(الإصلاح) الحقيقي المتوازن أهم ما يضمن الأمن في المنطقة
::cck::1933::/cck::
::introtext::
رغم شجب الغالبية العربية والإسلامية الرسمي لأحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م، وبصرف النظر عن الموقف منها – باعتبارها عملاً إرهابياً فظيعاً – فإنها كانت (على أي حال) أحد ردود فعل الجانب العربي والإسلامي (المتطرف) على السياسات الأمريكية تجاه العالمين العربي والإسلامي، وسياسات التحالف الإمبريالي – الصهيوني في المنطقة العربية.
::/introtext::
::fulltext::
رغم شجب الغالبية العربية والإسلامية الرسمي لأحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م، وبصرف النظر عن الموقف منها – باعتبارها عملاً إرهابياً فظيعاً – فإنها كانت (على أي حال) أحد ردود فعل الجانب العربي والإسلامي (المتطرف) على السياسات الأمريكية تجاه العالمين العربي والإسلامي، وسياسات التحالف الإمبريالي – الصهيوني في المنطقة العربية.
لقد كان هذا الفعل بشعاً، ولاشك، ولا يمكن قبوله أو حتى تبريره (باعتبار أن أذاه طال أبرياء)، ولكنه كان في حقيقته أسلوب (الإرهابيين) في الرد على السياسات الأمريكية المعروفة، والتي يثير معظمها لدى كافة الفئات الاستياء والكراهية، وحتى الإرهاب، لكونها سياسات عدائية وبالغة السلبية والقهر. وهذا ما يؤكد أن أولى خطوات القضاء على الإرهاب (ضمن خطوات عدة) لابد أن تكون في(تعديل) وتغيير هذه السياسات، بما ينزع عنها صفات القهر والاستغلال واللعب بمصائر الشعوب. فكل خبراء مكافحة الإرهاب الموضوعيين يرون أن المكافحة الفعالة تستلزم، أول ما تستلزم، تعديل السياسات الباطلة، والتي بطبيعتها تستفز المشاعر، وتثير الرفض والاستنكار، وقد تدفع لاستخدام العنف أو تأييده.
ويبدو أن الإدارة الأمريكية أدركت هذه الحقيقة أو تذكرتها من جديد، رغم مكابرتها ونفيها أن ينتج عن تلك الأحداث أي تغيير أو (تعديل) في سياساتها تجاه العرب والمسلمين. فكان أن قرر أساطين سياستها الحالية محاولة إجراء تغييرات (شكلية) في سياساتهم تلك، وهم يعرفون أن أبرز ما يسبب هذه الكراهية الشعبية العربية والإسلامية تجاه أمريكا، هو:
أولاً: وقوفها وراء بعض الأوضاع السياسية السلبية في بعض أرجاء العالمين العربي والإسلامي، ومن ذلك احتلال العراق وتدميره بعد شن عدوان غير مسبوق عليه.
ثانياً: دعمها المطلق للعدوان الإسرائيلي على الأمة العربية.
فقرر أولئك الساسة إطلاق فكرة (الإصلاح السياسي) لمعالجة السبب الرئيسي الأول، وحاولوا حل (تصفية) القضية الفلسطينية بما يتوافق ورغبة ومصالح إسرائيل، فأطلقوا مشروع (خريطة الطريق) الهلامي للتعامل مع المسبب الثاني، ولكن الإدارة الأمريكية لم تكن جادة (على الإطلاق كما يبدو) في إجراء ترميم حقيقي لعلاقات أمريكا بالعرب والمسلمين. فـ (الإصلاح) الذي أرادته صيغ على مقاس المصالح والرؤى الأمريكية فقط. وتجاهلت أمريكا (خريطة الطريق) الحل الذي ارتأته بعد أن تأكدت أن أهداف وطموحات إسرائيل تتجاوز كثيراً حتى هذا الحل العجيب.
فكرة (الإصلاح)، إذن، ظهرت بقوة في أعقاب أحداث الحادي عشر من سبتمبر، فساد التفكير في ماهيتها وعواملها وسبل تحققها…إلخ. وكالعادة، سارع أغلب الإعلام الأصفر إلى الاهتمام بهذه الفكرة، وجعلها لفترة أحد محاور اهتمامه، ولكن من زاوية كل وفق ما يريد، وبحسب المعنى الذي يتطلع أن يفهم به هذا المصطلح. وغنى كل على ليلاه دون سواها، وضرب بالمنطق السليم العادة عرض الحائط.
لقد تسابق المفكرون والمثقفون في طرح أوراق عملهم وتقاريرهم. وكلها تجمع على أن الزمن قد تغير، وأن التغيير الكبير حتمي وقادم لا محالة. ولكن، وبعد مرور حوالي سبع سنوات على هذه الأحداث الجسام، فإن المشهد الآن يبدو مختلفاً كلياً عما كان عليه من قبل. فقد تم احتواء زخم الإصلاح وتطويقه، بل ونبذ فكرته، ضمناً، على الأقل. وعادت (حليمة) – كما يقولون – إلى عادتها القديمة.
ورغم ذلك، وأيضاً رغم تراجع زخم التطوير (مرحلياً على الأقل) إلا أن الإصلاح أو التطوير يظل دائماً أمراً حتمياً، سواء دفعت إليه هذه الجهة أو تلك ولأسباب تخصها أو لا تخصها. وتوقف التطوير و(المراجعة) هو أمر ضد نواميس الحياة وقوانينها، كما أنه لابد أن يعني تفاقم الأوضاع السلبية والسيئة وتحولها من سيئ إلى أسوأ، الأمر الذي سيعني اتساع الخرق على الراقع مع مرور الزمن. ذلك هو أقرب الاحتمالات للحصول في حالة توقف أو تعثر عمليات التطوير والتنمية الحقيقية.
الإدارة الأمريكية لم تكن جادة فيما يبدو لإجراء ترميم حقيقي لعلاقاتها بالعرب والمسلمين
المتغيران الكبيران
والواقع أن مصطلح (الإصلاح السياسي) (Political Reform) يعني (التنمية السياسية الإيجابية) والتي تعرف بأنها (العملية المستمرة والتي تضطلع بها الحكومات والنخب لزيادة المشاركة السياسية لشعب ما معين، وتدعيم انصهاره الوطني، ورفع مستوى وعيه السياسي، مع وضع ودعم وتعديل القوانين الأساسية الضرورية، وإقامة المؤسسات السياسية التي تستوعب القوى السياسية والاجتماعية المختلفة في المجتمع في إطار دستوري منظم. وذلك لأقصى حد ممكن).
ومن دون الدخول في شروح مطولة لهذا التعريف وأهم مضامينه وعناصر الإصلاح الأساسية، يمكننا القول إن (جوهر) التنمية المذكورة وأكبر وأهم عناصرها هو المشاركة.
ومن ناحية أخرى، كثيراً ما يعرف (الأمن الوطني والإقليمي) بأنه استتباب النظام وسيادة القانون على أسس تقبلها غالبية المعنيين أو غالبية السكان.
أي أن رضا الغالبية المذكورة هو الأساس اللازم لاستتباب الأمن الحقيقي. وبما أن التنمية السياسية تستهدف تحقيق رضا الناس، عبر أبرز عناصرها، وهو المشاركة، كان لابد من وجود علاقة طردية بين هذين المتغيرين: التنمية السياسية الإيجابية، والأمن الوطني والإقليمي. وكما يقول علماء السياسة: كلما فعّلت التنمية السياسية إيجاباً تصاعدت فرص التنمية في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية، وترسخ الأمن قطرياً وإقليمياً ومن ثم عالمياً
إذاً، نحن هنا نتحدث عن عاملين مترابطين، هما: التنمية السياسية الإيجابية، واستقرار واستتباب الأمن على المستويين القطري والإقليمي. ولهذين المتغيرين بعدان، بعد داخلي، وآخر خارجي. يتجسد البعد الأول في موقف القوى الداخلية من هذين المتغيرين. ويتمثل البعد الثاني في موقف القوى الدولية المتنفذة المعنية تجاه هذين الأمرين.
من أهم الملاحظات في البعد الداخلي:
حقيقة، يجب ألا يستغرب المرء مما يحدث من اضطرابات تصيب، من حين إلى آخر، هذا المجتمع العربي أو ذاك. فهي إفراز طبيعي للواقع الذي تعيشه بعض هذه الدول. وإذا عرف السبب بطل العجب. والواقع، أن ما يحصل في تلك الدول قابل للحصول في غيرها من الدول ذات الأوضاع المتشابهة فعلاً، لأن الحدث الاجتماعي – السياسي قابل للحصول في أي بيئة طالما توفرت شروط حصوله الرئيسية، وبصرف النظر عن الاختلافات في التفاصيل والمسميات.
ويمكن القول إن التشابه السياسي – الاجتماعي فيما بين كثير من الدول العربية والنامية يجعل الصورة العامة، التي غالباً ما يكون عليها الوضع السياسي والأمني العام في تلك الدول، متشابهة هي الأخرى. وهذا التشابه هو الذي يجعل التعميم صحيحاً إلى حد كبير والاستنتاجات مفيدة لكثير من المعنيين والمراقبين.
والجدير بالذكر هنا، أن كل مجتمع في العالم (تقريباً) يحفل مثله مثل غيره بالكثير من الاتجاهات السياسية المختلفة، وغالباً ما تتجسد هذه الاتجاهات (وخاصة في الدول ذات الحكومات الديمقراطية) في أحزاب سياسية متنوعة يسعى كل منها للوصول إلى السلطة أو إلى أكبر قدر ممكن منها عبر الوسائل المختلفة، وفي مقدمتها صناديق الاقتراع، وهذا أيضاً أمر طبيعي يلاحظ في كل مجتمع إنساني متحضر وعلى مر العصور.
وباستقراء الواقع في أغلب الدول العربية نجد أن في كل من هذه الدول اتجاهات سياسية مختلفة تمتد من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار على خط التنوع الأيديولوجي، ولكن هناك اتجاهات رئيسية ثلاثة بارزة تلاحظ في غالبية هذه الدول بصفة عامة. ويمكن تلخيص كل من هذه التيارات كما يلي:
1- الاتجاه السلطوي، الذي غالباً ما يتجسد في (مجلس قيادي) أو ما شابهه يمثل قلة (حاكمة) في مواجهة غالبية شعبية ولضمان بقائه وتسيده، يعتمد على القوة بصفة رئيسية ودعم المناصرين والمستفيدين في الداخل والخارج. وغالباً ما يحاول هذا الاتجاه رفع شعار براق يعتبره قضيته، منصباً نفسه المنافح الأول عنها.
2- اتجاه يدعو إلى تحكيم رأي الأغلبية، مع مراعاة حقوق الأقليات وفق دستور عام ترتضيه الغالبية، ويكون قائماً على مبادئ العقيدة الأساسية للغالبية ومتبنياً للمبادئ (المبجلة) عالمياً، وهي تحكيم رأي ومصلحة الغالبية، الحرية، العدالة، المساواة والتكافل الاجتماعي.
3- اتجاه يدعو إلى تسيد قلة تدعي أنها تمثل الغالبية، وأنها تمتلك (الحكمة الكاملة)، ولكنها لا تخفي رغبتها في الإجحاف بحق الأقليات، وربما إلغاء النظام الدستوري وممارسة طغيانية مرذولة، تصل إلى مستوى الفاشية البشعة. وتؤخذ على هذا الاتجاه (ماضوية) فكره وعدم وضوح البديل العملي، الذي يقدمه لـ (ما هو كائن) وغموض أهدافه ووسائله واستعداده للبطش بمن يختلف معه وميله لإقامة دكتاتورية جديدة بـ (مسمى مختلف) على أنقاض دكتاتوريات بائدة.
ويحظى هذا الاتجاه بدعم جماهيري (دوغماغي) كبير رغم غموض أهدافه ووسائله الفعلية. ويعزى ذلك إلى أن قادة هذا التيار يعزفون على أكثر الأوتار حساسية لدى غالبية عامة الناس
تبين لأمريكا أن الانتخابات النزيهة قد تسفر عن فوز جماعات لن تقبل بالخضوع للإدارة الأمريكية .
تلك هي – في رأي كثير من المراقبين – الصورة السياسية العامة للواقع الملاحظ في كثير من الدول العربية. وكذلك هناك – كما قلنا -اتجاهات أخرى متنوعة، ولكنها أقل أهمية، ولا تحظى بتأييد شعبي يذكر في البلاد المشار إليها. وفي كل من هذه الاتجاهات الثلاثة تفرعات كثيرة تقع بين حدي التفريط والإفراط في المبادئ ذاتها.
ويرى الرئيس الأمريكي الراحل ريتشارد نيكسون، وهو مفكر استراتيجي، بالإضافة إلى كونه رئيساً سابقاً لأمريكا في كتابه، الذي نشر بعنوان (الفرصة السانحة)، أن هناك ثلاثة تيارات فكرية تسود في كل العالم الإسلامي بما فيه العربي، وهذه التيارات هي في رأيه:
أ – ما سماه (التيار التقدمي)، وهو الاتجاه العلماني المغرم بالحضارة الغربية وقيمها المختلفة.
ب – ما سماه (التيار الرجعي)، وهو التيار المتمثل – في رأيه – في الدكتاتوريات، صاحبة الأيديولوجيات القومية المتعصبة.
جـ – ما سماه (الأصولية الإسلامية) الثورية المتمثلة في رجال الدين المتطرفين – كما يقول.
ويدعو نيكسون الغرب وأمريكا بطبيعة الحال إلى اتخاذ سياسات تدعم التيار العلماني، ورغم ذلك، فإن الاتجاهات الفكرية السياسية الرئيسية، التي تسود في بعض و(ليس كل) الدول العربية، هي – في رأينا – التيارات الثلاثة المذكورة آنفاً. ويمكن أن نشير إلى هذه التيارات الثلاثة بالمسميات الثلاثة التالية: الاتجاه السلطوي، الاتجاه المعتدل /المتحرر، الاتجاه الديني/ المتشدد.
وباستقراء سريع لواقع كل من هذه الاتجاهات نجد أن الاتجاه الأول هو السائد الآن، والذي سيسود في المستقبل القريب في تلك الدول طالما توفرت عوامل بقائه واستمراريته. وذلك، رغم كون هذا الاتجاه يحمل في ثناياه كثيراً من بذور عدم الاستقرار السياسي، وبالتالي، احتمال استمرار الاضطرابات (السافرة والمبطنة) في ظله. وهذا هو الاتجاه الذي يقول الكتاب إن فساد معظمه يستدعي الإصلاح.
أما الاتجاه الثاني، فيبدو أنه أكثر التيارات صلابة وعصرية، وتحقيقاً للاستقرار السياسي والاجتماعي إن قام فعلاً على العقيدة الأساسية للغالبية، ولكنه اتجاه لم يستطع حتى الآن استقطاب دعم جماهيري كبير. وذلك بسبب غموض بعض طروحاته، وهيمنة الفكر التقليدي (التراثي/الماضوي) لدى هذه الغالبية الجماهيرية، التي يصعب عليها فهم وتقدير المبادئ التي يحملها هذا التيار.
ويظل احتمال سيادة الاتجاه الثالث غير وارد في المستقبل المنظور لأنه يستعدي بعض القوى الخارجية، ولم يتمكن – حتى الوقت الحاضر – من إقناع الغالبية المستنيرة بعمليته وجدواه ووضوح أهدافه ووسائله، ومن ثم تحريكها نحو غايات سليمة.
وهكذا، تصبح الصورة أكثر وضوحاً، فهناك ثلاثة تيارات أو قوى أو اتجاهات رئيسية شبه متناقضة ومتنافرة ومعادية لبعضها البعض، وهذا العداء ناتج عن اختلاف التوجه العام لكل تيار عن الآخرين وتناقض مصالحهم إذ يلاحظ أن العلاقة فيما بين هذه الاتجاهات الثلاثة أساسها العداء والشك والتربص. وكل اتجاه له رؤيته الخاصة في ما يتعلق بـ (الإصلاح). فهذه التيارات الثلاثة تجمع على ضرورة الإصلاح، ولكنها تختلف في تعريفه وماهيته، علماً أن بعض فئات التيار السلطوي لا ترى ضرورة للإصلاح، فليس بالإمكان (في رأيها) أبدع مما كان! بينما هناك فئات من هذا التيار تعمل بشكل دؤوب على تنمية مجتمعاتها في كل المجالات، وتمارس الإصلاح السياسي المتدرج، وتتبع سياسات تضمن الاستقرار في المدى القصير، وحققت لمجتمعاتها الكثير من الطموحات النهضوية.
وفي ظل غياب إطار تعايش عام، يمكن أن تتعايش تحت ظله كافة الاتجاهات (مع سيادة رأي ومصالح الأغلبية) تظل القوة هي الفيصل، ويصبح الأقوى والمسيطر (مادياً) هو السائد رغم المعارضة المعلنة والخفية للآخرين، ويستمر تخلف معظم هذه الدول المضطربة وغير المستقرة، ويستمر أيضاً تأخرها عن ركب الحضارة الإنسانية، وتستمر معاناتها وحرمانها من نعم الأمن والاستقرار الفعليين مع احتمال أن تتحول الأوضاع فيها في أي لحظة إلى فوضى، تنقلب في ظلها الحياة إلى جحيم، وتسيل الدماء أثناءها أنهاراً.
ولن يخرج هذه الدول المأزومة من هذا المأزق المأساوي (بعد إرادة الله وتحكيم شريعته الصحيحة) إلا كما تعتقد غالبية المفكرين العرب العقل المستنير بالدين الإسلامي الصحيح المنفتح (دين الغالبية العظمى فيها)، ولكن واقع بعض هذه الدول يفرض تساؤلات عدة محيرة ومحبطة في مقدمتها سؤال عريض هو: هل لاتزال هناك للعقل فرصة؟
كلما فعّلت التنمية السياسية إيجاباً تصاعدت فرص التنمية في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية وترسخ الأمن
والحقيقة، أن أمن واستقرار دولة عربية غالباً ما يؤثران في أمن واستقرار كل الدول العربية، بل ربما أمن جزء كبير من بلاد العالم في هذا العصر، عصر الترابط العالمي، مما يعني أن الاضطراب في أية دولة عربية يجب أن يقلق نظيراتها الأخرى، حتى إن كانت مستقرة.
من أهم الملاحظات في البعد الخارجي:
نعود إلى البعد الخارجي، وتحديداً إلى سياسة أمريكا نحو العالم العربي، خاصة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م، حيث حاولت أمريكا تحسين صورتها في المنطقة عبر إجراء بعض التعديل (الشكلي، في الواقع) في سياساتها نحو المنطقة، كما قلنا. وتساءل بعض المسؤولين الأمريكيين من باب السفسطة: لماذا يكرهوننا؟ أي لماذا تكره غالبية العرب والمسلمين أمريكا؟
وحاول بعضهم لأغراض دعائية وحزبية وسياسية، الإجابة عن هذا التساؤل بالجواب الذي يروق لهم، ويتمشى مع منظورهم الأيديولوجي وبصرف النظر عن الحقيقة، حتى إن رئيس أمريكا بوش الابن لجأ كعادته إلى إثارة هذا السؤال (وإن كان موجهاً لـ (الإرهابيين)! والإجابة عنه إجابة ملؤها المغالطة الكذب، إذ قال (إنهم يكرهوننا لأننا أحرار) محاولاً تصوير بعض العرب على الأقل بأنهم قوم يكرهون (الحرية)، ويعادون (الأحرار)! ومن دون أن يشير – ولو ضمناً – إلى سياسات بلاده نحو العرب. تماماً كما يعبر غالبية المسؤولين الأمريكيين عن جزعهم وحزنهم العميق من جرح أو مقتل جندي أمريكي في العراق من دون أدنى اكتراث أو حتى إشارة إلى مئات العراقيين الذين يتساقطون صرعى وجرحى جراء الاحتلال الأمريكي لبلادهم.
ولكن الحكومة الأمريكية تدرك الأسباب الحقيقية لهذا الاستياء الشعبي العربي والإسلامي الجارف من السياسات الأمريكية في المنطقة، رغم مكابرة المسؤولين فيها وعدم اعترافهم علناً بتلك الأسباب الحقيقية. ومن هنا، كانت حملة (الإصلاح السياسي) التي دفعت واشنطن إليها باستحياء بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م، والتي استهدفت الضغط لـ (تجميل) صورة أمريكا.
ونظراً لما لأمريكا من نفوذ هائل وجدت هذه الدعوة – كما أسلفنا – صدى ضخماً وكبيراً سواء من المؤيدين للإصلاح والداعين بحماسة له أو من المناوئين والمعارضين له، وأصبحت أمريكا بهذا التحرك وفجأة أقوى وأبرز عامل دافع نحو الإصلاح السياسي في المنطقة! ولكن، سرعان ما تبين أن أمريكا كانت – ولاتزال – تريد إصلاحاً على مقاس المصالح الأمريكية، وبما يخدم فقط أهداف السياسات الأمريكية في المنطقة أولاً وأخيراً.
وبعد مرور حوالي سبع سنوات من أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م، بدأت الحماسة الأمريكية نحو (الإصلاح) تتلاشى، وتكاد تنتهي الآن، خاصة بعد الانتخابات التي جرت في مصر وفلسطين والعراق وبعد أن تبين لأمريكا أن الانتخابات النزيهة قد تسفر عن فوز جماعات لن تقبل بالخضوع للإرادة الأمريكية، والمساهمة الفعالة في تحقيق أهداف السياسة الأمريكية بالمنطقة.
وصحيح أن هناك بعض العوامل الخارجية المؤثرة في مسيرة الإصلاح بالمنطقة، ولكن يظل الضغط الأمريكي – عندما يوجد في الواقع – أقوى هذه العوامل الخارجية، بل لعله أقوى كل العوامل، بشقيها الداخلي والخارجي. ويبدو أن النزعة الإمبريالية الانتهازية والمصالح الخاصة والأهداف الصهيونية تدفع الولايات المتحدة إلى الاستمرار في دعم وتأييد من يتفانى في خدمة السياسة الأمريكية تجاه المنطقة والعالم، ويبذل كل ما يمكنه من جهود لتحقيق أهداف السياسة الأمريكية في المنطقة، وذلك على حساب (الإصلاح) وتضحية بالأخير.
وهكذا، نجد أن الإصلاح الحقيقي والمعقول يتعثر، داخلياً (بسبب حدة النزاع بين القوى الداخلية الكبرى) وخارجياً (بسبب رغبة أمريكا في الضغط باتجاه مصالحها فقط). وتعثره هذا يعني استمرار هشاشة معظم الأوضاع الأمنية في البلاد التي تحرم من نعمة التطوير والإصلاح والتي غالباً ما يعني الحرمان منها سيادة عدم الاستقرار السياسي، ومن ثم اضطراب الأمن على المستويين القطري والإقليمي. ومع استمرار معاناة هذه البلاد غير المستقرة يستمر الاستياء العام من أمريكا وسياساتها في المنطقة، بل يتفاقم هذا الاستياء وتتفاقم المعاناة اليومية للشعوب المعنية، ويتصاعد قلقها على أمنها.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::1933::/cck::
::introtext::
رغم شجب الغالبية العربية والإسلامية الرسمي لأحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م، وبصرف النظر عن الموقف منها – باعتبارها عملاً إرهابياً فظيعاً – فإنها كانت (على أي حال) أحد ردود فعل الجانب العربي والإسلامي (المتطرف) على السياسات الأمريكية تجاه العالمين العربي والإسلامي، وسياسات التحالف الإمبريالي – الصهيوني في المنطقة العربية.
::/introtext::
::fulltext::
رغم شجب الغالبية العربية والإسلامية الرسمي لأحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م، وبصرف النظر عن الموقف منها – باعتبارها عملاً إرهابياً فظيعاً – فإنها كانت (على أي حال) أحد ردود فعل الجانب العربي والإسلامي (المتطرف) على السياسات الأمريكية تجاه العالمين العربي والإسلامي، وسياسات التحالف الإمبريالي – الصهيوني في المنطقة العربية.
لقد كان هذا الفعل بشعاً، ولاشك، ولا يمكن قبوله أو حتى تبريره (باعتبار أن أذاه طال أبرياء)، ولكنه كان في حقيقته أسلوب (الإرهابيين) في الرد على السياسات الأمريكية المعروفة، والتي يثير معظمها لدى كافة الفئات الاستياء والكراهية، وحتى الإرهاب، لكونها سياسات عدائية وبالغة السلبية والقهر. وهذا ما يؤكد أن أولى خطوات القضاء على الإرهاب (ضمن خطوات عدة) لابد أن تكون في(تعديل) وتغيير هذه السياسات، بما ينزع عنها صفات القهر والاستغلال واللعب بمصائر الشعوب. فكل خبراء مكافحة الإرهاب الموضوعيين يرون أن المكافحة الفعالة تستلزم، أول ما تستلزم، تعديل السياسات الباطلة، والتي بطبيعتها تستفز المشاعر، وتثير الرفض والاستنكار، وقد تدفع لاستخدام العنف أو تأييده.
ويبدو أن الإدارة الأمريكية أدركت هذه الحقيقة أو تذكرتها من جديد، رغم مكابرتها ونفيها أن ينتج عن تلك الأحداث أي تغيير أو (تعديل) في سياساتها تجاه العرب والمسلمين. فكان أن قرر أساطين سياستها الحالية محاولة إجراء تغييرات (شكلية) في سياساتهم تلك، وهم يعرفون أن أبرز ما يسبب هذه الكراهية الشعبية العربية والإسلامية تجاه أمريكا، هو:
أولاً: وقوفها وراء بعض الأوضاع السياسية السلبية في بعض أرجاء العالمين العربي والإسلامي، ومن ذلك احتلال العراق وتدميره بعد شن عدوان غير مسبوق عليه.
ثانياً: دعمها المطلق للعدوان الإسرائيلي على الأمة العربية.
فقرر أولئك الساسة إطلاق فكرة (الإصلاح السياسي) لمعالجة السبب الرئيسي الأول، وحاولوا حل (تصفية) القضية الفلسطينية بما يتوافق ورغبة ومصالح إسرائيل، فأطلقوا مشروع (خريطة الطريق) الهلامي للتعامل مع المسبب الثاني، ولكن الإدارة الأمريكية لم تكن جادة (على الإطلاق كما يبدو) في إجراء ترميم حقيقي لعلاقات أمريكا بالعرب والمسلمين. فـ (الإصلاح) الذي أرادته صيغ على مقاس المصالح والرؤى الأمريكية فقط. وتجاهلت أمريكا (خريطة الطريق) الحل الذي ارتأته بعد أن تأكدت أن أهداف وطموحات إسرائيل تتجاوز كثيراً حتى هذا الحل العجيب.
فكرة (الإصلاح)، إذن، ظهرت بقوة في أعقاب أحداث الحادي عشر من سبتمبر، فساد التفكير في ماهيتها وعواملها وسبل تحققها…إلخ. وكالعادة، سارع أغلب الإعلام الأصفر إلى الاهتمام بهذه الفكرة، وجعلها لفترة أحد محاور اهتمامه، ولكن من زاوية كل وفق ما يريد، وبحسب المعنى الذي يتطلع أن يفهم به هذا المصطلح. وغنى كل على ليلاه دون سواها، وضرب بالمنطق السليم العادة عرض الحائط.
لقد تسابق المفكرون والمثقفون في طرح أوراق عملهم وتقاريرهم. وكلها تجمع على أن الزمن قد تغير، وأن التغيير الكبير حتمي وقادم لا محالة. ولكن، وبعد مرور حوالي سبع سنوات على هذه الأحداث الجسام، فإن المشهد الآن يبدو مختلفاً كلياً عما كان عليه من قبل. فقد تم احتواء زخم الإصلاح وتطويقه، بل ونبذ فكرته، ضمناً، على الأقل. وعادت (حليمة) – كما يقولون – إلى عادتها القديمة.
ورغم ذلك، وأيضاً رغم تراجع زخم التطوير (مرحلياً على الأقل) إلا أن الإصلاح أو التطوير يظل دائماً أمراً حتمياً، سواء دفعت إليه هذه الجهة أو تلك ولأسباب تخصها أو لا تخصها. وتوقف التطوير و(المراجعة) هو أمر ضد نواميس الحياة وقوانينها، كما أنه لابد أن يعني تفاقم الأوضاع السلبية والسيئة وتحولها من سيئ إلى أسوأ، الأمر الذي سيعني اتساع الخرق على الراقع مع مرور الزمن. ذلك هو أقرب الاحتمالات للحصول في حالة توقف أو تعثر عمليات التطوير والتنمية الحقيقية.
الإدارة الأمريكية لم تكن جادة فيما يبدو لإجراء ترميم حقيقي لعلاقاتها بالعرب والمسلمين
المتغيران الكبيران
والواقع أن مصطلح (الإصلاح السياسي) (Political Reform) يعني (التنمية السياسية الإيجابية) والتي تعرف بأنها (العملية المستمرة والتي تضطلع بها الحكومات والنخب لزيادة المشاركة السياسية لشعب ما معين، وتدعيم انصهاره الوطني، ورفع مستوى وعيه السياسي، مع وضع ودعم وتعديل القوانين الأساسية الضرورية، وإقامة المؤسسات السياسية التي تستوعب القوى السياسية والاجتماعية المختلفة في المجتمع في إطار دستوري منظم. وذلك لأقصى حد ممكن).
ومن دون الدخول في شروح مطولة لهذا التعريف وأهم مضامينه وعناصر الإصلاح الأساسية، يمكننا القول إن (جوهر) التنمية المذكورة وأكبر وأهم عناصرها هو المشاركة.
ومن ناحية أخرى، كثيراً ما يعرف (الأمن الوطني والإقليمي) بأنه استتباب النظام وسيادة القانون على أسس تقبلها غالبية المعنيين أو غالبية السكان.
أي أن رضا الغالبية المذكورة هو الأساس اللازم لاستتباب الأمن الحقيقي. وبما أن التنمية السياسية تستهدف تحقيق رضا الناس، عبر أبرز عناصرها، وهو المشاركة، كان لابد من وجود علاقة طردية بين هذين المتغيرين: التنمية السياسية الإيجابية، والأمن الوطني والإقليمي. وكما يقول علماء السياسة: كلما فعّلت التنمية السياسية إيجاباً تصاعدت فرص التنمية في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية، وترسخ الأمن قطرياً وإقليمياً ومن ثم عالمياً
إذاً، نحن هنا نتحدث عن عاملين مترابطين، هما: التنمية السياسية الإيجابية، واستقرار واستتباب الأمن على المستويين القطري والإقليمي. ولهذين المتغيرين بعدان، بعد داخلي، وآخر خارجي. يتجسد البعد الأول في موقف القوى الداخلية من هذين المتغيرين. ويتمثل البعد الثاني في موقف القوى الدولية المتنفذة المعنية تجاه هذين الأمرين.
من أهم الملاحظات في البعد الداخلي:
حقيقة، يجب ألا يستغرب المرء مما يحدث من اضطرابات تصيب، من حين إلى آخر، هذا المجتمع العربي أو ذاك. فهي إفراز طبيعي للواقع الذي تعيشه بعض هذه الدول. وإذا عرف السبب بطل العجب. والواقع، أن ما يحصل في تلك الدول قابل للحصول في غيرها من الدول ذات الأوضاع المتشابهة فعلاً، لأن الحدث الاجتماعي – السياسي قابل للحصول في أي بيئة طالما توفرت شروط حصوله الرئيسية، وبصرف النظر عن الاختلافات في التفاصيل والمسميات.
ويمكن القول إن التشابه السياسي – الاجتماعي فيما بين كثير من الدول العربية والنامية يجعل الصورة العامة، التي غالباً ما يكون عليها الوضع السياسي والأمني العام في تلك الدول، متشابهة هي الأخرى. وهذا التشابه هو الذي يجعل التعميم صحيحاً إلى حد كبير والاستنتاجات مفيدة لكثير من المعنيين والمراقبين.
والجدير بالذكر هنا، أن كل مجتمع في العالم (تقريباً) يحفل مثله مثل غيره بالكثير من الاتجاهات السياسية المختلفة، وغالباً ما تتجسد هذه الاتجاهات (وخاصة في الدول ذات الحكومات الديمقراطية) في أحزاب سياسية متنوعة يسعى كل منها للوصول إلى السلطة أو إلى أكبر قدر ممكن منها عبر الوسائل المختلفة، وفي مقدمتها صناديق الاقتراع، وهذا أيضاً أمر طبيعي يلاحظ في كل مجتمع إنساني متحضر وعلى مر العصور.
وباستقراء الواقع في أغلب الدول العربية نجد أن في كل من هذه الدول اتجاهات سياسية مختلفة تمتد من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار على خط التنوع الأيديولوجي، ولكن هناك اتجاهات رئيسية ثلاثة بارزة تلاحظ في غالبية هذه الدول بصفة عامة. ويمكن تلخيص كل من هذه التيارات كما يلي:
1- الاتجاه السلطوي، الذي غالباً ما يتجسد في (مجلس قيادي) أو ما شابهه يمثل قلة (حاكمة) في مواجهة غالبية شعبية ولضمان بقائه وتسيده، يعتمد على القوة بصفة رئيسية ودعم المناصرين والمستفيدين في الداخل والخارج. وغالباً ما يحاول هذا الاتجاه رفع شعار براق يعتبره قضيته، منصباً نفسه المنافح الأول عنها.
2- اتجاه يدعو إلى تحكيم رأي الأغلبية، مع مراعاة حقوق الأقليات وفق دستور عام ترتضيه الغالبية، ويكون قائماً على مبادئ العقيدة الأساسية للغالبية ومتبنياً للمبادئ (المبجلة) عالمياً، وهي تحكيم رأي ومصلحة الغالبية، الحرية، العدالة، المساواة والتكافل الاجتماعي.
3- اتجاه يدعو إلى تسيد قلة تدعي أنها تمثل الغالبية، وأنها تمتلك (الحكمة الكاملة)، ولكنها لا تخفي رغبتها في الإجحاف بحق الأقليات، وربما إلغاء النظام الدستوري وممارسة طغيانية مرذولة، تصل إلى مستوى الفاشية البشعة. وتؤخذ على هذا الاتجاه (ماضوية) فكره وعدم وضوح البديل العملي، الذي يقدمه لـ (ما هو كائن) وغموض أهدافه ووسائله واستعداده للبطش بمن يختلف معه وميله لإقامة دكتاتورية جديدة بـ (مسمى مختلف) على أنقاض دكتاتوريات بائدة.
ويحظى هذا الاتجاه بدعم جماهيري (دوغماغي) كبير رغم غموض أهدافه ووسائله الفعلية. ويعزى ذلك إلى أن قادة هذا التيار يعزفون على أكثر الأوتار حساسية لدى غالبية عامة الناس
تبين لأمريكا أن الانتخابات النزيهة قد تسفر عن فوز جماعات لن تقبل بالخضوع للإدارة الأمريكية .
تلك هي – في رأي كثير من المراقبين – الصورة السياسية العامة للواقع الملاحظ في كثير من الدول العربية. وكذلك هناك – كما قلنا -اتجاهات أخرى متنوعة، ولكنها أقل أهمية، ولا تحظى بتأييد شعبي يذكر في البلاد المشار إليها. وفي كل من هذه الاتجاهات الثلاثة تفرعات كثيرة تقع بين حدي التفريط والإفراط في المبادئ ذاتها.
ويرى الرئيس الأمريكي الراحل ريتشارد نيكسون، وهو مفكر استراتيجي، بالإضافة إلى كونه رئيساً سابقاً لأمريكا في كتابه، الذي نشر بعنوان (الفرصة السانحة)، أن هناك ثلاثة تيارات فكرية تسود في كل العالم الإسلامي بما فيه العربي، وهذه التيارات هي في رأيه:
أ – ما سماه (التيار التقدمي)، وهو الاتجاه العلماني المغرم بالحضارة الغربية وقيمها المختلفة.
ب – ما سماه (التيار الرجعي)، وهو التيار المتمثل – في رأيه – في الدكتاتوريات، صاحبة الأيديولوجيات القومية المتعصبة.
جـ – ما سماه (الأصولية الإسلامية) الثورية المتمثلة في رجال الدين المتطرفين – كما يقول.
ويدعو نيكسون الغرب وأمريكا بطبيعة الحال إلى اتخاذ سياسات تدعم التيار العلماني، ورغم ذلك، فإن الاتجاهات الفكرية السياسية الرئيسية، التي تسود في بعض و(ليس كل) الدول العربية، هي – في رأينا – التيارات الثلاثة المذكورة آنفاً. ويمكن أن نشير إلى هذه التيارات الثلاثة بالمسميات الثلاثة التالية: الاتجاه السلطوي، الاتجاه المعتدل /المتحرر، الاتجاه الديني/ المتشدد.
وباستقراء سريع لواقع كل من هذه الاتجاهات نجد أن الاتجاه الأول هو السائد الآن، والذي سيسود في المستقبل القريب في تلك الدول طالما توفرت عوامل بقائه واستمراريته. وذلك، رغم كون هذا الاتجاه يحمل في ثناياه كثيراً من بذور عدم الاستقرار السياسي، وبالتالي، احتمال استمرار الاضطرابات (السافرة والمبطنة) في ظله. وهذا هو الاتجاه الذي يقول الكتاب إن فساد معظمه يستدعي الإصلاح.
أما الاتجاه الثاني، فيبدو أنه أكثر التيارات صلابة وعصرية، وتحقيقاً للاستقرار السياسي والاجتماعي إن قام فعلاً على العقيدة الأساسية للغالبية، ولكنه اتجاه لم يستطع حتى الآن استقطاب دعم جماهيري كبير. وذلك بسبب غموض بعض طروحاته، وهيمنة الفكر التقليدي (التراثي/الماضوي) لدى هذه الغالبية الجماهيرية، التي يصعب عليها فهم وتقدير المبادئ التي يحملها هذا التيار.
ويظل احتمال سيادة الاتجاه الثالث غير وارد في المستقبل المنظور لأنه يستعدي بعض القوى الخارجية، ولم يتمكن – حتى الوقت الحاضر – من إقناع الغالبية المستنيرة بعمليته وجدواه ووضوح أهدافه ووسائله، ومن ثم تحريكها نحو غايات سليمة.
وهكذا، تصبح الصورة أكثر وضوحاً، فهناك ثلاثة تيارات أو قوى أو اتجاهات رئيسية شبه متناقضة ومتنافرة ومعادية لبعضها البعض، وهذا العداء ناتج عن اختلاف التوجه العام لكل تيار عن الآخرين وتناقض مصالحهم إذ يلاحظ أن العلاقة فيما بين هذه الاتجاهات الثلاثة أساسها العداء والشك والتربص. وكل اتجاه له رؤيته الخاصة في ما يتعلق بـ (الإصلاح). فهذه التيارات الثلاثة تجمع على ضرورة الإصلاح، ولكنها تختلف في تعريفه وماهيته، علماً أن بعض فئات التيار السلطوي لا ترى ضرورة للإصلاح، فليس بالإمكان (في رأيها) أبدع مما كان! بينما هناك فئات من هذا التيار تعمل بشكل دؤوب على تنمية مجتمعاتها في كل المجالات، وتمارس الإصلاح السياسي المتدرج، وتتبع سياسات تضمن الاستقرار في المدى القصير، وحققت لمجتمعاتها الكثير من الطموحات النهضوية.
وفي ظل غياب إطار تعايش عام، يمكن أن تتعايش تحت ظله كافة الاتجاهات (مع سيادة رأي ومصالح الأغلبية) تظل القوة هي الفيصل، ويصبح الأقوى والمسيطر (مادياً) هو السائد رغم المعارضة المعلنة والخفية للآخرين، ويستمر تخلف معظم هذه الدول المضطربة وغير المستقرة، ويستمر أيضاً تأخرها عن ركب الحضارة الإنسانية، وتستمر معاناتها وحرمانها من نعم الأمن والاستقرار الفعليين مع احتمال أن تتحول الأوضاع فيها في أي لحظة إلى فوضى، تنقلب في ظلها الحياة إلى جحيم، وتسيل الدماء أثناءها أنهاراً.
ولن يخرج هذه الدول المأزومة من هذا المأزق المأساوي (بعد إرادة الله وتحكيم شريعته الصحيحة) إلا كما تعتقد غالبية المفكرين العرب العقل المستنير بالدين الإسلامي الصحيح المنفتح (دين الغالبية العظمى فيها)، ولكن واقع بعض هذه الدول يفرض تساؤلات عدة محيرة ومحبطة في مقدمتها سؤال عريض هو: هل لاتزال هناك للعقل فرصة؟
كلما فعّلت التنمية السياسية إيجاباً تصاعدت فرص التنمية في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية وترسخ الأمن
والحقيقة، أن أمن واستقرار دولة عربية غالباً ما يؤثران في أمن واستقرار كل الدول العربية، بل ربما أمن جزء كبير من بلاد العالم في هذا العصر، عصر الترابط العالمي، مما يعني أن الاضطراب في أية دولة عربية يجب أن يقلق نظيراتها الأخرى، حتى إن كانت مستقرة.
من أهم الملاحظات في البعد الخارجي:
نعود إلى البعد الخارجي، وتحديداً إلى سياسة أمريكا نحو العالم العربي، خاصة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م، حيث حاولت أمريكا تحسين صورتها في المنطقة عبر إجراء بعض التعديل (الشكلي، في الواقع) في سياساتها نحو المنطقة، كما قلنا. وتساءل بعض المسؤولين الأمريكيين من باب السفسطة: لماذا يكرهوننا؟ أي لماذا تكره غالبية العرب والمسلمين أمريكا؟
وحاول بعضهم لأغراض دعائية وحزبية وسياسية، الإجابة عن هذا التساؤل بالجواب الذي يروق لهم، ويتمشى مع منظورهم الأيديولوجي وبصرف النظر عن الحقيقة، حتى إن رئيس أمريكا بوش الابن لجأ كعادته إلى إثارة هذا السؤال (وإن كان موجهاً لـ (الإرهابيين)! والإجابة عنه إجابة ملؤها المغالطة الكذب، إذ قال (إنهم يكرهوننا لأننا أحرار) محاولاً تصوير بعض العرب على الأقل بأنهم قوم يكرهون (الحرية)، ويعادون (الأحرار)! ومن دون أن يشير – ولو ضمناً – إلى سياسات بلاده نحو العرب. تماماً كما يعبر غالبية المسؤولين الأمريكيين عن جزعهم وحزنهم العميق من جرح أو مقتل جندي أمريكي في العراق من دون أدنى اكتراث أو حتى إشارة إلى مئات العراقيين الذين يتساقطون صرعى وجرحى جراء الاحتلال الأمريكي لبلادهم.
ولكن الحكومة الأمريكية تدرك الأسباب الحقيقية لهذا الاستياء الشعبي العربي والإسلامي الجارف من السياسات الأمريكية في المنطقة، رغم مكابرة المسؤولين فيها وعدم اعترافهم علناً بتلك الأسباب الحقيقية. ومن هنا، كانت حملة (الإصلاح السياسي) التي دفعت واشنطن إليها باستحياء بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م، والتي استهدفت الضغط لـ (تجميل) صورة أمريكا.
ونظراً لما لأمريكا من نفوذ هائل وجدت هذه الدعوة – كما أسلفنا – صدى ضخماً وكبيراً سواء من المؤيدين للإصلاح والداعين بحماسة له أو من المناوئين والمعارضين له، وأصبحت أمريكا بهذا التحرك وفجأة أقوى وأبرز عامل دافع نحو الإصلاح السياسي في المنطقة! ولكن، سرعان ما تبين أن أمريكا كانت – ولاتزال – تريد إصلاحاً على مقاس المصالح الأمريكية، وبما يخدم فقط أهداف السياسات الأمريكية في المنطقة أولاً وأخيراً.
وبعد مرور حوالي سبع سنوات من أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م، بدأت الحماسة الأمريكية نحو (الإصلاح) تتلاشى، وتكاد تنتهي الآن، خاصة بعد الانتخابات التي جرت في مصر وفلسطين والعراق وبعد أن تبين لأمريكا أن الانتخابات النزيهة قد تسفر عن فوز جماعات لن تقبل بالخضوع للإرادة الأمريكية، والمساهمة الفعالة في تحقيق أهداف السياسة الأمريكية بالمنطقة.
وصحيح أن هناك بعض العوامل الخارجية المؤثرة في مسيرة الإصلاح بالمنطقة، ولكن يظل الضغط الأمريكي – عندما يوجد في الواقع – أقوى هذه العوامل الخارجية، بل لعله أقوى كل العوامل، بشقيها الداخلي والخارجي. ويبدو أن النزعة الإمبريالية الانتهازية والمصالح الخاصة والأهداف الصهيونية تدفع الولايات المتحدة إلى الاستمرار في دعم وتأييد من يتفانى في خدمة السياسة الأمريكية تجاه المنطقة والعالم، ويبذل كل ما يمكنه من جهود لتحقيق أهداف السياسة الأمريكية في المنطقة، وذلك على حساب (الإصلاح) وتضحية بالأخير.
وهكذا، نجد أن الإصلاح الحقيقي والمعقول يتعثر، داخلياً (بسبب حدة النزاع بين القوى الداخلية الكبرى) وخارجياً (بسبب رغبة أمريكا في الضغط باتجاه مصالحها فقط). وتعثره هذا يعني استمرار هشاشة معظم الأوضاع الأمنية في البلاد التي تحرم من نعمة التطوير والإصلاح والتي غالباً ما يعني الحرمان منها سيادة عدم الاستقرار السياسي، ومن ثم اضطراب الأمن على المستويين القطري والإقليمي. ومع استمرار معاناة هذه البلاد غير المستقرة يستمر الاستياء العام من أمريكا وسياساتها في المنطقة، بل يتفاقم هذا الاستياء وتتفاقم المعاناة اليومية للشعوب المعنية، ويتصاعد قلقها على أمنها.
::/fulltext::
::cck::1933::/cck::
