الاحتلال المزدوج: التنافس الإقليمي على ملء الفراغ في العراق
::cck::1954::/cck::
::introtext::
تشير معطيات الجغرافية السياسية للعراق إلى أنه يؤدي باستمرار وظيفة مزدوجة، فكان بمثابة سد وجدار صد على الدوام ضد الأطماع القادمة من الشرق، في حين شكل لاحقاً حجر التوازن والعمق الاستراتيجي في معادلة الصراع العربي ـ الصهيوني، وتحمل من جراء ذلك ونيابة عن أمته الكثير من دماء أبنائه وثرواتهم.
::/introtext::
::fulltext::
تشير معطيات الجغرافية السياسية للعراق إلى أنه يؤدي باستمرار وظيفة مزدوجة، فكان بمثابة سد وجدار صد على الدوام ضد الأطماع القادمة من الشرق، في حين شكل لاحقاً حجر التوازن والعمق الاستراتيجي في معادلة الصراع العربي ـ الصهيوني، وتحمل من جراء ذلك ونيابة عن أمته الكثير من دماء أبنائه وثرواتهم.
وعندما قرر المحافظون الجدد في الولايات المتحدة الأمريكية تدمير العراق وإزالته كقوة متوازنة مادية وبشرية، لم تكن أمريكا لتدرك عواقب مثل هذا التلاعب أو خطورة الإخلال بالتوازن المعقد للقوة في المنطقة وتداعيات ذلك ليس على استقرار الشرق الأوسط فحسب، بل على مستقبل قوتها كدولة عظمى تتربع على قمة الهرم السياسي العالمي.
تمخض عن تورط الولايات المتحدة في أفغانستان والعراق انزلاقها تدريجياً في مستنقع الاستنزاف المادي والبشري، وتدهور قوتها الاقتصادية التي تشكل عصب تفوقها العسكري والصناعي، ولم يعد بمقدورها تحمل مزيد من أكلاف وأعباء إدارة ملفات النظام الدولي، الأمر الذي دفعها إلى قبول مشاركة أطراف دولية كبرى كألمانيا واليابان لإدارة بعض هذه الملفات، وكذلك إحالة ملفات أخرى كالعراق والشرق الأوسط إلى وكلاء إقليميين طبقاً لمبدأ التحكم وإدارة الأمن عن بعد.
المثقب الإيراني والمقص التركي
تمكن العراق على مدى ربع قرن من تأجيل وإجهاض الاندفاعة الإيرانية إلى العمق العربي، والتي اتخذت من (تصدير الثورة) شعاراً لها، ولم تعِ معظم الأنظمة العربية خطورة الدور الموازن والمكافئ لإيران الذي اضطلع به العراق كجناح شرقي لأمنهم القومي، إلا عندما بوغتت بإيران ونفوذها يطرق أبواب عواصمها.

ولم تجد الولايات المتحدة الأمريكية، وهي في وضع التراجع بعد أن هزمت في العراق، من خيار في مواجهة النفوذ والضغط الإيراني المتعاظم باتجاه القلب العربي في ظل تخلخل الضغط في المنطقة، إلا اللجوء إلى سياسة تشكيل المحاور، فأسندت قيادة ما يسمى محور دول الاعتدال في المنطقة، ومن ضمنه إسرائيل إلى تركيا المؤهلة بجدارة للعب هذا الدور، نتيجة امتلاكها أوراق كثيرة في المنطقة، كالمياه ونموذج إسلامها المقبول، وتحالفها الاستراتيجي مع إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية، ورغبة (العثمانيين الجدد) في وضع حد للنفوذ الإيراني في مناطق وساحات كانت إلى حد قريب مجال تركيا الحيوي.
من الواضح أن العراق بموقعه وثرواته سيكون مسرحاً لحقبة جديدة من التنافس والصراع بين ما يسمى محور الممانعة الذي تقوده إيران ومحور الاعتدال الذي تقوده تركيا، وليس أمام هذا المحور الأخير إلا اعتبار العراق بمثابة مقص عمودي لقطع أوصال المثقب الإيراني الممتد أفقياً، والذي يعمل على جعل العراق فيما لو نجحت إيران في ابتلاعه بصورة نهائية، قاعدة مهمة للانقضاض وقضم ما تبقى من المنطقة سواء دول الخليج أو مصر وصولاً إلى المغرب العربي.
طبيعة المشروع الإيراني
يتفوق الدور الإيراني في العراق والمنطقة على الدور التركي والعربي في استناده إلى مشروع توسعي قومي يقوم على أساس عقائدي طائفي، ويتخذ من الإسلام ستاراً لهذا التوسع، وهنا تكمن خطورته، فأذرع هذا المشروع وزعانفه تتقدم وتمهد الطريق طبقاً لاستراتيجية غير مباشرة تعتمد سياسة التفتيت الناعم من خلال إثارة النعرات وزيادة الشحن والاحتقان الطائفي عبر ضمان الولاء الطائفي لكثير من الحركات السياسية العاملة في هذا البلد أو ذاك.
شكل العراق بعد احتلاله النموذج المثالي لازدواجية الموقف الإيراني تجاه القضايا العربية، فقد باشرت منذ البداية بتصميم وتصنيع العشرات من الميليشيات العسكرية والمنظمات والأحزاب والمرجعيات الطائفية، وتوزيعها والمناورة بها داخل العملية السياسية التي تجري بإشراف (الشيطان الأكبر) وخارجها، إلى الحد الذي سيطرت فيه على وزارات حساسة كالداخلية والدفاع والنفط والمالية، ودفعت العناصر الموالية لها للإمساك بمقاليد الأمور. وإيران اليوم تدير في العراق حكومة وبرلماناً من ذوي الولاء المزدوج، ظاهره أمريكي وباطنه إيراني، وتحولت بعد مرور ست سنوات من لاعب ثانوي إلى لاعب رئيسي يعرض على لسان الرئيس الإيراني استعداد بلاده لملء الفراغ في العراق بعد الانسحاب الأمريكي الذي ترنح بفعل عمليات المقاومة العراقية.
إن هناك أسئلة من قبيل دعم العملية السياسية والاعتراف عام 2003 بمجلس الحكم فور إعلانه برئاسة الحاكم المدني للاحتلال، ودعم الدستور والفيدرالية التي تهدف إلى تحويل العراق إلى دويلات طائفية وعرقية متناحرة على السلطة والثروة، والأهم من ذلك كله دعم المتعاونين مع الاحتلال الأمريكي وعدم الاعتراف بشرعية المقاومة العراقية، مقارنة بدعم إيران للمقاومة في لبنان وفلسطين، كل ذلك يعطي إشارة واضحة إلى أن إيران تسعى لابتلاع العراق أو على الأقل أجزاء منه.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::1954::/cck::
::introtext::
تشير معطيات الجغرافية السياسية للعراق إلى أنه يؤدي باستمرار وظيفة مزدوجة، فكان بمثابة سد وجدار صد على الدوام ضد الأطماع القادمة من الشرق، في حين شكل لاحقاً حجر التوازن والعمق الاستراتيجي في معادلة الصراع العربي ـ الصهيوني، وتحمل من جراء ذلك ونيابة عن أمته الكثير من دماء أبنائه وثرواتهم.
::/introtext::
::fulltext::
تشير معطيات الجغرافية السياسية للعراق إلى أنه يؤدي باستمرار وظيفة مزدوجة، فكان بمثابة سد وجدار صد على الدوام ضد الأطماع القادمة من الشرق، في حين شكل لاحقاً حجر التوازن والعمق الاستراتيجي في معادلة الصراع العربي ـ الصهيوني، وتحمل من جراء ذلك ونيابة عن أمته الكثير من دماء أبنائه وثرواتهم.
وعندما قرر المحافظون الجدد في الولايات المتحدة الأمريكية تدمير العراق وإزالته كقوة متوازنة مادية وبشرية، لم تكن أمريكا لتدرك عواقب مثل هذا التلاعب أو خطورة الإخلال بالتوازن المعقد للقوة في المنطقة وتداعيات ذلك ليس على استقرار الشرق الأوسط فحسب، بل على مستقبل قوتها كدولة عظمى تتربع على قمة الهرم السياسي العالمي.
تمخض عن تورط الولايات المتحدة في أفغانستان والعراق انزلاقها تدريجياً في مستنقع الاستنزاف المادي والبشري، وتدهور قوتها الاقتصادية التي تشكل عصب تفوقها العسكري والصناعي، ولم يعد بمقدورها تحمل مزيد من أكلاف وأعباء إدارة ملفات النظام الدولي، الأمر الذي دفعها إلى قبول مشاركة أطراف دولية كبرى كألمانيا واليابان لإدارة بعض هذه الملفات، وكذلك إحالة ملفات أخرى كالعراق والشرق الأوسط إلى وكلاء إقليميين طبقاً لمبدأ التحكم وإدارة الأمن عن بعد.
المثقب الإيراني والمقص التركي
تمكن العراق على مدى ربع قرن من تأجيل وإجهاض الاندفاعة الإيرانية إلى العمق العربي، والتي اتخذت من (تصدير الثورة) شعاراً لها، ولم تعِ معظم الأنظمة العربية خطورة الدور الموازن والمكافئ لإيران الذي اضطلع به العراق كجناح شرقي لأمنهم القومي، إلا عندما بوغتت بإيران ونفوذها يطرق أبواب عواصمها.

ولم تجد الولايات المتحدة الأمريكية، وهي في وضع التراجع بعد أن هزمت في العراق، من خيار في مواجهة النفوذ والضغط الإيراني المتعاظم باتجاه القلب العربي في ظل تخلخل الضغط في المنطقة، إلا اللجوء إلى سياسة تشكيل المحاور، فأسندت قيادة ما يسمى محور دول الاعتدال في المنطقة، ومن ضمنه إسرائيل إلى تركيا المؤهلة بجدارة للعب هذا الدور، نتيجة امتلاكها أوراق كثيرة في المنطقة، كالمياه ونموذج إسلامها المقبول، وتحالفها الاستراتيجي مع إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية، ورغبة (العثمانيين الجدد) في وضع حد للنفوذ الإيراني في مناطق وساحات كانت إلى حد قريب مجال تركيا الحيوي.
من الواضح أن العراق بموقعه وثرواته سيكون مسرحاً لحقبة جديدة من التنافس والصراع بين ما يسمى محور الممانعة الذي تقوده إيران ومحور الاعتدال الذي تقوده تركيا، وليس أمام هذا المحور الأخير إلا اعتبار العراق بمثابة مقص عمودي لقطع أوصال المثقب الإيراني الممتد أفقياً، والذي يعمل على جعل العراق فيما لو نجحت إيران في ابتلاعه بصورة نهائية، قاعدة مهمة للانقضاض وقضم ما تبقى من المنطقة سواء دول الخليج أو مصر وصولاً إلى المغرب العربي.
طبيعة المشروع الإيراني
يتفوق الدور الإيراني في العراق والمنطقة على الدور التركي والعربي في استناده إلى مشروع توسعي قومي يقوم على أساس عقائدي طائفي، ويتخذ من الإسلام ستاراً لهذا التوسع، وهنا تكمن خطورته، فأذرع هذا المشروع وزعانفه تتقدم وتمهد الطريق طبقاً لاستراتيجية غير مباشرة تعتمد سياسة التفتيت الناعم من خلال إثارة النعرات وزيادة الشحن والاحتقان الطائفي عبر ضمان الولاء الطائفي لكثير من الحركات السياسية العاملة في هذا البلد أو ذاك.
شكل العراق بعد احتلاله النموذج المثالي لازدواجية الموقف الإيراني تجاه القضايا العربية، فقد باشرت منذ البداية بتصميم وتصنيع العشرات من الميليشيات العسكرية والمنظمات والأحزاب والمرجعيات الطائفية، وتوزيعها والمناورة بها داخل العملية السياسية التي تجري بإشراف (الشيطان الأكبر) وخارجها، إلى الحد الذي سيطرت فيه على وزارات حساسة كالداخلية والدفاع والنفط والمالية، ودفعت العناصر الموالية لها للإمساك بمقاليد الأمور. وإيران اليوم تدير في العراق حكومة وبرلماناً من ذوي الولاء المزدوج، ظاهره أمريكي وباطنه إيراني، وتحولت بعد مرور ست سنوات من لاعب ثانوي إلى لاعب رئيسي يعرض على لسان الرئيس الإيراني استعداد بلاده لملء الفراغ في العراق بعد الانسحاب الأمريكي الذي ترنح بفعل عمليات المقاومة العراقية.
إن هناك أسئلة من قبيل دعم العملية السياسية والاعتراف عام 2003 بمجلس الحكم فور إعلانه برئاسة الحاكم المدني للاحتلال، ودعم الدستور والفيدرالية التي تهدف إلى تحويل العراق إلى دويلات طائفية وعرقية متناحرة على السلطة والثروة، والأهم من ذلك كله دعم المتعاونين مع الاحتلال الأمريكي وعدم الاعتراف بشرعية المقاومة العراقية، مقارنة بدعم إيران للمقاومة في لبنان وفلسطين، كل ذلك يعطي إشارة واضحة إلى أن إيران تسعى لابتلاع العراق أو على الأقل أجزاء منه.
::/fulltext::
::cck::1954::/cck::
