تأثيرات الأزمة المالية العالمية في أسواق النفط الدولية

::cck::3161::/cck::
::introtext::

شهد التاريخ الاقتصادي ومنذ ثلاثة قرون خلت العديد من الأزمات المالية والاقتصادية. ولعل من أبرزها في القرن التاسع عشر أزمة بنك (بيرينجر) عام 1890 وأزمة أسعار الصرف في عامي (1894-1896) في الولايات المتحدة الأمريكية. أما في القرن العشرين فقد حدثت العديد من الأزمات المالية، من أهمها أزمة الكساد الكبير التي حدثت خلال الفترة (1929-1933)، وأزمة الجنيه الإسترليني في الستينات والأزمة المالية الآسيوية في عام 1997. فيما أضحت الأزمة المالية العالمية التي حدثت في سبتمبر 2008 أضخم وأعنف أزمة مالية واقتصادية عصفت بالاقتصاد الأمريكي ومن ثم العالمي في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. 

::/introtext::
::fulltext::

شهد التاريخ الاقتصادي ومنذ ثلاثة قرون خلت العديد من الأزمات المالية والاقتصادية. ولعل من أبرزها في القرن التاسع عشر أزمة بنك (بيرينجر) عام 1890 وأزمة أسعار الصرف في عامي (1894-1896) في الولايات المتحدة الأمريكية. أما في القرن العشرين فقد حدثت العديد من الأزمات المالية، من أهمها أزمة الكساد الكبير التي حدثت خلال الفترة (1929-1933)، وأزمة الجنيه الإسترليني في الستينات والأزمة المالية الآسيوية في عام 1997. فيما أضحت الأزمة المالية العالمية التي حدثت في سبتمبر 2008 أضخم وأعنف أزمة مالية واقتصادية عصفت بالاقتصاد الأمريكي ومن ثم العالمي في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين.

كان لهذه الأزمات تكاليف مالية واقتصادية جسيمة على الاقتصاد العالمي في قطاعاته الاقتصادية كافة، وبخاصة على أسواق الطاقة التي يتصدرها النفط منذ ظهوره كسلعة اقتصادية دولية في عام 1860 وحتى الوقت الحاضر. واقتضت الضرورة في العديد من الأزمات تقديم الدول والمؤسسات المالية الدولية مساعدات مالية للمتضررين لتخفيف جانب من تداعياتها، ومحاولة الحد من انتشارها واحتواء آثارها السلبية.

الأزمة المالية العالمية

تُعّرف الأزمة المالية، وفقاً للنظرية الاقتصادية، بكونها الانخفاض المفاجئ في أسعار نوع أو أكثر من الأصول. والأصول إما رأسمال مادي يُستخدم في العملية الإنتاجية كالآلات والمعدات والأبنية، أو أصول مالية، وهي حقوق ملكية رأس المال المادي أو المخزون السلعي مثل الأسهم وحسابات الادخار، أو أنها حقوق ملكية للأصول المالية، وهذه تسمى مشتقات مالية، ومنها العقود المستقبلية للنفط أو العملات الأجنبية.

أما الأزمة المالية الأمريكية الحالية فقد كانت في الأصل فقاعة عقارية كبيرة انفجرت في الولايات المتحدة الأمريكية في أغسطس 2008 تمثلت في ظاهرة إفلاس بنك ليمان براذرز (Lehman Brothers) وهو رابع أكبر بنك في الولايات المتحدة الأمريكية. وسرعان ما تحّولت وبسرعة إلى أسوأ أزمة يمر بها الاقتصاد العالمي منذ أزمة الكساد الكبير في ثلاثينات القرن الماضي، وتسببت بحدوث سلسلة انهيارات متتالية ومتعاقبة في الأسواق المالية العالمية، بدأت في انهيار الأسواق المالية في الولايات المتحدة الأمريكية ومروراً بأسواق أوروبا وأخيراً بانهيار الأسواق المالية في آسيا. وقَد قَدّرت وكالة (بلومبيرغ) المالية التي تابعت أداء (89) سوقاً مالية حول العالم خسارة أسواق المال في الربع الأخير من عام 2008 فقط بنحو (30) تريليون دولار أمريكي (التريليون يساوي ألف مليار). بينما أشارت تقديرات بنك التنمية الآسيوي إلى أن خسارة العالم قاربت الـ (50) تريليون دولار أمريكي من الأصول المالية في عام 2008.

