مخابراتنا و(إمبراطورية سليماني وداغان العربية)
::cck::1950::/cck::
::introtext::
(منزل من دون باب) هكذا وصف أحد مديري أجهزة المخابرات الغربية دول العالم العربي. جاء هذا الوصف ضمن حديث عَرَضي حول النشاط المتصاعد والنفوذ المتنامي لأجهزة المخابرات الإيرانية والإسرائيلية في دول العالم العربي. وهو وصف لا يبتعد كثيراً عن قلب الحقيقة. فقد كانت هذه الملاحظة إشارة إلى النجاح الكبير الذي تمكن رئيس جهاز مخابرات الحرس الثوري الإيراني (جهاز القدس) العميد قاسم سليماني، ورئيس جهاز المخابرات الخارجية الإسرائيلية (جهاز الموساد) الجنرال مير داغان في تأسيس نفوذ مخابراتي فعّال داخل أغلب دول العالم العربي مقابل انعدام شبه تام لأي نفوذ مخابراتي عربي مؤثِّر داخل إيران أو إسرائيل.
::/introtext::
::fulltext::
(منزل من دون باب) هكذا وصف أحد مديري أجهزة المخابرات الغربية دول العالم العربي. جاء هذا الوصف ضمن حديث عَرَضي حول النشاط المتصاعد والنفوذ المتنامي لأجهزة المخابرات الإيرانية والإسرائيلية في دول العالم العربي. وهو وصف لا يبتعد كثيراً عن قلب الحقيقة. فقد كانت هذه الملاحظة إشارة إلى النجاح الكبير الذي تمكن رئيس جهاز مخابرات الحرس الثوري الإيراني (جهاز القدس) العميد قاسم سليماني، ورئيس جهاز المخابرات الخارجية الإسرائيلية (جهاز الموساد) الجنرال مير داغان في تأسيس نفوذ مخابراتي فعّال داخل أغلب دول العالم العربي مقابل انعدام شبه تام لأي نفوذ مخابراتي عربي مؤثِّر داخل إيران أو إسرائيل.
القدرة المخابراتية التي تمكَّنت إيران وإسرائيل من بنائها داخل دولنا ومجتمعاتنا تُعَدّ أمراً مُقلِقاً وخطيراً لكل من يُدرِك أهمية وفداحة قيام دولة أجنبية بتأسيس ما يُسمَّى (رصيداً) مخابراتياً داخل دولنا ومجتمعاتنا والنتائج الوخيمة المحتمَل تولدُّها عبر استخدام وتفعيل هذا (الرصيد) لزعزعة أمن واستقرار دولنا وتفتيت مجتمعاتنا، أو للتأثير في قدرة صُنّاع القرار فيها على اتخاذ قرارات، أو الامتناع عن اتخاذ قرارات محدَّدة وهو ما يُفقِد القيادات العربية استقلاليتها وحريتها في اتخاذ قرار لحماية المصالح الوطنية والقومية العليا.
لم يَعُدْ هناك في عالم اليوم أهمية كبيرة للانتصارات العسكرية بالمعنى التقليدي الذي كان سائداً. فالانتصارات المخابراتية هي الأهم والأجدى فهي التي عادة ما تمهد الطريق أمام تحقيق الانتصارات العسكرية، كما أنها أقل في تكلفتها المادية والبشرية لكونها أكثر ديمومة، ونتائجها وتأثيراتها أكثر ضماناً، ولا يمكن بسهولة إثبات تهمة التدخل أو الاعتداء فلهذا هي أقل خطراً في تبعاتها السياسية وانعكاساتها على العلاقات الدولية.
إن درس العراق يشير إلى أن الولايات المتحدة تمكنَّت، وخلال أيام معدودة، من إحراز انتصار عسكري حاسم وهي اليوم تحتل كل شبر من أرض العراق. تكلفة الاحتلال الأمريكي للعراق المادية والبشرية والسياسية هائلة جداً. لكن الحقيقة على الأرض تدل على أن الاحتلال العسكري رغم تكلفته السلبية المرتفعة لا يولد سيطرة أو نفوذاً وربما لا يمنح أي امتيازات. فبينما الولايات المتحدة تحتل العراق عسكرياً فإن إيران تسيطر على مقاليد البلاد مخابراتياً وبتكلفة مادية زهيدة ومن دون أية تكلفة بشرية ولا سياسية. ففشل الولايات المتحدة في العراق هو بالأساس فشل مخابراتي وليس فشلاً عسكرياً.
ومنذ قيام الجمهورية الإسلامية في إيران وحتى اليوم قامت القيادات الإيرانية بالاستثمار الواسع وطويل المدى لبناء مؤسسات مخابراتية فعالة تدعم سياسة الدولة الخارجية، وتحافظ على مصالحها الاستراتيجية، وتعزِّز نفوذها ومكانتها الإقليمية والدولية. وكان من نتائج هذا (الاستثمار المخابراتي) أن تمكنت إيران من بناء (دول داخل بعض دولنا)، وتفعيل طابور خامس يأتمر ويعمل بقرارات طهران ويحدد مواقفه لخدمة المصالح القومية العليا للدولة الفارسية. وأمسى صُنّاع القرار في بعض أجزاء العالم العربي ينتظرون قرارات وتوجيهات القيادة الإيرانية، أو حتى تلميحاتها، قَبْل البت في أمور تتعلق بصلب السياسة الداخلية للدولة.
ومن خلال (الاستثمار المخابراتي) الناجح تمكنت إسرائيل من امتلاك قدرات (اليد الطُّولى) داخل بعض الدول العربية تمكنها من جمع المعلومات الدقيقة أو تنفيذ عمليات التصفيات الجسدية أو العمل العسكري الناجح لكل من يشكل تهديداً لأمن الدولة العبرية، كما شاهدنا مؤخراً في عملية اغتيال عماد مغنية في قلب العاصمة السورية أو في تدمير المواقع النووية المفترَضة في عمق الأراضي السورية أو في مهاجمة شحنات الأسلحة المفترَضة في قلب الأراضي السودانية وكل هذه العمليات هي عمليات أو انتصارات مخابراتية أساساً وليست عسكرية.
ما لم ندركه حتى الآن كعرب حقيقة أن الاستثمار المخابراتي الناجح لا يحتاج بالضرورة إلى رصد ميزانيات طائلة بل إلى التفكير والتخطيط والتنسيق، والحسابات الصحيحة ذات المدى الطويل، والتجرُّد من عنصر الولاءات الشخصية والمحسوبية في بناء مؤسسات وأجهزة المخابرات الخارجية. فرغم وجود إحدى وعشرين دولة عربية مستقلة، وأيضاً رغم تعدُّد الأجهزة المخابراتية في كل دولة من هذه الدول، ورغم الميزانيات المالية الكبيرة المخصصة للأجهزة المخابراتية العربية والتي يفوق بعضها ميزانيات دول وشعوب بكاملها، وأغلبها ميزانيات مفتوحة خالية من القيود أو الحدود، وكلها ذات طبيعة سرية، ورغم العدد الهائل من العاملين في الأجهزة، من كل الفئات التي تشمل الموظفين والمستخدمين والمرتبطين والمنتفعين والمتعاونين وغيرهم والذين تقدر أعدادهم بالآلاف المؤلَّفة في كل جهاز، ورغم الاهتمام والعناية الخاصة التي توليها القيادات السياسية والامتيازات المادية والمعنوية الخاصّة التي يتمتع بها أعضاء الأجهزة المخابراتية، ورغم ظاهرة عدم المساءلة والحماية السياسية وحتى الحصانة القانونية التي تتمتع بها هذه الأجهزة والعاملون فيها مما يُوفِّر حرية في الحركة والتصرف غير محدودة، رغم كل هذا وذاك، فإن عجز الأجهزة المخابراتية العربية عن توفير الحماية للوطن والمواطن وعجزها أيضاً عن خدمة مصالح الأمة ومصالح الدول الاستراتيجية أمسى ظاهرة خطيرة لا يمكن تجاهلها أو التغاضي عنها.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::1950::/cck::
::introtext::
(منزل من دون باب) هكذا وصف أحد مديري أجهزة المخابرات الغربية دول العالم العربي. جاء هذا الوصف ضمن حديث عَرَضي حول النشاط المتصاعد والنفوذ المتنامي لأجهزة المخابرات الإيرانية والإسرائيلية في دول العالم العربي. وهو وصف لا يبتعد كثيراً عن قلب الحقيقة. فقد كانت هذه الملاحظة إشارة إلى النجاح الكبير الذي تمكن رئيس جهاز مخابرات الحرس الثوري الإيراني (جهاز القدس) العميد قاسم سليماني، ورئيس جهاز المخابرات الخارجية الإسرائيلية (جهاز الموساد) الجنرال مير داغان في تأسيس نفوذ مخابراتي فعّال داخل أغلب دول العالم العربي مقابل انعدام شبه تام لأي نفوذ مخابراتي عربي مؤثِّر داخل إيران أو إسرائيل.
::/introtext::
::fulltext::
(منزل من دون باب) هكذا وصف أحد مديري أجهزة المخابرات الغربية دول العالم العربي. جاء هذا الوصف ضمن حديث عَرَضي حول النشاط المتصاعد والنفوذ المتنامي لأجهزة المخابرات الإيرانية والإسرائيلية في دول العالم العربي. وهو وصف لا يبتعد كثيراً عن قلب الحقيقة. فقد كانت هذه الملاحظة إشارة إلى النجاح الكبير الذي تمكن رئيس جهاز مخابرات الحرس الثوري الإيراني (جهاز القدس) العميد قاسم سليماني، ورئيس جهاز المخابرات الخارجية الإسرائيلية (جهاز الموساد) الجنرال مير داغان في تأسيس نفوذ مخابراتي فعّال داخل أغلب دول العالم العربي مقابل انعدام شبه تام لأي نفوذ مخابراتي عربي مؤثِّر داخل إيران أو إسرائيل.
القدرة المخابراتية التي تمكَّنت إيران وإسرائيل من بنائها داخل دولنا ومجتمعاتنا تُعَدّ أمراً مُقلِقاً وخطيراً لكل من يُدرِك أهمية وفداحة قيام دولة أجنبية بتأسيس ما يُسمَّى (رصيداً) مخابراتياً داخل دولنا ومجتمعاتنا والنتائج الوخيمة المحتمَل تولدُّها عبر استخدام وتفعيل هذا (الرصيد) لزعزعة أمن واستقرار دولنا وتفتيت مجتمعاتنا، أو للتأثير في قدرة صُنّاع القرار فيها على اتخاذ قرارات، أو الامتناع عن اتخاذ قرارات محدَّدة وهو ما يُفقِد القيادات العربية استقلاليتها وحريتها في اتخاذ قرار لحماية المصالح الوطنية والقومية العليا.
لم يَعُدْ هناك في عالم اليوم أهمية كبيرة للانتصارات العسكرية بالمعنى التقليدي الذي كان سائداً. فالانتصارات المخابراتية هي الأهم والأجدى فهي التي عادة ما تمهد الطريق أمام تحقيق الانتصارات العسكرية، كما أنها أقل في تكلفتها المادية والبشرية لكونها أكثر ديمومة، ونتائجها وتأثيراتها أكثر ضماناً، ولا يمكن بسهولة إثبات تهمة التدخل أو الاعتداء فلهذا هي أقل خطراً في تبعاتها السياسية وانعكاساتها على العلاقات الدولية.
إن درس العراق يشير إلى أن الولايات المتحدة تمكنَّت، وخلال أيام معدودة، من إحراز انتصار عسكري حاسم وهي اليوم تحتل كل شبر من أرض العراق. تكلفة الاحتلال الأمريكي للعراق المادية والبشرية والسياسية هائلة جداً. لكن الحقيقة على الأرض تدل على أن الاحتلال العسكري رغم تكلفته السلبية المرتفعة لا يولد سيطرة أو نفوذاً وربما لا يمنح أي امتيازات. فبينما الولايات المتحدة تحتل العراق عسكرياً فإن إيران تسيطر على مقاليد البلاد مخابراتياً وبتكلفة مادية زهيدة ومن دون أية تكلفة بشرية ولا سياسية. ففشل الولايات المتحدة في العراق هو بالأساس فشل مخابراتي وليس فشلاً عسكرياً.
ومنذ قيام الجمهورية الإسلامية في إيران وحتى اليوم قامت القيادات الإيرانية بالاستثمار الواسع وطويل المدى لبناء مؤسسات مخابراتية فعالة تدعم سياسة الدولة الخارجية، وتحافظ على مصالحها الاستراتيجية، وتعزِّز نفوذها ومكانتها الإقليمية والدولية. وكان من نتائج هذا (الاستثمار المخابراتي) أن تمكنت إيران من بناء (دول داخل بعض دولنا)، وتفعيل طابور خامس يأتمر ويعمل بقرارات طهران ويحدد مواقفه لخدمة المصالح القومية العليا للدولة الفارسية. وأمسى صُنّاع القرار في بعض أجزاء العالم العربي ينتظرون قرارات وتوجيهات القيادة الإيرانية، أو حتى تلميحاتها، قَبْل البت في أمور تتعلق بصلب السياسة الداخلية للدولة.
ومن خلال (الاستثمار المخابراتي) الناجح تمكنت إسرائيل من امتلاك قدرات (اليد الطُّولى) داخل بعض الدول العربية تمكنها من جمع المعلومات الدقيقة أو تنفيذ عمليات التصفيات الجسدية أو العمل العسكري الناجح لكل من يشكل تهديداً لأمن الدولة العبرية، كما شاهدنا مؤخراً في عملية اغتيال عماد مغنية في قلب العاصمة السورية أو في تدمير المواقع النووية المفترَضة في عمق الأراضي السورية أو في مهاجمة شحنات الأسلحة المفترَضة في قلب الأراضي السودانية وكل هذه العمليات هي عمليات أو انتصارات مخابراتية أساساً وليست عسكرية.
ما لم ندركه حتى الآن كعرب حقيقة أن الاستثمار المخابراتي الناجح لا يحتاج بالضرورة إلى رصد ميزانيات طائلة بل إلى التفكير والتخطيط والتنسيق، والحسابات الصحيحة ذات المدى الطويل، والتجرُّد من عنصر الولاءات الشخصية والمحسوبية في بناء مؤسسات وأجهزة المخابرات الخارجية. فرغم وجود إحدى وعشرين دولة عربية مستقلة، وأيضاً رغم تعدُّد الأجهزة المخابراتية في كل دولة من هذه الدول، ورغم الميزانيات المالية الكبيرة المخصصة للأجهزة المخابراتية العربية والتي يفوق بعضها ميزانيات دول وشعوب بكاملها، وأغلبها ميزانيات مفتوحة خالية من القيود أو الحدود، وكلها ذات طبيعة سرية، ورغم العدد الهائل من العاملين في الأجهزة، من كل الفئات التي تشمل الموظفين والمستخدمين والمرتبطين والمنتفعين والمتعاونين وغيرهم والذين تقدر أعدادهم بالآلاف المؤلَّفة في كل جهاز، ورغم الاهتمام والعناية الخاصة التي توليها القيادات السياسية والامتيازات المادية والمعنوية الخاصّة التي يتمتع بها أعضاء الأجهزة المخابراتية، ورغم ظاهرة عدم المساءلة والحماية السياسية وحتى الحصانة القانونية التي تتمتع بها هذه الأجهزة والعاملون فيها مما يُوفِّر حرية في الحركة والتصرف غير محدودة، رغم كل هذا وذاك، فإن عجز الأجهزة المخابراتية العربية عن توفير الحماية للوطن والمواطن وعجزها أيضاً عن خدمة مصالح الأمة ومصالح الدول الاستراتيجية أمسى ظاهرة خطيرة لا يمكن تجاهلها أو التغاضي عنها.
::/fulltext::
::cck::1950::/cck::
