البرنامج النووي الإيراني: التحديات والخيارات
::cck::1761::/cck::
::introtext::
يقع الملف النووي الإيراني والسياسات الإيرانية الإقليمية بصورة عامة في قلب جملة من الأزمات التي خيمت على المشهد العالمي في الآونة الأخيرة. فإيران من وجهة نظر الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها الأوروبيين تشكل أكبر التحديات التي يجب التعامل معها على وجه السرعة، بينما يأتي الملف النووي الإيراني على رأس المخاوف التي تهدد أمن منطقة الشرق الأوسط واستقرارها.
::/introtext::
::fulltext::
يقع الملف النووي الإيراني والسياسات الإيرانية الإقليمية بصورة عامة في قلب جملة من الأزمات التي خيمت على المشهد العالمي في الآونة الأخيرة. فإيران من وجهة نظر الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها الأوروبيين تشكل أكبر التحديات التي يجب التعامل معها على وجه السرعة، بينما يأتي الملف النووي الإيراني على رأس المخاوف التي تهدد أمن منطقة الشرق الأوسط واستقرارها.
الواقع أنه في أعقاب هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001، هيمنت بعض القضايا مثل التطرف والإرهاب والعنف السياسي وانتشار الأسلحة النووية والصراع العربي- الإسرائيلي على الساحة الدولية وبدت متشابكة ومتداخلة إلى حدٍ كبير، في حين تصدرت إيران القوى الإقليمية المعارضة للنهج الغربي في التعامل مع هذه القضايا.
وفي عام 2002، توصل المجتمع الدولي إلى معلومات مؤكَّدة حول حجم البرنامج النووي الإيراني وسيطرت هذه القضية والمخاوف المصاحبة لها على الأجندة الدولية منذ عام 2003. ويمكن تناول هذه القضية وانعكاساتها الدولية من ثلاث زوايا تتمثل فيما يلي:
- أثر الطموحات النووية الإيرانية في المشهد الداخلي بإيران.
- انعكاسات الملف النووي الإيراني على الجهود الدولية الرامية إلى الحد من انتشار الأسلحة النووية.
- أثر هذا البرنامج في التصرفات الإيرانية بالخارج.وعلى الرغم من الصلة الوثيقة التي تجمع بين هذه الموضوعات والقضايا، فمن الأفضل التعامل مع كلٍّ منها على حدة قبل التوصل إلى نتائج شاملة حول الملف النووي الإيراني وتوجهاته المستقبلية وتأثيراته في الأوضاع الأمنية إقليمياً ودولياً. المشهد الداخلي ويعاني المشهد الداخلي في السياسة الإيرانية نقص التعددية، الأمر الذي ألقى بظلال كثيفة على السياسة الخارجية الإيرانية، إذ كان تراجع النظام المؤسسي وتقلص المنافسة السياسية على المناصب الكبرى وراء بقاء النهج النادر للمشاركة السياسية في إيران والحفاظ على توجهات السياسة الخارجية الإيرانية، الأمر الذي قد يهدد الأمن والاستقرار في إيران على المدى المتوسط، ويلقي بمزيد من التحديات الجديدة أمام الأطراف الخارجية المعنية بإدارة هذا الملف. ولا ريب في أن استغلال الأزمة النووية في الداخل الإيراني ينعكس سلباً على المصالح الإيرانية. جاء الكشف عن أنشطة البرنامج النووي الإيراني على خلفية هجمات الحادي عشر من سبتمبر كي يلقي بإيران وسط أزمة أمنية جديدة صورت طهران على أنها العائق الرئيسي أمام السلام الإقليمي والعالمي. وقد تعللت بعض الدول العربية بالملف النووي الإيراني لامتلاك أسلحة نووية على الرغم من اعتراف بعضها بأن البرنامج النووي الإيراني سيعمل على موازنة الاحتكار الإسرائيلي للسلاح النووي في المنطقة، غير أن هذه الدول باتت على يقين من الطموحات والأهداف العسكرية للمشروع النووي الإيراني، ومن هنا شرعت بإجراء مناقشات مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية حول إنشاء محطة نووية مشتركة ( حسب ما أعلن في ديسمبر 2006) في حين تسعى مصر إلى تجديد مجمع أبحاثها النووية الذي تراكم عليه غبار الإهمال والنسيان منذ سنوات بعيدة، والأكثر من ذلك أن دولة الإمارات دخلت في محادثات مع فرنسا عام 2008 بهدف إنشاء محطات لتوليد الطاقة النووية. والواقع أن دول المجلس تهدف من وراء هذه الأبحاث النووية إلى تنويع مصادر الطاقة بقدر ما تسعى إلى مواجهة الطموحات النووية الإيرانية. وفي ظل استمرار الأزمة الإيرانية مع المجتمع الدولي وتصاعد المخاوف إزاء طبيعة برنامجها النووي، باتت قضية انتشار الأسلحة النووية تخيم على القضايا الاستراتيجية المهمة في المنطقة. جاءت العزلة التي فرضها الغرب على إيران بمثابة فرصة نادرة صبت في مصلحة الأطراف الإيرانية الحريصة على التوسع الاستراتيجي في أرجاء قارة آسيا، حيث سعت هذه الأطراف إلى دفع إيران ناحية الشرق كي تعزز علاقاتها الاقتصادية والسياسية والعسكرية والأمنية مع روسيا والصين في ظل تصاعد الضغوط الاقتصادية والسياسية الغربية، الأمر الذي ترك تداعيات كثيرة على إيران وعلى المنظومة الدولية بشكل عام، فقد تغير الوضع الجيو-سياسي لدولة نفطية كبيرة طالما اعتمد الغرب على مواردها إبّان القرن الماضي وذلك بالتزامن مع احتدام المنافسة بين الدول الكبرى للسيطرة على الثروات النفطية في منطقة الخليج العربي وغربي آسيا. ولم تكن الطفرة الاقتصادية والعسكرية لدول آسيا وراء فتح شهية هذه البلدان نحو ثروات النفط والغاز في منطقة الخليج العربي فحسب، بل ساعدت على عملية الوصول إلى هذه الموارد الحيوية. وفي ظل غياب المصادر البديلة عن الطاقة، كان من الطبيعي أن يدخل الغرب في منافسة شرسة للسيطرة على هذه الموارد والطرق المؤدية إليها والأسواق الخاصة بها. ومن المتوقع أن تؤدي إيران دوراً محورياً في رسم المعالم الاستراتيجية لمشهد الطاقة العالمي إبان القرن الحادي والعشرين بسبب موقعها الجغرافي المتميز في منطقة النفط بين بحر قزوين والخليج العربي، أضف إلى ذلك توجه كثير من الدول النفطية المجاورة نحو الشرق كما فعلت إيران. وهنا نجد أن حسابات السياسة الخارجية ولا سيما الطموحات النووية الإيرانية تسهم في تفاقم المشكلات الخارجية لإيران مع العلم أن قرارات السياسة الخارجية ستسهم في صياغة علاقة طهران بالغرب من الناحية التجارية على الأقل. وتعتمد إيران حالياً على روسيا وحدها لتطوير البرنامج النووي الإيراني، بينما تعتمد على كلٍّ من الصين وروسيا لتطوير برنامجها العسكري. وتصاعدت المخاوف من قيام إيران بقطع علاقات الشراكة الاقتصادية الطويلة مع أوروبا بسبب سعي طهران إلى تعزيز علاقاتها مع دول الشرق على المستويين الاقتصادي والاستثماري، غير أن الولايات المتحدة لا تزال تمسك بخيوط اللعبة، إذ يمكنها استغلال علاقاتها مع حلفاء إيران الاقتصاديين، فقد أثبتت التجربة أن اليابان والهند والصين وروسيا تستجيب للضغوط الأمريكية إذا رأت أن مصالحها مع الولايات المتحدة مهددة بسبب علاقاتها مع إيران، الأمر الذي سيساعد على وأد التوجهات الإيرانية ناحية الشرق. ولا يمكن إغفال النتائج غير المباشرة للملف النووي الإيراني، فقد تسعى بعض دول المنطقة إلى تطوير برامجها النووية بحجة ردع الطموحات النووية الإيرانية، وهذا لا يعني سوى أمر واحد هو مزيد من التهديدات والمخاطر بالنسبة لطهران. وقد تؤدي المخاوف الناجمة عن الملف النووي الإيراني إلى ميل ميزان القوى لصالح الدول المنافسة لإيران في المنطقة مثل إسرائيل والسعودية ومصر وباكستان، وهي الدول التي أخذ نجمها في الصعود على المستوى النووي. ومن المنطقي أن تحاول المملكة العربية السعودية توحيد دول المجلس تحت رايتها في هذا الشأن، كما توجد مقترحات بقيام إسرائيل وباكستان أو إحداهما بتوفير المظلة النووية للدول العربية الموالية للغرب من أجل التصدي للأهداف النووية الإيرانية.