وإزاء هذه التداعيات المتعاقبة، وقف العالم ُمذهولاً حيال الأزمة المالية العالمية، وبخاصة أن الاقتصاد الأمريكي وهو أكبر اقتصاد في العالم أضحى مهدداً بالانزلاق إلى هاوية الكساد والإفلاس. لا سيما أن من هدد هو أعرق المؤسسات المالية الدولية وفي الولايات المتحدة الأمريكية ذاتها؟ مما أدى إلى العودة وبقوة إلى دور الدولة في الغرب والذي تعرض إلى إجراءات التحجيم في ظل تبني مبادئ العولمة والحرية الاقتصادية باعتبار أن الدولة (حارسة) لمكتسبات النظام الرأسمالي، وسرعان ما أضحت دولة (تدخلية)، وبخاصة بعد أن تدخلت وبقوة لوضع خطط الإنقاذ المالي في الولايات المتحدة الأمريكية، سواء أكان في عهد الرئيس السابق بوش الابن أم خلال إدارة الرئيس باراك أوباما، وكذلك الحال بالنسبة لعودة سلطات الدولة في الدول الرأسمالية كافة والتي تدخلت وبقوة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من المؤسسات المالية فيها وقد نجحت إلى حد ما في هذا المضمار.

تأثيرات الأزمة المالية

في خضم هذه التطورات التي عصفت بالاقتصاد العالمي تأثرت القطاعات الاقتصادية: الصناعية والزراعية والتجارية والخدمية وغيرها بالانعكاسات السلبية للأزمة المالية العالمية وعلى كافة الصعد المحلية والإقليمية والدولية، وبضمنها قطاع الطاقة ولكافة السلع المنضوية تحت لوائه والتي يتصدرها النفط الخام، كما يأتي:

* انهيار أسعار النفط: سبق أن أرتفعت أسعار النفط الخام في الأسواق الدولية في السنوات الثلاث التي سبقت الأزمة (2006 -2007 -2008) حتى وصل سعر النفط إلى (147) دولاراً للبرميل الواحد، وسرعان ما تجلى تأثير الأزمة المالية العالمية على أسواق النفط، إذ انهارت الأسعار بعد سبتمبر 2008 وبشكل حاد وسريع جداً حتى وصلت إلى (36) دولاراً للبرميل. وقد انعكس هذا التراجع الكبير في أسعار النفط باتجاهين: الأول إيجابي، وتمثل في تخفيف الأعباء المالية والاقتصادية على الدول المستوردة للنفط كونها ابتدأت بشراء النفط بأسعار رخيصة جداً، وربما كانت هذه السمة الإيجابية الوحيدة للأزمة المالية العالمية والتي استفادت منها الدول الرأسمالية المتقدمة. والاتجاه الثاني سلبي وتمثل في تكبد الدول النامية والدول المصدرة للنفط خسائر جسيمة جراء انهيار أسعار النفط وقد انعكس ذلك بظهور عجوزات مالية في موازين الدول المصدرة للنفط، ومنها على سبيل المثال تسجيل الموازنة السعودية لعام 2009 عجزاً مالياً قدره (65) مليار ريال، فيما سجلت الموازنة العراقية لعام 2010 عجزاً مالياً بلغ (20) مليار دولار. وانسحبت هذه الظاهرة السلبية على بقية الدول المصدرة للنفط وبضمنها دول مجلس التعاون الخليجي رغم معاودة أسعار النفط بالارتفاع التدريجي حتى استقرت ما بين (73-76) دولاراً للبرميل في الوقت الحاضر.

* انخفاض الطلب على النفط: يتسم الطلب على الطاقة في غالبية دول العالم بالاعتماد على النفط الخام، كمصدر رئيسي لتغطية احتياجاتها من الطاقة. وقبل الأزمة المالية العالمية تدرج الطلب على النفط حتى وصل في عام 2007 إلى (86) مليون برميل يومياً، فيما سجل الطلب العالمي انخفاضاً عقب وقوع الأزمة المالية العالمية قوامه بنحو مليون برميل يومياً رغم انخفاض أسعار النفط في عام 2009. وهو أكبر انخفاض على الطلب خلال السنوات الثلاثين الماضية. وفي حالة تعافي الاقتصاد العالمي وعودته إلى النمو خلال العام الحالي 2010 فإن الطلب على النفط سيبدأ في الارتفاع التدريجي.

* تراجع الاستثمارات النفطية: أدى انهيار أسعار النفط، وما أعقبها من انخفاض الموارد المالية المتأتية من النفط إلى تراجع الاستثمارات النفطية في كافة مراحل الصناعة النفطية، كالاستثمارات والإنتاج والنقل والتكرير والتوزيع، إلى جانب توقف بعض الاستثمارات في مصادر الطاقة المتجددة المساندة للنفط كالرياح والطاقة الشمسية والإيثانول وغيرها، حيث اضطرت الدول المنتجة والمصدرة للنفط والشركات الاستثمارية إلى إيقاف أو تأجيل العديد من المشاريع في هذه المراحل وفي العديد من دول العالم بسبب نقص الموارد المالية التي تتطلبها هذه العمليات، وبالتالي تضررت الدول النفطية والشركات الاستثمارية العاملة في القطاع النفطي في مختلف دول العالم.

* تراجع عمليات الاستكشافات النفطية: تُعتبر عمليات الاستكشافات النفطية من العمليات العلمية المعقدة والتي تتطلب إنفاقاً مالياً طائلاً. وقد بلغت هذه الطرق من التطور التكنولوجي مديات متقدمة جداً، ابتداء بالمسح الجيولوجي والسيزمي (الزلزالي) والمغناطيسي والكهربائي وصولاً إلى استخدام الحاسبات الآلية المتخصصة والأقمار الصناعية ومنها على سبيل المثال استخدام سلسلة (اللاندسات) الفضائية التي استخدمت صورها لاستكشاف خمسة حقول عربية هي: حقل الغوار السعودي وحقل البرقان الكويتي وحقل البازركان العراقي وحقل المسلة الليبي وحقل البرمة التونسي، لذلك فإن تراجع الموارد المالية النفطية عقب الأزمة المالية العالمية وبنسب وصلت إلى أكثر من (60 في المائة) في بعض الدول المصدرة للنفط أدى إلى توقف أو إعادة النظر في عمليات الاستكشاف والتطوير في العديد من مناطق العالم وخاصة في المناطق الصعبة ذات التكلفة العالية كالبحار العميقة والمناطق الجبلية.

* تناقص الإمدادات النفطية من الرمال النفطية: نتيجة لتطور التقنيات الحديثة في معالجة واستخلاص النفط الخام من الرمال النفطية (رمال القار) وخصوصاً في كندا التي تمتلك أكبر احتياطي نفطي في العالم من الرمال النفطية، وبعد تطبيق هذه التقنيات وبمستويات تجارية منذ سنوات عدة، حيث وصل إنتاجها إلى (1.2) مليون برميل يومياً منذ عام 2008 وكانت تقديرات منظمة أوبك أن يتطور الإنتاج من الرمال النفطية ليصل إلى (2.3) مليون برميل يومياً بحلول 2015م، إلا أن الانخفاض الحاد في أسعار النفط الذي حدث نتيجة للأزمة المالية العالمية وتراجع الطلب على النفط أدى إلى تراجع الاستثمارات في تطوير التقنيات الخاصة بمعالجة الرمال النفطية وخاصة أن هكذا مشاريع تحتاج إلى أسعار نفط مستقرة وبحدود (90) دولاراً للبرميل لتصبح ذات جدوى اقتصادية، مما أدى إلى انخفاض وتيرة النمو في مشاريع الرمال النفطية بصورة كبيرة وتأجيل القسم الآخر بانتظار تحسن أسعار النفط، رغم أن الطاقة الإنتاجية من الرمال النفطية ستستمر في المديين القريب والمتوسط، لكن ستكون أيضاً أقل بكثير مما كان متوقعاً قبل حدوث الأزمة المالية العالمية.

وفي ضوء ما تقدم، نستنتج الآتي:

تعتمد أسعار النفط في الأسواق الدولية في المدى المنظور على عوامل عدة، أهمها تطور ونمو الاقتصاد العالمي ودرجات تعافيه عقب الأزمة المالية العالمية إلى جانب حجم الطلب على النفط من قبل الدول المستهلكة. وأغلب مؤشراته تشير إلى نمو بطيء للطلب وخاصة من قبل الدول الرأسمالية. وتعتمد نسب نموه في المدى المنظور على الطلب المتزايد على النفط في الدول ذات الاقتصادات الناشئة كالصين والهند ودول شرق آسيا. وفي كل الحالات فإن الأسعار سوف لن تنخفض في معدلاتها السنوية إلى أكثر من (70) دولاراً للبرميل، وسوف تستمر بالارتفاع التدريجي بافتراض ثبات تأثير العوامل الأخرى كالأحداث السياسية والكوارث الطبيعية التي قد تؤدي إلى ارتفاعها الحاد في حالة حدوثها.

وأظهرت تداعيات الأزمة المالية العالمية مدى الاحتياج القوي لسلعة النفط الاستراتيجية والتي أضحت أسعارها مؤشراً عالمياً لقياس مديات التطور ونمو الاقتصاد ليس في البلدان النفطية فحسب، بل في دول العالم كافة. أي أصبحت أسعار النفط أحد أهم المقاييس التأشيرية التي يتم من خلالها قياس مديات تعافي الاقتصاد الدولي.

وأوضحت هذه الأزمة مدى هشاشة البنيان الاقتصادي العالمي الذي اعتمد على آليات العولمة الاقتصادية وقواعد منظمة التجارة العالمية التي ارتكزت على مبادئ حرية التجارة، وبالتالي كانت آثارها السلبية (عالمية) في أدواتها الاقتصادية والمالية، ليس لسلعة النفط، بل لكافة قطاعات الاقتصاد على المستوى الدولي.

وكشفت هذه الأزمة، ضعف الدولة الريعية، التي يعتمد اقتصادها على سلعة النفط في مواجهة المفاجآت التي قد تحدث في الاقتصاد العالمي، وانعكس ذلك جلياً في موازناتها وخططها التنموية التي اضطرت لإعادة النظر فيها عقب الأزمة، مما يتطلب التفكير الجدي بضرورة العمل على تنويع الموارد الاقتصادية الأخرى كالزراعة والصناعة، والسياحة، والخدمات وغيرها لمساندة القطاع النفطي لمواكبة مديات التطورالاقتصادي.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::3161::/cck::
::introtext::

شهد التاريخ الاقتصادي ومنذ ثلاثة قرون خلت العديد من الأزمات المالية والاقتصادية. ولعل من أبرزها في القرن التاسع عشر أزمة بنك (بيرينجر) عام 1890 وأزمة أسعار الصرف في عامي (1894-1896) في الولايات المتحدة الأمريكية. أما في القرن العشرين فقد حدثت العديد من الأزمات المالية، من أهمها أزمة الكساد الكبير التي حدثت خلال الفترة (1929-1933)، وأزمة الجنيه الإسترليني في الستينات والأزمة المالية الآسيوية في عام 1997. فيما أضحت الأزمة المالية العالمية التي حدثت في سبتمبر 2008 أضخم وأعنف أزمة مالية واقتصادية عصفت بالاقتصاد الأمريكي ومن ثم العالمي في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. 

::/introtext::
::fulltext::

شهد التاريخ الاقتصادي ومنذ ثلاثة قرون خلت العديد من الأزمات المالية والاقتصادية. ولعل من أبرزها في القرن التاسع عشر أزمة بنك (بيرينجر) عام 1890 وأزمة أسعار الصرف في عامي (1894-1896) في الولايات المتحدة الأمريكية. أما في القرن العشرين فقد حدثت العديد من الأزمات المالية، من أهمها أزمة الكساد الكبير التي حدثت خلال الفترة (1929-1933)، وأزمة الجنيه الإسترليني في الستينات والأزمة المالية الآسيوية في عام 1997. فيما أضحت الأزمة المالية العالمية التي حدثت في سبتمبر 2008 أضخم وأعنف أزمة مالية واقتصادية عصفت بالاقتصاد الأمريكي ومن ثم العالمي في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين.

كان لهذه الأزمات تكاليف مالية واقتصادية جسيمة على الاقتصاد العالمي في قطاعاته الاقتصادية كافة، وبخاصة على أسواق الطاقة التي يتصدرها النفط منذ ظهوره كسلعة اقتصادية دولية في عام 1860 وحتى الوقت الحاضر. واقتضت الضرورة في العديد من الأزمات تقديم الدول والمؤسسات المالية الدولية مساعدات مالية للمتضررين لتخفيف جانب من تداعياتها، ومحاولة الحد من انتشارها واحتواء آثارها السلبية.

الأزمة المالية العالمية

تُعّرف الأزمة المالية، وفقاً للنظرية الاقتصادية، بكونها الانخفاض المفاجئ في أسعار نوع أو أكثر من الأصول. والأصول إما رأسمال مادي يُستخدم في العملية الإنتاجية كالآلات والمعدات والأبنية، أو أصول مالية، وهي حقوق ملكية رأس المال المادي أو المخزون السلعي مثل الأسهم وحسابات الادخار، أو أنها حقوق ملكية للأصول المالية، وهذه تسمى مشتقات مالية، ومنها العقود المستقبلية للنفط أو العملات الأجنبية.

أما الأزمة المالية الأمريكية الحالية فقد كانت في الأصل فقاعة عقارية كبيرة انفجرت في الولايات المتحدة الأمريكية في أغسطس 2008 تمثلت في ظاهرة إفلاس بنك ليمان براذرز (Lehman Brothers) وهو رابع أكبر بنك في الولايات المتحدة الأمريكية. وسرعان ما تحّولت وبسرعة إلى أسوأ أزمة يمر بها الاقتصاد العالمي منذ أزمة الكساد الكبير في ثلاثينات القرن الماضي، وتسببت بحدوث سلسلة انهيارات متتالية ومتعاقبة في الأسواق المالية العالمية، بدأت في انهيار الأسواق المالية في الولايات المتحدة الأمريكية ومروراً بأسواق أوروبا وأخيراً بانهيار الأسواق المالية في آسيا. وقَد قَدّرت وكالة (بلومبيرغ) المالية التي تابعت أداء (89) سوقاً مالية حول العالم خسارة أسواق المال في الربع الأخير من عام 2008 فقط بنحو (30) تريليون دولار أمريكي (التريليون يساوي ألف مليار). بينما أشارت تقديرات بنك التنمية الآسيوي إلى أن خسارة العالم قاربت الـ (50) تريليون دولار أمريكي من الأصول المالية في عام 2008.

وإزاء هذه التداعيات المتعاقبة، وقف العالم ُمذهولاً حيال الأزمة المالية العالمية، وبخاصة أن الاقتصاد الأمريكي وهو أكبر اقتصاد في العالم أضحى مهدداً بالانزلاق إلى هاوية الكساد والإفلاس. لا سيما أن من هدد هو أعرق المؤسسات المالية الدولية وفي الولايات المتحدة الأمريكية ذاتها؟ مما أدى إلى العودة وبقوة إلى دور الدولة في الغرب والذي تعرض إلى إجراءات التحجيم في ظل تبني مبادئ العولمة والحرية الاقتصادية باعتبار أن الدولة (حارسة) لمكتسبات النظام الرأسمالي، وسرعان ما أضحت دولة (تدخلية)، وبخاصة بعد أن تدخلت وبقوة لوضع خطط الإنقاذ المالي في الولايات المتحدة الأمريكية، سواء أكان في عهد الرئيس السابق بوش الابن أم خلال إدارة الرئيس باراك أوباما، وكذلك الحال بالنسبة لعودة سلطات الدولة في الدول الرأسمالية كافة والتي تدخلت وبقوة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من المؤسسات المالية فيها وقد نجحت إلى حد ما في هذا المضمار.

تأثيرات الأزمة المالية

في خضم هذه التطورات التي عصفت بالاقتصاد العالمي تأثرت القطاعات الاقتصادية: الصناعية والزراعية والتجارية والخدمية وغيرها بالانعكاسات السلبية للأزمة المالية العالمية وعلى كافة الصعد المحلية والإقليمية والدولية، وبضمنها قطاع الطاقة ولكافة السلع المنضوية تحت لوائه والتي يتصدرها النفط الخام، كما يأتي:

* انهيار أسعار النفط: سبق أن أرتفعت أسعار النفط الخام في الأسواق الدولية في السنوات الثلاث التي سبقت الأزمة (2006 -2007 -2008) حتى وصل سعر النفط إلى (147) دولاراً للبرميل الواحد، وسرعان ما تجلى تأثير الأزمة المالية العالمية على أسواق النفط، إذ انهارت الأسعار بعد سبتمبر 2008 وبشكل حاد وسريع جداً حتى وصلت إلى (36) دولاراً للبرميل. وقد انعكس هذا التراجع الكبير في أسعار النفط باتجاهين: الأول إيجابي، وتمثل في تخفيف الأعباء المالية والاقتصادية على الدول المستوردة للنفط كونها ابتدأت بشراء النفط بأسعار رخيصة جداً، وربما كانت هذه السمة الإيجابية الوحيدة للأزمة المالية العالمية والتي استفادت منها الدول الرأسمالية المتقدمة. والاتجاه الثاني سلبي وتمثل في تكبد الدول النامية والدول المصدرة للنفط خسائر جسيمة جراء انهيار أسعار النفط وقد انعكس ذلك بظهور عجوزات مالية في موازين الدول المصدرة للنفط، ومنها على سبيل المثال تسجيل الموازنة السعودية لعام 2009 عجزاً مالياً قدره (65) مليار ريال، فيما سجلت الموازنة العراقية لعام 2010 عجزاً مالياً بلغ (20) مليار دولار. وانسحبت هذه الظاهرة السلبية على بقية الدول المصدرة للنفط وبضمنها دول مجلس التعاون الخليجي رغم معاودة أسعار النفط بالارتفاع التدريجي حتى استقرت ما بين (73-76) دولاراً للبرميل في الوقت الحاضر.

* انخفاض الطلب على النفط: يتسم الطلب على الطاقة في غالبية دول العالم بالاعتماد على النفط الخام، كمصدر رئيسي لتغطية احتياجاتها من الطاقة. وقبل الأزمة المالية العالمية تدرج الطلب على النفط حتى وصل في عام 2007 إلى (86) مليون برميل يومياً، فيما سجل الطلب العالمي انخفاضاً عقب وقوع الأزمة المالية العالمية قوامه بنحو مليون برميل يومياً رغم انخفاض أسعار النفط في عام 2009. وهو أكبر انخفاض على الطلب خلال السنوات الثلاثين الماضية. وفي حالة تعافي الاقتصاد العالمي وعودته إلى النمو خلال العام الحالي 2010 فإن الطلب على النفط سيبدأ في الارتفاع التدريجي.

* تراجع الاستثمارات النفطية: أدى انهيار أسعار النفط، وما أعقبها من انخفاض الموارد المالية المتأتية من النفط إلى تراجع الاستثمارات النفطية في كافة مراحل الصناعة النفطية، كالاستثمارات والإنتاج والنقل والتكرير والتوزيع، إلى جانب توقف بعض الاستثمارات في مصادر الطاقة المتجددة المساندة للنفط كالرياح والطاقة الشمسية والإيثانول وغيرها، حيث اضطرت الدول المنتجة والمصدرة للنفط والشركات الاستثمارية إلى إيقاف أو تأجيل العديد من المشاريع في هذه المراحل وفي العديد من دول العالم بسبب نقص الموارد المالية التي تتطلبها هذه العمليات، وبالتالي تضررت الدول النفطية والشركات الاستثمارية العاملة في القطاع النفطي في مختلف دول العالم.

* تراجع عمليات الاستكشافات النفطية: تُعتبر عمليات الاستكشافات النفطية من العمليات العلمية المعقدة والتي تتطلب إنفاقاً مالياً طائلاً. وقد بلغت هذه الطرق من التطور التكنولوجي مديات متقدمة جداً، ابتداء بالمسح الجيولوجي والسيزمي (الزلزالي) والمغناطيسي والكهربائي وصولاً إلى استخدام الحاسبات الآلية المتخصصة والأقمار الصناعية ومنها على سبيل المثال استخدام سلسلة (اللاندسات) الفضائية التي استخدمت صورها لاستكشاف خمسة حقول عربية هي: حقل الغوار السعودي وحقل البرقان الكويتي وحقل البازركان العراقي وحقل المسلة الليبي وحقل البرمة التونسي، لذلك فإن تراجع الموارد المالية النفطية عقب الأزمة المالية العالمية وبنسب وصلت إلى أكثر من (60 في المائة) في بعض الدول المصدرة للنفط أدى إلى توقف أو إعادة النظر في عمليات الاستكشاف والتطوير في العديد من مناطق العالم وخاصة في المناطق الصعبة ذات التكلفة العالية كالبحار العميقة والمناطق الجبلية.

* تناقص الإمدادات النفطية من الرمال النفطية: نتيجة لتطور التقنيات الحديثة في معالجة واستخلاص النفط الخام من الرمال النفطية (رمال القار) وخصوصاً في كندا التي تمتلك أكبر احتياطي نفطي في العالم من الرمال النفطية، وبعد تطبيق هذه التقنيات وبمستويات تجارية منذ سنوات عدة، حيث وصل إنتاجها إلى (1.2) مليون برميل يومياً منذ عام 2008 وكانت تقديرات منظمة أوبك أن يتطور الإنتاج من الرمال النفطية ليصل إلى (2.3) مليون برميل يومياً بحلول 2015م، إلا أن الانخفاض الحاد في أسعار النفط الذي حدث نتيجة للأزمة المالية العالمية وتراجع الطلب على النفط أدى إلى تراجع الاستثمارات في تطوير التقنيات الخاصة بمعالجة الرمال النفطية وخاصة أن هكذا مشاريع تحتاج إلى أسعار نفط مستقرة وبحدود (90) دولاراً للبرميل لتصبح ذات جدوى اقتصادية، مما أدى إلى انخفاض وتيرة النمو في مشاريع الرمال النفطية بصورة كبيرة وتأجيل القسم الآخر بانتظار تحسن أسعار النفط، رغم أن الطاقة الإنتاجية من الرمال النفطية ستستمر في المديين القريب والمتوسط، لكن ستكون أيضاً أقل بكثير مما كان متوقعاً قبل حدوث الأزمة المالية العالمية.

وفي ضوء ما تقدم، نستنتج الآتي:

تعتمد أسعار النفط في الأسواق الدولية في المدى المنظور على عوامل عدة، أهمها تطور ونمو الاقتصاد العالمي ودرجات تعافيه عقب الأزمة المالية العالمية إلى جانب حجم الطلب على النفط من قبل الدول المستهلكة. وأغلب مؤشراته تشير إلى نمو بطيء للطلب وخاصة من قبل الدول الرأسمالية. وتعتمد نسب نموه في المدى المنظور على الطلب المتزايد على النفط في الدول ذات الاقتصادات الناشئة كالصين والهند ودول شرق آسيا. وفي كل الحالات فإن الأسعار سوف لن تنخفض في معدلاتها السنوية إلى أكثر من (70) دولاراً للبرميل، وسوف تستمر بالارتفاع التدريجي بافتراض ثبات تأثير العوامل الأخرى كالأحداث السياسية والكوارث الطبيعية التي قد تؤدي إلى ارتفاعها الحاد في حالة حدوثها.

وأظهرت تداعيات الأزمة المالية العالمية مدى الاحتياج القوي لسلعة النفط الاستراتيجية والتي أضحت أسعارها مؤشراً عالمياً لقياس مديات التطور ونمو الاقتصاد ليس في البلدان النفطية فحسب، بل في دول العالم كافة. أي أصبحت أسعار النفط أحد أهم المقاييس التأشيرية التي يتم من خلالها قياس مديات تعافي الاقتصاد الدولي.

وأوضحت هذه الأزمة مدى هشاشة البنيان الاقتصادي العالمي الذي اعتمد على آليات العولمة الاقتصادية وقواعد منظمة التجارة العالمية التي ارتكزت على مبادئ حرية التجارة، وبالتالي كانت آثارها السلبية (عالمية) في أدواتها الاقتصادية والمالية، ليس لسلعة النفط، بل لكافة قطاعات الاقتصاد على المستوى الدولي.

وكشفت هذه الأزمة، ضعف الدولة الريعية، التي يعتمد اقتصادها على سلعة النفط في مواجهة المفاجآت التي قد تحدث في الاقتصاد العالمي، وانعكس ذلك جلياً في موازناتها وخططها التنموية التي اضطرت لإعادة النظر فيها عقب الأزمة، مما يتطلب التفكير الجدي بضرورة العمل على تنويع الموارد الاقتصادية الأخرى كالزراعة والصناعة، والسياحة، والخدمات وغيرها لمساندة القطاع النفطي لمواكبة مديات التطورالاقتصادي.

::/fulltext::
::cck::3161::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *