزويدها بالأسلحة والذخائر الروسية في سبيل تحقيق الأهداف الاستراتيجية لروسيا في المنطقة عبر المساهمة في تغيير الأنظمة التي تعتبرها موالية للغرب ولمجابهة الخطر الغربي ووقف النفوذ الأمريكي من خلال الإيحاء برغبة الاتحاد السوفييتي في مساعدة الدول النامية والمشاركة في دعم القوات المسلحة لتلك الدول ووقف التفوق العسكري الإسرائيلي .

 إن تقييماً مبدئياً للصناعات العسكرية الروسية مقارنة بالصناعات الغربية يبين أن التفوق الكمي لها لا يمكن مقارنته بالتفوق النوعي للصناعات الغربية رغم التفوق الروسي في مجال أسلحة الدفاع الجوي والصواريخ البالستية نتيجة للتجارب المريرة التي اكتسبتها روسيا من الحرب العالمية الثانية وقدرتها على الوصول إلى العديد من الأسرار الألمانية والعلماء الألمان بعد سقوط مدينة برلين عام 1945. 

كانت بداية النفوذ السوفييتي في منطقة الشرق الأوسط عام 1955 عندما قام الرئيس المصري جمال عبد الناصر بالتوقيع على صفقة أسلحة ضخمة مع الاتحاد السوفييتي عبر تشيكوسلوفاكيا وعرفت باسم صفقة (الأسلحة التشيكية) والتي بدأ من خلالها التغلغل في منطقة الشرق الأوسط من قبل العديد من دول التحالف الغربي وخاصة بعد سقوط العديد من الأنظمة في أيدي الحركات الثورية وازدياد وتأثير النفوذ الناصري في العديد من الدول العربية نتيجة للصراع العربي – الإسرائيلي، كما قام الاتحاد السوفييتي باستخدام إمدادات الأسلحة لدول الشرق الأوسط للتأثير في سياسات تلك الدول بواسطة الإيحاء بإمكانية التأثير في مسارح العمليات العسكرية ضد التفوق الإسرائيلي النوعي نظراً لأفضلية أسلحة الدفاع الجوي الروسية والتسهيلات المالية المقدمة مع تلك الأسلحة والذخائر ورخص الأسعار وسهولة الاستخدام، حيث استخدم السلاح كغاية سياسية رئيسية ليس لكسب تلك الدول إلى جانبه فقط ولكن كمحاولة لتحييد دور الدول الغربية في المنطقة.

حرب الأيام الستة في يونيو 1967 كانت أول انتكاسة حقيقية للنفوذ السوفييتي في المنطقة 

 وكانت حرب الأيام الستة في يونيو 1967 أول انتكاسة حقيقية للنفوذ السوفييتي في المنطقة، فالأسلحة الروسية الضخمة المكدسة لدى مصر وسوريا لم تستطع أن تقاوم التفوق النوعي للأسلحة الغربية التي استخدمتها إسرائيل بغض النظر عن الاستراتيجيات والتكتيكات التي استخدمها الطرفان في تلك الحرب الخاطفة، بل إن الغرب استغل الإذلال الذي عانى منه المصريون والسوريون في إظهار سوء الأسلحة الروسية وعدم استطاعتها مجابهة الأسلحة الغربية، حيث اتسمت ردود الروس باليأس في محاولة لتلميع دور منظومات الأسلحة الروسية في العديد من الانتصارات في معارك أخرى في مناطق مختلفة من العالم، وقد حاولت الاستخبارات الروسية تهريب طائرات (ميراج) لبنانية في بداية سبعينات القرن الماضي لدراسة بعض الأسرار الغربية في مجال الطيران رداً على نجاح إسرائيل في عام 1966 في تهريب طائرة (ميغ 21) عراقية قادها الطيار العراقي منير روما من العراق إلى إسرائيل.

ومثلت حرب أكتوبر 1973 بين العرب وإسرائيل الفرصة الذهبية لإعادة المجد للأسلحة الروسية عندما تمكنت القوات المصرية من عبور قناة السويس وتحطيم أسطورة خط بارليف الإسرائيلي على ضفة قناة السويس في بداية الحرب تحت مظلة شبكة متطورة من صواريخ الدفاع الجوي الروسية رغم الضعف في مجال الطائرات المقاتلة الروسية لدى الجانبين المصري والسوري، بل إن منظومات الدفاع المصرية كبدت الطيران الإسرائيلي خسائر كبيرة وفادحة في الأيام الأولى من الحرب، إضافة إلى تمكن الدبابات السورية من إعادة احتلال أجزاء مختلفة من هضبة الجولان المحتلة، إلا أن تلك السمعة بدأت في الانحسار مرة أخرى بعد أن استطاعت الآلة العسكرية الغربية تحرير الكويت عام 1991 .

وبعد انتهاء حرب أكتوبر 1973 بين العرب وإسرائيل بدأت التحولات السياسية في الشرق الأوسط كنتيجة طبيعية لازدياد التأثير الأمريكي في المنطقة بإرسال مؤشرات مقلقة للاتحاد السوفييتي رغم بعض الانتقادات العسكرية للآلة العسكرية المصرية والسورية التي استخدمت في حربها أسلحة وذخائر روسية.

ومثّل خروج مصر من دائرة النفوذ الروسي صدمة لأصحاب القرار في الاتحاد السوفييتي خاصة بعد إعلان الرئيس المصري أنور السادات الاستغناء عن الأسلحة الروسية والاتجاه إلى تسليح الجيش المصري بالأسلحة الغربية، حيث كان الاتحاد السوفييتي يعتبر مصر تاج الدول التي تستخدم منظومات الأسلحة الروسية لما تمثله من ثقل في دول العالم الثالث عامة والدول العربية خاصة.

واستطاعت الثورة العسكرية الغربية مرة أخرى تدمير سمعة الأسلحة الروسية وذلك في حرب تحرير الكويت عام 1991 عندما تم تحطيم ما اعتبر حينها رابع أكبر جيش في العالم وهو الجيش العراقي الذي يستخدم أسلحة روسية في هزيمة مدوية أثرت كثيراً على سمعة الأسلحة الروسية ونظم وتكتيكات الآلة العسكرية الروسية وأسقطت مؤقتاً أي إمكانية لتقديم رؤية جديدة لتلك المنظومات المسلحة.

وبعد سقوط الاتحاد السوفييتي عام 1991 بدأت صناعة الأسلحة الروسية في التراجع نتيجة لنقص الإمدادات المالية رغم محاولة الحكومة الروسية ضخ بعض الأموال والخبرات والاتجاه إلى نظام السوق المفتوح لمواكبة الأنظمة الغربية، بل إن الصناعة المسلحة الروسية لم تستطع اكتساب زبائن ذوي ثقل، واتجهت العديد من الدول التي كانت تمثل ثقلاً في الاستراتيجية الروسية في الشرق الأوسط إلى دول غربية في تسليح قواتها. وهو ما دعا روسيا إلى الاتجاه إلى أوروبا وأمريكا لاكتساب مهارات وخبرات وتقنيات جديدة لتطوير صناعتها المسلحة في محاولة لإعادة الثقل في منطقة الشرق الأوسط لدول كانت دائماً تحت النفوذ الروسي.

وعلى الرغم من السقوط الحاد لسمعة منظومات الأسلحة وسقوط سمعة الأسلحة الروسية في المنطقة عامة وفي منطقة الشرق الأوسط خاصة، فقد ظل الثقل الروسي موجوداً في بعض بلدان الشرق الأوسط هي الهند وإيران وسوريا والجزائر واليمن، بل إن روسيا كانت ولا تزال مورداً رئيسياً للأسلحة المختلفة للهند وساعدت إيران على تجاوز الحظر الغربي للأسلحة عليها مع استمرار تدفق الأسلحة إلى سوريا التي اعتبرت البلد الوحيد في منطقة الصراع العربي – الإسرائيلي التي لا تزال تعتمد على الأسلحة الروسية بشكل رئيسي للدفاع عن أمنها الوطني. وحاولت روسيا من خلال هذا النفوذ العسكري في تلك الدول إيجاد أهداف متعددة من أجل خلق بيئة سياسية لزيادة النفوذ الروسي ليس في تلك الدول فقط ولكن في المنطقة عامة عبر الإيحاء بالرغبة في دفع القدرات العسكرية لتلك الدول.

وكان موقف روسيا من برنامج التسليح النووي الإيراني يمثل اتجاهاً يصعب تحديد أهدافه رغم أن العقلية الروسية التقليدية كانت دائماً تنظر بريبة إلى الدور الإيراني، بل إن الأطماع الروسية في أجزاء كبيرة من الأراضي الإيرانية كانت أحد محاور الصراع المستمر بين البلدين، كما أنها لجأت إلى سوريا كحليف قوي في المنطقة كأحد الخيارات الاستراتيجية لمواجهة التطورات العالمية، بينما تمثل الهند أحد الموارد المالية المهمة للأسلحة الروسية.

لقد أصبحت روسيا بعد انتهاء الحرب الباردة أكثر حذراً وشكاً في الدور المتوقع لها والذي رسمته القوى الغربية، وحاولت التعويض عبر الدفع بالمزيد من الاتفاقيات الأمنية مع بعض دول الشرق الأوسط وزيادة دفة التعاون العسكري في محاولة لتطوير استراتيجيات عسكرية من خلال الاستخدام الموسع للأسلحة الروسية وخاصة مع الهند وإيران بقصد تفعيل تعاون عسكري روسي / شرق أوسطي رغم غياب رؤية عسكرية واضحة مع أطراف عديدة في الشرق الأوسط. لكن بناء تعاون عسكري فعال بين روسيا ودول الشرق الأوسط يظل بطيئاً ويثير الكثير من الحساسيات في العديد من تلك الدول لعوامل مختلفة لسنا في صدد الحديث عنها، كما أن العوامل المالية تظل مربكة لأصحاب القرار الروس رغم ارتفاع أسعار النفط الذي استفادت منه روسيا بنسبة كبيرة ومحاولات الرئيس الروسي بوتين إعطاء الأولويات لبناء منظومات التسليح الروسية.

وحاولت روسيا عقد اتفاقيات عسكرية وأمنية مع بعض دول الشرق الأوسط، ولكن التنافس مع قوى عسكرية أخرى في المنطقة والتفوق الكاسح لمنظومات الأسلحة الغربية وعدم توافق المعدات العسكرية الروسية مع ما هو متوفر لدى تلك الدول واختلاف العقائد العسكرية والمشكلات ذات الصلة بتوحيد المواصفات العسكرية والأساليب القتالية المشتركة وغيرها من العوامل الأخرى لا تزال تلقي بظلالها على التقدم المتوقع لمثل هذه الاتفاقيات، بل إن جهود روسيا في دفع عجلة التعاون العسكري مع دول المنطقة اتسمت بالبطء ولم تستطع الوصول إلى النتائج نفسها التي حصلت عليها الدول الغربية.

والخلاصة التي يمكن أن نصل إليها بعد عدة عقود من التعاون العسكري الروسي – الشرق الأوسطي واستخدام العديد من منظومات الأسلحة الروسية هي أن روسيا تجد صعوبة في اختراق تلك المنطقة ذات الأهمية القصوى، وتواجه عدواً تقليدياً يحاول على كافة الصعد تخفيف حضورها في المنطقة، بل إنه يتعدى ذلك بالتشكيك بفاعلية الأسلحة الروسية، ولذلك فإنها بحاجة إلى إعادة صياغة استراتيجيتها للتعامل مع دول منطقة الشرق الأوسط بناء على التجارب المكتسبة من الماضي والحاضر القريب بعد التحولات الاستراتيجية في العالم.

 

::/fulltext::
::cck::1854::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *