خليج الطاقة والأمن العالمي: دراسة في استراتيجيات الإحلال والمبادلة
::cck::3160::/cck::
::introtext::
منذ الأزل والذات الإنسانية تلوج في البحث عن مقتربات استراتيجية للعيش في بيئة عالمية مشجعة للتعاون ومحققة له، وهكذا ظلت النفوس تلوج بعد تسنمها السلطة للبحث عن صناعة الشراكة من المستقبل وهذا ما وجدناه في دول الخليج التي استطاعت أن تصنع علاقة مثالية رائعة على الرغم من أن البعض وصفها بالتبعية والبعض الآخر وصفها بـ (العملاق الأخضر) الساعي للسيطرة على مفاتيح الحياة ألا وهو النفط والطاقة ككل.
::/introtext::
::fulltext::
منذ الأزل والذات الإنسانية تلوج في البحث عن مقتربات استراتيجية للعيش في بيئة عالمية مشجعة للتعاون ومحققة له، وهكذا ظلت النفوس تلوج بعد تسنمها السلطة للبحث عن صناعة الشراكة من المستقبل وهذا ما وجدناه في دول الخليج التي استطاعت أن تصنع علاقة مثالية رائعة على الرغم من أن البعض وصفها بالتبعية والبعض الآخر وصفها بـ (العملاق الأخضر) الساعي للسيطرة على مفاتيح الحياة ألا وهو النفط والطاقة ككل.
لكن على ما يبدو أن الخليج وبعد اكتشاف النفط وتصدير أول برميل منه إلى الخارج، أي دول عالم الشمال، كان ومنذ ذلك الحين بمثابة صمام الأمان الاستراتيجي للأمن العالمي ومن هذا المجال أجد الضرورة للحديث في هذا المحور الاستراتيجي المهم.
إن الاستراتيجية المعاصرة أسعفتنا برؤية مفادها أن العالم يتجه نحو التعاون على الرغم من تصاعد معدلات العنف والإرهاب المسلح المستهدف للمصالح الدولية والمدنيين الأبرياء واستمرار حالة الجيوبولتيكا المضطربة إلا أن مؤشرات التعاون بنت معادلة مفادها أن باستطاعة دول الخليج ضبط ميكانزيم الطاقة العالمية وتعزيز تدفق نفط الخليج لسد حاجة الطلب العالمي في أشهر الأسواق العالمية الثلاثة (سوق أمريكا، سوق أوروبا، سوق آسيا) عبر سلة نفوط أوبك التي ترتقي بفواعل الخليج وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية والكويت والإمارات العربية المتحدة بالإضافة إلى دور العراق القادم في تعزيز أهداف الخليج العالمية والساعية إلى بناء أسواق للطلب مستقرة وفق أسعار مقبولة وهذا دلالة على عقلانية صنع القرار الاستراتيجي النفطي الخليجي والعمل على بناء أهداف استراتيجية عبر توظيف القوة الاستراتيجية لخدمة الاستراتيجية الشاملة لدول الخليج الهادفة نحو الرخاء والاستقرار.
ومن هذا المجال أجد أن دول الخليج استطاعات أن تقوم بعملية إحلال لقيمها الاستراتيجية في إدارة ملف أمن الطاقة الذي عانى من اختلالات استراتيجية كان لدول الخليج العربية دور حقيقي في الحد منها. ولنتذكر على سبيل المثال أزمة الطاقة قبيل الأزمة المالية العالمية وكيف أن دول المنطقة، أي الخليج وفواعلها النفطية، أسهمت بإدارة الأزمة نحو تحقيق أسعار طموحة بعد حوارات استراتيجية بين صناع قرار المنظومة الدولية وقادة دول الخليج بعد ارتفاع الأسعار إلى 147 دولاراً التي هبطت نحو الأدنى والآن تراوح بين الـ (70 – 80 دولاراً).
إذاً نجد مما تقدم أن دول الخليج العربية أسهمت في إدارة أمن الطاقة العالمي، وجعلت من الأنموذج الخليجي مثالاً فاعلاً للقيادة الاستراتيجية وفق نظرية القيادة الكلية (الشاملة) في القرن الحادي والعشرين والتي ترى أن إدارة ملف من ملفات الحياة البشرية لا بد أن يعتمد على تعاضد وتضامن للجهود الفاعلة في إدارة منظومة الهدف، وبالتالي لا بد أن تعمل كل القوى المؤثرة في إطار البيئة الدولية على دعم أنموذج الأمن العالمي القائم على التعاون المتبادل وهذا ما نجده بعد الأزمة النفطية الأخيرة التي أنتجت لنا أنموذجاً تفاعلياً لقيادة ملف أمن الطاقة قائماً على رؤية إقناعية بين دول النفط المصدرة وفي مقدمتها نفوط دول الخليج (القوة العارضة) وما بين قوى الطلب (الدول المستهلكة) في بناء سوق عالمية مستقرة ومتعايشة في إدارة الأسعار وتوفر الطاقة بأي ظرف قد يؤثر في إمداداتها كما يحدث الآن في الخليج المضطرب أمنياً بسبب التطلعات الإيرانية للتملك النووي والذي سيؤثر في الأمن الإقليمي الخليجي المشكل كجزء أساسي من الأمن الدولي.
ويبدو أن العقلانية كانت عنواناً للدول الخليجية المنتجة للنفط في التخطيط لاستراتيجية الإحلال والمبادلة، أي أنها حاولت ولأول مرة إحلال قيمها الاستراتيجية لإدارة ملف أمن الطاقة العالمي ووضعه كقيم استراتيجية يرتكز عليها الأمن العالمي في مجال الطاقة، بعد أن حاولت تقنن بصورة عقلانية واعية رؤى الدول المنتجة ومحاولة إقناع الدول المستهلكة بضرورة الأخذ بها من أجل مصلحة البشرية جمعاء، وهذا ما نشهده على صعيد الزيادة السعرية التي تظهر الآن اتفاقاً من الدول المنتجة والمستهلكة بـ (70 – 80 دولاراً).
ثم إن إدارة استراتيجية الثقل وبناء الوزن الجيوبولتيكي الخليجي عبر توظيف ملف النفط والطاقة كان أمراً ناجحاً بعد أحداث 11 سبتمبر خصوصاً الزيارات المكوكية التي أجراها قادة الدول الصناعية الكبرى وفي مقدمتها الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا جعلت من إدارة هذه السلعة الاستراتيجية، وبصورة فاعلة الخليج العربي، مركز ثقل استراتيجي حقيقي في الاقتصاد الدولي وعاملاً محفزاً للأمن العالمي على اعتبار أن أمن الطاقة جزء مشكل للأمن العالمي، بل إن بعض الدراسات المعاصرة تصفه بالمحرك الأساسي أو الرئيسي إن صح التعبير بسبب النتائج غير المشجعة في مجال البحث عن بدائل النفط كمولد للطاقة البديلة، أضف إلى ذلك التكاليف الباهظة التي تنفقها دول العالم في حال الاتجاه للبحث عن بديل.
ونريد أن نؤكد عليه أن دول الخليج حاولت ومن خلال إمكاناتها النفطية أن تطور أمن الطاقة والبنى التحتية الخاصة به عبر العمل على تجديد وابتكار خطوط نقل جديدة أو محاولة المحافظة على خطوط النقل التقليدية، وبالتالي ما تشهده بيئة الشرق الأوسط من تهديدات بحرب دولية رابعة قد يكون عنوانها الحد من الطموحات النووية أو إيجاد محور عربي متكامل جعل دول الخليج العربية تتجه إلى اتخاذ تدابير استباقية ووقائية في الوقت نفسه للعمل على إيجاد مرافئ للتصدير تكون نقاطاً بديلة، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على الرغبة الخليجية في أن تكون الفاعل الناظم للأمن العالمي النفطي وتتقدمها المسؤولية الأخلاقية في إبراز هذا الفعل الاستراتيجي على اعتبار أن البشر أخوة ولنتذكر العقيدة الإسلامية وحثها على هذا الموضوع.
وقد تسعفنا الدراسات المستقبلية في استشراف دور دول الخليج النفطية في إدارة أمن الطاقة العالمي أو المشاركة الكبرى في إدارته، وبالتالي نجد أن إشكالية الإحلال والمبادلة ستكون عنواناً للفعل الاستراتيجي للدول الفاعلة للنفط في الخليج، ولذلك سنقوم ببناء عدد من السيناريوهات أو المشاهد المستقبلية لاستشراف دور الخليج في أمن الطاقة.
أولاً: مشهد الاستمرارية
هذا المشهد يفترض أن الخليج العربي سيكون الناظم الرئيسي لأمن الطاقة العالمي على اعتبار أن حجم الإنتاج وحجم الاحتياطي المؤكد والاحتمالي يؤهله للعب هذا الدور، وبالتالي فإن قيمه الاستراتيجية تدعو إلى إيجاد معادلة متوازنة بين القيم الاستراتيجية في إدارة ملف أمن الطاقة (قيم الدول المنتجة) وقيم الدول المستهلكة وبالتالي الوصول إلى موازنة حقيقية بين سعر الإنتاج وسعر البيع بما يحقق أرباحاً معقولة للدول المنتجة وفي مقدمتها الفواعل الخليجية، وبالمقابل يغذي الحاجة، أي الطلب العالمي، بصورة شبه متكاملة ومن دون انقطاع في الإمدادات النفطية.
وحقيقية أن هذا المشهد ما زال الوضع الدولي يعيشه والبيئة الدولية تحفزه نتيجة الإدراك بالحاجة الحقيقية للنفط كمدور لعجلة الاقتصاد الحقيقي (الصناعة، الزراعة، النقل.. إلخ) والتي انتقل إليها العالم بعد الأزمة المالية العالمية كان أحد المدخلات الأساسية لها هو اعتماد العالم على الاقتصاد الرقمي الذي أثبت عجزه في إدارة الاقتصاد العالمي من وجهة نظر واحدة.
وبالتالي فإن دوران عجلة الاقتصاد الحقيقي هو النفط وهذا ما سيجعل هناك استمرارية عالية للفواعل الخليجية النفطية في إدارة ملف النفط وأمن الطاقة العالمي.
ثانياً: مشهد التغير
هذا المشهد يفترض أن فاعلية دول الخليج النفطية قد تراجعت بسبب وصول العالم، أي الدول المستهلكة، إلى عدد من البدائل الناضجة والتي تؤهلها لتقليل الاعتماد على الدول النفطية الرئيسية في العالم وفي مقدمتها دول الخليج النفطية والفاعلة ليس في إقليمها فقط بل أن تشكل الأساس الاستراتيجي لمجموعة نفوط دول أوبك، وأن هذا التقليل جاء بسبب اكتشاف احتياطيات عملاقة في دول عالم الشمال من النفط، وكذلك تقدم عال في مشاريع الطاقة البديلة وتحقيق نواتج مقبولة عبر استخدام الطاقات المتجددة وفي مقدمتها المحطات النووية السلمية، وبالتالي ستعمل الدول المستهلكة على التقليل من فاعلية دول الخليج في إضفاء قيمها لإدارة ملف أمن الطاقة العالمي ومحاولة تعزيز قيم ورؤى الدول المستهلكة الساعية إلى التقليل من فاعلية النفط في إدارة وتحريك ملف الطاقة العالمي.
ثالثاً: مشهد الاستمرارية والتغير
هذا المشهد يفترض استمرارية فاعلية نفوط الخليج في إدارة أمن الطاقة وتعزيزه عالمياً، لكنه بالمقابل سيعزز الجهود نحو الرغبة ليس من الدول المستهلكة للطاقة فقط بل حتى إدراك دول الخليج للبحث عن بدائل للنفط على اعتبار أنه سلعة ناضبة، وبما أن القرن الحادي والعشرين يعد قرناً للتكاملية الإقليمية والدولية على اعتبار أن القيم العالمية أصبحت عنواناً أساسياً ترتكز عليه القيم الوطنية للدولة وحتى الإقليمية للمجموعة من الدول، وبالتالي ستقوم دول الخليج من الفواعل النفطية بالعمل على دعم إيجاد بدائل للطاقة سبيلاً لإيجاد مرحلة جديدة من مراحل أمن الطاقة العالمي يتكامل مع أمن البيئة وأمن الغذاء.. إلخ من أنواع وأشكال الأمن العالمي لتحقيق حياة أفضل للبشرية جمعاء، وبالتالي تستمر دول الخليج بإدارة ملف الطاقة العالمي من موقع مواز لاستراتيجيات دول الشمال، وبالتالي تعمل على تحقيق شراكة عالمية من أجل أمن الطاقة في القرن الحادي والعشرين خلال الربع الأول والثاني منه.
إذاً نصل إلى نتيجة مفادها أن البيئة الدولية تجعلنا نرجح المشهد الأول كواقع حال للعالم خلال الربع الأول من القرن الحادي والعشرين، لكن على مدى الربعين الثاني والثالث نجد أن المشهد الثالث سيكون مرجحاً خلال الفترة المفترضة. وبالتالي نصل إلى أن أمن الطاقة سيرتكز بين المشهد الأول كتكتيك، والمشهد الثالث كاستراتيجية لأمن الطاقة العالمي.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::3160::/cck::
::introtext::
منذ الأزل والذات الإنسانية تلوج في البحث عن مقتربات استراتيجية للعيش في بيئة عالمية مشجعة للتعاون ومحققة له، وهكذا ظلت النفوس تلوج بعد تسنمها السلطة للبحث عن صناعة الشراكة من المستقبل وهذا ما وجدناه في دول الخليج التي استطاعت أن تصنع علاقة مثالية رائعة على الرغم من أن البعض وصفها بالتبعية والبعض الآخر وصفها بـ (العملاق الأخضر) الساعي للسيطرة على مفاتيح الحياة ألا وهو النفط والطاقة ككل.
::/introtext::
::fulltext::
منذ الأزل والذات الإنسانية تلوج في البحث عن مقتربات استراتيجية للعيش في بيئة عالمية مشجعة للتعاون ومحققة له، وهكذا ظلت النفوس تلوج بعد تسنمها السلطة للبحث عن صناعة الشراكة من المستقبل وهذا ما وجدناه في دول الخليج التي استطاعت أن تصنع علاقة مثالية رائعة على الرغم من أن البعض وصفها بالتبعية والبعض الآخر وصفها بـ (العملاق الأخضر) الساعي للسيطرة على مفاتيح الحياة ألا وهو النفط والطاقة ككل.
لكن على ما يبدو أن الخليج وبعد اكتشاف النفط وتصدير أول برميل منه إلى الخارج، أي دول عالم الشمال، كان ومنذ ذلك الحين بمثابة صمام الأمان الاستراتيجي للأمن العالمي ومن هذا المجال أجد الضرورة للحديث في هذا المحور الاستراتيجي المهم.
إن الاستراتيجية المعاصرة أسعفتنا برؤية مفادها أن العالم يتجه نحو التعاون على الرغم من تصاعد معدلات العنف والإرهاب المسلح المستهدف للمصالح الدولية والمدنيين الأبرياء واستمرار حالة الجيوبولتيكا المضطربة إلا أن مؤشرات التعاون بنت معادلة مفادها أن باستطاعة دول الخليج ضبط ميكانزيم الطاقة العالمية وتعزيز تدفق نفط الخليج لسد حاجة الطلب العالمي في أشهر الأسواق العالمية الثلاثة (سوق أمريكا، سوق أوروبا، سوق آسيا) عبر سلة نفوط أوبك التي ترتقي بفواعل الخليج وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية والكويت والإمارات العربية المتحدة بالإضافة إلى دور العراق القادم في تعزيز أهداف الخليج العالمية والساعية إلى بناء أسواق للطلب مستقرة وفق أسعار مقبولة وهذا دلالة على عقلانية صنع القرار الاستراتيجي النفطي الخليجي والعمل على بناء أهداف استراتيجية عبر توظيف القوة الاستراتيجية لخدمة الاستراتيجية الشاملة لدول الخليج الهادفة نحو الرخاء والاستقرار.
ومن هذا المجال أجد أن دول الخليج استطاعات أن تقوم بعملية إحلال لقيمها الاستراتيجية في إدارة ملف أمن الطاقة الذي عانى من اختلالات استراتيجية كان لدول الخليج العربية دور حقيقي في الحد منها. ولنتذكر على سبيل المثال أزمة الطاقة قبيل الأزمة المالية العالمية وكيف أن دول المنطقة، أي الخليج وفواعلها النفطية، أسهمت بإدارة الأزمة نحو تحقيق أسعار طموحة بعد حوارات استراتيجية بين صناع قرار المنظومة الدولية وقادة دول الخليج بعد ارتفاع الأسعار إلى 147 دولاراً التي هبطت نحو الأدنى والآن تراوح بين الـ (70 – 80 دولاراً).
إذاً نجد مما تقدم أن دول الخليج العربية أسهمت في إدارة أمن الطاقة العالمي، وجعلت من الأنموذج الخليجي مثالاً فاعلاً للقيادة الاستراتيجية وفق نظرية القيادة الكلية (الشاملة) في القرن الحادي والعشرين والتي ترى أن إدارة ملف من ملفات الحياة البشرية لا بد أن يعتمد على تعاضد وتضامن للجهود الفاعلة في إدارة منظومة الهدف، وبالتالي لا بد أن تعمل كل القوى المؤثرة في إطار البيئة الدولية على دعم أنموذج الأمن العالمي القائم على التعاون المتبادل وهذا ما نجده بعد الأزمة النفطية الأخيرة التي أنتجت لنا أنموذجاً تفاعلياً لقيادة ملف أمن الطاقة قائماً على رؤية إقناعية بين دول النفط المصدرة وفي مقدمتها نفوط دول الخليج (القوة العارضة) وما بين قوى الطلب (الدول المستهلكة) في بناء سوق عالمية مستقرة ومتعايشة في إدارة الأسعار وتوفر الطاقة بأي ظرف قد يؤثر في إمداداتها كما يحدث الآن في الخليج المضطرب أمنياً بسبب التطلعات الإيرانية للتملك النووي والذي سيؤثر في الأمن الإقليمي الخليجي المشكل كجزء أساسي من الأمن الدولي.
ويبدو أن العقلانية كانت عنواناً للدول الخليجية المنتجة للنفط في التخطيط لاستراتيجية الإحلال والمبادلة، أي أنها حاولت ولأول مرة إحلال قيمها الاستراتيجية لإدارة ملف أمن الطاقة العالمي ووضعه كقيم استراتيجية يرتكز عليها الأمن العالمي في مجال الطاقة، بعد أن حاولت تقنن بصورة عقلانية واعية رؤى الدول المنتجة ومحاولة إقناع الدول المستهلكة بضرورة الأخذ بها من أجل مصلحة البشرية جمعاء، وهذا ما نشهده على صعيد الزيادة السعرية التي تظهر الآن اتفاقاً من الدول المنتجة والمستهلكة بـ (70 – 80 دولاراً).
ثم إن إدارة استراتيجية الثقل وبناء الوزن الجيوبولتيكي الخليجي عبر توظيف ملف النفط والطاقة كان أمراً ناجحاً بعد أحداث 11 سبتمبر خصوصاً الزيارات المكوكية التي أجراها قادة الدول الصناعية الكبرى وفي مقدمتها الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا جعلت من إدارة هذه السلعة الاستراتيجية، وبصورة فاعلة الخليج العربي، مركز ثقل استراتيجي حقيقي في الاقتصاد الدولي وعاملاً محفزاً للأمن العالمي على اعتبار أن أمن الطاقة جزء مشكل للأمن العالمي، بل إن بعض الدراسات المعاصرة تصفه بالمحرك الأساسي أو الرئيسي إن صح التعبير بسبب النتائج غير المشجعة في مجال البحث عن بدائل النفط كمولد للطاقة البديلة، أضف إلى ذلك التكاليف الباهظة التي تنفقها دول العالم في حال الاتجاه للبحث عن بديل.
ونريد أن نؤكد عليه أن دول الخليج حاولت ومن خلال إمكاناتها النفطية أن تطور أمن الطاقة والبنى التحتية الخاصة به عبر العمل على تجديد وابتكار خطوط نقل جديدة أو محاولة المحافظة على خطوط النقل التقليدية، وبالتالي ما تشهده بيئة الشرق الأوسط من تهديدات بحرب دولية رابعة قد يكون عنوانها الحد من الطموحات النووية أو إيجاد محور عربي متكامل جعل دول الخليج العربية تتجه إلى اتخاذ تدابير استباقية ووقائية في الوقت نفسه للعمل على إيجاد مرافئ للتصدير تكون نقاطاً بديلة، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على الرغبة الخليجية في أن تكون الفاعل الناظم للأمن العالمي النفطي وتتقدمها المسؤولية الأخلاقية في إبراز هذا الفعل الاستراتيجي على اعتبار أن البشر أخوة ولنتذكر العقيدة الإسلامية وحثها على هذا الموضوع.
وقد تسعفنا الدراسات المستقبلية في استشراف دور دول الخليج النفطية في إدارة أمن الطاقة العالمي أو المشاركة الكبرى في إدارته، وبالتالي نجد أن إشكالية الإحلال والمبادلة ستكون عنواناً للفعل الاستراتيجي للدول الفاعلة للنفط في الخليج، ولذلك سنقوم ببناء عدد من السيناريوهات أو المشاهد المستقبلية لاستشراف دور الخليج في أمن الطاقة.
أولاً: مشهد الاستمرارية
هذا المشهد يفترض أن الخليج العربي سيكون الناظم الرئيسي لأمن الطاقة العالمي على اعتبار أن حجم الإنتاج وحجم الاحتياطي المؤكد والاحتمالي يؤهله للعب هذا الدور، وبالتالي فإن قيمه الاستراتيجية تدعو إلى إيجاد معادلة متوازنة بين القيم الاستراتيجية في إدارة ملف أمن الطاقة (قيم الدول المنتجة) وقيم الدول المستهلكة وبالتالي الوصول إلى موازنة حقيقية بين سعر الإنتاج وسعر البيع بما يحقق أرباحاً معقولة للدول المنتجة وفي مقدمتها الفواعل الخليجية، وبالمقابل يغذي الحاجة، أي الطلب العالمي، بصورة شبه متكاملة ومن دون انقطاع في الإمدادات النفطية.
وحقيقية أن هذا المشهد ما زال الوضع الدولي يعيشه والبيئة الدولية تحفزه نتيجة الإدراك بالحاجة الحقيقية للنفط كمدور لعجلة الاقتصاد الحقيقي (الصناعة، الزراعة، النقل.. إلخ) والتي انتقل إليها العالم بعد الأزمة المالية العالمية كان أحد المدخلات الأساسية لها هو اعتماد العالم على الاقتصاد الرقمي الذي أثبت عجزه في إدارة الاقتصاد العالمي من وجهة نظر واحدة.
وبالتالي فإن دوران عجلة الاقتصاد الحقيقي هو النفط وهذا ما سيجعل هناك استمرارية عالية للفواعل الخليجية النفطية في إدارة ملف النفط وأمن الطاقة العالمي.
ثانياً: مشهد التغير
هذا المشهد يفترض أن فاعلية دول الخليج النفطية قد تراجعت بسبب وصول العالم، أي الدول المستهلكة، إلى عدد من البدائل الناضجة والتي تؤهلها لتقليل الاعتماد على الدول النفطية الرئيسية في العالم وفي مقدمتها دول الخليج النفطية والفاعلة ليس في إقليمها فقط بل أن تشكل الأساس الاستراتيجي لمجموعة نفوط دول أوبك، وأن هذا التقليل جاء بسبب اكتشاف احتياطيات عملاقة في دول عالم الشمال من النفط، وكذلك تقدم عال في مشاريع الطاقة البديلة وتحقيق نواتج مقبولة عبر استخدام الطاقات المتجددة وفي مقدمتها المحطات النووية السلمية، وبالتالي ستعمل الدول المستهلكة على التقليل من فاعلية دول الخليج في إضفاء قيمها لإدارة ملف أمن الطاقة العالمي ومحاولة تعزيز قيم ورؤى الدول المستهلكة الساعية إلى التقليل من فاعلية النفط في إدارة وتحريك ملف الطاقة العالمي.
ثالثاً: مشهد الاستمرارية والتغير
هذا المشهد يفترض استمرارية فاعلية نفوط الخليج في إدارة أمن الطاقة وتعزيزه عالمياً، لكنه بالمقابل سيعزز الجهود نحو الرغبة ليس من الدول المستهلكة للطاقة فقط بل حتى إدراك دول الخليج للبحث عن بدائل للنفط على اعتبار أنه سلعة ناضبة، وبما أن القرن الحادي والعشرين يعد قرناً للتكاملية الإقليمية والدولية على اعتبار أن القيم العالمية أصبحت عنواناً أساسياً ترتكز عليه القيم الوطنية للدولة وحتى الإقليمية للمجموعة من الدول، وبالتالي ستقوم دول الخليج من الفواعل النفطية بالعمل على دعم إيجاد بدائل للطاقة سبيلاً لإيجاد مرحلة جديدة من مراحل أمن الطاقة العالمي يتكامل مع أمن البيئة وأمن الغذاء.. إلخ من أنواع وأشكال الأمن العالمي لتحقيق حياة أفضل للبشرية جمعاء، وبالتالي تستمر دول الخليج بإدارة ملف الطاقة العالمي من موقع مواز لاستراتيجيات دول الشمال، وبالتالي تعمل على تحقيق شراكة عالمية من أجل أمن الطاقة في القرن الحادي والعشرين خلال الربع الأول والثاني منه.
إذاً نصل إلى نتيجة مفادها أن البيئة الدولية تجعلنا نرجح المشهد الأول كواقع حال للعالم خلال الربع الأول من القرن الحادي والعشرين، لكن على مدى الربعين الثاني والثالث نجد أن المشهد الثالث سيكون مرجحاً خلال الفترة المفترضة. وبالتالي نصل إلى أن أمن الطاقة سيرتكز بين المشهد الأول كتكتيك، والمشهد الثالث كاستراتيجية لأمن الطاقة العالمي.
::/fulltext::
::cck::3160::/cck::