- والمفارقة أن إيران كانت واحدة من الدول المؤسسة لمعاهدة الحد من الأسلحة النووية. ومن خلال استعراض سريع لعلاقة طهران بالوكالة الدولية للطاقة الذرية وعلاقاتها بالقوى النووية الكبرى في العالم، يتضح أن سياسة إيران النووية كانت تحظى بقبول واسع النطاق قبل قيام الثورة الإسلامية. وما قام به النظام الإسلامي في إيران هو مواصلة هذه البرامج والسياسات، فلم يطرأ الكثير من التغيرات على الطموحات والأهداف النووية الإيرانية منذ ذلك العهد، وإنما جاء التغيير في النظام الحاكم والمؤسسة السياسية ذاتها. وللإنصاف، فإن هذا هو مكمن المخاوف العالمية من البرنامج النووي الإيراني. فأحمدي نجاد سار على درب محمد خاتمي في هذا الشأن. ومن المرجح أن يستمر الحال على ما هو عليه طالما ظل النظام الإسلامي مهيمناً على مقاليد الأمر والحكم في إيران، وطالما فشلت طهران في التوصل إلى معاهدة شاملة مع واشنطن. فحل هذه الأزمة، على غرار الكثير من المشكلات الإقليمية، قد يكون في يد أطراف خارجية.
- وعلى الرغم من وجود رغبة حقيقية لدى طهران في تعزيز علاقاتها مع الدول الآسيوية ولا سيما العلاقات الخارجية، بدا من الواضح أن تدهور العلاقات الإيرانية مع الغرب وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية جاء بويلاته على الطموحات الإيرانية في هذا الشأن. فعلى سبيل المثال، اضطرت الصين للتخلي عن شراكتها النووية مع طهران نتيجة للضغوط الأمريكية، في حين صوتت الهند ضد إيران داخل الوكالة الدولية للطاقة الذرية. وفي القريب العاجل ستدرك النخبة الحاكمة في طهران أن عليها التعايش مع الواقع وتفهم جيداً أن عليها معالجة مشكلاتها الدبلوماسية والسياسية مع الولايات المتحدة الأمريكية إذا ما أرادت الانضمام إلى المنظومة الدولية من جديد بصورة طبيعية. ومن هنا فإن الحل يجب أن يأتي من طهران، ونحن ندرك تماماً أن بوسع طهران تقديم مقترحات جريئة وشُجاعة على غرار العروض التي قدمتها خلال عام 2003 للدخول في مفاوضات مباشرة وغير مشروطة مع الولايات المتحدة
- .
- الأبعاد الدولية لبرنامج الطاقة النووية
- فإيران من وجهة نظر الوكالة الدولية للطاقة الذرية هي التي انتهكت معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية، وجاءت تصرفاتها كي تمثل تحدياً مباشراً وسافراً لبنود هذه الاتفاقية، وأقرت الوكالة في تقاريرها الواحد تلو الآخر استحالة إثبات أن البرنامج النووي الإيراني موجه بالكامل لأغراض سلمية، الأمر الذي وضع إيران في مهب الريح، ولم يبرئها من الاتهامات بأنها تمتلك برنامجاً خفياً لتصنيع الأسلحة، وشهد الثاني والعشرين من فبراير الماضي صدور أول هذه التقارير لعام 2008. ولم تستطع الأطراف المعنية التوصل إلى حل لهذه الأزمة منذ عام 2003، الأمر الذي دفع مجلس الأمن إلى فرض عقوبات صارمة على إيران اعتباراً من ديسمبر 2006 بحجة عدم انصياعها لشروط الوكالة الدولية للطاقة الذرية. ومن الواضح أن إيران تحدت الوكالة الدولية بصورة صارخة، ووضعت اتفاقية الحد من الأسلحة النووية أمام اختبار صعب سواء من حيث الصياغة إزاء حقها في الحصول على التقنية النووية وفق معايير السلامة والأمان أو من حيث روح المعاهدة بسبب تحديها المتواصل لمجلس الأمن الذي ناشد إيران مراراً وتكراراً بوقف أنشطة تخصيب اليورانيوم والماء الثقيل.
- وفي ظل انتشار التقنية والخبرات النووية، نجد أن هناك مشكلة أخرى تشغل الأذهان تتمثل في إمكانية حصول الدول العربية على سلاح الردع من إحدى القوى النووية الموجودة حالياً على الساحة بموجب اتفاقيات شراكة أمنية قد تكون سرية أو علنية، الأمر الذي سيؤدي في نهاية المطاف إلى تفشي حمى الأسلحة النووية والأنظمة المتطورة التي تصنعها الدول الكبرى أو الدول الإقليمية مثل باكستان وإسرائيل.
- وفي الوقت الذي تأججت فيه الأزمة مع إيران، سعى الغرب إلى الدخول في مفاوضات وحوار شامل مع ليبيا وكوريا الشمالية بسبب أنشطتهما النووية. وعلى الرغم من المشكلات الأمريكية الهائلة مع كوريا الشمالية والتي تفاقمت عقب إعلان كوريا الشمالية عن انسحابها من معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية في 10 يناير 2003 كرد فعل على الضغوط الأمريكية، إلا أن الولايات المتحدة وجدت نفسها مضطرة لاحتواء الموقف وعمدت إلى تقديم جملة من الحوافز والعروض إلى كوريا الشمالية مثل الدخول في مفاوضات وتقديم المعونة المالية. وفضلت الولايات المتحدة التعامل مع هذه القضية عبر سياسية الترغيب (أو ما يطلق عليه أسلوب الجزرة) بدلاً من سياسة الترهيب (العصا) على الرغم من كثرة العقبات الهيكلية التي واجهت السياسة الأمريكية في هذا الشأن. وتعاملت الولايات المتحدة بشكل مختلف تماماً مع الملف الإيراني، حيث نظرت الولايات المتحدة إلى إعلان طهران عن التزامها بقواعد الوكالة الدولية للطاقة الذرية بعين الريبة، واعتبرته درباً من التمويه والتلاعب يقصد منه تغطية أنشطة إيران النووية.
- الحد من انتشار الأسلحة النووية
- وتقوم كثير من مراكز القوى الموجودة حالياً في إيران حول رموز وأعلام دينية أو اقتصادية أو سياسية أو عسكرية، حيث تسيطر قوات الحرس الثوري وقوات الأمن على مقاليد الأمور مستغلة تفوقها على مراكز القوة الأخرى مع العلم بأن أشهر وسائل الإعلام الحكومية في إيران تخضع لسيطرة مجموعة من الشخصيات التابعة للحرس الوطني. وتجدر الإشارة إلى أن المرشحين الستة الذين خاضوا الانتخابات الرئاسية عام 2005 ضموا قادة سابقين في الحرس الثوري الإيراني أبرزهم علي لاريجاني، قائد سابق في الحرس الثوري ومحمد باقر الذي كان قائداً لقوات شرطة طهران وقائداً في قوات الحرس الثوري سابقاً. وكان من بين المرشحين لمنصب الرئاسة محسن رضائي الذي شغل منصب القائد الأعلى للحرس الثوري خلال فترة طويلة ورئيس مجلس الطوارئ. ومن المعروف أن عشرة مرشحين في حكومة أحمدي نجاد كانوا ينتمون إلى خلفيات عسكرية أو أمنية.
- جاءت انطلاقة الإنجازات العلمية الإيرانية في مجال البحث والتقنية النووية مع بداية الثورة الإيرانية عام 1979، وباتت رمزاً للعزة الوطنية في الآونة الأخيرة وسرعان ما تحولت إلى أداة تتلاعب بها النخبة السياسية التي تسيطر عليها طوائف مختلفة التوجهات والأهواء. والواقع أن إيران أحرزت معظم إنجازاتها النووية ولا سيما في مجال تخصيب اليورانيوم خلال عهد الرئيس الإصلاحي محمد خاتمي، غير أن موهبتها في استخدام النووي كسلاح سياسي على الساحة الإقليمية لم تظهر سوى في عهد الرئيس الحالي أحمدي نجاد الذي عمد إلى استغلال المواجهة الإيرانية مع الغرب والوكالة الدولية للطاقة الذرية لإجراء مجموعة من التغييرات في حكومته جاء أبرزها بين صفوف المفاوضين الإيرانيين. فبحجة البحث عما سماه النقاء والشفافية، أجبر الرئيس أحمدي نجاد كبير المفاوضين الإيرانيين علي لاريجاني على تقديم استقالته في خريف 2007، فقد كان لاريجاني ينتمي إلى التيار الإصلاحي وعرف بأنه من ألد المنافسين السياسيين لأحمدي نجاد، كما كان يشغل منصب السكرتير العام للمجلس الأعلى للأمن الوطني. وعقب الإطاحة بعلي لاريجاني بدأ الرئيس أحمدي نجاد بإحكام قبضته على الوسائل الدبلوماسية لإدارة الملف النووي الإيراني بعد انتزاعه شوكة قوية كانت تؤرق حكومته. وبعدها دخل لاريجاني تحت كنف قائد الثورة الإسلامية، حيث عُين كممثل خاص له في المجلس الأعلى للأمن الوطني، واليوم أصبح رئيس المجلس وبات خصماً لدوداً لنجاد.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::1761::/cck::
::introtext::
يقع الملف النووي الإيراني والسياسات الإيرانية الإقليمية بصورة عامة في قلب جملة من الأزمات التي خيمت على المشهد العالمي في الآونة الأخيرة. فإيران من وجهة نظر الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها الأوروبيين تشكل أكبر التحديات التي يجب التعامل معها على وجه السرعة، بينما يأتي الملف النووي الإيراني على رأس المخاوف التي تهدد أمن منطقة الشرق الأوسط واستقرارها.
::/introtext::
::fulltext::
يقع الملف النووي الإيراني والسياسات الإيرانية الإقليمية بصورة عامة في قلب جملة من الأزمات التي خيمت على المشهد العالمي في الآونة الأخيرة. فإيران من وجهة نظر الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها الأوروبيين تشكل أكبر التحديات التي يجب التعامل معها على وجه السرعة، بينما يأتي الملف النووي الإيراني على رأس المخاوف التي تهدد أمن منطقة الشرق الأوسط واستقرارها.
الواقع أنه في أعقاب هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001، هيمنت بعض القضايا مثل التطرف والإرهاب والعنف السياسي وانتشار الأسلحة النووية والصراع العربي- الإسرائيلي على الساحة الدولية وبدت متشابكة ومتداخلة إلى حدٍ كبير، في حين تصدرت إيران القوى الإقليمية المعارضة للنهج الغربي في التعامل مع هذه القضايا.
وفي عام 2002، توصل المجتمع الدولي إلى معلومات مؤكَّدة حول حجم البرنامج النووي الإيراني وسيطرت هذه القضية والمخاوف المصاحبة لها على الأجندة الدولية منذ عام 2003. ويمكن تناول هذه القضية وانعكاساتها الدولية من ثلاث زوايا تتمثل فيما يلي:
- أثر الطموحات النووية الإيرانية في المشهد الداخلي بإيران.
- انعكاسات الملف النووي الإيراني على الجهود الدولية الرامية إلى الحد من انتشار الأسلحة النووية.
- أثر هذا البرنامج في التصرفات الإيرانية بالخارج.وعلى الرغم من الصلة الوثيقة التي تجمع بين هذه الموضوعات والقضايا، فمن الأفضل التعامل مع كلٍّ منها على حدة قبل التوصل إلى نتائج شاملة حول الملف النووي الإيراني وتوجهاته المستقبلية وتأثيراته في الأوضاع الأمنية إقليمياً ودولياً. المشهد الداخلي ويعاني المشهد الداخلي في السياسة الإيرانية نقص التعددية، الأمر الذي ألقى بظلال كثيفة على السياسة الخارجية الإيرانية، إذ كان تراجع النظام المؤسسي وتقلص المنافسة السياسية على المناصب الكبرى وراء بقاء النهج النادر للمشاركة السياسية في إيران والحفاظ على توجهات السياسة الخارجية الإيرانية، الأمر الذي قد يهدد الأمن والاستقرار في إيران على المدى المتوسط، ويلقي بمزيد من التحديات الجديدة أمام الأطراف الخارجية المعنية بإدارة هذا الملف. ولا ريب في أن استغلال الأزمة النووية في الداخل الإيراني ينعكس سلباً على المصالح الإيرانية. جاء الكشف عن أنشطة البرنامج النووي الإيراني على خلفية هجمات الحادي عشر من سبتمبر كي يلقي بإيران وسط أزمة أمنية جديدة صورت طهران على أنها العائق الرئيسي أمام السلام الإقليمي والعالمي. وقد تعللت بعض الدول العربية بالملف النووي الإيراني لامتلاك أسلحة نووية على الرغم من اعتراف بعضها بأن البرنامج النووي الإيراني سيعمل على موازنة الاحتكار الإسرائيلي للسلاح النووي في المنطقة، غير أن هذه الدول باتت على يقين من الطموحات والأهداف العسكرية للمشروع النووي الإيراني، ومن هنا شرعت بإجراء مناقشات مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية حول إنشاء محطة نووية مشتركة ( حسب ما أعلن في ديسمبر 2006) في حين تسعى مصر إلى تجديد مجمع أبحاثها النووية الذي تراكم عليه غبار الإهمال والنسيان منذ سنوات بعيدة، والأكثر من ذلك أن دولة الإمارات دخلت في محادثات مع فرنسا عام 2008 بهدف إنشاء محطات لتوليد الطاقة النووية. والواقع أن دول المجلس تهدف من وراء هذه الأبحاث النووية إلى تنويع مصادر الطاقة بقدر ما تسعى إلى مواجهة الطموحات النووية الإيرانية. وفي ظل استمرار الأزمة الإيرانية مع المجتمع الدولي وتصاعد المخاوف إزاء طبيعة برنامجها النووي، باتت قضية انتشار الأسلحة النووية تخيم على القضايا الاستراتيجية المهمة في المنطقة. جاءت العزلة التي فرضها الغرب على إيران بمثابة فرصة نادرة صبت في مصلحة الأطراف الإيرانية الحريصة على التوسع الاستراتيجي في أرجاء قارة آسيا، حيث سعت هذه الأطراف إلى دفع إيران ناحية الشرق كي تعزز علاقاتها الاقتصادية والسياسية والعسكرية والأمنية مع روسيا والصين في ظل تصاعد الضغوط الاقتصادية والسياسية الغربية، الأمر الذي ترك تداعيات كثيرة على إيران وعلى المنظومة الدولية بشكل عام، فقد تغير الوضع الجيو-سياسي لدولة نفطية كبيرة طالما اعتمد الغرب على مواردها إبّان القرن الماضي وذلك بالتزامن مع احتدام المنافسة بين الدول الكبرى للسيطرة على الثروات النفطية في منطقة الخليج العربي وغربي آسيا. ولم تكن الطفرة الاقتصادية والعسكرية لدول آسيا وراء فتح شهية هذه البلدان نحو ثروات النفط والغاز في منطقة الخليج العربي فحسب، بل ساعدت على عملية الوصول إلى هذه الموارد الحيوية. وفي ظل غياب المصادر البديلة عن الطاقة، كان من الطبيعي أن يدخل الغرب في منافسة شرسة للسيطرة على هذه الموارد والطرق المؤدية إليها والأسواق الخاصة بها. ومن المتوقع أن تؤدي إيران دوراً محورياً في رسم المعالم الاستراتيجية لمشهد الطاقة العالمي إبان القرن الحادي والعشرين بسبب موقعها الجغرافي المتميز في منطقة النفط بين بحر قزوين والخليج العربي، أضف إلى ذلك توجه كثير من الدول النفطية المجاورة نحو الشرق كما فعلت إيران. وهنا نجد أن حسابات السياسة الخارجية ولا سيما الطموحات النووية الإيرانية تسهم في تفاقم المشكلات الخارجية لإيران مع العلم أن قرارات السياسة الخارجية ستسهم في صياغة علاقة طهران بالغرب من الناحية التجارية على الأقل. وتعتمد إيران حالياً على روسيا وحدها لتطوير البرنامج النووي الإيراني، بينما تعتمد على كلٍّ من الصين وروسيا لتطوير برنامجها العسكري. وتصاعدت المخاوف من قيام إيران بقطع علاقات الشراكة الاقتصادية الطويلة مع أوروبا بسبب سعي طهران إلى تعزيز علاقاتها مع دول الشرق على المستويين الاقتصادي والاستثماري، غير أن الولايات المتحدة لا تزال تمسك بخيوط اللعبة، إذ يمكنها استغلال علاقاتها مع حلفاء إيران الاقتصاديين، فقد أثبتت التجربة أن اليابان والهند والصين وروسيا تستجيب للضغوط الأمريكية إذا رأت أن مصالحها مع الولايات المتحدة مهددة بسبب علاقاتها مع إيران، الأمر الذي سيساعد على وأد التوجهات الإيرانية ناحية الشرق. ولا يمكن إغفال النتائج غير المباشرة للملف النووي الإيراني، فقد تسعى بعض دول المنطقة إلى تطوير برامجها النووية بحجة ردع الطموحات النووية الإيرانية، وهذا لا يعني سوى أمر واحد هو مزيد من التهديدات والمخاطر بالنسبة لطهران. وقد تؤدي المخاوف الناجمة عن الملف النووي الإيراني إلى ميل ميزان القوى لصالح الدول المنافسة لإيران في المنطقة مثل إسرائيل والسعودية ومصر وباكستان، وهي الدول التي أخذ نجمها في الصعود على المستوى النووي. ومن المنطقي أن تحاول المملكة العربية السعودية توحيد دول المجلس تحت رايتها في هذا الشأن، كما توجد مقترحات بقيام إسرائيل وباكستان أو إحداهما بتوفير المظلة النووية للدول العربية الموالية للغرب من أجل التصدي للأهداف النووية الإيرانية.

- والمفارقة أن إيران كانت واحدة من الدول المؤسسة لمعاهدة الحد من الأسلحة النووية. ومن خلال استعراض سريع لعلاقة طهران بالوكالة الدولية للطاقة الذرية وعلاقاتها بالقوى النووية الكبرى في العالم، يتضح أن سياسة إيران النووية كانت تحظى بقبول واسع النطاق قبل قيام الثورة الإسلامية. وما قام به النظام الإسلامي في إيران هو مواصلة هذه البرامج والسياسات، فلم يطرأ الكثير من التغيرات على الطموحات والأهداف النووية الإيرانية منذ ذلك العهد، وإنما جاء التغيير في النظام الحاكم والمؤسسة السياسية ذاتها. وللإنصاف، فإن هذا هو مكمن المخاوف العالمية من البرنامج النووي الإيراني. فأحمدي نجاد سار على درب محمد خاتمي في هذا الشأن. ومن المرجح أن يستمر الحال على ما هو عليه طالما ظل النظام الإسلامي مهيمناً على مقاليد الأمر والحكم في إيران، وطالما فشلت طهران في التوصل إلى معاهدة شاملة مع واشنطن. فحل هذه الأزمة، على غرار الكثير من المشكلات الإقليمية، قد يكون في يد أطراف خارجية.
- وعلى الرغم من وجود رغبة حقيقية لدى طهران في تعزيز علاقاتها مع الدول الآسيوية ولا سيما العلاقات الخارجية، بدا من الواضح أن تدهور العلاقات الإيرانية مع الغرب وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية جاء بويلاته على الطموحات الإيرانية في هذا الشأن. فعلى سبيل المثال، اضطرت الصين للتخلي عن شراكتها النووية مع طهران نتيجة للضغوط الأمريكية، في حين صوتت الهند ضد إيران داخل الوكالة الدولية للطاقة الذرية. وفي القريب العاجل ستدرك النخبة الحاكمة في طهران أن عليها التعايش مع الواقع وتفهم جيداً أن عليها معالجة مشكلاتها الدبلوماسية والسياسية مع الولايات المتحدة الأمريكية إذا ما أرادت الانضمام إلى المنظومة الدولية من جديد بصورة طبيعية. ومن هنا فإن الحل يجب أن يأتي من طهران، ونحن ندرك تماماً أن بوسع طهران تقديم مقترحات جريئة وشُجاعة على غرار العروض التي قدمتها خلال عام 2003 للدخول في مفاوضات مباشرة وغير مشروطة مع الولايات المتحدة
- .
- الأبعاد الدولية لبرنامج الطاقة النووية
- فإيران من وجهة نظر الوكالة الدولية للطاقة الذرية هي التي انتهكت معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية، وجاءت تصرفاتها كي تمثل تحدياً مباشراً وسافراً لبنود هذه الاتفاقية، وأقرت الوكالة في تقاريرها الواحد تلو الآخر استحالة إثبات أن البرنامج النووي الإيراني موجه بالكامل لأغراض سلمية، الأمر الذي وضع إيران في مهب الريح، ولم يبرئها من الاتهامات بأنها تمتلك برنامجاً خفياً لتصنيع الأسلحة، وشهد الثاني والعشرين من فبراير الماضي صدور أول هذه التقارير لعام 2008. ولم تستطع الأطراف المعنية التوصل إلى حل لهذه الأزمة منذ عام 2003، الأمر الذي دفع مجلس الأمن إلى فرض عقوبات صارمة على إيران اعتباراً من ديسمبر 2006 بحجة عدم انصياعها لشروط الوكالة الدولية للطاقة الذرية. ومن الواضح أن إيران تحدت الوكالة الدولية بصورة صارخة، ووضعت اتفاقية الحد من الأسلحة النووية أمام اختبار صعب سواء من حيث الصياغة إزاء حقها في الحصول على التقنية النووية وفق معايير السلامة والأمان أو من حيث روح المعاهدة بسبب تحديها المتواصل لمجلس الأمن الذي ناشد إيران مراراً وتكراراً بوقف أنشطة تخصيب اليورانيوم والماء الثقيل.
- وفي ظل انتشار التقنية والخبرات النووية، نجد أن هناك مشكلة أخرى تشغل الأذهان تتمثل في إمكانية حصول الدول العربية على سلاح الردع من إحدى القوى النووية الموجودة حالياً على الساحة بموجب اتفاقيات شراكة أمنية قد تكون سرية أو علنية، الأمر الذي سيؤدي في نهاية المطاف إلى تفشي حمى الأسلحة النووية والأنظمة المتطورة التي تصنعها الدول الكبرى أو الدول الإقليمية مثل باكستان وإسرائيل.
- وفي الوقت الذي تأججت فيه الأزمة مع إيران، سعى الغرب إلى الدخول في مفاوضات وحوار شامل مع ليبيا وكوريا الشمالية بسبب أنشطتهما النووية. وعلى الرغم من المشكلات الأمريكية الهائلة مع كوريا الشمالية والتي تفاقمت عقب إعلان كوريا الشمالية عن انسحابها من معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية في 10 يناير 2003 كرد فعل على الضغوط الأمريكية، إلا أن الولايات المتحدة وجدت نفسها مضطرة لاحتواء الموقف وعمدت إلى تقديم جملة من الحوافز والعروض إلى كوريا الشمالية مثل الدخول في مفاوضات وتقديم المعونة المالية. وفضلت الولايات المتحدة التعامل مع هذه القضية عبر سياسية الترغيب (أو ما يطلق عليه أسلوب الجزرة) بدلاً من سياسة الترهيب (العصا) على الرغم من كثرة العقبات الهيكلية التي واجهت السياسة الأمريكية في هذا الشأن. وتعاملت الولايات المتحدة بشكل مختلف تماماً مع الملف الإيراني، حيث نظرت الولايات المتحدة إلى إعلان طهران عن التزامها بقواعد الوكالة الدولية للطاقة الذرية بعين الريبة، واعتبرته درباً من التمويه والتلاعب يقصد منه تغطية أنشطة إيران النووية.
- الحد من انتشار الأسلحة النووية
- وتقوم كثير من مراكز القوى الموجودة حالياً في إيران حول رموز وأعلام دينية أو اقتصادية أو سياسية أو عسكرية، حيث تسيطر قوات الحرس الثوري وقوات الأمن على مقاليد الأمور مستغلة تفوقها على مراكز القوة الأخرى مع العلم بأن أشهر وسائل الإعلام الحكومية في إيران تخضع لسيطرة مجموعة من الشخصيات التابعة للحرس الوطني. وتجدر الإشارة إلى أن المرشحين الستة الذين خاضوا الانتخابات الرئاسية عام 2005 ضموا قادة سابقين في الحرس الثوري الإيراني أبرزهم علي لاريجاني، قائد سابق في الحرس الثوري ومحمد باقر الذي كان قائداً لقوات شرطة طهران وقائداً في قوات الحرس الثوري سابقاً. وكان من بين المرشحين لمنصب الرئاسة محسن رضائي الذي شغل منصب القائد الأعلى للحرس الثوري خلال فترة طويلة ورئيس مجلس الطوارئ. ومن المعروف أن عشرة مرشحين في حكومة أحمدي نجاد كانوا ينتمون إلى خلفيات عسكرية أو أمنية.
- جاءت انطلاقة الإنجازات العلمية الإيرانية في مجال البحث والتقنية النووية مع بداية الثورة الإيرانية عام 1979، وباتت رمزاً للعزة الوطنية في الآونة الأخيرة وسرعان ما تحولت إلى أداة تتلاعب بها النخبة السياسية التي تسيطر عليها طوائف مختلفة التوجهات والأهواء. والواقع أن إيران أحرزت معظم إنجازاتها النووية ولا سيما في مجال تخصيب اليورانيوم خلال عهد الرئيس الإصلاحي محمد خاتمي، غير أن موهبتها في استخدام النووي كسلاح سياسي على الساحة الإقليمية لم تظهر سوى في عهد الرئيس الحالي أحمدي نجاد الذي عمد إلى استغلال المواجهة الإيرانية مع الغرب والوكالة الدولية للطاقة الذرية لإجراء مجموعة من التغييرات في حكومته جاء أبرزها بين صفوف المفاوضين الإيرانيين. فبحجة البحث عما سماه النقاء والشفافية، أجبر الرئيس أحمدي نجاد كبير المفاوضين الإيرانيين علي لاريجاني على تقديم استقالته في خريف 2007، فقد كان لاريجاني ينتمي إلى التيار الإصلاحي وعرف بأنه من ألد المنافسين السياسيين لأحمدي نجاد، كما كان يشغل منصب السكرتير العام للمجلس الأعلى للأمن الوطني. وعقب الإطاحة بعلي لاريجاني بدأ الرئيس أحمدي نجاد بإحكام قبضته على الوسائل الدبلوماسية لإدارة الملف النووي الإيراني بعد انتزاعه شوكة قوية كانت تؤرق حكومته. وبعدها دخل لاريجاني تحت كنف قائد الثورة الإسلامية، حيث عُين كممثل خاص له في المجلس الأعلى للأمن الوطني، واليوم أصبح رئيس المجلس وبات خصماً لدوداً لنجاد.
::/fulltext::
::cck::1761::/cck::
