أمن الخليج والأمن العالمي للطاقة.. بين ضرورات البقاء وضرورات البناء

::cck::3159::/cck::
::introtext::

يعد الخليج العربي من أهم مناطق إنتاج الطاقة الحيوية في العالم، الذي انقسم بعد الحرب العالمية الأولى على قطبين مختلفين إيديولوجياً، كل منهما سعى إلى تحقيق أهدافه بوسائله الخاصة، ففي الوقت الذي تبنت فيه الشيوعية الأممية الدعوة إلى مجتمع أممي لا طبقي، تبنى القطب الآخر الرأسمالية ونموذجها الليبرالي منذ الثورة العلمية الأولى في إنجلترا ليصبح بعد الثورة الصناعية فيها أيضاً -أي بعد قرنين من الثورة الأولى- يملك قاعدة صناعية لم يشهد تاريخ البشرية مثيلاً لها من قبل، ليُتوج كل ذلك بثورة فكرية حصلت في فرنسا لتنطلق قافلة الرأسمالية بليبراليتها، وقد اكتسبت الشروط الموضوعية لانطلاق الحضارة الجديدة مرتكزةً على التراث الإغريقي والروماني، نافضةً عن أوروبا غبار التخلف والانحطاط إبان حقبة القرون الوسطى.

::/introtext::
::fulltext::

يعد الخليج العربي من أهم مناطق إنتاج الطاقة الحيوية في العالم، الذي انقسم بعد الحرب العالمية الأولى على قطبين مختلفين إيديولوجياً، كل منهما سعى إلى تحقيق أهدافه بوسائله الخاصة، ففي الوقت الذي تبنت فيه الشيوعية الأممية الدعوة إلى مجتمع أممي لا طبقي، تبنى القطب الآخر الرأسمالية ونموذجها الليبرالي منذ الثورة العلمية الأولى في إنجلترا ليصبح بعد الثورة الصناعية فيها أيضاً -أي بعد قرنين من الثورة الأولى- يملك قاعدة صناعية لم يشهد تاريخ البشرية مثيلاً لها من قبل، ليُتوج كل ذلك بثورة فكرية حصلت في فرنسا لتنطلق قافلة الرأسمالية بليبراليتها، وقد اكتسبت الشروط الموضوعية لانطلاق الحضارة الجديدة مرتكزةً على التراث الإغريقي والروماني، نافضةً عن أوروبا غبار التخلف والانحطاط إبان حقبة القرون الوسطى.

إذا كان الاستعمار القديم الذي جاء من هذا القطب الصناعي الرأسمالي قد تعامل مباشرة مع مناطق نفوذه لتأمين احتياجات صناعاته المتنامية من المواد الأولية ولفتح أسواق كثيرة أمام منتوجاته الوفيرة، فإن هذا الاستعمار، وفي سياق مصالحه، هو الذي اكتشف النفط في المنطقة العربية عامة والخليج خاصة، لتبدأ مرحلة جديدة من العلاقات النوعية بين مجتمعات صناعية بأمسّ الحاجة إلى طاقة حيوية تحرك آلياته الصناعية، وقد وجدت ضالتها في النفط الذي تميز بسهولة استخراجه وحيوية مادته ورخص سعره مقارنة بمصادر الطاقة التقليدية الأخرى، ومجتمعات مالكة لهذه الطاقة وبكميات هائلة، وهي بأمسّ الحاجة إلى الأمن والاستقرار، وقد تزايدت هذه الحاجة بعد الحرب العالمية الثانية وانسحاب الاستعمار القديم من مناطق نفوذه وتصاعد المخاطر الإقليمية والدولية على الخليج سواء من إيديولوجيات يسارية أو من محاولة إيران الشاه للهيمنة على المنطقة آنذاك، ناهيك عن تداعيات الصراع العربي-الإسرائيلي، وعن انتقال منطقة الخليج من نظم قبلية إلى نظام الدولة تحت ظروف عائدات النفط وأنماط الثقافة الوافدة ولا سيما في مجال نقل التكنولوجيا والأصول التنظيمية التي رافقت عمل الشركات النفطية الأجنبية حتى تعامل قادة المنطقة بحكمة مع ظروف إقليمية ودولية بالغة التعقيد، ولا سيما في مجال رسم خريطة محكمة للعلاقة المتبادلة بين أمن الخليج والأمن العالمي للطاقة، ولتتسع هذه الخريطة في الوقت الحاضر لتشمل أطرافاً أخرى، فضلاً عن تعزيز شبكتها مع الحلفاء التقليديين، وضمن حسابات دقيقة لمستقبل المنطقة وعلاقاتها الإقليمية والدولية المعقدة، وما قد تشهده من صراعات محتمله بعد حالة العراق أو ما قد يحصل من اتفاقات مصالح بين أطراف أخرى قد تضع أمن الخليج في محنة إذا لم يتم حساب ذلك.

أولاً: الموازنة العقلانية

بدأ مشهد العلاقة المتبادلة بين أمن الخليج والأمن العالمي للطاقة يتضح ويتسع مع تزايد حاجة الطرفين إلى بعضهما في عالم تتصاعد أزماته الاقتصادية والحضارية يوماً بعد آخر بعد أن وصل عدد سكانه إلى أكثر من ستة مليارات نسمة مع اطراد نمو سكاني سريع ولا سيما في المجتمعات التقليدية التي تزايدت فقراً سنة بعد أخرى، إلى جانب مجتمعات صناعية حافظت على توازنها السكاني وتميزت بحالة غنى، ونجم عن ذلك انبثاق دول الشمال الغنية ودول الجنوب الفقيرة، والتي كان لكل منهما مشكلاته وخصوصياته الثقافية، إلى جانب مشكلات الشرق الأوسط المزمنة والصراعات المسلحة والأزمات المتلاحقة في محيط منطقة الخليج العربي الغنية بثرواتها الطبيعية، الأمر الذي حتّم على دولها التفاعل مع محيط خارجي واسع النطاق، ولا سيما في مجال توطيد العلاقة المتبادلة بين أمنها والأمن العالمي للطاقة، من خلال عقد الاتفاقيات الأمنية والاقتصادية مع أطراف فاعله في الساحة الدولية منها الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وهي أطراف بأمسّ الحاجة إلى الطاقة وتمتلك قدرات تقنية عسكرية متطورة قادرة على حفظ الأمن الخليجي تجاه مخاطر قادمة من أطراف إقليمية أو دولية، تلك العلاقة المتبادلة التي قامت على أساس الموازنة العقلانية لتأمين حاجتين متقابلتين ومتفاعلتين لكلا الطرفين، وفي ذلك مصلحة استراتيجية لأمن الخليج وضمان لتدفق الطاقة إلى مجتمعات صناعية كبرى، لكن وعلى الرغم مما تتميز به العلاقات الخليجية–الغربية من متانة، تبقى مسألة عالمية أمن الخليج مسألة في غاية الأهمية في إطار إقليمي قلق يحتمل المواجهة أو الاتفاق، وكلا المدخلين فيه علاقة وثيقة بأمن المنطقة ومستقبلها.

ثانياً: حكمة العلاقة المتبادلة

لم تكن العلاقة المتبادلة بين أمن الخليج والأمن العالمي للطاقة تستمر لولا حكمة أهل الخليج في إدارتها، في محيط إقليمي وعربي يعيش منذ أكثر من أربعين عاماً على الصراعات والأزمات المتتالية وانعكاساتها الخطيرة على الأمن العالمي، كما تعرضت منطقة الخليج خلال تلك الفترة إلى تهديدات كثيرة سواء من باب الحسد -إن صح هذا التعبير- أو ناتجة عن قناعات إيديولوجية متأثرة بنظرية التغير الاجتماعي التحرري الذي اجتاح منطقة الشرق الأوسط وإفريقيا وآسيا وأوروبا الشرقية وأمريكا اللاتينية قبل وبعد الحرب العالمية الثانية، تلك القناعات التي امتزجت بالأفكار المجردة، والطموحات العنيفة في توجهاتها نحو تحقيق الاستقلال الوطني، وما أفرزته تلك الحركات من تأثيرات بعضها تعدى حدودها الوطنية لتمارس ضغوطاً فكرية وسياسية على منطقة الخليج العربي الغنية بالنفط، لكن هناك حقائق الاقتصاد على الأرض وحسابات الدفاع عن الوجود التي بدأت تأخذ أولويات التفكير عند أهل الخليج منذ وقت مبكر وهم عاكفون على تشكيل نظمهم الرسمية الحديثة تساعدهم في ذلك عائدات النفط الكبيرة مقارنة بعدد السكان القليل، فضلاً عن ذلك أصبحت المنطقة تتحكم واقعياً في عصب الاقتصاد العالمي، كما أنها انتهجت سياسة الاعتدال في أفكارها وبرامجها وعلاقاتها الإقليمية والدولية. وإذا كانت التركيبة القبلية لمجتمعات المنطقة قد أعطت بعداً ثقافياً في إدارة العلاقة المتبادلة تلك، سواء على مستوى القيادات الاجتماعية أو السياسية، فإن طريقة التعامل مع الداخل والخارج تحددت في إطار مفهوم عقلاني غير مندفع لدن قيادات لم تكن طارئة، بل إنها ناتج تاريخ وتراث وفولكلور اجتماعي عميق الجذور في تربة القبيلة العربية في الجزيرة والخليج، لذا كانت الحسابات السياسية في إقامة العلاقة المتبادلة بين أمن الخليج والأمن العالمي للطاقة تتعلق وتتصل بهذه الحقائق لتصبح هذه العلاقة اليوم علاقة استراتيجية في القاموس السياسي والاقتصادي العالمي تدار بحكمة، ولا سيما أن الخليج دخل عصر التفاعلات الاقتصادية بطريقة عصرية يمكن أن تحمل لهذه المنطقة الكثير من فرص التقدم الاجتماعي والثقافي على المدى البعيد، وكذلك لمنطقة الشرق الأوسط إذا ما تفاعلت بشكل إيجابي مع التجارب الخليجية في مجال الاقتصاد، والتي من أبرزها عالمية التبادل التجاري كما هي عليه تجربة مدينة دبي اليوم وتجربة السوق الخليجية المشتركة التي انطلقت مع بداية 2008. وعليه فإن العلاقة المتبادلة تلك ارتبطت بحكمة إدارتها وحسابات المصالح المشتركة كعامل ممانعة تجاه التطورات المحتملة في منطقة ساخنة.

ثالثاً: مرتكزات التفاعل الحضاري

إن قراءة متأنية لطرفي المعادلة في العلاقة المتبادلة تلك تظهر لنا ضخامة التحديات التي تحيط بمنطقة الخليج وثرواتها الطبيعية، وبالقدر الذي تستطيع فيه المنطقة الاستفادة من تلك العلاقة في تحقيق أمنها القومي -وهو أمر مشروع- فإنها وفي جوانب أخرى تكون مجبرة على رصد مبالغ طائلة للتسلح للدفاع عن نفسها، كما أنها تكون في أحيان كثيرة عرضة لمخاوف حقيقية أو مفتعلة من قوى الطرف الثاني للمعادلة بهدف تعزيز الارتباط بالمنطقة استجابة لمصالحها، إلا أن ذلك لا يلغي ضخامه الفائدة المحسوبة في عقول الخليجيين إزاء تهديدات قائمة. لكن إذا افترضنا عزل المخاوف الخليجية من بيئتها الإقليمية، وأصبح بالإمكان تغيير مسميات إحدى الحاجات لتكون كالآتي: العلم والتكنولوجيا مقابل الأمن العالمي للطاقة، حينها تأخذ المعادلة مساراً آخر يقلل من حجم الإنفاق العسكري ويمهد إلى نهضة علمية تكون مقدمة لنقلة صناعية في المنطقة تقود إلى تغير اجتماعي وثقافي منسجم مع هذه النقلة لتحقيق مستويات عالية من الرفاهية والتقدم لشعوب دول الخليج أولاً وللشعوب الأخرى القادرة على التفاعل مع النموذج الخليجي ثانياً، لكن هذا العزل الافتراضي بعيد المنال في الوقت الحاضر، إلا أن ذلك لا يمنع من استثمار هذه العلاقة المتبادلة في أصلها من أجل بلوغ مرحلة التفاعل الحضاري تلك، والبدء بتأهيل الموارد البشرية وتوجيه التعليم نحو العلوم التطبيقية وفتح قنوات للصناعة الوطنية وقنوات للبرامج البحثية على نطاق واسع وفي المجالات كافة، بالتفاعل مع قنوات التقدم العلمي العالمي لبناء مرتكزات التطور الحضاري النوعي القادر على حل مشكلات المجتمع المحلية كالبطالة والاتكالية وغيرها، كما أن ذلك سوف يفضي إلى تكوين مناعة ذاتية صعبة الاختراق من أطراف أخرى، كخطوة تجاه تحقيق الأمن الذاتي للمنطقة على المدى البعيد، ذلك أن لغة الاقتصاد المعاصرة لم تعد تقبل تبادل سلعة بأخرى فقط من دون استثمار هذا التبادل في بناءات جديدة ضخمة، وقد كان لعائدات النفط الخليجي أعظم الأثر في بناء مرتكزات الدولة الجديدة، فاتسع الإعمار الخدمي والتجاري والصناعي الوطني، ودخلت أساليب الإدارة الجديدة، واستخدمت اللغات العالمية، واستقطبت الكفاءات النادرة والتخصصات العلمية المختلفة، واستقدمت العمالة بأنواعها، كما اتسعت الجامعات وأعطيت الحرية في المال والعقل في التصرف وبناء مرتكزات المجتمع المهمة، ولذلك ينبغي تطوير هذا الاتجاه ودراسة نتائجه المادية على الأرض وتطويق سلبياته والتأشير على نجاحاته حتى تتمكن المنطقة من التفاعل مع الثقافة القادمة من خارج الحدود الوطنية من دون رفض أو استسلام إنما بالتفاعل وتطويعها لصالح النهضة بالآليات المتاحة من أجل تعزيز الأمن الذاتي للمنطقة بالتوازي مع الحاجة القائمة لمعطيات تلك العلاقة. والذي نريد قوله في هذا المجال إنه وعلى المدى البعيد ينبغي عدم الاتكال المطلق على تلك العلاقة، إنما يجب الارتقاء بالمجتمع الخليجي إلى مستويات أعلى بالتأهيل والتفاعل مع الحضارة العالمية عن طريق العلم وتأسيس مرتكزات صناعة وطنية قادرة على التصدير ومنسجمة مع عقلية منفتحة ومتفاعلة مع عملية التحول تلك، وكذلك قادرة على فتح أسواق محلية وإقليمية ذات قدرات هائلة على استيعاب السلع المصنعة نظراً لاعتبارات قرب المكان وجودة المنتوج مقارنة بمناطق إنتاج بعيدة كالصين مثلاً، وإذا ما تحقق ذلك فسوف يفتح أمام الخليج فرص بناء علاقات اقتصادية تتفاعل مع إطاره الإقليمي من جهة، ويساعده على تهيئة فرص بناء قواعد أمن ذاتية تجعل الخليج في منأى عن كثير من ضغوط وابتزازات الطرف الآخر من جهة أخرى.

رابعاً: أمن الخليج في محيط متأزم

إن أزمات الإطار الخليجي منذ عقود عدة، والصراعات والنزاعات المحتملة فيه، وما قد يترتب على تغير المواقف الروسية إزاء أمريكا، وتداعيات الملف النووي الإيراني والمسألة العراقية واللبنانية والفلسطينية وقضية أمن إسرائيل والأوضاع القلقة في باكستان وأفغانستان كلها تجعل من هذا الإطار إطاراً متأزماً ويلقي بآثاره الخطيرة على أمن الخليج يوماً بعد آخر، مما جعل الدول الخليجية دائمة البحث عن وسائل إضافية لتحقيق الأمن. وما حرصها على تدفق النفط إلى العالم وفي ظل أصعب الظروف وفتح قنوات جديدة من التعامل مع أطراف أخرى فاعلة على الساحة العالمية كالصين وروسيا وكسر جليد العلاقات الإيرانية-الخليجية ولا سيما السعودية منها في الأعوام القليلة الماضية، إلا محاولات جادة لإخراج المنطقة من أزمتها وبناء توازنات جديدة، لا سيما أن العالم متجه نحو تعدد الأقطاب بعد تراجع المد الأمريكي في المنطقة بدرجة أو أخرى، فضلاً عن دخول أوروبا الساحة العربية وما يمكن أن تلعبه في المرحلة المقبلة من أدوار. والتساؤل الذي يمكن أن يثار في هذا المكان هو إلى أي مدى يمكن أن تحافظ العلاقة المتبادلة بين أمن الخليج والأمن العالمي للطاقة على استمرارها الفاعل في إطار إقليمي متأزم وعلاقات دولية متغيرة؟

خامساً: العلاقة المتبادلة في عالم متغير

إن محاولة الإجابة عن التساؤل السابق تحتاج إلى تحليل المواقف المختلفة سواء على الصعيد الإقليمي أو على الصعيد الدولي وبالتفريق بين الأسس التي تقوم عليها، فإن كان بعضها يقوم على أسس إيديولوجية، يجعلنا نقف عند أهدافها ومراميها سواء مع بعضها بعضاً أو تجاه منطقة الخليج تحديداً. ولا شك في أن هذه المنطقة لديها تجارب غنية مع النظم الإيديولوجية بعد الحرب العالمية الثانية حتى الوقت الحاضر، وما نتج خلال المدة الزمنية تلك من حالات قلق تجاه أمنها ومستقبلها، وقد وجدت في التحالفات الدولية وسيلة ناجعة لدرء الخطر المحدق بها، وعلى ضوء ذلك يكون من الصعب بناء تفاهمات تنهي تلك المخاوف إلى الأبد وهذه إشكالية يعيشها الأمن الخليجي منذ زمن بعيد.

أما إذا كان النوع الآخر من النظم يربط علاقاته مع الآخر على أساس مواقف المصالح المتبادلة، فالمسألة يمكن أن تحل عن طريق توثيق تلك المصالح وبناء تفاهمات ثنائية لتحقيق أهداف ومصالح مشتركة، ولعل اعتدال الدول الخليجية واتباعها سياسة عقلانية تجاه قضية تعزيز أمنها خلال العقود الماضية خارج الإطار الذي يفكر فيه الراديكاليون تجاه الغرب ولا سيما أولئك المحيطين بمنطقة الخليج، قد زادا من تمسك الدول الخليجية بخيار معادلة الأمن المتبادل، أمن الوجود وأمن الطاقة، بوصفهما نظامين متقابلين لكل منهما شروطه الحيوية، لكنهما متفاعلان لتحقيق وظائف استراتيجية لكلا الطرفين، تم حسابها بطريقة عقلانية آخذة في الاعتبار الأوضاع المتأزمة في العالم عامة ومنطقة الخليج خاصة، وقد بنيت تلك العلاقة على أساس أن أي تهديد لأمن الخليج يعني تهديداً لأمن الطاقة العالمي وتهديداً أيضاً لموازين القوى في العالم.

ويبدو أن عملية التقابل تلك لها امتداداتها السياسية والثقافية فضلاً عن ركائزها الاقتصادية في عالم معولم وثقافة قد تعدت الحدود وعصر معلوماتي أصبح في متناول معظم شعوب الأرض، مع توقع عالم متعدد الأقطاب في المستقبل القريب. والسؤال الذي يمكن إثارته هنا هو أين سيكون موقع الخليج- الذي يملك عصب الاقتصاد العالمي- في خريطة التعدد تلك؟ لا ريب في أن النموذج الخليجي ومنذ زمن بعيد سواء إبان الحرب الباردة أو خلال سيادة القطب الواحد أثبت حضورهُ الفاعل في المنطقة من بين التجارب الأخرى، وقدرته على البقاء والتطور سواء كان ذلك في تلبية حاجات الإنسان أو في استخدام نفطه لتطويع إرادة العالم لحماية أمنه بعد أن أثبت أيضاً اعتداله السياسي والثقافي، وبذلك دفع الأذى عن شعوب المنطقة وهو لا يزال يعمل بهذا الاتجاه من خلال سعيه إلى توسيع بناءاته الاقتصادية ضمن إطار السوق الخليجية المشتركة وتحديث مؤسساتها المختلفة كي تكون سريعة التنفيذ والإنجاز وسريعة الاستجابة لإيقاعات تطور الاقتصاد العالمي وليكون مهيئاً للتعامل مع عالم متعدد الأقطاب إذا ما تكوّن وعلى أساس المصالح وبما يضمن الأمن القومي الخليجي.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::3159::/cck::
::introtext::

يعد الخليج العربي من أهم مناطق إنتاج الطاقة الحيوية في العالم، الذي انقسم بعد الحرب العالمية الأولى على قطبين مختلفين إيديولوجياً، كل منهما سعى إلى تحقيق أهدافه بوسائله الخاصة، ففي الوقت الذي تبنت فيه الشيوعية الأممية الدعوة إلى مجتمع أممي لا طبقي، تبنى القطب الآخر الرأسمالية ونموذجها الليبرالي منذ الثورة العلمية الأولى في إنجلترا ليصبح بعد الثورة الصناعية فيها أيضاً -أي بعد قرنين من الثورة الأولى- يملك قاعدة صناعية لم يشهد تاريخ البشرية مثيلاً لها من قبل، ليُتوج كل ذلك بثورة فكرية حصلت في فرنسا لتنطلق قافلة الرأسمالية بليبراليتها، وقد اكتسبت الشروط الموضوعية لانطلاق الحضارة الجديدة مرتكزةً على التراث الإغريقي والروماني، نافضةً عن أوروبا غبار التخلف والانحطاط إبان حقبة القرون الوسطى.

::/introtext::
::fulltext::

يعد الخليج العربي من أهم مناطق إنتاج الطاقة الحيوية في العالم، الذي انقسم بعد الحرب العالمية الأولى على قطبين مختلفين إيديولوجياً، كل منهما سعى إلى تحقيق أهدافه بوسائله الخاصة، ففي الوقت الذي تبنت فيه الشيوعية الأممية الدعوة إلى مجتمع أممي لا طبقي، تبنى القطب الآخر الرأسمالية ونموذجها الليبرالي منذ الثورة العلمية الأولى في إنجلترا ليصبح بعد الثورة الصناعية فيها أيضاً -أي بعد قرنين من الثورة الأولى- يملك قاعدة صناعية لم يشهد تاريخ البشرية مثيلاً لها من قبل، ليُتوج كل ذلك بثورة فكرية حصلت في فرنسا لتنطلق قافلة الرأسمالية بليبراليتها، وقد اكتسبت الشروط الموضوعية لانطلاق الحضارة الجديدة مرتكزةً على التراث الإغريقي والروماني، نافضةً عن أوروبا غبار التخلف والانحطاط إبان حقبة القرون الوسطى.

إذا كان الاستعمار القديم الذي جاء من هذا القطب الصناعي الرأسمالي قد تعامل مباشرة مع مناطق نفوذه لتأمين احتياجات صناعاته المتنامية من المواد الأولية ولفتح أسواق كثيرة أمام منتوجاته الوفيرة، فإن هذا الاستعمار، وفي سياق مصالحه، هو الذي اكتشف النفط في المنطقة العربية عامة والخليج خاصة، لتبدأ مرحلة جديدة من العلاقات النوعية بين مجتمعات صناعية بأمسّ الحاجة إلى طاقة حيوية تحرك آلياته الصناعية، وقد وجدت ضالتها في النفط الذي تميز بسهولة استخراجه وحيوية مادته ورخص سعره مقارنة بمصادر الطاقة التقليدية الأخرى، ومجتمعات مالكة لهذه الطاقة وبكميات هائلة، وهي بأمسّ الحاجة إلى الأمن والاستقرار، وقد تزايدت هذه الحاجة بعد الحرب العالمية الثانية وانسحاب الاستعمار القديم من مناطق نفوذه وتصاعد المخاطر الإقليمية والدولية على الخليج سواء من إيديولوجيات يسارية أو من محاولة إيران الشاه للهيمنة على المنطقة آنذاك، ناهيك عن تداعيات الصراع العربي-الإسرائيلي، وعن انتقال منطقة الخليج من نظم قبلية إلى نظام الدولة تحت ظروف عائدات النفط وأنماط الثقافة الوافدة ولا سيما في مجال نقل التكنولوجيا والأصول التنظيمية التي رافقت عمل الشركات النفطية الأجنبية حتى تعامل قادة المنطقة بحكمة مع ظروف إقليمية ودولية بالغة التعقيد، ولا سيما في مجال رسم خريطة محكمة للعلاقة المتبادلة بين أمن الخليج والأمن العالمي للطاقة، ولتتسع هذه الخريطة في الوقت الحاضر لتشمل أطرافاً أخرى، فضلاً عن تعزيز شبكتها مع الحلفاء التقليديين، وضمن حسابات دقيقة لمستقبل المنطقة وعلاقاتها الإقليمية والدولية المعقدة، وما قد تشهده من صراعات محتمله بعد حالة العراق أو ما قد يحصل من اتفاقات مصالح بين أطراف أخرى قد تضع أمن الخليج في محنة إذا لم يتم حساب ذلك.

أولاً: الموازنة العقلانية

بدأ مشهد العلاقة المتبادلة بين أمن الخليج والأمن العالمي للطاقة يتضح ويتسع مع تزايد حاجة الطرفين إلى بعضهما في عالم تتصاعد أزماته الاقتصادية والحضارية يوماً بعد آخر بعد أن وصل عدد سكانه إلى أكثر من ستة مليارات نسمة مع اطراد نمو سكاني سريع ولا سيما في المجتمعات التقليدية التي تزايدت فقراً سنة بعد أخرى، إلى جانب مجتمعات صناعية حافظت على توازنها السكاني وتميزت بحالة غنى، ونجم عن ذلك انبثاق دول الشمال الغنية ودول الجنوب الفقيرة، والتي كان لكل منهما مشكلاته وخصوصياته الثقافية، إلى جانب مشكلات الشرق الأوسط المزمنة والصراعات المسلحة والأزمات المتلاحقة في محيط منطقة الخليج العربي الغنية بثرواتها الطبيعية، الأمر الذي حتّم على دولها التفاعل مع محيط خارجي واسع النطاق، ولا سيما في مجال توطيد العلاقة المتبادلة بين أمنها والأمن العالمي للطاقة، من خلال عقد الاتفاقيات الأمنية والاقتصادية مع أطراف فاعله في الساحة الدولية منها الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وهي أطراف بأمسّ الحاجة إلى الطاقة وتمتلك قدرات تقنية عسكرية متطورة قادرة على حفظ الأمن الخليجي تجاه مخاطر قادمة من أطراف إقليمية أو دولية، تلك العلاقة المتبادلة التي قامت على أساس الموازنة العقلانية لتأمين حاجتين متقابلتين ومتفاعلتين لكلا الطرفين، وفي ذلك مصلحة استراتيجية لأمن الخليج وضمان لتدفق الطاقة إلى مجتمعات صناعية كبرى، لكن وعلى الرغم مما تتميز به العلاقات الخليجية–الغربية من متانة، تبقى مسألة عالمية أمن الخليج مسألة في غاية الأهمية في إطار إقليمي قلق يحتمل المواجهة أو الاتفاق، وكلا المدخلين فيه علاقة وثيقة بأمن المنطقة ومستقبلها.

ثانياً: حكمة العلاقة المتبادلة

لم تكن العلاقة المتبادلة بين أمن الخليج والأمن العالمي للطاقة تستمر لولا حكمة أهل الخليج في إدارتها، في محيط إقليمي وعربي يعيش منذ أكثر من أربعين عاماً على الصراعات والأزمات المتتالية وانعكاساتها الخطيرة على الأمن العالمي، كما تعرضت منطقة الخليج خلال تلك الفترة إلى تهديدات كثيرة سواء من باب الحسد -إن صح هذا التعبير- أو ناتجة عن قناعات إيديولوجية متأثرة بنظرية التغير الاجتماعي التحرري الذي اجتاح منطقة الشرق الأوسط وإفريقيا وآسيا وأوروبا الشرقية وأمريكا اللاتينية قبل وبعد الحرب العالمية الثانية، تلك القناعات التي امتزجت بالأفكار المجردة، والطموحات العنيفة في توجهاتها نحو تحقيق الاستقلال الوطني، وما أفرزته تلك الحركات من تأثيرات بعضها تعدى حدودها الوطنية لتمارس ضغوطاً فكرية وسياسية على منطقة الخليج العربي الغنية بالنفط، لكن هناك حقائق الاقتصاد على الأرض وحسابات الدفاع عن الوجود التي بدأت تأخذ أولويات التفكير عند أهل الخليج منذ وقت مبكر وهم عاكفون على تشكيل نظمهم الرسمية الحديثة تساعدهم في ذلك عائدات النفط الكبيرة مقارنة بعدد السكان القليل، فضلاً عن ذلك أصبحت المنطقة تتحكم واقعياً في عصب الاقتصاد العالمي، كما أنها انتهجت سياسة الاعتدال في أفكارها وبرامجها وعلاقاتها الإقليمية والدولية. وإذا كانت التركيبة القبلية لمجتمعات المنطقة قد أعطت بعداً ثقافياً في إدارة العلاقة المتبادلة تلك، سواء على مستوى القيادات الاجتماعية أو السياسية، فإن طريقة التعامل مع الداخل والخارج تحددت في إطار مفهوم عقلاني غير مندفع لدن قيادات لم تكن طارئة، بل إنها ناتج تاريخ وتراث وفولكلور اجتماعي عميق الجذور في تربة القبيلة العربية في الجزيرة والخليج، لذا كانت الحسابات السياسية في إقامة العلاقة المتبادلة بين أمن الخليج والأمن العالمي للطاقة تتعلق وتتصل بهذه الحقائق لتصبح هذه العلاقة اليوم علاقة استراتيجية في القاموس السياسي والاقتصادي العالمي تدار بحكمة، ولا سيما أن الخليج دخل عصر التفاعلات الاقتصادية بطريقة عصرية يمكن أن تحمل لهذه المنطقة الكثير من فرص التقدم الاجتماعي والثقافي على المدى البعيد، وكذلك لمنطقة الشرق الأوسط إذا ما تفاعلت بشكل إيجابي مع التجارب الخليجية في مجال الاقتصاد، والتي من أبرزها عالمية التبادل التجاري كما هي عليه تجربة مدينة دبي اليوم وتجربة السوق الخليجية المشتركة التي انطلقت مع بداية 2008. وعليه فإن العلاقة المتبادلة تلك ارتبطت بحكمة إدارتها وحسابات المصالح المشتركة كعامل ممانعة تجاه التطورات المحتملة في منطقة ساخنة.

ثالثاً: مرتكزات التفاعل الحضاري

إن قراءة متأنية لطرفي المعادلة في العلاقة المتبادلة تلك تظهر لنا ضخامة التحديات التي تحيط بمنطقة الخليج وثرواتها الطبيعية، وبالقدر الذي تستطيع فيه المنطقة الاستفادة من تلك العلاقة في تحقيق أمنها القومي -وهو أمر مشروع- فإنها وفي جوانب أخرى تكون مجبرة على رصد مبالغ طائلة للتسلح للدفاع عن نفسها، كما أنها تكون في أحيان كثيرة عرضة لمخاوف حقيقية أو مفتعلة من قوى الطرف الثاني للمعادلة بهدف تعزيز الارتباط بالمنطقة استجابة لمصالحها، إلا أن ذلك لا يلغي ضخامه الفائدة المحسوبة في عقول الخليجيين إزاء تهديدات قائمة. لكن إذا افترضنا عزل المخاوف الخليجية من بيئتها الإقليمية، وأصبح بالإمكان تغيير مسميات إحدى الحاجات لتكون كالآتي: العلم والتكنولوجيا مقابل الأمن العالمي للطاقة، حينها تأخذ المعادلة مساراً آخر يقلل من حجم الإنفاق العسكري ويمهد إلى نهضة علمية تكون مقدمة لنقلة صناعية في المنطقة تقود إلى تغير اجتماعي وثقافي منسجم مع هذه النقلة لتحقيق مستويات عالية من الرفاهية والتقدم لشعوب دول الخليج أولاً وللشعوب الأخرى القادرة على التفاعل مع النموذج الخليجي ثانياً، لكن هذا العزل الافتراضي بعيد المنال في الوقت الحاضر، إلا أن ذلك لا يمنع من استثمار هذه العلاقة المتبادلة في أصلها من أجل بلوغ مرحلة التفاعل الحضاري تلك، والبدء بتأهيل الموارد البشرية وتوجيه التعليم نحو العلوم التطبيقية وفتح قنوات للصناعة الوطنية وقنوات للبرامج البحثية على نطاق واسع وفي المجالات كافة، بالتفاعل مع قنوات التقدم العلمي العالمي لبناء مرتكزات التطور الحضاري النوعي القادر على حل مشكلات المجتمع المحلية كالبطالة والاتكالية وغيرها، كما أن ذلك سوف يفضي إلى تكوين مناعة ذاتية صعبة الاختراق من أطراف أخرى، كخطوة تجاه تحقيق الأمن الذاتي للمنطقة على المدى البعيد، ذلك أن لغة الاقتصاد المعاصرة لم تعد تقبل تبادل سلعة بأخرى فقط من دون استثمار هذا التبادل في بناءات جديدة ضخمة، وقد كان لعائدات النفط الخليجي أعظم الأثر في بناء مرتكزات الدولة الجديدة، فاتسع الإعمار الخدمي والتجاري والصناعي الوطني، ودخلت أساليب الإدارة الجديدة، واستخدمت اللغات العالمية، واستقطبت الكفاءات النادرة والتخصصات العلمية المختلفة، واستقدمت العمالة بأنواعها، كما اتسعت الجامعات وأعطيت الحرية في المال والعقل في التصرف وبناء مرتكزات المجتمع المهمة، ولذلك ينبغي تطوير هذا الاتجاه ودراسة نتائجه المادية على الأرض وتطويق سلبياته والتأشير على نجاحاته حتى تتمكن المنطقة من التفاعل مع الثقافة القادمة من خارج الحدود الوطنية من دون رفض أو استسلام إنما بالتفاعل وتطويعها لصالح النهضة بالآليات المتاحة من أجل تعزيز الأمن الذاتي للمنطقة بالتوازي مع الحاجة القائمة لمعطيات تلك العلاقة. والذي نريد قوله في هذا المجال إنه وعلى المدى البعيد ينبغي عدم الاتكال المطلق على تلك العلاقة، إنما يجب الارتقاء بالمجتمع الخليجي إلى مستويات أعلى بالتأهيل والتفاعل مع الحضارة العالمية عن طريق العلم وتأسيس مرتكزات صناعة وطنية قادرة على التصدير ومنسجمة مع عقلية منفتحة ومتفاعلة مع عملية التحول تلك، وكذلك قادرة على فتح أسواق محلية وإقليمية ذات قدرات هائلة على استيعاب السلع المصنعة نظراً لاعتبارات قرب المكان وجودة المنتوج مقارنة بمناطق إنتاج بعيدة كالصين مثلاً، وإذا ما تحقق ذلك فسوف يفتح أمام الخليج فرص بناء علاقات اقتصادية تتفاعل مع إطاره الإقليمي من جهة، ويساعده على تهيئة فرص بناء قواعد أمن ذاتية تجعل الخليج في منأى عن كثير من ضغوط وابتزازات الطرف الآخر من جهة أخرى.

رابعاً: أمن الخليج في محيط متأزم

إن أزمات الإطار الخليجي منذ عقود عدة، والصراعات والنزاعات المحتملة فيه، وما قد يترتب على تغير المواقف الروسية إزاء أمريكا، وتداعيات الملف النووي الإيراني والمسألة العراقية واللبنانية والفلسطينية وقضية أمن إسرائيل والأوضاع القلقة في باكستان وأفغانستان كلها تجعل من هذا الإطار إطاراً متأزماً ويلقي بآثاره الخطيرة على أمن الخليج يوماً بعد آخر، مما جعل الدول الخليجية دائمة البحث عن وسائل إضافية لتحقيق الأمن. وما حرصها على تدفق النفط إلى العالم وفي ظل أصعب الظروف وفتح قنوات جديدة من التعامل مع أطراف أخرى فاعلة على الساحة العالمية كالصين وروسيا وكسر جليد العلاقات الإيرانية-الخليجية ولا سيما السعودية منها في الأعوام القليلة الماضية، إلا محاولات جادة لإخراج المنطقة من أزمتها وبناء توازنات جديدة، لا سيما أن العالم متجه نحو تعدد الأقطاب بعد تراجع المد الأمريكي في المنطقة بدرجة أو أخرى، فضلاً عن دخول أوروبا الساحة العربية وما يمكن أن تلعبه في المرحلة المقبلة من أدوار. والتساؤل الذي يمكن أن يثار في هذا المكان هو إلى أي مدى يمكن أن تحافظ العلاقة المتبادلة بين أمن الخليج والأمن العالمي للطاقة على استمرارها الفاعل في إطار إقليمي متأزم وعلاقات دولية متغيرة؟

خامساً: العلاقة المتبادلة في عالم متغير

إن محاولة الإجابة عن التساؤل السابق تحتاج إلى تحليل المواقف المختلفة سواء على الصعيد الإقليمي أو على الصعيد الدولي وبالتفريق بين الأسس التي تقوم عليها، فإن كان بعضها يقوم على أسس إيديولوجية، يجعلنا نقف عند أهدافها ومراميها سواء مع بعضها بعضاً أو تجاه منطقة الخليج تحديداً. ولا شك في أن هذه المنطقة لديها تجارب غنية مع النظم الإيديولوجية بعد الحرب العالمية الثانية حتى الوقت الحاضر، وما نتج خلال المدة الزمنية تلك من حالات قلق تجاه أمنها ومستقبلها، وقد وجدت في التحالفات الدولية وسيلة ناجعة لدرء الخطر المحدق بها، وعلى ضوء ذلك يكون من الصعب بناء تفاهمات تنهي تلك المخاوف إلى الأبد وهذه إشكالية يعيشها الأمن الخليجي منذ زمن بعيد.

أما إذا كان النوع الآخر من النظم يربط علاقاته مع الآخر على أساس مواقف المصالح المتبادلة، فالمسألة يمكن أن تحل عن طريق توثيق تلك المصالح وبناء تفاهمات ثنائية لتحقيق أهداف ومصالح مشتركة، ولعل اعتدال الدول الخليجية واتباعها سياسة عقلانية تجاه قضية تعزيز أمنها خلال العقود الماضية خارج الإطار الذي يفكر فيه الراديكاليون تجاه الغرب ولا سيما أولئك المحيطين بمنطقة الخليج، قد زادا من تمسك الدول الخليجية بخيار معادلة الأمن المتبادل، أمن الوجود وأمن الطاقة، بوصفهما نظامين متقابلين لكل منهما شروطه الحيوية، لكنهما متفاعلان لتحقيق وظائف استراتيجية لكلا الطرفين، تم حسابها بطريقة عقلانية آخذة في الاعتبار الأوضاع المتأزمة في العالم عامة ومنطقة الخليج خاصة، وقد بنيت تلك العلاقة على أساس أن أي تهديد لأمن الخليج يعني تهديداً لأمن الطاقة العالمي وتهديداً أيضاً لموازين القوى في العالم.

ويبدو أن عملية التقابل تلك لها امتداداتها السياسية والثقافية فضلاً عن ركائزها الاقتصادية في عالم معولم وثقافة قد تعدت الحدود وعصر معلوماتي أصبح في متناول معظم شعوب الأرض، مع توقع عالم متعدد الأقطاب في المستقبل القريب. والسؤال الذي يمكن إثارته هنا هو أين سيكون موقع الخليج- الذي يملك عصب الاقتصاد العالمي- في خريطة التعدد تلك؟ لا ريب في أن النموذج الخليجي ومنذ زمن بعيد سواء إبان الحرب الباردة أو خلال سيادة القطب الواحد أثبت حضورهُ الفاعل في المنطقة من بين التجارب الأخرى، وقدرته على البقاء والتطور سواء كان ذلك في تلبية حاجات الإنسان أو في استخدام نفطه لتطويع إرادة العالم لحماية أمنه بعد أن أثبت أيضاً اعتداله السياسي والثقافي، وبذلك دفع الأذى عن شعوب المنطقة وهو لا يزال يعمل بهذا الاتجاه من خلال سعيه إلى توسيع بناءاته الاقتصادية ضمن إطار السوق الخليجية المشتركة وتحديث مؤسساتها المختلفة كي تكون سريعة التنفيذ والإنجاز وسريعة الاستجابة لإيقاعات تطور الاقتصاد العالمي وليكون مهيئاً للتعامل مع عالم متعدد الأقطاب إذا ما تكوّن وعلى أساس المصالح وبما يضمن الأمن القومي الخليجي.

::/fulltext::
::cck::3159::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *